التفسير التربويالجزء 1 · ص 2951 - 2958

الآية 5

الآية 5

(5) قوله تعالى: (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدى القوم الظالمين). اعلم أنه تعالى لما أثبت التوحيد والنبوة، وبين في النبوة أنه عليه الصلاة والسلام بُعث إلى الأميين واليهود ردا على شبهة اليهود في أنه لم يُبعث إليهم، أتبعه بضرب المثل للذين أعرضوا عن العمل بالتوراة والإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام، والمقصود منه أنهم لما لم يعملوا بما في التوراة شبهوا بالحمار، لأنهم لو عملوا بمقتضاها لانتفعوا بها، ولم يوردوا تلك الشبهة، وذلك لأن فيها نعت الرسول عليه السلام، والبشارة بمقدمه، والدخول في دينه. وفيه تنبيه من الله تعالى لمن حمل الكتاب أن يتعلم معانيه ويعلم ما فيه، لئلا يلحقه من الذم ما لحق هؤلاء. وفيه ترهيب من الظلم سواء كان ظلم النفس أو ظلم الغير بالوعيد عليه بعد الهداية إلى الدين وعدم الهداية إلى الصواب والحكمة في الدنيا. فقوله تعالى: (مثل الذين حملوا التوراة) ضرب مثلا لليهود لما تركوا العمل بالتوراة ولم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم (حملوا التوراة) يعني: كلفوا العمل بها، وقيل: هو من الحمالة بمعنى الكفالة، أي ضمنوا أحكام التوراة (ثم لم يحملوها) يعني: لم يعملوا بها (كمثل الحمار يحمل أسفارا) يعني: كتبا، والسفر هو الكتاب الكبير لأنه يسفر عن المعنى إذا قرئ (بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله) يعني: لمثل الذي ضربناه لهم (والله لا يهدي القوم الظالمين) يعني: الكافرين، لا يهديهم إلى الإيمان ولا يلهمهم الصواب في الحياة.

2951

الآيات 6-8

(6) و (7) و (8) قوله تعالى: (قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين. ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين. قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون). التربية العقلية أحد أهداف التربية في القرآن، وإذا كان الجدل والحوار والمناظرة هو أحد الوسائل في التربية العقلية، فإنّ المباهلة نوع خاص من الجدل والحوار، وهذا النوع هو من خواص النبوة، وقد أمر الله نبيه، أن يقول لليهود: ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب، واليهود لم يفعلوا ذلك، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أنّ اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار» (أحمد). وسواء قبل اليهود بالمباهلة أم رفضوا ذلك فإنّ المعجزة قائمة في الحالتين، فلو تمنوا الموت لماتوا، وتلك معجزة يثبت من خلالها صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبطلان كفر اليهود بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وحيث إنهم لم يتمنوا الموت فثبت بذلك أنهم على باطل، وأنّ رفضهم تمني الموت هو من قبيل الخوف من مصيرهم يوم القيامة بما عملوا وبما أسلفوا، وهذا دليل على أنّ محمدا صلى الله عليه وسلم صاحب حق في دعوته وهم أصحاب باطل في كفرهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. فقوله تعالى: (قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس) وذلك أن اليهود ادعت الفضيلة والكرامة والولاية عند الله وقالوا: (نحن أبناء الله وأحباؤه) (المائدة: 18) فخاطبهم قائلا: (فتمنوا الموت) يعني: لتصيروا إلى ما يصير إليه أولياء الله (إن كنتم صادقين) يعني: في ادعائكم. (ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم) يعني: ما أسلفوه من تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم، فلو تمنوه لماتوا، فكان في ذلك بطلان قولهم وما ادعوه من الولاية، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أنّ اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار» (أحمد)، وفي هذا إخبار عن الغيب، ومعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم (والله عليم بالظالمين) يعني: الكافرين الذين يفترون على الله تعالى. (قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم) يعني: إن فررتم منه فإنه ملاقيكم، وفيه مبالغة في الدلالة على أنه لا ينفع الفرار من الموت (ثم تردون إلى عالم الغيب) يعني: ما غاب عن العباد (والشهادة) يعني: ما ظهر للعباد (فينبئكم) يعني: فيخبركم إخبار حساب يوم القيامة (بما كنتم تعملون) يعني: في الدنيا.

