التفسير التربويالجزء 1 · ص 2927 - 2934

الآيات 16-17

الآيات 16-17

(16) و (17) قوله تعالى: (كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين. فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين). فيه تربية بضرب المثل من خلال تشبيه العلاقة بين المنافقين واليهود بالعلاقة بين الشيطان ومن يعبده، فهي علاقة خداع يتبعه خذلان وبراءة. فقوله تعالى: (كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر) هذا ضرب مثل للمنافقين مع اليهود في تخاذلهم وعدم الوفاء في نصرتهم، وذلك أن الله تعالى أمر نبيه عليه السلام أن يجلي بنى النضير من المدينة، فدس إليهم المنافقون ألا تخرجوا من دياركم، فإن قاتلوكم كنا معكم، وإن أخرجوكم كنا معكم، فحاربوا النبي صلى الله عليه وسلم فخذلهم المنافقون، وتبرءوا منهم. وقيل: المعنى مثل المنافقين في غدرهم لبني النضير كمثل إبليس إذ قال لكفار قريش: (لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم) (الأنفال: 48) الآية. وقال المفسرون: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان الذي قال له الشيطان اكفر هو راهب تركت عنده امرأة أصابها لمم ليدعو لها، فزين له الشيطان فوطئها فحملت، ثم قتلها خوفا أن يفتضح، فدل الشيطان قومها على موضعها، فجاءوا فاستنزلوا الراهب ليقتلوه، فجاء الشيطان فوعده أنه إن سجد له أنجاه منهم، فسجد له فتبرأ منه فأسلمه. ومعنى قوله تعالى: (إذ قال للإنسان اكفر) أي أغواه حتى قال: إني كافر (إني أخاف الله رب العالمين) يعني: تبرأ الشيطان من الإنسان وليس قولا على الحقيقة، فهو تأكيد لقوله: (إني بريء منك) لأنه لو كان يخاف الله لما أغوى الناس ورغبهم في الكفر. (فكان عاقبتهما) يعني: عاقبة الشيطان وذلك الإنسان (أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين).

2927

الآيات 18-20

(18) و (19) و (20) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون. ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون. لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون). فيه تربية على تقوى الله في الدنيا من خلال النظر إلى الآخرة، يعني: دعوة إلى العمل من خلال النظر إلى الحساب. وفيه تحذير من ترك تعاليم الله في الدنيا لأن ذلك خسارة للنفس في الآخرة، ومن خسر نفسه فلا يفيده أي ربح يربحه بعد ذلك. ثم أنه تعالى لما أرشد المؤمنين إلى ما هو مصلحتهم يوم القيامة، وهدد الكافرين بخسارة النفس في الآخرة، بين التفاوت بين الفريقين بأن أصحاب النار وأصحاب الجنة لا يستويان، فالمساواة بينهما في الآخرة من الظلم وهو على الله محال. فقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله) يعني: في أوامره ونواهيه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه (ولتنظر نفس ما قدمت) يعني: من خير وشر (لغد) يعني: يوم القيامة، والعرب تكني عن المستقبل بالغد، وذكر الغد تنبيها على أن الساعة قريبة (واتقوا الله) أعاد الأمر للتأكيد والتنبيه، وقيل التقوى الأولى التوبة فيما مضى من الذنوب والثانية اتقاء المعاصي في المستقبل (إن الله خبير بما تعملون) يعني: بما يكون منكم. (ولا تكونوا كالذين نسوا الله) يعني: تركوا أمره (فأنساهم أنفسهم) يعني: أن يعملوا لها خيرا، وقيل: نسوا حق الله فأنساهم حق أنفسهم، وقيل: (نسوا الله) بترك شكره وتعظيمه (فأنساهم أنفسهم) بالعذاب أن يذكر بعضهم بعضا (أولئك هم الفاسقون) يعني: الخارجون عن طاعة الله، لأن الفسق في اللغة هو الخروج. (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة) يعني: في الفضل والرتبة (أصحاب الجنة هم الفائزون) يعني: الناجون من النار، وقيل: المقربون المكرمون.

