التفسير التربويالجزء 1 · ص 277 - 285

الآيات 8-9

الآيات 8-9

قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَاد﴾ (آل عمران: 8-9)

(1) قوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا). وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يدعو: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، قلت: يا رسول الله، ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء؟ فقال: ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه» (أحمد). إنّ التربية الإسلامية تقوم على مبدأ طلب التثبيت على الهداية من الله بشكل دائم، وبالتالي الارتباط الدائم بين المؤمن وربه، والحاجة الدائمة للمؤمن إلى ربه، والرقابة الدائمة للمؤمن مع ربه، وإذا كان محمد صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم عن الزيغ يدعو بهذا الدعاء، فما أحوج المؤمنين، ولا أحد منهم معصوم عن الزيغ، إلى هذا الدعاء، وهذا الدعاء ليس كلاما يتلفظ به المؤمن بلسانه يشكل روتيني، وإنما هو حاجة متأصلة في القلب، وتنبه قلبي دائم إلى هذه الحاجة، ومن ثم يجيء اللفظ اللساني تعبيرا عن تلك الحاجة القلبية.

(2) قوله تعالى: (وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَة) بعد قوله: (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا). قال الإمام الرازي: «واعلم أنّ تطهير القلب عما لا ينبغي مقدم على تنويره بما ينبغي،فهؤلاء المؤمنين سألوا ربهم أولا أن لا يجعل قلوبهم مائلة إلى الباطل والعقائد الفاسدة، ثم إنهم أتبعوا ذلك بأن طلبوا من ربهم أن ينوّر قلوبهم بأنوار المعرفة، وأعضاءهم وجوارحهم بزينة الطاعة». قلت: قوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) يحمل معنى التصفية، وقوله تعالى: (وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَة) يحمل معنى التحلية، والتربية السليمة تقوم على هذين الركنين، التصفية: وهي تطهير القلب والجوارح مما لا ينبغي، والتحلية: وهي تنوير القلب والجوارح بما ينبغي.

277

الآيات 10-11

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَاب﴾ (آل عمران: 10-11)

لما ذكر الله تعالى في الآيات السابقة أحوال المؤمنين وأوصافهم وكان ذلك بمثابة الترغيب في سلوك سبيلهم، أتبعه هنا بذكر أحوال الكافرين وأوصافهم ومآلهم يوم القيامة فكان هذا الذكر بمثابة الترهيب من سلوك سبيلهم، وهذه عادة القرآن في إتباع الترغيب بالترهيب والعكس بالعكس.

(1) قوله تعالى: (لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّار). في هذه الآية ترهيب شديد من الكفر وذلك بجعل عقوبته أشد العقوبات وأكملها، وكمال العقوبة يكون بأمرين: (الأول) بزوال كل ما يمكن أن يكون منجيا منها، وهو المراد من قوله تعالى: (لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئا. (والثاني) وبحصول أشد أنواعها وحالاتها، وهو المراد من قوله تعالى: (وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّار).

(2) قوله تعالى: (فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِم). المراد منه الترغيب على الطاعة، وذلك من خلال التحذير من الذنوب والبيان بأنها سبب للاستئصال والهلاك في الدنيا قبل الآخرة، وهذه سنة الله في خلقه: الأخذ والاستئصال والهلاك بسبب الذنوب بأشكالها المختلفة خاصة عندما تشيع بين الناس ولا يوجد من ينهى عنها ويسعى لتغييرها.

278

الآيات 12-13

قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَار﴾ (آل عمران: 12-13)

(1) قال ابن عباس رضي الله عنه: «لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا يوم بدر فقدم المدينة، جمع يهود في سوق بني قينقاع، فقال: يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشا، فقالوا: يا محمد، لا تغرنك نفسك أنك قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تأت مثلنا، فأنزل الله هذه الآيات» (الطبري). ويستفاد من هذه الآيات مع سبب نزولها أنّ محمدا صلى الله عليه وسلم أراد استثمار نصر المؤمنين على قريش في بدر بإيقاع الرعب في نفوس الفريق الثاني من حيث الخصومة للمؤمنين وهو اليهود، فدعاهم إلى الإسلام مهددا لهم أن يصيبهم ما أصاب قريشا، فإن أسلموا حصل المقصود وإن لم يسلموا وقع الرعب في قلوبهم وحصلت لهم الهزيمة عند التقائهم بالمسلمين، وهذا ما حصل.

