التفسير التربويالجزء 1 · ص 286 - 293

الآية 20

الآية 20

قوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد﴾ (آل عمران: 20)

(1) قوله تعالى: (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّه). هذا تربية للمسلمين على عدم التمادي في الجدال والمحاجة، بل استعمال الجدال ضمن إطار الحاجة إلى تبيان الحق، فإذا بيّن المسلم الحق لخصومه من خلال الجدال والمناظرة والمحاجة وجب عليه التوقف عند ذلك الحد، وتقرير إيمانه بما بيّنه، وعدم التمادي في الجدال لأنّ ذلك التمادي لا فائدة منه ولا حاجة له به.

(2) قوله تعالى: (أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّه). خصّ الوجه بالإسلام لأنه أشرف الأعضاء وأكرمها عند الإنسان، وإسلام الوجه لله كناية عن إسلام الذات لله، والتعبير بإسلام الوجه له مدلول تربوي وهو أنّ الإسلام ليس مجرد القول باللسان أو الاعتقاد بالقلب، وإنما هو استسلام كامل لله وطاعة تامة لله وعبودية مطلقة لا تشوبها شائبة.

(3) قوله تعالى: (وَمَنِ اتَّبَعَن). ولم يقل: ومن صدّق معي، لأنّ الاتباع ليس مجرد التصديق، وإنما هو طاعة عن بينة، وعبودية عن قناعة، ومنهج الاتباع هو منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم، وها هو القرآن يصفهم به فيقول عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَمَنِ اتَّبَعَن)، والاتباع يحمل ثلاثة معاني: (الأول) نبذ التقليد، لأنّ الاتباع هو الطاعة مع الدليل، والتقليد طاعة من دون دليل. (والثاني) نبذ الآثار الضعيفة والموضوعة، لأنّ الآثار الضعيفة والموضوعة لا ترقى إلى مستوى الدليل، ومن يأخذ بالآثار الضعيفة والموضوعة هو مقلّد وليس بمتبع. (والثالث) نبذ البدع، لأنّ البدع لا دليل عليها ولا مشروعية فيها، وهي ضد الاتباع، ومن هنا كان الصحابة يقولون ومنهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه: «إنما أنا متبع ولست بمبتدع» (رواه الدارمي عن عمر بن عبد العزيز)، وكانوا يقولون «اتبعوا ولا تبتدعوا» (رواه أبو داود عن معاذ بن جبل)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» (البخاري).

(4) قوله تعالى: (أَأَسْلَمْتُم). ولم يقل: أسلموا، مع أنّ المراد منه ذلك، لأنّ الأول استفهام تقريري والثاني استفهام من دون تقرير، والاستفهام التقريري أبلغ أثرا من الناحية التربوية من التقرير العادي، ويستعمل الاستفهام التقريري في الحالات التي يظن فيها التقاعس من الطرف الآخر كقوله تعالى: (فهل أنتم منتهون) (المائدة: 91)، ففيه إشارة إلى التقاعس عن الانتهاء والحرص على تعاطي المنهي عنه.

286

(5) قوله تعالى: (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغ). المدلول التربوي لهذا الكلام هو الحرص على تخفيف الصدمة النفسية التي قد تنشا من رفض الذين أوتوا الكتاب والأميين للإسلام، والتنبيه إلى احتمال الرفض قبل وقوعه يخفف من أثره النفسي في حال وقوعه، وهنا علم الله أنّ قسما من المخاطبين سوف يرفض الإسلام يعد دعوته إليه سواء من رسول الله صلى الله عليه وسلم أم من غيره، فقال لرسوله: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغ)، والمراد بذلك أمته أيضا، ومثل ذلك قوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفا) (الكهف: 6)، وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه ومن بعده من المؤمنين، وتعريف لهم بأنّ مهمتهم ليست هداية الناس وزرع الإيمان في قلوبهم، فذلك لله: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين) (القصص: 56)، وإنما مهمتهم البيان للآخرين بدعوتهم إلى الإسلام وإقامة الحجج وإظهار الأدلة على صحة ما يدعونهم إليه.

(6) قوله تعالى: (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد). يحمل معاني الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد معا، لأنّ التذكير بالرقابة الإلهية أرغب في الطاعة وأرهب من المعصية.

