الآية 20
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد﴾ (آل عمران: 20)
(1) قوله تعالى: (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّه). هذا تربية للمسلمين على عدم التمادي في الجدال والمحاجة، بل استعمال الجدال ضمن إطار الحاجة إلى تبيان الحق، فإذا بيّن المسلم الحق لخصومه من خلال الجدال والمناظرة والمحاجة وجب عليه التوقف عند ذلك الحد، وتقرير إيمانه بما بيّنه، وعدم التمادي في الجدال لأنّ ذلك التمادي لا فائدة منه ولا حاجة له به.
(2) قوله تعالى: (أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّه). خصّ الوجه بالإسلام لأنه أشرف الأعضاء وأكرمها عند الإنسان، وإسلام الوجه لله كناية عن إسلام الذات لله، والتعبير بإسلام الوجه له مدلول تربوي وهو أنّ الإسلام ليس مجرد القول باللسان أو الاعتقاد بالقلب، وإنما هو استسلام كامل لله وطاعة تامة لله وعبودية مطلقة لا تشوبها شائبة.
(3) قوله تعالى: (وَمَنِ اتَّبَعَن). ولم يقل: ومن صدّق معي، لأنّ الاتباع ليس مجرد التصديق، وإنما هو طاعة عن بينة، وعبودية عن قناعة، ومنهج الاتباع هو منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم، وها هو القرآن يصفهم به فيقول عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَمَنِ اتَّبَعَن)، والاتباع يحمل ثلاثة معاني: (الأول) نبذ التقليد، لأنّ الاتباع هو الطاعة مع الدليل، والتقليد طاعة من دون دليل. (والثاني) نبذ الآثار الضعيفة والموضوعة، لأنّ الآثار الضعيفة والموضوعة لا ترقى إلى مستوى الدليل، ومن يأخذ بالآثار الضعيفة والموضوعة هو مقلّد وليس بمتبع. (والثالث) نبذ البدع، لأنّ البدع لا دليل عليها ولا مشروعية فيها، وهي ضد الاتباع، ومن هنا كان الصحابة يقولون ومنهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه: «إنما أنا متبع ولست بمبتدع» (رواه الدارمي عن عمر بن عبد العزيز)، وكانوا يقولون «اتبعوا ولا تبتدعوا» (رواه أبو داود عن معاذ بن جبل)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» (البخاري).
(4) قوله تعالى: (أَأَسْلَمْتُم). ولم يقل: أسلموا، مع أنّ المراد منه ذلك، لأنّ الأول استفهام تقريري والثاني استفهام من دون تقرير، والاستفهام التقريري أبلغ أثرا من الناحية التربوية من التقرير العادي، ويستعمل الاستفهام التقريري في الحالات التي يظن فيها التقاعس من الطرف الآخر كقوله تعالى: (فهل أنتم منتهون) (المائدة: 91)، ففيه إشارة إلى التقاعس عن الانتهاء والحرص على تعاطي المنهي عنه.