(2) قوله تعالى: (سَتُغْلَبُون). خطاب لليهود وإخبار لهم عما سيحصل في المستقبل، فلما حصل ذلك كان بمثابة الإعجاز لأنه إخبار عن غيب، ولهذا الإعجاز أثره التربوي في زرع الثقة في نفوس المؤمنين بكل ما ينزل في القرآن وبكل ما يقوله صلى الله عليه وسلم، وله أثره التربوي في ترغيب الكافرين بالإسلام بسبب ما يحصل في نفوسهم من أنّ هذا الكلام ليس قول بشر وإنما هو إخبار من عالم الغيب.

(3) قوله تعالى: (سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّم). ترهيب للكفار من خلال التربية بالعقوبة الدنيوية والأخروية، فقوله تعالى: (سَتُغْلَبُون) تربية بالعقوبة الدنيوية، وقوله تعالى: (وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّم) تربية بالعقوبة الأخروية.

(4) قوله تعالى: (وَبِئْسَ الْمِهَاد). قال مجاهد بن جبر رحمه الله: «بئسما مهدوا لأنفسهم» (الطبري)، فوصف الله جهنم بأنها مهاد للكافرين، أي: هم يمهدون لأنفسهم يوم القيامة، والمدلول التربوي لهذا التعبير هو تحذير الناس من أعمال الكفر والمعاصي لأنها تمهد لفاعلها مكانه يوم القيامة في جهنم، ويقال عكس ذلك في وصف الجنة فهي نعم المهاد، يمهد له المؤمن بالعمل الصالح بعد الإيمان بالله.

279

(5) قوله تعالى: (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ). الراجح في تفسير هذه الآية أنّ المسلمين كانوا يرون المشركين ضعفيهم، وأنّ المشركين كانوا يرون المسلمين ضعفيهم، وهذا كان في بداية الرؤية، وفي مرحلة ثانية قبل القتال حصل العكس، فصار المسلمون يرون المشركين قلة، وكذلك يرى المشركون المسلمين قلة، قال تعالى: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولا) (الأنفال: 44)، قال عبد الله بم مسعود رضي الله عنه: «هذا يوم بدر، قد نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا» (الطبري). قال الإمام ابن كثير في المدلول التربوي لهذه الرؤية: ((فعندما عاين كل من الفريقين الآخر، رأى المسلمون المشركين ضعفيهم ليتوكلوا ويتوجهوا ويطلبوا الإعانة من الله عز وجلّ، ورأى المشركون المسلمين كذلك ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع، ثم لما حصل التصاف والتقى الفريقان قلل الله هؤلاء في أعين هؤلاء، وهؤلاء في أعين هؤلاء، ليقدم كل منهما على الآخر (لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولا) أي: ليفرق بين الحق والباطل، فيُظهر كلمة الإيمان على الكفر والطغيان، ويعز المؤمنين ويُذل الكافرين)).

(6) قوله تعالى: وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ. دلت هذه الآيات على أنّ الله ينصر المؤمنين بطريقة قد تخطر ببالهم وقد لا تخطر ببالهم، لأنّ المقصود عند المؤمنين هو نزول الملائكة لنصرة المؤمنين على الكافرين، ومن خلال هذه الأحداث في غزوة بدر نجد أنّ الله قد نصر المؤمنين بطريقة دقيقة وعجيبة ولا تخطر بالبال وهي الرؤية، فجعل المؤمنين يرون الكافرين ضعفيهم وجعل الكافرين يرون المؤمنين ضعفيهم، ثم في مرحلة ثانية جعل المؤمنين يرون الكافرين قلة وجعل الكافرين يرون المؤمنين قلة، فكان النصر للمؤمنين.

