التفسير التربويالجزء 1 · ص 2919 - 2926

التفسير التربوي لسورة الحشر

التفسير التربوي لسورة الحشر

قال القرطبي في التفسير: ((سورة الحشر: مدنية في قول الجميع. وهي أربع وعشرون آية. روى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ سورة الحشر لم يبق شيء من الجنة والنار والعرش والكرسي والسماوات والأرض والهوام والريح والسحاب والطير والدواب والشجر والجبال والشمس والقمر والملائكة إلا صلوا عليه واستغفروا له، فإن مات من يومه أو ليلته مات شهيدا). خرجه الثعلبي. وخرج الثعالبي عن يزيد الرقاشي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ آخر سورة الحشر: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل، إلى آخرها، فمات من ليلته مات شهيدا). وروى الترمذي عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات في يومه مات شهيدا، ومن قرأها حين يمسي فكذلك). قال الترمذي: حديث حسن غريب)).

وقال البقاعي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: ((لما ختمت المجادلة بأنه معز أهل طاعته، ومذل أهل معصيته ومحادته، علله بتنزهه عن النقائص تأييدا للوعد بنصرهم فقال: (سبح لله). وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لا خفاء باتصال آي هذه السورة بما تأخر من آي سورة المجادلة، ألا ترى أن قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم) إنما يراد به يهود، فذكر سبحانه سوء سريرتهم وعظيم جرأتهم، فلما أشارت هذه الآيات إلى ما ذكر أتبعت بالإعلام في أول سورة الحشر بما عجل لهم من هوانهم وإخراجهم من ديارهم وأموالهم وتمكين المسلمين منهم: (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب)).

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «نزلت هذه السورة في حادث بني النضير، حي من أحياء اليهود، في السنة الرابعة من الهجرة، تصف كيف وقع؟ ولماذا وقع؟ وما كان في أعقابه من تنظيمات في الجماعة الإسلامية، ترويها بطريقة القرآن الخاصة، وتعقب على الأحداث والتنظيمات بطريقة القرآن كذلك في تربية تلك الجماعة تربية حية بالأحداث والتوجيهات والتعقيبات. وقبل أن نستعرض النصوص القرآنية في السورة، نعرض شيئا مما ذكرته الروايات عن ذلك الحادث الذي نزلت السورة بشأنه، لنرى ميزة العرض القرآني، وبعد آماده وراء الأحداث التي تتنزل بشأنها النصوص، فتفي بمقتضيات الأحداث، وتمتد وراءها وحولها في مجالات أوسع وأشمل من مقتضيات تلك الأحداث المحدودة بالزمان والمكان ... فهذا هو الحادث الذي نزلت فيه هذه السورة، وتعلقت به نصوصها، بما في ذلك خاتمة السورة التي يتوجه فيها الخطاب للذين آمنوا ممن شهدوا هذا الحادث وممن يعرفونه بعد ذلك، على طريقة القرآن في تربية النفوس بالأحداث وبالتعقيب عليها، وربطها بالحقائق الكلية الكبيرة. ثم الإيقاع الأخير في السورة بذكر صفات الله الذي يدعو الذين آمنوا ويخاطبهم بهذا القرآن، وهي صفات ذات فاعلية وأثر في هذا الكون، وعلى أساس تصور حقيقتها يقوم الإيمان الواعي المدرك البصير. وتبدأ السورة وتختتم بتسبيح الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم، فيتناسق البدء والختام مع موضوع السورة، ومع دعوة المؤمنين للتقوى والخشوع والتفكر في تدبير الله الحكيم».

2919

الآية 1

قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ (الحشر: 1)

(1) قوله تعالى: (سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم). يخبر تعالى أن جميع ما في السموات وما في الأرض من شيء يسبح له ويمجده ويقدسه، ويصلي له ويوحده لأنه عزيز في قدرته حكيم في قدره وشرعه. وفيه تربية على التسبيح لله بتنزيهه عن كل شائبة ونقص، فالتسبيح من الإنسان يتسق مع التسبيح الذي يقوم عليه كل ما خلق الله. فقوله تعالى: (سبح) يعني: أوقع التنزيه الأعظم عن كل شائبة ونقص (لله) الذي أحاط بجميع صفات الكمال (ما في السماوات) يعني: كلها (وما في الأرض) يعني: جميعها (وهو) يعني: والحال أنه وحده (العزيز) الذي يغلب كل شيء ولا يمتنع عليه شيء (الحكيم) الذي نفذ علمه في الظواهر والبواطن وأحاط بكل شيء فأتقن ما أراد، فكل ما خلقه جعله على وحدانيته دليلا، وإلى بيان ما له من العزة والحكمة سبيلا.