2928

الآية 21

(21) قوله تعالى: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون). إنه تعالى لما شرح هذه البيانات عظم أمر القرآن بأن بين أنه لو كان للجبل عقل كما للإنسان لخشع وخضع وتشقق من نزول القرآن، والغرض من ذكر هذا الكلام التنبيه على قساوة قلوب الكفار وبلادة عقولهم وغلظ طباعهم. وفيه دعوة إلى تأمل مواعظ القرآن فإنه لا عذر في ترك التدبر، ولو خوطب بهذا القرآن الجبال مع تركيب العقل فيها لانقادت لمواعظه ولرأيتها على صلابتها ورزانتها خاشعة متصدعة من خشية الله. فقوله تعالى: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا) يعني: ذليلا (متصدعا) يعني: متشققا، وقيل: (خاشعا) لله بما كلفه من طاعته (متصدعا) من خشية الله أن يعاقبه (وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون) والمعنى: إنه لو أنزل هذا القرآن على جبل لخشع لوعده وتصدع لوعيده وأنتم أيها المقهورون بإعجازه لا ترغبون في وعده، ولا ترهبون من وعيده. وقيل: إنه خطاب للأمة، وأن الله تعالى لو أنذر بهذا القرآن الجبال لتصدعت من خشية الله، والإنسان أقل قوة وأكثر ثباتا، فهو يقوم بحقه إن أطاع، ويقدر على رده إن عصى، لأنه موعود بالثواب، ومزجور بالعقاب.

2929

الآيات 22-24

(22) و (23) و (24) قوله تعالى: (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم. هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون. هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم). فيه تربية على عظمة الله تعالى بعد أن بين عظمة القرآن وذلك لأن القرآن هو كلام الله تعالى. ولما ذكر الله تعالى في هذه الآيات بعضا من أسمائه وصفاته فإنه من واجب المؤمن فهمها والعلم بها ومحاولة التخلق بها ضمن الطاقة البشرية لأن المؤمن من يتخلق بأخلاق الله. فقوله تعالى: (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة) يعني: ما غاب عن العباد وما شاهدوه، وقيل: عالم السر والعلانية، وقيل: ما كان وما يكون، وقيل: عالم بالآخرة والدنيا (هو الرحمن الرحيم) وهي صيغة مبالغة من الرحمة، وقيل: الرحمن بالخلق أجمعين والرحيم بالمؤمنين. (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك) يعني: المالك لكل ما خلق (القدوس) يعني: المنزه عن كل نقص، والطاهر عن كل عيب (السلام) يعني: ذو السلامة من النقائص، وقيل: ذو السلام على عباده بالجنة، وقيل: معناه الذي سلم الخلق من ظلمه (المؤمن) يعني: المصدق لرسله بإظهار معجزاته عليهم والمصدق للمؤمنين ما وعدهم به من الثواب والمصدق للكافرين ما أوعدهم من العقاب، وقيل: المؤمن الذي يؤمن أولياءه من عذابه ويؤمن عباده من ظلمه، مأخوذ من الأمان الذي هو ضد الخوف (المهيمن) يعني: على ما سواه (العزيز) يعني: الذي لا يغالب، وقيل: الذي ليس له نظير (الجبار) يعني: العظيم، والجبروت: العظمة، وقيل: هو من الجبر وهو الإصلاح، يقال: جبرت العظم فجبر، إذا أصلحته بعد الكسر، فهو تعالى أصلح الكسير وأغنى الفقير (المتكبر) يعني: الذي تكبر بربوبيته فلا شيء مثله، وقيل: المتكبر عن كل سوء والمتعظم عما لا يليق به من صفات الحدث والذم، وأصل الكبر والكبرياء الامتناع وقلة الانقياد، وفي الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما قصمته ثم قذفته في النار»، وقيل: المتكبر معناه العالي (سبحان الله) يعني: تنزه لجلالته وعظمته (عما يشركون) به من الأنداد. (هو الله الخالق) يعني: المقدر (الباريء) يعني: المنشئ المخترع (المصور) يعني: الذي يركب الصور على هيئات مختلفة، فالتصوير مرتب على الخلق والبراية وتابع لهما (له الأسماء الحسنى) وفي الحديث: «إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة» وقوله: (يسبح له ما في السماوات والأرض) يعني: ينزهه ويمجده ويعظمه (وهو العزيز الحكيم). والحمد لله رب العالمين.