(7) قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَار). ولهذه الآيات مدلولات تربوية: (الأول) التربية بالأحداث، وهي وسيلة تربوية معهودة في القرآن، حيث يستثمر القرآن الأحداث التي تحصل للمؤمنين كوسيلة لتحقيق أهداف منشودة في التربية الإسلامية. (والثاني) إنّ الغاية من ذكر الأحداث في القرآن ليس التأريخ وإنما العبرة والموعظة منها. (والثالث) إنّ الذي يعتبر بذكر الأحداث ويتعظ منها هم أولو الأبصار العاقلة، وإنّ غيرهم لا يعتبر بالأحداث، وفي هذا ترغيب للسامعين بأن يكونوا من أولي الأبصار العاقلة والأنظار المدركة.

280

الآيات 14-15

قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد﴾ (آل عمران: 14-15)

(1) الشهوات ثلاثة وإن تفرعت وهي: النساء والبنين والمال، والمراد من هذه الآيات ليس تحريم هذه الشهوات وإنما توجيه المسلمين وتربيتهم على ضبط هذه الشهوات وتنظيمها واستعمالها بما يحقق للمسلم السعادة في الدنيا والآخرة، وعدم الانجراف في تيارها، ففي مجال النساء مثلا أحل الإسلام الزواج وحرّم الزنا، وفي مجال الأولاد رغب الإسلام في الذرية الصالحة التي تحقق الخير لنفسها ولأبويها وللناس من حولها وحذر من الذرية الضالة التي قد تكون سببا في ضلال والديها، وفي مجال المال أمر الإسلام بجمعه من حلال وإنفاقه في الطاعة وحذر من جمعه من حرام أو إنفاقه في المعصية. والمدلول التربوي للحديث عن الشهوات الدنيوية بعد الحديث عن اليهود هو ذم اليهود وتوبيخهم لأنهم استحبوا هذه الشهوات وآثروها على الآخرة فحجبتهم عن الإيمان برسالة الإسلام، وهذا الكفر منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد علمهم بنبوته وخاصة أنه مذكور عندهم في كتبهم كان سببه حبّ الشهوات: شهوة الرياسة، وشهوة الحسد، وشهوة المال.

(2) قوله تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاس). قيل: المزين هو الله، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما نزلت هذه الآية: «الآن يا رب حين زينتها لنا» (الطبري)، وقيل: المزين هو الشيطان، قال الحسن البصري رحمه الله: «من زينها؟ ما أحد أشد ذما لها من خالقها» (الطبري)، فعلى القول الأول يكون التزيين بمعنى الإيجاد والتهيئة للانتفاع وإنشاء الميل إلى هذه الأشياء في داخل الإنسان، وعلى القول الثاني يكون التزيين بمعنى الوسوسة والخديعة وتحسين أخذها من غير وجوه حلها، وهذا من الدقة التربوية والأدب التربوي مع الله، فلا ننسب إليه ما لا يليق به.

(3) قوله تعالى: (حُبُّ الشَّهَوَات). قلنا: إنّ في هذه الآيات تحذير من الانجراف في تيار الشهوات، وبهذا المعنى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حُفت الجنة بالمكاره، وحُفت النار بالشهوات» (مسلم)، فبيّن هذا الحديث أنّ الطريق إلى النار يكون بترك النفس على هواها في مجال الشهوات،كما إنّ الطريق إلى الجنة يكون بالطاعات، والنفس إذا تركت على سجيتها فإنها تكره الطاعات لما فيها من المشقة والتعب والعناء، ولذلك وجب ضبطها وحملها على الطاعات وإن كانت كارهة لذلك، قال الإمام القرطبي: ((وفائدة هذا التمثيل أنّ الجنة لا تنال إلا بقطع المفاوز والصبر عليها، وأنّ النار لا يُنجى منها إلا بترك الشهوات وفطام النفس عنها، وقد رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (طريق الجنة حَزَن بربوة، وطريق النار سهل بسهوة) (أحمد) أي: طريق الجنة صعب، المسلك فيه أعلى ما يكون من الروابي، وطريق النار سهل، لا غلظ فيه ولا وعورة)).