2920

الآية 2

(2) قوله تعالى: (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار). فيه تربية على تعظيم النعمة من الله تعالى لأن النعمة إذا وردت على المرء والظن بخلافه تكون أعظم، فالمسلمون ما ظنوا أنهم يصلون إلى مرادهم في خروج اليهود فيتخلصون من ضرر مكايدهم، فلما تيسر لهم ذلك كان توقع هذه النعمة أعظم. وفيه تشريف عظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث ظن اليهود أن حصونهم مانعتهم من الله ورسوله فكانت معاملتهم مع رسول الله هي بعينها نفس المعاملة مع الله. وفيه تربية على أن الأمور كلها لله، لأن الآية دلت على أن وقوع ذلك الرعب في قلوبهم كان من الله، ودلت على أن ذلك الرعب صار سببا في إقدامهم على بعض الأفعال، والفعل لا يحصل إلا عند حصول داعية متأكدة في القلب، وحصول تلك الداعية لا يكون إلا من الله، فكانت الأفعال بأسرها مسندة إلى الله بهذا الطريق. وفيه دعوة إلى الاعتبار وهو النظر في حقائق الأشياء وجهات دلالتها ليعرف بالنظر فيها شيء آخر من جنسها، وخص أولي الأبصار بالاعتبار لأن الاعتبار يحتاج إلى البصيرة مع البصر. فقوله تعالى: (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر) قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: قل سورة النضير، وهم رهط من اليهود من ذرية هارون عليه السلام، نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل انتظارا لمحمد صلى الله عليه وسلم، وكان من أمرهم ما نص الله عليه. قال المفسرون: والحشر حشران: (الأول) حشر بني النضير إلى أرض الشام وهو المذكور في هذه السورة، ومن شك أن المحشر في الشام فليقرأ هذه الآية، وإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: (اخرجوا) قالوا: إلى أين؟ قال: (إلى أرض المحشر). (والثاني) الحشر قرب القيامة وهو من علامات الساعة الكبرى. قال قتادة: تأتي نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتأكل منهم من تخلف. وهذا ثابت في الصحيح (ما ظننتم أن يخرجوا) يعني: لعظم أمر اليهود ومنعتهم وقوتهم في صدور المسلمين (وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم) وكانوا أهل حلقة وسلاح كثير وحصون منيعة، فلم يمنعهم شيء منها (من الله) يعني: من أمره (فأتاهم الله) يعني: أمره وعذابه (من حيث لم يحتسبوا) يعني: من حيث لم يظنوا، وقيل: من حيث لم يعلموا (وقذف في قلوبهم الرعب) وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر» فكيف لا ينصر به مسيرة ميل من المدينة إلى محلة بني النضير (يخربون بيوتهم) يعني: يهدمونها (بأيديهم) لحملها معهم أو لعدم استفادة المسلمين منها (وأيدي المؤمنين) يعني: ما يحصل بسبب الحرب، وقيل: (يخربون بيوتهم) بنقض المواعدة (وأيدي المؤمنين) بالمقاتلة (فاعتبروا يا أولي الأبصار) يعني: اتعظوا يا أصحاب العقول. ومن جملة الاعتبار هنا أنهم اعتصموا بالحصون من الله فأنزلهم الله منها. ومن وجوهه: أنه سلط عليهم من كان ينصرهم. ومن وجوهه أيضا: أنهم هدموا أموالهم بأيديهم. ومن لم يعتبر بغيره اعتبر في نفسه. وفي الأمثال الصحيحة: (السعيد من وعظ بغيره).

