التفسير التربوي لسورة الممتحنة
قال القرطبي في التفسير: ((سورة الممتحنة: مدنية في قول الجميع. وهى ثلاث عشرة آية. الممتحنة: (بكسر الحاء) أي المختبرة، أضيف الفعل إليها مجازا، كما سميت سورة براءة: المبعثرة والفاضحة، لما كشفت من عيوب المنافقين. ومن قال في هذه السورة: الممتحنة (بفتح الحاء) فإنه أضافها إلى المرأة التي نزلت فيها، وهي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، قال الله تعالى: (فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن) (الممتحنة: 10) الآية. وهي امرأة عبد الرحمن بن عوف)).
وقال الرازي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: «اعلم أن من جملة ما يتحقق به التعلق بما قبلها هو أنهما يشتركان في بيان حال الرسول صلى الله عليه وسلم مع الحاضرين في زمانه من اليهود والنصارى وغيرهم، فإن بعضهم أقدموا على الصلح واعترفوا بصدقه، ومن جملتهم بنو النضير، فإنهم قالوا: والله إنه النبي الذي وجدنا نعته وصفته في التوراة، وبعضهم أنكروا ذلك وأقدموا على القتال، إما على التصريح وإما على الإخفاء، فإنهم مع أهل الإسلام في الظاهر، ومع أهل الكفر في الباطن. وأما تعلق الأول بالآخر فظاهر، لما أن آخر تلك السورة يشتمل على الصفات الحميدة لحضرة الله تعالى من الوحدانية وغيرها، وأول هذه السورة مشتمل على حرمة الاختلاط مع من لم يعترف بتلك الصفات».
وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «هذه السورة حلقة في سلسلة التربية الإيمانية والتنظيم الاجتماعي والدولة في المجتمع المدني. حلقة من تلك السلسلة الطويلة، أو من ذلك المنهج الإلهي المختار للجماعة المسلمة المختارة، التي أناط بها الله تحقيق منهجه الذي يريده للحياة الإنسانية في صورة واقعية عملية، كما يستقر في الأرض نظاما ذا معالم وحدود وشخصية مميزة، تبلغ إليه البشرية أحيانا، وتقصر عنه أحيانا، ولكنها تبقى معلقة دائما بمحاولة بلوغه، وتبقى أمامها صورة واقعية منه، تحققت يوما في هذه الأرض. وقد اقتضى هذا كما قلنا في أول هذا الجزء إعدادا طويلا في خطوات ومراحل، وكانت الأحداث التي تقع في محيط هذه الجماعة أو تتعلق بها مادة من مواد هذا الإعداد. مادة مقدرة في علم الله، تقوم عليها مادة أخرى هي التفسير والتوضيح والتعقيب والتوجيه. وفي مضطرب الأحداث، وفي تيار الحياة المتدفق، تمت عملية بناء النفوس المختارة لتحقيق ذلك المنهج الإلهي في الأرض. فلم تكن هناك عزلة إلا العزلة بالتصور الإيماني الجديد، وعدم خلطه بأية رقع غريبة عنه في أثناء التكوين النفسي لهذه الجماعة. وكانت التربية المستمرة متجهة دائما إلى إنشاء هذا التصور الإيماني الخاص المميز، المنعزل بحقيقته وطبيعته عن التصورات السائدة في العالم كله يومذاك، وفي الجزيرة العربية بصفة خاصة... وهذه السورة حلقة في سلسلة ذلك الإعداد الطويل، تستهدف مع غيرها مما جاء في مثل موضوعها إقامة عالم رباني خالص في ضمير المسلم. عالم محوره الإيمان بالله وحده، يشد المسلمين إلى هذا المحور وحده، بعروة واحدة لا انفصام لها، ويبرئ نفوسهم من كل عصبية أخرى، عصبية للقوم أو للجنس أو للأرض أو للعشيرة أو للقرابة، ليجعل في مكانها جميعا عقدة واحدة، هي عقدة الإيمان بالله، والوقوف تحت راية الله، في حزب الله... والسورة كلها في هذا الاتجاه حتى الآيات التشريعية التنظيمية الواردة في آخرها عن معاملة المهاجرات المؤمنات، ومبايعة من يدخلن في الإسلام، والفصل بين المؤمنات وأزواجهن من الكفار، وبين المؤمنين وزوجاتهم من الكوافر، فكلها تنظيمات منبثقة من ذلك التوجيه العام. ثم ختام السورة كما بدأت بالنهي عن موالاة أعداء الله، ممن غضب عليهم الله، سواء من المشركين أو من اليهود، ليتم التميز والانفراد والمفاصلة من جميع الوشائج والروابط غير رابطة العقيدة وغير وشيجة الإيمان».