281

(4) قوله تعالى: (مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْث). قدم النساء على البنين وقدم البنين على المال وهذا الترتيب هو الذي تقرره النفس البشرية، أي: إنّ النساء أحب إلى الإنسان من البنين، والبنين أحب إلى الإنسان من المال، ومن هنا وجب التحذير من النساء أولا والبنين ثانيا والمال ثالثا، أي الأخطر فالأقل خطورة، قال الإمام القرطبي: «يقال: في النساء فتنتان، وفي الأولاد فتنة واحدة، فأما اللتان في النساء فإحداهما أن تؤدي إلى قطع الرحم لأنّ المرأة تأمر زوجها بقطع الأمهات والأخوات، والثانية يبتلى بجمع المال من الحلال والحرام، وأما البنون فإنّ الفتنة فيهم واحدة وهي ما ابتلي بجمع المال من أجلهم».

(5) قوله تعالى: (مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّة). قيل: الذهب مشتق من الذهاب والفضة مشتقة من الانفضاض، قلت: إذا صحّ هذا الاشتقاق لهذه المسميات ففيه تذكير بما يؤول إليه المال سواء كان ذهبا أم كان فضة، ومدلوله التربوي هو التزهيد فيهما.

(6) قوله تعالى: (ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا). فيه تزهيد من الله تعالى بالشهوات السابقة لأنّ المتاع ما يُتمتع به عادة ثم يذهب فلا يبقى، وقوله تعالى: وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ترغيب في الآخرة وما فيها من الخيرات، لأنّ معنى حسن المآب: حسن المرجع والمنقلب، قال القرطبي: «سئل سهل بن عبد الله: بم يسهل على العبد ترك الدنيا وكل الشهوات؟ قال: بتشاغله بما أمر».

(7) قوله تعالى: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّه). ترغيب في العمل للآخرة وذلك بعدم الانجراف في تيار الشهوات بل استعمالها بما يعين على الآخرة، كالزواج من أجل غض البصر وحفظ الفرج وإنجاب الذرية كي تكون صالحة فلا ينقطع أجر المسلم بدعوة أولاده الصالحين له، وجمع المال من الطريق الحلال وإنفاقه في طاعة الله، وزيادة في الترغيب عدد الله أنواع الخيرات في الآخرة التي أعدها لعباده المؤمنين، ولعل أشد الترغيبات في هذه الآية قوله تعالى: (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّه) أي: أن يرضى الله عن عباده، والمؤمن إذا تذكر أنّ رضا الله لا يكون إلا بالطاعة كان ذلك أرغب له في الطاعة.

(8) قوله تعالى: (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد). ترغيب في الطاعة والعمل الصالح وترهيب من المعصية والعمل الطالح، وتذكر المؤمن لهذه الرقابة الإلهية الدائمة أرغب له في الطاعة وأرهب له من المعصية.

282

الآيات 16-17

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَار﴾ (آل عمران: 16-17)

(1) قوله تعالى: (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّار). المدلول التربوي لهذه الآية هو تقديم العمل قبل الدعاء، وهذا من آداب الدعاء، فهؤلاء المتقون قدموا إيمانا ثم طلبوا من الله المغفرة والوقاية من النار، لأنّ الإيمان عقيدة وعمل، فما بال الناس اليوم يدعون ولا يعملون؟! وكيف يستجاب لهم؟!.