2921

الآيات 3-5

(3) و (4) و (5) قوله تعالى: (ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار. ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب. ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين). فيه تربية على تحصيل المقاصد بأقل العقوبات فلا نلجأ إلى العقوبة الأشد في تحصيل المقصد إذا أمكن الوصول إليها بالعقوبة الأقل شدة، لأن المعنى: ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا بالقتل، ولهم في الآخرة عذاب النار. وفيه تحذير وزجر عن مشاقة الله ورسوله من خلال التهديد بالعقوبة الدنيوية والأخروية على هذه المشاقة. وفيه تربية على أن الصواب قد يتعدد، وذلك أن بعض المسلمين قطع نخيل بعض اليهود المحاربين والبعض الآخر لم يفعل والله تعالى لم ينكر على أي من الطرفين. فقوله تعالى: (ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء) يعني: لولا أنه قضى أنه سيجليهم عن دارهم وأنهم يبقون مدة فيؤمن بعضهم ويولد لهم من يؤمن (لعذبهم في الدنيا) يعني: بالقتل والمذلة (ولهم في الآخرة عذاب النار). والجلاء: مفارقة الوطن، والفرق بين الجلاء والإخراج وإن كان معناهما في الإبعاد واحدا من وجهين: (أحدهما) أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد، والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد. (والثاني) أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة، والإخراج يكون لواحد ولجماعة ، قاله الماوردي. (ذلك) يعني: ذلك الجلاء (بأنهم شاقوا الله ورسوله) يعني: عادوه وخالفوا أمره (ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب) يعني: عليه أن يستعد لعقب الله سواء في الدنيا أو في الآخرة. (ما قطعتم من لينة) واللينة: النخلة (أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله) يعني: بأمره (وليخزي الفاسقين) يعني: وليذل اليهود الكفار به وبنبيه وكتبه. قال القرطبي: «وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل على حصون بني النضير حين نقضوا العهد بمعونة قريش عليه يوم أحد، أمر بقطع نخيلهم وإحراقها. واختلفوا في عدد ذلك، فقال قتادة والضحاك: إنهم قطعوا من نخيلهم وأحرقوا ست نخلات. وقال محمد بن إسحاق: إنهم قطعوا نخلة وأحرقوا نخلة. وكان ذلك عن إقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بأمره، إما لإضعافهم بها وإما لسعة المكان بقطعها. فشق ذلك عليهم فقالوا: يا محمد، ألست تزعم أنك نبي تريد الصلاح، أفمن الصلاح قطع النخل وحرق الشجر؟ وهل وجدت فيما أنزل الله عليك إباحة الفساد في الأرض؟ فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم. ووجد المؤمنون في أنفسهم حتى اختلفوا، فقال بعضهم: لا تقطعوا مما أفاء الله علينا. وقال بعضهم: أقطعوا لنغيظهم بذلك. فنزلت الآية بتصديق من نهى عن القطع وتحليل من قطع من الإثم، وأخبر أن قطعه وتركه بإذن الله».

2922

(6) و (7) قوله تعالى: وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير. ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب). فيه تفريق بين الفيء والغنيمة، فالفيء هو ما يحصل للمسلمين من الغنائم في الحرب من دون قتال وهذا يكون لبيت المال، وأما الغنيمة فهي ما يحصل من خلال القتال وهي توزع إلى أخماس: خمس للمذكورين في الآية وأربعة أخماس للمقاتلين. وفيه تربية على منهج الإسلام في توزيع الثروة سواء في الميراث أم في الغنائم أم في غبرها، وذلك أن المال للمنفعة وتوزيع المنفعة أفضل اجتماعيا من تجميعها. وفيه تربية على أن السنة كالقرآن، ما توجبه السنة مثل ما يوجبه القرآن، وما تنهى عنه السنة معادل لما ينهى عنه القرآن. فقوله تعالى: (وما أفاء الله على رسوله منهم) يعني: وما رده الله تعالى على رسوله من أموال بني النضير (فما أوجفتم عليه) يعني: فما أوضعتم عليه، والإيجاف: الإسراع في السير (من خيل ولا ركاب) والخيل: معروفة، والركاب: الإبل، والمعنى: لم تقطعوا إليه شقة ولا لقيتم به حربا (ولكن الله يسلط رسله على من يشاء) يعني: من أعدائه (والله على كل شيء قدير). وفي هذا بيان أن تلك الأموال كانت خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم دون أصحابه. وفي صحيح مسلم عن عمر قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، وكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، فكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقي يجعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله تعالى. (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى) هي قريظة، وكانت قريظة والخندق في يوم واحد، ومعنى هذه الآية يعود إلى آية الأنفال ويلحقها التخصيص فيكون الخمس للمذكورين في هذه الآية وأربعة أخماس للمقاتلين (فلله وللرسول) وهو سهم واحد ومقداره خمس الخمس (ولذي القربى) يعني: قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم (واليتامى) واليتيم من لا والد له (والمساكين) يعني: الفقراء (وابن السبيل) وهو المسافر المنقطع (كي لا يكون دولة) يعني: متداولا (بين الأغنياء منكم) فتنحصر منفعته بهم (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) يعني: وما أعطاكم من مال الغنيمة فخذوه، وما نهاكم عنه من الأخذ والغلول فانتهوا، وقيل: وما أعطاكم من مال الفيء فاقبلوه، وما منعكم منه فلا تطلبوه، وقيل: وما آتاكم من طاعتي فافعلوه، وما نهاكم عنه من معصيتي فاجتنبوه، فهو محمول على العموم في جميع أوامره ونواهيه، لأنه لا يأمر إلا بصلاح ولا ينهى إلا عن فساد، وهذا يوجب أن كل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أمر من الله تعالى، والآية وإن كانت في الغنائم فجميع أوامره صلى الله عليه وسلم ونواهيه تدخل فيها (واتقوا الله) يعني: واتقوا الله في أوامره ونواهيه فلا تضيعوها (إن الله شديد العقاب) يعني: لمن خالف ما أمره به.