2930

التفسير التربوي لسورة الممتحنة

قال القرطبي في التفسير: ((سورة الممتحنة: مدنية في قول الجميع. وهى ثلاث عشرة آية. الممتحنة: (بكسر الحاء) أي المختبرة، أضيف الفعل إليها مجازا، كما سميت سورة براءة: المبعثرة والفاضحة، لما كشفت من عيوب المنافقين. ومن قال في هذه السورة: الممتحنة (بفتح الحاء) فإنه أضافها إلى المرأة التي نزلت فيها، وهي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، قال الله تعالى: (فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن) (الممتحنة: 10) الآية. وهي امرأة عبد الرحمن بن عوف)).

وقال الرازي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: «اعلم أن من جملة ما يتحقق به التعلق بما قبلها هو أنهما يشتركان في بيان حال الرسول صلى الله عليه وسلم مع الحاضرين في زمانه من اليهود والنصارى وغيرهم، فإن بعضهم أقدموا على الصلح واعترفوا بصدقه، ومن جملتهم بنو النضير، فإنهم قالوا: والله إنه النبي الذي وجدنا نعته وصفته في التوراة، وبعضهم أنكروا ذلك وأقدموا على القتال، إما على التصريح وإما على الإخفاء، فإنهم مع أهل الإسلام في الظاهر، ومع أهل الكفر في الباطن. وأما تعلق الأول بالآخر فظاهر، لما أن آخر تلك السورة يشتمل على الصفات الحميدة لحضرة الله تعالى من الوحدانية وغيرها، وأول هذه السورة مشتمل على حرمة الاختلاط مع من لم يعترف بتلك الصفات».

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «هذه السورة حلقة في سلسلة التربية الإيمانية والتنظيم الاجتماعي والدولة في المجتمع المدني. حلقة من تلك السلسلة الطويلة، أو من ذلك المنهج الإلهي المختار للجماعة المسلمة المختارة، التي أناط بها الله تحقيق منهجه الذي يريده للحياة الإنسانية في صورة واقعية عملية، كما يستقر في الأرض نظاما ذا معالم وحدود وشخصية مميزة، تبلغ إليه البشرية أحيانا، وتقصر عنه أحيانا، ولكنها تبقى معلقة دائما بمحاولة بلوغه، وتبقى أمامها صورة واقعية منه، تحققت يوما في هذه الأرض. وقد اقتضى هذا كما قلنا في أول هذا الجزء إعدادا طويلا في خطوات ومراحل، وكانت الأحداث التي تقع في محيط هذه الجماعة أو تتعلق بها مادة من مواد هذا الإعداد. مادة مقدرة في علم الله، تقوم عليها مادة أخرى هي التفسير والتوضيح والتعقيب والتوجيه. وفي مضطرب الأحداث، وفي تيار الحياة المتدفق، تمت عملية بناء النفوس المختارة لتحقيق ذلك المنهج الإلهي في الأرض. فلم تكن هناك عزلة إلا العزلة بالتصور الإيماني الجديد، وعدم خلطه بأية رقع غريبة عنه في أثناء التكوين النفسي لهذه الجماعة. وكانت التربية المستمرة متجهة دائما إلى إنشاء هذا التصور الإيماني الخاص المميز، المنعزل بحقيقته وطبيعته عن التصورات السائدة في العالم كله يومذاك، وفي الجزيرة العربية بصفة خاصة... وهذه السورة حلقة في سلسلة ذلك الإعداد الطويل، تستهدف مع غيرها مما جاء في مثل موضوعها إقامة عالم رباني خالص في ضمير المسلم. عالم محوره الإيمان بالله وحده، يشد المسلمين إلى هذا المحور وحده، بعروة واحدة لا انفصام لها، ويبرئ نفوسهم من كل عصبية أخرى، عصبية للقوم أو للجنس أو للأرض أو للعشيرة أو للقرابة، ليجعل في مكانها جميعا عقدة واحدة، هي عقدة الإيمان بالله، والوقوف تحت راية الله، في حزب الله... والسورة كلها في هذا الاتجاه حتى الآيات التشريعية التنظيمية الواردة في آخرها عن معاملة المهاجرات المؤمنات، ومبايعة من يدخلن في الإسلام، والفصل بين المؤمنات وأزواجهن من الكفار، وبين المؤمنين وزوجاتهم من الكوافر، فكلها تنظيمات منبثقة من ذلك التوجيه العام. ثم ختام السورة كما بدأت بالنهي عن موالاة أعداء الله، ممن غضب عليهم الله، سواء من المشركين أو من اليهود، ليتم التميز والانفراد والمفاصلة من جميع الوشائج والروابط غير رابطة العقيدة وغير وشيجة الإيمان».