287

الآيات 21-22

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِين﴾ (آل عمران: 21-22)

(1) الأسلوب التربوي في هذه الآيات هو تعرية الشر وبيان صفاته. والشر هنا وإن كان في اليهود إلا أنّ المراد من تعريته هو تحذير المسلمين من أن يسلكوا طريقتهم أو أن يتصفوا بصفاتهم، والتحذير من أفعالهم لأنها قد تطال المسلمين، وهذا ما حصل حينما حاول اليهود قتل محمد صلى الله عليه وسلم مرتين، قبل غزوة بني النضير وقبل غزوة خيبر، وهذا ما حصل بعد الرسالة، إذ أن محاولات الكيد للمسلمين والحرب على الإسلام لم تتوقف منذ ذلك الزمان وإلى الآن. وقد وصفهم الله هنا بثلاث صفات شريرة: الكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء، وقتل الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر من أتباع الأنبياء، وقد ورد في تفسير هذه الآية حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: «قلت: يا رسول الله، أيّ الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: رجلٌ قتل نبيا أو رجلا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وقرأ هذه الآية ثم قال: يا أبا عبيدة، قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مئة رجل واثنا عشر رجلا من عبّاد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار في ذلك اليوم، فهم الذين ذكرهم الله تعالى» (الطبري).

(2) قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّه). فيه تربية للمسلمين على أنّ من كفر بآية من آيات الله كان حكمه وحكم من كفر بآيات الله كلها سواء، لأنّ الكفر بواحدة يستلزم الكفر بالجميع، وذلك أنّ بني إسرائيل لم يكونوا كافرين بكل آيات الله وإنما ببعضها، ومع ذلك وصفهم الله تعالى فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّه)، ويقال مثل ذلك في قوله تعالى: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّين). وقد دلت هذه الآية على أنّ الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر مع وجود الخوف على النفس من القتل يلي في منزلته منزلة الأنبياء، لأنّ الله قرنه هنا مع الأنبياء، وفي الحديث سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيّ الجهاد أفضل؟ قال: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» (الترمذي). كما دلت هذه الآيات على أنّ الراضي بالشيء كفاعله، فالراضي بالكفر كافر، والراضي بالمعصية عاص، والراضي بالبدعة مبتدع، وذلك أنّ اليهود المخاطبين بهذه الآية هم اليهود الموجودون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء لم يفعلوا هذه الأوصاف وإنما فعلها أسلافهم، ولكنهم لما كانوا راضين بما فعل أسلافهم متولين لهم وغير متبرئين من أفعالهم، فهم عند الله مثلهم، وهم كذلك عند المؤمنين.

(3) لما وصف الله اليهود في هذه الآيات بثلاث صفات سيئة ذكر وعيدهم من ثلاثة أوجه: قوله: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم)، وقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة)، وقوله: (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِين)، ففي الوعيد الأول اجتمعت عليهم أسباب الآلام والمكروهات، وفي الوعيد الثاني زالت عنهم أسباب المنافع الذاتية، وفي الوعيد الثالث زالت عنهم أسباب المنافع الغيرية.

288

الآيات 23-25

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُون﴾ (آل عمران: 23-25)

(1) قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُون). في هذه الآية ذم وتوبيخ لليهود الذين رفضوا تحكيم التوراة في بعض خلافاتهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم أنهم يعلنون الإيمان بالتوراة, وقد استخدم القرآن أسلوب التعجيب والتشهير (ألم تر) في تبيان هذا التناقض العجيب بين الإيمان بالتوراة ورفض تحكيمها, والمدلول التربوي لهذه الآية هو تحذير المسلمين من أن يكون موقفهم من القرآن كموقف اليهود من التوراة، إذ لا معنى لإيمان المسلم بالقرآن ثم رفضه التحاكم إليه في خصوماته مع الناس, فالمسلم لا يكون كذلك ما لم يستسلم لله بالتحاكم إلى شريعته في سائر شؤونه صغيرها وكبيرها.

(2) قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُون). هذه الآية تبين السبب الذي جعل اليهود لا يقبلون التحاكم إلى التوراة, إنه العقيدة الفاسدة التي يحملونها وهي أنهم لن يدخلوا النار إلا أياما معدودات, وأنهم أبناء الله وأحباؤه, وغير ذلك من المقولات التي سماها القرآن افتراءات, فدلّ ذلك على ضرورة تمحيص المعتقد الذي يحمله الإنسان لأنّ ذلك المعتقد قد يخدعه في دينه ويورده موارد الهلاك, وهذا كقوله تعالى: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِين) (فصلت: 23), وهذا الكلام عن اليهود ما هو إلا تحذير للمسلمين من مثله, لعلمه تعالى أنه سيكون بينهم من يسير في خط اليهود من حيث الافتراءات، وهذا ما حصل، ففريق من المسلمين يجزم بدخول الجنة ويقول: إنّ دخول النار وإن حصل فهو لمدة قليلة تطهيرا من المعاصي والآثام, وهذا الفريق ترك تحكيم كتاب الله في شؤون حياته، وترك فعل الطاعات، وربما انغمس في المعاصي، ومع ذلك يظن أنه ممتلك للجنة داخل إليها لا محالة بمجرد التلفظ بكلمة الشهادة, ويبدي تعجبه من أهل الأديان الأخرى: كيف سيحتملون النار؟!.

