التفسير التربويالجزء 1 · ص 2959 - 2966

الآية 4

الآية 4

(4) قوله تعالى: (يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور). فيه ترغيب بالعمل الصالح وترهيب من العمل الباطل من خلال التذكير بعلمه تعالى بما في السماوات والأرض وعلمه تعالى بالظاهر والباطن وعلمه تعالى بما تكنه الصدور وهو باطن الباطن. وفيه تحذير من أن يسر الناس غير الذي يعلنون، أو يضمروا في أنفسكم غير ما يبدون، فإنه تعالى لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو محص جميعه، وحافظ عليهم كله. فقوله تعالى: (يعلم ما في السماوات والأرض) يعني: من كل شيء فلا يخفى عليه من ذلك خافية (ويعلم ما تسرون) يعني: بينكم من قول وعمل (وما تعلنون) يعني: من ذلك فتظهرونه (والله عليم بذات الصدور) يعني: والله ذو علم بضمائر صدور عباده، وما تنطوي عليه نفوسهم، الذي هو أخفى من السرّ، لا يعزب عنه شيء من ذلك.

2959

الآيات 5-6

(5) و (6) قوله تعالى: (ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم. ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد). فيه تحذير من العاقبة الأليمة للكفر من خلال التذكير بمصارع الأمم الكافرة في الدنيا والتنبيه إلى سوء المصير الذي ينتظرهم في الآخرة. وفيه بيان للشبهة التي جعلت الأمم تكذب رسلها وهي بشرية الرسل وهي الشبهة ذاتها التي دفعت إبليس إلى عدم السجود لآدم حيث احتج على الله تعالى بأنه خلق آدم من طين. وفيه تحذير من الكفر باعتباره استغناء عن الإيمان من خلال التذكير باستغنائه تعالى طاعة الخلق لأنها لا تزيد في ملكه واستغنائه تعالى عن معصية الخلق لأنها لا تنقص من ملكه. فقوله تعالى: (ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل) يعني: أخبار كفار الأمم الماضية (فذاقوا وبال أمرهم) يعني: عقابهم في الدنيا (ولهم) يعني: في الآخرة (عذاب أليم) يعني: مؤلم موجع. (ذلك) يعني: ذلك العقاب (بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات) يعني: بالدلائل الواضحة (فقالوا أبشر يهدوننا) فأنكروا أن يكون الرسول من البشر (فكفروا)

يعني: بهذا القول لأنهم قالوا ذلك استصغارا ولم يعلموا أن الله يبعث من يشاء إلى عباده (وتولوا) يعني: وأعرضوا عن البرهان والإيمان (واستغنى الله) يعني: بسلطانه عن طاعة عباده، وقيل: استغنى الله بما أظهره لهم من البرهان وأوضحه لهم من البيان، عن زيادة تدعو إلى الرشد وتقود إلى الهداية (والله غني) يعني: عن جميع خلقه (حميد) يعني: محمود عند جميعهم بجميل أياديه عندهم، وكريم فعاله فيهم.

2960

الآيات 7-8

(7) و (8) قوله تعالى: (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير. فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير). كان فريق كبير من العرب ينفي البعث يوم القيامة شكا في قدرته تعالى على ذلك مع إقرارهم بأنه تعالى خلق الناس وخلق الخلق، وفي هذه الآية رد عليهم بأن البعث أهون من الخلق والإعادة أهون من البداءة والكل على الله هين. وفيه دعوة إلى الإيمان بالله والرسول والقرآن من خلال التذكير بعلمه تعالى بالعمل والتأكيد على حسابه تعالى على كل عمل. فقوله تعالى: (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا) يعني: ظنوا ذلك، والزعم هو القول بالظن، وقيل: لكل شيء كنية وكنية الكذب زعموا (قل) يعني: يا محمد (بلى وربي لتبعثن) يعني: لتخرجن من قبوركم أحياء (ثم لتنبؤن) يعني: لتخبرن (بما عملتم) يعني: بأعمالكم (وذلك على الله يسير) لأن الإعادة أسهل من الابتداء. (فآمنوا بالله ورسوله) يعني: أمرهم بالإيمان بعد أن عرفهم قيام الساعة (والنور الذي أنزلنا) يعني: القرآن، وهو نور يهتدي به من ظلمة الضلال (والله بما تعملون خبير) يعني: والله بأعمالكم أيها الناس ذو خبرة محيط بها، محصٍ جميعها، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميعها.