2931

الآية 1

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآَتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآَتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُور﴾ (الممتحنة: 1)

(1) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهدا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل). قد تقدم في المجادلة النهي الشديد عن إظهار مطلق الموادة للكفار، فجاءت هذه السورة بالمنع من مودتهم ظاهرا أو باطنا. وفيه تقريع وتوبيخ على السعي في موادتهم لأن ذلك قادح في اعتقاد تفرده سبحانه بالعزة والحكمة، وقد علل النهي عن موادة الكافرين بأنهم أعداء لله وللمؤمنين وأنهم كافرون بالقرآن وأنهم يرغمون المؤمنين على الهجرة من ديارهم فيرفضون التعايش السلمي مع المؤمنين. وفيه بيان أن المودة تكون بالقلب وتكون بالعمل، والله مطلع على القلوب كما هو مطلع على الأعمال، ومن هنا فإن المودة المنهي عنها هي مطلق المودة سواء كانت في الظاهر أو كانت في الباطن. ولما كانت مودة الباطن عقوبتها أخروية فإن مودة الظاهر عقوبتها في الدنيا وفي الآخرة. فقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) روى الأئمة واللفظ لمسلم عن علي رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال: «ائتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة، معها كتاب فخذوه منها» فانطلقنا تعادى بنا خيلنا، فإذا نحن بالمرأة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها. فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا حاطب ما هذا؟» قال: لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت امرأ ملصقا في قريش. قال سفيان: كان حليفا لهم ولم يكن من أنفسها. وكان ممن كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله كفرا ولا ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق». فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال: «إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» فأنزل الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء). وهذه السورة أصل في النهي عن موالاة الكفار (تلقون إليهم بالمودة) يعني: بالظاهر على الأقل، وقيل: تخبرونهم بسرائر المسلمين وتنصحون لهم (وقد كفروا بما جاءكم من الحق) يعني: القرآن والنبوة (يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم) يعني: يخرجونكم من مكة لأجل إيمانكم بالله (إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي) يعني: فلا تلقوا إليهم بالمودة (تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم) يعني: المودة للكافرين حرام سواء كانت في السر أو العلن وإذا كان الناس يعلمون منها العلن فإنه تعالى لا يخفى عليه السر والعلن، وقيل: (وأنا أعلم بما أخفيتم) أضمرتم (وما أعلنتم) أظهرتم (ومن يفعله منكم) يعني: ومن يسر إليهم ويكاتبهم منكم (فقد ضل سواء السبيل) يعني: أخطأ قصد الطريق.