2952

الآيات 9-11

(9) و (10) و (11) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون. وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين). في تعلق هذه الآيات بما قبلها نقول: قد أبطل الله قول اليهود في ثلاث: افتخر اليهود بأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم، فشبههم بالحمار يحمل أسفارا. وافتخروا بأنهم أولياء الله وأحباؤه، فكذبهم بأن طلب منهم تمني الموت. وافتخروا بالسبت وليس للمسلمين مثله فشرع الله تعالى لهم الجمعة. وفيه تربية على تلبية النداء لصلاة الجمعة وترك كل الأعمال الدنيوية مهما كانت حتى قال بعض الفقهاء إن عقد البيع إذا حصل بعد النداء فإنه باطل. وفيه تربية على التوازن في ثنائية الدنيا والآخرة فإذا انتهى المسلم من الصلاة فعليه أن يسعى في طلب المنافع مع التذكر بأنه يطلب منافع الدنيا للتقوي على طلب الآخرة. وفيه تحذير من تقديم أمور الدنيا على أمور الآخرة. فقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا) خاطب الله المؤمنين بالجمعة دون الكافرين تشريفا لهم وتكريما (إذا نودي للصلاة من) يعني: في (يوم الجمعة) قيل: سمي يوم الجمعة لأن الله جمع فيها خلق آدم، وقيل: لأن الله تعالى فرغ فيها من خلق كل شيء فاجتمعت فيها المخلوقات، وقيل: كان يقال ليوم الجمعة في الجاهلية: العروبة، وأول من سماها الجمعة هم الأنصار، قال ابن سيرين: جمع أهل المدينة من قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وقبل أن تنزل الجمعة، وهم الذين سموها الجمعة، وذلك أنهم قالوا: إن لليهود يوما يجتمعون فيه في كل سبعة أيام وهو السبت، وللنصارى يوم مثل ذلك وهو الأحد، فتعالوا فلنجتمع حتى نجعل يوما لنا نذكر الله ونصلي فيه فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة، فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة (أبو أمامة رضي الله عنه) فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم، فسموه يوم الجمعة حين اجتمعوا، فذبح لهم أسعد شاة فتعشوا وتغدوا منها لقلتهم، فهذه أول جمعة في الإسلام. وروي أنهم كانوا اثني عشر رجلا. وقال البيهقي: وروينا عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري أن مصعب ابن عمير كان أول من جمع الجمعة بالمدينة للمسلمين قبل أن يقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال البيهقي: يحتمل أن يكون مصعب جمع بهم بمعونة أسعد بن زرارة فأضافه كعب إليه. وأما أول جمعة جمعها النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه، فقال أهل السير والتواريخ: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا حتى نزل بقباء، على بني عمرو بن عوف يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين اشتد الضحى، ومن تلك السنة يعد التاريخ، فأقام بقباء إلى يوم الخميس وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم قد اتخذ القوم في ذلك الموضع مسجدا، فجمع بهم وخطب، وهي أول خطبة خطبها بالمدينة (فاسعوا إلى ذكر الله) يعني: فامضوا بجد وعزيمة إلى الخطبة والصلاة (وذروا البيع) والمقصود منه ترك كل ما سوى السعي للصلاة، وخص البيع لأنه أكثر ما يشغل الناس عن الصلاة، والبيع لا يخلو عن شراء فاكتفى بذكر أحدهما، وقال بعض العلماء: بأن عقد البيع يصح مع الحرمة، وقال أكثرهم: إن عقد البيع بعد الأذان باطل ويجب فسخه (ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) وهو من الخيرية التي ليس في الطرف الآخر منها شيء، لأن صلاة الجمعة فرض عين على كل مسلم مكلف، وفي سنن ابن ماجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها طبع الله على قلبه». وقوله تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض) هذا أمر إباحة، كقوله تعالى: (وإذا حللتم فاصطادوا) (المائدة: 2) والمعنى: إذا فرغتم من الصلاة فانتشروا في الأرض للتجارة والتصرف في حوائجكم (وابتغوا من فضل الله) يعني: من رزقه، وقيل: طلب العلم، وقيل: عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة الأخ في الله تعالى (واذكروا الله كثيرا) يعني: بالطاعة واللسان وبالشكر على النعم، وقال سعيد بن جبير: الذكر طاعة الله تعالى، فمن أطاع الله فقد ذكره ومن لم يطعه فليس بذاكر وإن كان كثير التسبيح (لعلكم تفلحون) يعني: لتفلحوا. (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما) وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما يوم الجمعة، فجاءت عير من الشام فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا، وفي رواية: أنا فيهم، فنزلت هذه الآية التي في الجمعة: (وإذا رأوا تجارة أو لهو انفضوا إليها وتركوك قائما). وقد ذكرت بعض الروايات أنه لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن ابن عوف وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد وبلال، وعبد الله بن مسعود في إحدى الروايتين، وفي الرواية الأخرى عمار بن ياسر. وكانت الخطبة حينها بعد الصلاة، ثم أصبحت قبل الصلاة (قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة) يعني: ما عند الله من ثواب صلاتكم خير من لذة لهوكم وفائدة تجارتكم، وقيل: ما عند الله من رزقكم الذي قسمه لكم خير مما أصبتموه من لهوكم وتجارتكم (والله خير الرازقين) يعني: خير من رزق وأعطى، فمنه فاطلبوا، واستعينوا بطاعته على نيل ما عنده من خيري الدنيا والآخرة. والحمد لله رب العالمين.

2953

التفسير التربوي لسورة المنافقون

قال القرطبي في التفسير: «سورة المنافقون: مدنية في قول الجميع. وهي إحدى عشرة آية».