2923

الآيات 8-10

(8) و (9) و (10) قوله تعالى: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون. والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون. والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم). فيه بيان أن المؤمنين ثلاثة أصناف: المهاجرون والأنصار والتابعون. وفيه تربية بالقدوة، حيث امتدح الله هؤلاء الأقوام بصفات كي نقتدي بهم فيها. فامتدح المهاجرين: بالفقر، والهجرة، والتضحية بالمال في سبيل الله، والسعي لتحصيل فضل الله ورضوانه، ونصرة الله ورسوله، والصدق في النية والقول والعمل. وامتدح الأنصار: بنصرة المهاجرين، والتضحية بالمال والممتلكات في سبيل الله، وإيثار المؤمنين الآخرين على أنفسهم. وامتدح التابعين: بالدعاء للمؤمنين وخاصة السابقين لهم في الإيمان، وخلو القلب من الغل على أحد من المؤمنين. فقوله تعالى: (للفقراء المهاجرين) يعني: الفيء والغنائم للفقراء المهاجرين، فهم مهاجرون لأنهم أخرجوا من ديارهم، وهم فقراء لأنهم أخذت أموالهم حين هجرتهم (أخرجوا من ديارهم وأموالهم) يعني: أخرجهم كفار مكة (يبتغون) يعني: يطلبون (فضلا من الله) يعني: غنيمة في الدنيا (ورضوانا) يعني: مرضاة ربهم في الآخرة (وينصرون الله ورسوله) يعني: في الجهاد في سبيل الله (أولئك هم الصادقون) في فعلهم ذلك. قال القرطبي: ((وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب بالجابية (موضع بدمشق) فقال: من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبى بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله تعالى جعلني له خازنا وقاسما. ألا وإني باد بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فمعطيهن، ثم المهاجرين الأولين، أنا وأصحابي أخرجنا من مكة من ديارنا وأموالنا)). وقوله تعالى: (والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم) يعني: الأنصار سكنوا المدينة وهي دار الهجرة وكانوا مؤمنين قبل الهجرة من خلال بيعة العقبة الأولى والثانية وانتشار الدعوة في المدينة قبل الهجرة (يحبون من هاجر إليهم) يعني: الأنصار يحبون المهاجرين (ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا) يعني: لا يحسدون المهاجرين على ما خصوا به من مال الفيء وغيره، وكان المهاجرون في دور الأنصار، فلما غنم عليه الصلاة والسلام أموال بني النضير، دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين في إنزالهم إياهم في منازلهم، وإشراكهم في أموالهم، وخيرهم في قسمة الفيء بينهم وبين المهاجرين أو قسمته على المهاجرين ويخرجون للأنصار من دورهم، فقالوا: بل نقسمه بين المهاجرين، ويكونون في دورنا كما كانوا (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) وفي الترمذي عن أبي هريرة: أن رجلا من الأنصار بات به ضيف فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نومي الصبية وأطفئي السراج وقربي للضيف ما عندك، فنزلت هذه الآية: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) (قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح) وخرجه مسلم أيضا، وقيل: نزلت في الأنصار حين قبلوا قسمة الفيء بين المهاجرين مع بقائم في الدور التي أعطاهم إياها الأنصار. والإيثار: هو تفضيل الغير على النفس وحظوظها الدنيوية رغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة. ومعنى الآية: ويؤثرونهم على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم مع احتياجهم إليها (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) والشح: البخل، والبخل: منع الواجب في الزكاة أو النفقة أو الصدقة. (والذين جاؤوا من بعدهم) يعني: التابعين ومن دخل في الإسلام إلى يوم القيامة (يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) يعني: المهاجرين والأنصار (ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا) يعني: حقدا أو حسدا أو كراهية (ربنا إنك رؤوف رحيم) يعني: كن كذلك بنا وبهم.