2932

الآيات 2-3

(2) و (3) قوله تعالى: (إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون. لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير). وفيه تثبيت لحرمة مودة الكافرين بتعليل ذلك من خلال بيان عداوتهم للمؤمنين في الباطن وفي الظاهر حيث لا يترددون في إيصال الأذية الكلامية والعملية للمؤمنين وأنهم يتمنون الكفر للمؤمنين فلا يرضون عنهم في حال إيمانهم. وفيه ترهيب من مودة الكافرين بالعقوبة الأخروية على ذلك حيث لا ينتفع المؤمن بالقرابة والولد في رد العقاب عن نفسه وكذلك لا ينتفع من الآخر الذي ألقى إليه بالمودة بل يكون عليه وبالا وعذابا. فقوله تعالى: (إن يثقفوكم) يعني: يلقوكم ويصادفوكم، ومنه المثاقفة أي طلب مصادفة الغرة في المسايفة وشبهها، وقيل: (يثقفوكم) يظفروا بكم ويتمكنوا منكم (يكونوا لكم أعداء) يعني: يحاربونكم (ويبسطوا إليكم أيديهم) يعني: بالضرب والقتل (وألسنتهم بالسوء) يعني: بالشتم (وودوا لو تكفرون)يعني: بمحمد صلى الله عليه وسلم. (لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم) قيل: لما اعتذر حاطب بأن له أولادا وأرحاما فيما بينهم، بين الرب عز وجل أن الأهل والأولاد لا ينفعون شيئا يوم القيامة إن عصي من أجل ذلك (يوم القيامة يفصل بينكم) فيدخل المؤمنين الجنة ويدخل الكافرين النار (والله بما تعملون بصير) فلا يخفى عليه شيء.

2933

الآيات 4-5

(4) و (5) قوله تعالى: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شئ ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير. ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم). فيه تربية بالقدوة من خلال الاقتداء بإبراهيم عليه السلام في منهجه كله وخاصة في موقفه من مودة الكافرين حيث تبرأ من الكافرين على كفرهم حتى لو كان والده معهم. ولما كانت مودة الكافرين هي من الاشتغال بما يضر فإنه تعالى وجه المؤمنين إلى الاشتغال بما ينفع وهو مودة المؤمنين في الله والرجوع إلى الله وتفويض الأمور إليه. ولما كانت معاداة الكافرين مما يجعل المؤمن محلا للابتلاء ممن عاداهم فإنه تعالى يعلمنا الدعاء في هذه الحالة بأن نطلب من الله تعالى أن لا يجعلنا فتنة لهم وأن يساعدنا في النجاة من هذا الابتلاء إن وقعنا فيه وأن يغفر لنا ما يبدر منا من تقصير في اجتياز هذا الامتحان. وهذا كما جاء في الحديث: «لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا» (البخاري). فقوله تعالى: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم) لما نهى عز وجل عن موالاة الكفار ذكر قصة إبراهيم عليه السلام وأن من سيرته التبرؤ من الكفار، والمراد: فاقتدوا به وأتموا بفعله (والذين معه) يعني: أصحاب إبراهيم من المؤمنين (إذ قالوا لقومهم) يعني: الكفار (إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله) يعني: الأصنام (كفرنا بكم) يعني: بما آمنتم به من الأوثان، وقيل: كفرنا بأفعالكم وكذبناها وأنكرنا أن تكونوا على حق (وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا) يعني: هذا دأبنا معكم ما دمتم على كفركم (حتى تؤمنوا بالله وحده) فحينئذ تنقلب المعاداة إلى موالاة (إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك) فلا تتأسوا به في الاستغفار فتستغفرون للمشركين، فإنه كان عن موعدة من أبيه أن يسلم (وما أملك لك من الله من شيء) هذا من قول إبراهيم عليه السلام لأبيه، أي ما أدفع عنك من عذاب الله شيئا إن أشركت به (ربنا عليك توكلنا) هذا من دعاء إبراهيم عليه السلام وأصحابه، وقيل: علم المؤمنين أن يقولوا عليك اعتمدنا (وإليك أنبنا) يعني: رجعنا (وإليك المصير) يعني: ولك الرجوع في الآخرة. (ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا) يعني: لا تظهر عدونا علينا فيظنوا أنهم على حق فيفتتنوا بذلك، وقيل: لا تسلطهم علينا فيفتنونا ويعذبونا (واغفر لنا ربنا) يعني: اغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا في أمرك (إنك أنت العزيز) الذي لا يغالب (الحكيم) يعني: الذي يضع الأمور في مواضعها.

2934