(2) قوله تعالى: (الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَار). وصف الله المتقين هنا بخمس صفات، ولكل صفة من هذه الصفات مدلولها التربوي: (أولا) فالصبر جهاد للنفس وقمع لها عن المعاصي وحمل لها على الطاعات، وهو زاد المؤمن في رحلته الطويلة مع الإيمان والحياة، وفيه استسلام لله وقبول بقضائه وقدره. (ثانيا) والصدق دليل على صحة الإيمان وكماله، وترفع عن الضعف لأنّ الكذب ضعف بشري. (ثالثا) والقنوت تحقيق لكرامة النفس البشرية وحريتها بالعبودية والطاعة لله، وفي القنوت خشوع وسكون وتهذيب للنفس البشرية المتمردة وتطويع لها. (رابعا) والإنفاق تحرر من عبودية الشح والبخل والحرص، وترضية للمحتاج، وبناء للمحبة والألفة بين المؤمنين، وتكافل اجتماعي لا نظير له في غير الإسلام. (خامسا) والاستغفار بالأسحار صفاء للروح وكمال للعبودية، وتمازج مع الكون والحياة في أروع صوره وحالاته، وزاد روحي لمعركة الحياة التي تبدأ مع طلوع الفجر. فهل حاولت ــ أخي المسلم ــ أن تتصف بهذه الصفات كي تنال جزاءها؟ أم أنك تنتظر الجزاء من غير عمل؟.

(3) قوله تعالى: (الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِين). ولم يقل: الذين يصبرون والذين يصدقون والذين يقنتون، فدلّ هذا على أنهم اتصفوا بهذه الصفات حتى صارت جزءا منهم، فهم يفعلونها دائما ولا يفعلونها أحيانا، وما أصعب ذلك، فمن السهل أن يصدق الإنسان مرة أو مرات ولكنه من الصعب أن يصدق دائما حتى يصبح مع الصادقين.

(4) قوله تعالى: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَار). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مخبرا عن قول يعقوب عليه السلام لبنيه: (سوف أستغفر لكم ربي) (يوسف: 99) قال: «إنه أخر ذلك إلى السحر» (الترمذي)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ينزل الله تبارك وتعالى في كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟» (البخاري). وخصّ السحر بالاستغفار لأنه مظان القبول ووقت إجابة الدعاء، ولكن ما هو الأثر التربوي لنزول هذه الآيات على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. الجواب: لم يقف صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند حدود الاطلاع والثقافة بل تحولت هذه المسألة إلى عمل دائم في حياتهم، ولنأخذ لذلك مثالين: (الأول) عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: فعن إبراهيم بن حاطب عن أبيه قال: «سمعت رجلا في السحر وهو يقول: رب أمرتني فأطعتك، وهذا سحَر فاغفر لي، فنظرت فإذا ابن مسعود» (الطبري). (والثاني) عبد الله بن عمر رضي الله عنه: قال نافع: «إنّ ابن عمر كان يحيي الليل صلاة، ثم يقول: يا نافع، أسحرنا؟ فأقول: لا، فيعاود الصلاة، فإذا قلت: نعم، قعد يستغفر ويدعو حتى يصبح» (الطبري).

283

الآيات 18-19

قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَاب﴾ (آل عمران: 18-19)

(1) قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُو). هذه أعظم شهادة في كتاب الله، فاغتنم الفرصة ــ أخي المسلم ــ واشهد هذه الشهادة واتركها وديعة عند الله ، فإنّ في ذلك أجرا كبيرا، روى غالب القطان قال: ((أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريبا من الأعمش، فكنت أختلف إليه، فلما كان ليلة أن أردت أن أنحدر إلى البصرة، قام فتهجد من الليل فقرأ بهذه الآية (شهد الله) إلى قوله (إنّ الدين عند الله الإسلام)، قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد به الله، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة، (إنّ الدين عند الله الإسلام) قالها مرارا، فغدوت إليه وودعته وقلت: إني سمعتك تقرأ هذه الآية فما بلغك فيها؟ أنا عندك منذ شهر لم تحدثني به، قال: والله لا حدثتك به سنة، قال: فأقمت وكتبت على بابه ذلك اليوم حتى مضت السنة، قلت: يا أبا محمد، قد مضت السنة، قال: حدثني أبو وائل عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يُجاء يصاحبها يوم القيامة فيقول الله تعالى: هبدي عهد إليّ وأنا أحق من وفى، أدخلوا عبدي الجنة)) (الطبراني في الكبير).

