التفسير التربوي لسورة الحشر
قال القرطبي في التفسير: ((سورة الحشر: مدنية في قول الجميع. وهي أربع وعشرون آية. روى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ سورة الحشر لم يبق شيء من الجنة والنار والعرش والكرسي والسماوات والأرض والهوام والريح والسحاب والطير والدواب والشجر والجبال والشمس والقمر والملائكة إلا صلوا عليه واستغفروا له، فإن مات من يومه أو ليلته مات شهيدا). خرجه الثعلبي. وخرج الثعالبي عن يزيد الرقاشي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ آخر سورة الحشر: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل، إلى آخرها، فمات من ليلته مات شهيدا). وروى الترمذي عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات في يومه مات شهيدا، ومن قرأها حين يمسي فكذلك). قال الترمذي: حديث حسن غريب)).
وقال البقاعي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: ((لما ختمت المجادلة بأنه معز أهل طاعته، ومذل أهل معصيته ومحادته، علله بتنزهه عن النقائص تأييدا للوعد بنصرهم فقال: (سبح لله). وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لا خفاء باتصال آي هذه السورة بما تأخر من آي سورة المجادلة، ألا ترى أن قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم) إنما يراد به يهود، فذكر سبحانه سوء سريرتهم وعظيم جرأتهم، فلما أشارت هذه الآيات إلى ما ذكر أتبعت بالإعلام في أول سورة الحشر بما عجل لهم من هوانهم وإخراجهم من ديارهم وأموالهم وتمكين المسلمين منهم: (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب)).
وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «نزلت هذه السورة في حادث بني النضير، حي من أحياء اليهود، في السنة الرابعة من الهجرة، تصف كيف وقع؟ ولماذا وقع؟ وما كان في أعقابه من تنظيمات في الجماعة الإسلامية، ترويها بطريقة القرآن الخاصة، وتعقب على الأحداث والتنظيمات بطريقة القرآن كذلك في تربية تلك الجماعة تربية حية بالأحداث والتوجيهات والتعقيبات. وقبل أن نستعرض النصوص القرآنية في السورة، نعرض شيئا مما ذكرته الروايات عن ذلك الحادث الذي نزلت السورة بشأنه، لنرى ميزة العرض القرآني، وبعد آماده وراء الأحداث التي تتنزل بشأنها النصوص، فتفي بمقتضيات الأحداث، وتمتد وراءها وحولها في مجالات أوسع وأشمل من مقتضيات تلك الأحداث المحدودة بالزمان والمكان ... فهذا هو الحادث الذي نزلت فيه هذه السورة، وتعلقت به نصوصها، بما في ذلك خاتمة السورة التي يتوجه فيها الخطاب للذين آمنوا ممن شهدوا هذا الحادث وممن يعرفونه بعد ذلك، على طريقة القرآن في تربية النفوس بالأحداث وبالتعقيب عليها، وربطها بالحقائق الكلية الكبيرة. ثم الإيقاع الأخير في السورة بذكر صفات الله الذي يدعو الذين آمنوا ويخاطبهم بهذا القرآن، وهي صفات ذات فاعلية وأثر في هذا الكون، وعلى أساس تصور حقيقتها يقوم الإيمان الواعي المدرك البصير. وتبدأ السورة وتختتم بتسبيح الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم، فيتناسق البدء والختام مع موضوع السورة، ومع دعوة المؤمنين للتقوى والخشوع والتفكر في تدبير الله الحكيم».