الآيات 8-9
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَاد﴾ (آل عمران: 8-9)
(1) قوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا). وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يدعو: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، قلت: يا رسول الله، ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء؟ فقال: ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه» (أحمد). إنّ التربية الإسلامية تقوم على مبدأ طلب التثبيت على الهداية من الله بشكل دائم، وبالتالي الارتباط الدائم بين المؤمن وربه، والحاجة الدائمة للمؤمن إلى ربه، والرقابة الدائمة للمؤمن مع ربه، وإذا كان محمد صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم عن الزيغ يدعو بهذا الدعاء، فما أحوج المؤمنين، ولا أحد منهم معصوم عن الزيغ، إلى هذا الدعاء، وهذا الدعاء ليس كلاما يتلفظ به المؤمن بلسانه يشكل روتيني، وإنما هو حاجة متأصلة في القلب، وتنبه قلبي دائم إلى هذه الحاجة، ومن ثم يجيء اللفظ اللساني تعبيرا عن تلك الحاجة القلبية.
(2) قوله تعالى: (وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَة) بعد قوله: (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا). قال الإمام الرازي: «واعلم أنّ تطهير القلب عما لا ينبغي مقدم على تنويره بما ينبغي،فهؤلاء المؤمنين سألوا ربهم أولا أن لا يجعل قلوبهم مائلة إلى الباطل والعقائد الفاسدة، ثم إنهم أتبعوا ذلك بأن طلبوا من ربهم أن ينوّر قلوبهم بأنوار المعرفة، وأعضاءهم وجوارحهم بزينة الطاعة». قلت: قوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) يحمل معنى التصفية، وقوله تعالى: (وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَة) يحمل معنى التحلية، والتربية السليمة تقوم على هذين الركنين، التصفية: وهي تطهير القلب والجوارح مما لا ينبغي، والتحلية: وهي تنوير القلب والجوارح بما ينبغي.