(2) قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْم). قرن الله العلماء مع نفسه ومع الملائكة فدلّ ذلك على شرف العلماء وفضل منزلتهم وعلو مرتبتهم عند الله، وهذا ترغيب في طلب العلم، وقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: (وقل رب زدني علما) (طه: 114)، فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله نبيه أن يستزيده منه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العلماء ورثة الأنبياء» (الديلمي)، وذلك أنّ الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا وإنما ورثوا علما، وهذا ما لم يتواضع العلماء لأهل الدنيا كأهل المال والجاه والسلطان.

(3) قوله تعالى: (لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم). كرر الشهادة لسببين: (الأول) للتربية والتعليم، ومعنى ذلك: قولوا لا إله إلا هو العزيز الحكيم، قال الزبير بن العوام رضي الله عنه: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ثم قال: وأنا على ذلك من الشاهدين» (أحمد)، وقال جعفر الصادق رحمه الله: «الأولى وصف وتوحيد، والثانية رسم وتعليم، يعني: قولوا لا إله إلا هو العزيز الحكيم» (الطبري). (والثاني) للتربية والتعويد، ومعنى ذلك: كرروا هذه الكلمة وقولوها في أكثر أوقاتكم واشتغلوا بها، فالغرض هنا حث المسلمين على تكريرها حتى يصبح ذلك عادة عندهم.

284

(4) قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلام). ليس المراد من الإسلام مجرد كلمة تقال باللسان أو ادعاء ليس له أساس من عمل أو تصور يحمله الإنسان في قلبه أو عبادات تقام، إنّ الإسلام هو الاستسلام لله تعالى، أي: الطاعة والعبودية المطلقة لله في كل قول وفي كل عمل وفي كل مكان وفي كل حين، حتى يصبح ذلك دينا للإنسان لا يدين إلا بغيره في صغيرة ولا كبيرة، ومعنى ذلك تحكيم كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم في كل صغيرة وكبيرة وفي كل شأن من شؤون الحياة، وبهذا المعنى يكون الإسلام دينا: (إنّ الدين عند الله الإسلام)، وبغير ذلك لا يكون دينا بل كلمة تقال ولا دليل عليها من عمل.

(5) قوله تعالى: (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُم). قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: «بغيا على الدنيا، وطاب ملكها وسلطانها، من قبلها والله أتينا، ما كان علينا من يكون علينا بعد أن يأخذ كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؟ ولكن أتينا من قبلها» (الطبري)، وقال ابن كثير: «أي: بغى بعضهم على بعض فاختلفوا في الحق بتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بغض الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله وإن كانت حقا». قلت: هذا التفسير للفرقة هو الصحيح إن شاء الله، فالبغي بأشكاله كبغي الرياسة وبغي الحسد وبغي الطمع والحرص هو السبب في الفرقة بين المسلمين، وكذلك بين غيرهم من أهل الأديان وأهل الدنيا، والاختلاف في المعتقدات والأقوال والأفعال هو نتيجة لهذه الفرقة، والعكس ليس صحيحا كما يدعي الفرقاء المختلفون حيث يجعلون السبب نتيجة والنتيجة سببا، فيقولون الاختلاف في الآراء أدى إلى الفرقة، والحقيقة هي العكس، أي: البغي يؤدي إلى الفرقة والفرقة تؤدي إلى الاختلاف في الآراء، ومن هنا فإنّ الإصلاح وإزالة الفرقة لا يبدأ بحل الخلافات في الآراء، وإنما يبدأ بمكافحة البغي بكافة أشكاله عن طريق التربية الإسلامية التي تمحو البغي بأشكاله من النفوس، وتنظف الباطن منه، لأنّ بغي الرياسة والحسد وبغي الحرص والطمع وبغي الكبر والتعالي تجد مكانها في نفوس لم تخلص لله، ولم يصفوا من الدنيا وأدرانها.

285