2961

الآيات 9-10

(9) و (10) قوله تعالى: (يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم. والذين كفروا وكذبوا بآيتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير). فيه تحذير من يوم التغابن وهو يوم القيامة حيث يغبن الناس بعضهم بعضا لنزول المؤمنين منازل الكافرين التي كانت معدة لهم في الجنة لو آمنوا، ونزول الكافرين منازل المؤمنين التي كانت معدة لهم في النار لو كفروا، وعلى هذا يكون لكل مؤمن منزلان في الجنة ويكون لكل كافر منزلان في النار. ولا يخفى الترغيب والترهيب في تحصيل منزلين في الآخرة: واحد بالعمل والآخر بالإرث. وفيه ترغيب بالجنة من خلال الإيمان والعمل الصالح، وترهيب من النار من خلال الكفر والتكذيب بآيات الله تعالى. فقوله تعالى: (يوم يجمعكم ليوم الجمع) وهو يوم القيامة، وسمي يوم الجمع لأن الله يجمع الأولين والآخرين والإنس والجن وأهل السماء وأهل الأرض، وقيل: هو يوم يجمع الله بين كل عبد وعمله، وقيل: لأنه يجمع فيه بين الظالم والمظلوم، وقيل: لأنه يجمع فيه بين ثواب أهل الطاعات وعقاب أهل المعاصي (ذلك يوم التغابن) والغبن: النقص، يقال: غبنه إذا أخذ منه الشيء بدون قيمته، وسمي يوم التغابن لأن أهل الجنة يغبنون فيه أهل النار، حيث إن أهل الجنة يأخذون الجنة، وأهل النار يأخذون النار على طريق المبادلة، فيقع الغبن لأجل مبادلتهم الخير بالشر، والنعيم بالعذاب، وقيل: هو تمثيل الغبن في الشراء والبيع، كما قال تعالى: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى) (البقرة: 16) فلما ذكر أن الكفار اشتروا الضلالة بالهدى وما ربحوا في تجارتهم بل خسروا، وذكر أيضا أنهم غبنوا لأن أهل الجنة اشتروا الآخرة بترك الدنيا، واشترى أهل النار الدنيا بترك الآخرة، وهذا نوع مبادلة اتساعا ومجازا، والأمثال موضوعة للبيان في حكم اللغة والقرآن (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا) يعني: ومن يصدّق بالله ويعمل بطاعته، وينته إلى أمره ونهيه (يكفر عنه سيئاته) يعني: يمح عنه ذنوبه ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار) يعني: ويُدخله بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار (خالدين فيها أبدا) يعني: لابثين فيها أبدا، لا يموتون، ولا يخرجون منها (ذلك الفوز العظيم) يعني: خلودهم في الجنات التي وصفنا النجاء العظيم لهم. (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا) يعني: والذين جحدوا وحدانية الله، وكذبوا بأدلته وحججه وآي كتابه الذي أنزله على عبده محمد صلى الله عليه وسلم (أولئك أصحاب النار خالدين فيها) يعني: ماكثين فيها أبدا لا يموتون فيها، ولا يخرجون منها (وبئس المصير) يعني: وبئس الشيء الذي يُصار إليه جهنم.

2962

الآيات 11-12

(11) و (12) قوله تعالى: (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم. وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين). فيه تربية على القبول بقضاء الله تعالى وقدره وأن ذلك لا يتنافى مع العمل لأن من يؤمن بالله وهو عمل يوفق الله قلبه إلى الهداية والصواب. وفيه دعوة إلى طاعة الله وطاعة رسول الله باعتبارها من علامات الإيمان الصادق والهداية القلبية، وفيه عزاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم على تولي فريق من الناس عن الإيمان والطاعة بالتذكير أن مهمته الدعوة والتبليغ وليس إجبار الناس على الإيمان أو محاسبتهم على الكفر لأن ذلك لله تعالى. فقوله تعالى: (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله) يعني: بإرادته وقضائه، وقيل: بأمره، وقيل: بعلمه (ومن يؤمن بالله) يعني: يصدق ويعلم أنه لا يصيبه مصيبة إلا بإذن الله (يهد قلبه) يعني: للصبر والرضا، وقيل: يثبته على الإيمان (والله بكل شيء عليم) يعني: لا يخفى عليه تسليم من انقاد وسلم لأمره، ولا كراهة من كرهه. (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) يعني: هونوا على أنفسكم المصائب، واشتغلوا بطاعة الله والعمل بكتابه، وأطيعوا الرسول في العمل بسنته (فإن توليتم) يعني: عن الطاعة (فإنما على رسولنا البلاغ المبين) يعني: فليس على الرسول إلا التبليغ، وقد أعذر إليكم بالإبلاغ والله وليّ الانتقام ممن عصاه، وخالف أمره، وتولى عنه.