(3) قوله تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُون). تعجيب وترهيب من حال هؤلاء الذين أعرضوا عن كتاب الله وحكموا لأنفسهم بالجنة بمجرد الافتراء ورغم ذلك الإعراض, كيف سيكون حالهم يوم القيامة؟ وما هو موقفهم؟ وكيف سيفعلون؟ وكيف سيلقون الله وهم عليه مفترون وعن كتابه معرضون؟, ومن ثم تعرض هذه الآية القاعدة التي يجب أن يتربى عليها كل مسلم: قاعدة العمل والجزاء (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَت), ومعنى هذا الكلام: إنّ العمل الصالح أساس في دخول الجنة, وإنّ العمل بالمعاصي أساس في دخول النار، ولا قيمة للادعاءات والافتراءات والانتسابات والأقوال المجردة من الأعمال, فالله تعالى لا ينظر إلى صور الناس وأجسادهم، ولا إلى أحسابهم وأنسابهم, بل ينظر إلى قلوبهم وأعمالهم, وعلى أساس من النيات والأعمال يكون الحساب.

289

الآيات 26-27

قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب﴾ (آل عمران: 26-27)

في هذه الآيات تعليم من الله لعباده كيف يمجدونه, وكيف يعظمونه, وكيف يدعونه بأحب الألفاظ إليه, والدعاء هو العبادة الأولى في الإسلام, وهو وسيلة من وسائل تربية الشخصية المسلمة وبنائها, وللدعاء أهداف تربوية: ففيه تذكر للنفس بحاجتها إلى الله وفقرها إليه, وفيه تعبير عن العبودية لله, وهو سبيل إلى القوة الحقيقية المستمدة من الله, وفيه تهذيب للنفس وصقل لها, وفيه علاج للضعف البشري من خلال الصلة مع الله, والدعاء يورث الطمأنينة في القلب والسكينة في النفس، وكل هذه الآثار لا تنشأ ما لم يستحضر الداعي قلبه, ويتفكر فيما يقول، وإلا تحول الدعاء إلى طقوس ومراسم تؤدى بشكل روتيني ولا أثر لها في شخصية الإنسان.

290

الآيات 28-30

قوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَاد﴾ (آل عمران: 28-30)

(1) قوله تعالى: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاة). هذا تحذير من الله لعباده المؤمنين من موالاة الكافرين ونهي لهم عن ذلك, سواء كانت الموالاة موالاة عقيدة أم كانت موالاة نصرة أم كانت موالاة طاعة, وقد أعقب التحذير بالترهيب بعقوبة شديدة لمن يفعل ذلك وهي أنّ الله يتبرأ منه في الدنيا والآخرة (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْء), ثم استثنى التقية (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاة) وهي إظهار موالاة الكافرين وقاية وخوفا من شرور مؤكدة تحصل للمسلم إذا لم يظهر تلك الموالاة, قال أبو الدرداء رضي الله عنه: «إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم» (البخاري), ولكن هذه التقية ليست مطاطة يمطها الإنسان بالقدر الذي يريده ويهواه, فالتقية بالقول لا بالعمل, قال ابن عباس رضي الله عنه: «ليست التقية بالعمل, إنما التقية باللسان» (ابن كثير), وقال ابن عباس: «التقية الكلام باللسان, وقلبه مطمئن بالإيمان» (الطبري), وقال عكرمة: «ما لم يهرق دم مسلم, وما لم يستحل ماله» (الطبري), والتقية مشروعة إلى يوم القيامة, قال الحسن البصري: «التقية إلى يوم القيامة» (البخاري). واعلم أنّ التحذير من موالاة العقيدة لأنّ اعتقاد الكفر كفر والرضا بالكفر كفر, والله لا يرضى لعباده الكفر, وأما التحذير من موالاة النصرة والطاعة والركون إلى الكافرين فلأنّ الموالاة بهذا المعنى قد تجر صاحبها إلى طريقة الكافرين والرضا بدينهم وهذا يؤدي من حيث النتائج إلى الانتقال لمواقع الكفار ومعسكراتهم. واعلم أنّ عدم موالاة الكافرين عزيمة والأخذ بالتقية أخذ بالرخصة, والأفضل شرعا الأخذ بالعزيمة والصلابة في دين الله وعدم اللجوء إلى الرخصة إلا إذا اضطر المسلم لذلك, لأنّ الأخذ بالعزيمة فيه إعزاز لدين الله ونصرة لمنهجه وتعاليمه وله أثر كبير في نفوس الكافرين من حيث الدعوة إلى الله, وهذا الأثر يكون بأن يعلم الكافرون صحة الإسلام وصدق المسلمين في إسلامهم, ويقع في نفوسهم أنّ هذا الدين لو لم يكن حقا ما قبل أصحابه بالموت في سبيله. قال الحسن البصري: «أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال لأحدهما: أتشهد أنّ محمدا رسول الله؟ قال: نعم نعم نعم, قال: أفتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم , وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة, ومحمد رسول قريش, فتركه ودعا الآخر فقال: أتشهد أنّ محمدا رسول الله؟ قال: نعم, قال: أفتشهد أني رسول الله؟ فقال: إني أصم، ثلاثا, فقدمه فقتله, فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيئا له, وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه» (الرازي).