2924

الآيات 11-12

(11) و (12) قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون. لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون). فيه تربية على أن المنافقين واليهود إخوة في الكفر كما المؤمنين إخوة في الإيمان. وفيه بيان أن المنافقين كاذبون في وعودهم للكافرين بالهجرة معهم والطاعة لهم والقتال إلى جانبهم. وفيه تربية على إعجاز القرآن وأنه من كلام الله من خلال إخباره بنفي وقوع الوعود التي وعد المنافقون بها اليهود قبل انتفاء وقوعها. فقوله تعالى: (ألم تر) يعني: يا محمد (إلى الذين نافقوا) يعني: المنافقين (يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب) يعني: اليهود (لئن أخرجتم) من المدينة (لنخرجن معكم) ولكنهم لم يفعلوا حين إخراج بني النضير (ولا نطيع فيكم أحدا أبدا) يعنون: محمدا صلى الله عليه وسلم، لا نطيعه في قتالكم، وفي هذا دليل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من جهة علم الغيب، لأنهم أخرجوا فلم يخرجوا، وقوتلوا فلم ينصروهم، كما قال الله تعالى: (والله يشهد إنهم لكاذبون) يعني: في قولهم وفعلهم. (لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار) يعني: منهزمين (ثم لا ينصرون) يعني: يهزم الفريقان اليهود والمنافقون.

2925

الآيات 13-15

(13) و (14) و (15) قوله تعالى: (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون. لا يقتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون. كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم). فيه بيان أن خوف المنافقين واليهود من المؤمنين أشد من خوفهم من الله تعالى لأنهم لا يعلمون عظمة الله حتى يخشوه حق خشيته. ووفيه بيان لجبن المنافقين واليهود حيث إنهم لا يقاتلون المؤمنين قتال الفرسان وإنما بالحيلة والاستعانة بالتحصين المادي. وفيه تشجيع للمؤمنين على قتال المنافقين واليهود من خلال البيان بأن البأس الشديد الذي يوصفون به إنما يكون إذا كان بعضهم مع بعض، فأما إذا قاتلوا المؤمنين فإنه لا يبق لهم ذلك البأس والشدة، فالشجاع يجبن والعزيز يذل عند محاربة الله ورسوله، فنحن نحسبهم في صورتهم مجتمعين وهم في الحقيقة بقلوبهم متفرقين، لأن كل واحد منهم على مذهب آخر وبينهم العداوة الشديدة. وفيه بيان أن ما قيل عن اليهود والمنافقين ينطبق على الكافرين من خلال التذكير بغزوة بدر. فقوله تعالى: (لأنتم) يا معشر المسلمين (أشد رهبة) أي خوفا وخشية (في صدورهم من الله) يعني: صدور بني النضير، وقيل: في صدور المنافقين، ويحتمل أن يرجع إلى الفريقين، أي يخافون منكم أكثر مما يخافون من ربهم (ذلك بأنهم قوم لا يفقهون) يعني: لا يفقهون قدر عظمة الله وقدرته. (لا يقاتلونكم جميعا) يعني: اليهود (إلا في قرى محصنة) يعني: بالحيطان والدور والأسوار يظنون أنها تمنعهم منكم (أو من وراء جدر) يعني: من خلف حيطان يستترون بها لجبنهم ورهبتهم (بأسهم بينهم شديد) يعني: عداوة بعضهم لبعض شديدة، وقيل: إذا لم يلقوا عدوا نسبوا أنفسهم إلى الشدة والبأس، ولكن إذا لقوا العدو انهزموا (تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى) يعني: اليهود والمنافقين، فأهل الباطل مختلفة آراؤهم، مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق (ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) يعني: ذلك التشتيت والكفر بأنهم لا عقل لهم يعقلون به أمر الله. (كمثل الذين من قبلهم قريبا) يعني: قينقاع أمكن الله منهم قبل بني النضير، وقيل: قريش يوم بدر، وقيل: هو عام في كل من انتقم منه على كفره قبل بني الضير (ذاقوا وبال أمرهم) يعني: نالوا جزاء كفرهم وحربهم على الإسلام (ولهم عذاب أليم) يعني: في الآخرة.

2926