2963

الآية 13

(13) قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون). فيه تربية على التوحيد الخالص، ودعوة إلى التوكل باعتباره من التوحيد والإيمان. ونذكر هنا بأن التوكل على الله لا ينفي الأخذ بالأسباب، فالأخذ بالأسباب من التوكل لأن الله أمر بهما. وفيه ربط بين التوكل والإيمان. فقوله تعالى: (الله لا إله إلا هو) يعني: لا معبود سواه ولا خالق غيره (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) يعني: وعلى الله فليعتمد المصدقون بالله.

2964

الآيات 14-15

(14) و (15) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم. إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم). فيه بيان أن الأزواج والأولاد والأموال من الفتن التي يمتحن الله بها الناس، فهي سلاح ذو حدين، إن أحسنا التعامل معه أدى بنا إلى طاعة الله، وإن أسأنا التعامل معه أدى بنا إلى معصية الله. وفيه تربية على أخلاق العفو والصفح والمغفرة للناس باعتبارها من صفات الله التي يجب على كل مؤمن أن يتصف بها. فقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم) قال ابن عباس: نزلت هذه الآية بالمدينة في عوف بن مالك الأشجعي، شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم جفاء أهله وولده، فنزلت. وقال عطاء بن يسار: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، وكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورققوه فقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرق فيقيم. وروى الترمذي عن ابن عباس قال: هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم رأوا الناس قد فقهوا في الدين فهموا أن يعاقبوهم، فأنزل الله تعالى هذه الآيات. (قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح). وقوله: (فاحذروهم) يعني: على أنفسكم، والحذر على النفس يكون بوجهين: إما لضرر في البدن، وإما لضرر في الدين، وضرر البدن يتعلق بالدنيا، وضرر الدين يتعلق بالآخرة، فحذر الله سبحانه العبد من ذلك وأنذره به (وإن تعفوا) يعني: عما سلف منهم من صدّهم إياكم عن الإسلام والهجرة (وتصفحوا) يعني: لهم عن عقوبتكم إياهم على ذلك (وتغفروا) يعني: لهم غير ذلك من الذنوب (فإن الله غفور) يعني: لمن تاب من عباده من الذنوب (رحيم) يعني: بكم أن يعاقبكم عليها من بعد توبتكم منها. (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) يعني: بلاء واختبار يحملكم على كسب المحرم ومنع حق الله تعالى فلا تطيعوهم في معصية الله (والله عنده أجر عظيم) يعني: الجنة، فهي الغاية، ولا أجر أعظم منها.

2965

الآية 16

(16) قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون). فيه تربية على التقوى لله قدر المستطاع، والسمع والطاعة لرسول الله لأن طاعته من طاعة الله، والإنفاق في سبيل الله لأن ثواب الإنفاق يعود على المنفق أولا، وأن الفلاح مرهون بتزكية النفس من البخل الذي هو منع الواجب في المال من النفقة والزكاة والصدقة. فقوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) يعني: قدر استطاعتكم، ولا تعارض بينها وبين قوله تعالى: (اتقوا الله حق تقاته) (آل عمران: 102) لأن الجمع بينهما يكون بأن نقول: اتقوا الله حق تقاته ما استطعتم (واسمعوا وأطيعوا) يعني: اسمعوا ما توعظون به، وأطيعوا فيما تؤمرون به وتنهون عنه (وأنفقوا) يعني: في سبيل الله كالزكاة والنفقة في الجهاد والنفقة على النفس وعلى من يعول (خيرا لأنفسكم) يعني: ثواب الإنفاق يكون للمنفق (ومن يوق شح نفسه) يعني: هوى نفسه فيما نهى الله عنه (فأولئك هم المفلحون) يعني: الناجون، الذين أدركوا ما طلبوا عند ربهم.

2966