(2) قوله تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِير). وهذا من رحمته تعالى بالناس أن حذرهم عقاب نفسه, (وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِير) ترهيب آخر بالوعيد بالعقوبة يوم القيامة, يوم يصير الناس إلى الله رب العالمين.

291

(3) قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاة). للتقية أحكام تربوية يحسن ذكرها في هذا الموضع كي تكون بمثابة الضوابط لسلوك المسلم في هذه الحالة الاستثنائية وهي حالة التقية, قال الإمام الرازي في التفسير: ((اعلم أنّ للتقية أحكاما كثيرة ونحن نذكر بعضها: (الحكم الأول) إنّ التقية إنما تكون إذا كان الرجل في قوم كفار, ويخاف منهم على نفسه وماله فيداريهم باللسان, وذلك أن لا يظهر العداوة باللسان, بل يجوز أن يظهر أيضا الكلام الموهم للمحبة والموالاة, ولكن بشرط أن يضمر خلافه, وأن يعرّض في كل ما يقول, فإنّ التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب. (الحكم الثاني) هو أنه لو أفصح بالإيمان والحق حيث يجوز له التقية كان ذلك أفضل, ودليله ما ذكرناه في قصة مسيلمة. (الحكم الثالث) أنها إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة, وقد تجوز أيضا فيما يتعلق بإظهار الدين, فأما ما يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال والشهادة بالزور وقذف المحصنات وإطلاع الكفار على عورات المسلمين, فذلك غير جائز البتة. (الحكم الرابع) ظاهر الآية يدل أنّ التقية إنما تحل مع الكفار الغالبين، إلا أنّ مذهب الشافعي رحمه الله أنّ الحالة بين المسلمين إذا صارت مثل الحالة بين المسلمين والمشركين حلّت التقية محاماة عن النفس. (الحكم الخامس) التقية جائزة لصون النفس, وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله صلى الله عليه وسلم: «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من قتل دون مال فهو شهيد», ولأنّ الحاجة إلى المال شديدة, والماء إذا بيع بالغبن سقط فرض الوضوء وجاز الاقتصار على التيمم دفعا لذلك النقصان, فكيف لا يجوز هنا؟. (الحكم السادس) قال مجاهد: «هذا الحكم كان ثابتا في أول الإسلام لأجل ضعف المؤمنين فأما بعد قوة دولة الإسلام فلا يجوز», وروى عوف عن الحسن أنه قال: «التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة», وهذا القول أولى, لأنّ دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان)).

(4) قوله تعالى: (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْض). وهذا ترهيب من موالاة الكافرين سواء كان ذلك بالظاهر أم بالباطن, وذلك من خلال تذكير المؤمنين بعلم الله المطلق الذي لا يخفى عليه خافية ويستوي فيه الباطن والظاهر.

(5) قوله تعالى: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير). تحذير من الله للمؤمنين من موالاة الكافرين من خلال تذكيرهم بقدرة الله المطلقة, فلو شاء لعجّل العقوبة لمن يفعل ذلك ولو شاء لأخّر هذه العقوبة, قال ابن كثير في التفسير: «هذا تنبيه منه لعباده على خوفه وخشيته لئلا يرتكبوا ما نهى عنه وما يبغضه منهم, فإنه عالم بجميع أمورهم, وهو قادر على معاجلتهم بالعقوبة, وإن أنظر من أنظر منهم فإنه يمهل ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر».

292

(6) قوله تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيدا). تنبيه للمسلم إلى علاقته بعمله في الدنيا والآخرة, فعمل الخير قد لا يستلذه في الدنيا ولكنه يفرح بوجدانه يوم القيامة, وعمل السوء يستلذه في الدنيا ولكنه يكره لقاءه يوم القيامة.

(7) قوله تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَاد). قال الحسن البصري: «من رأفته بهم أن حذرهم نفسه» (ابن كثير), وهذا يدل على رحمة الله بالناس وعنايته بهم ورعايته لهم وذلك أنه حذرهم نفسه, وخوّفهم عقوبته, ونهاهم عن معاصيه, وأمرهم بطاعته. وفي هذه الآية جمع الله بين الوعد والوعيد, فقوله تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَه) وعيد وترهيب, وقوله تعالى: (وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَاد) وعد وترغيب, والمعنى أنه لما ذكر وعيد الفساق والكفار أعقبه بذكر وعد المؤمنين وأهل الطاعة.

293