وقال الرازي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: «وجه تعلق هذه السورة بما قبلها هو أن تلك السورة مشتملة على ذكر بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، وذكر من كان يكذبه قلبا ولسانا، وهذه السورة مشتملة على ذكر من كان يكذبه قلبا دون اللسان ويصدقه لسانا دون القلب. وأما الأول بالآخر: فذلك أن في آخر تلك السورة تنبيها لأهل الإيمان على تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم ورعاية حقه بعد النداء لصلاة الجمعة وتقديم متابعته في الأداء على غيره، وأن ترك التعظيم والمتابعة من شيم المنافقين والمنافقون هم الكاذبون».

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: ((هذه السورة التي تحمل هذا الاسم الخاص (المنافقون) الدال على موضوعها، ليست هي السورة الوحيدة التي فيها ذكر النفاق والمنافقين، ووصف أحوالهم ومكائدهم، فلا تكاد تخلو سورة مدنية من ذكر المنافقين تلميحا أو تصريحا، ولكن هذه السورة تكاد تكون مقصورة على الحديث عن المنافقين، والإشارة إلى بعض الحوادث والأقوال التي وقعت منهم ورويت عنهم. وهي تتضمن حملة عنيفة على أخلاق المنافقين وأكاذيبهم ودسائسهم ومناوراتهم، وما في نفوسهم من البغض والكيد للمسلمين، ومن اللؤم والجبن وانطماس البصائر والقلوب. وليس في السورة عدا هذا إلا لفتة في نهايتها إلى الذين آمنوا لتحذيرهم من كل ما يلصق بهم من صفة من صفات المنافقين ولو من بعيد. وأدنى درجات النفاق عدم التجرد لله، والغفلة عن ذكره اشتغالا بالأموال والأولاد، والتقاعس عن البذل في سبيل الله حتى يأتي اليوم الذي لا ينفع فيه البذل والصدقات. وحركة النفاق التي بدأت بدخول الإسلام المدينة، واستمرت إلى قرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تنقطع في أي وقت تقريبا، وإن تغيرت مظاهرها ووسائلها بين الحين والحين، هذه الحركة ذات أثر واضح في سيرة هذه الفترة التاريخية وفي أحداثها، وقد شغلت من جهد المسلمين ووقتهم وطاقتهم قدرا كبيرا، وورد ذكرها في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف مرات كثيرة تدل على ضخامة هذه الحركة ، وأثرها البالغ في حياة الدعوة في ذلك الحين)).

(1) قوله تعالى: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون). تكاد كل آية في هذه السورة أن تأتي بصفة من صفات المنافقين حتى تكتمل صفاتهم وكأن هذه السورة هي الفاضحة للمنافقين. وكل هذا يأتي في إطار تعرية الشر حتى لا يتصف الناس به ولا يقعوا فيه. وأول صفة من صفات المنافقين هي التعريف بالنفاق وتحديد معناه. فالمنافق هو من يظهر الإيمان ويبطن خلافه كما في هذه الآية حيث يظهر المنافقون الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا ويبطنون الإيمان بنفي النبوة والرسالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفيه تسلية وعزاء لرسول الله حيث يبين الله له حقيقة المنافقين ويشهد له بالرسالة، وما يضره تكذيب المنافقين له إذا شهد له الله من سابع سماء بالنبوة والرسالة. فقوله تعالى: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله) روى البخاري عن زيد بن أرقم قال: كنت مع عمي فسمعت عبد الله بن أبي بن سلول يقول: (لا تنفقوا علي من عند رسول الله حتى ينفضوا) وقال: (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) فذكرت ذلك لعمي، فذكر عمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا، فصدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبني، فأصابني هم لم يصبني مثله، فجلست في بيتي فأنزل الله عز وجل: (إذا جاءك المنافقون) إلى قوله: (هم الذين يقولون لا تنفقوا علي من عند رسول الله) (إلى قوله: (ليخرجن الأعز منها الأذل) فأرسل إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «إن الله قد صدقك» (أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح). وسئل حذيفة بن اليمان عن المنافق، فقال: الذي يصف الإسلام ولا يعمل به، وهم اليوم شر منهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا يكتمونه وهم اليوم يظهرونه. وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان». وقوله: (قالوا نشهد إنك لرسول الله) يعني: نحلف، فعبر عن الحلف بالشهادة، لأن كل واحد من الحلف والشهادة إثبات لأمر مغيب، ويحتمل أن يكون ذلك محمولا على ظاهره أنهم يشهدون أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم اعترافا بالإيمان ونفيا للنفاق عن أنفسهم (والله يعلم إنك لرسوله) يعني: كما قالوه بألسنتهم (والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) يعني: فيما أظهروا من شهادتهم وحلفهم بألسنتهم لأن قلوبهم ليست كذلك، وهذا يدل على أن الإيمان تصديق بالقلب، وعلى أن الكلام الحقيقي كلام القلب، ومن قال شيئا واعتقد خلافه فهو كاذب.

(2) قوله تعالى: (اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون). والسمة الثانية من سمات المنافقين هي كثرة الحلف الكاذب بالله لإخفاء كذبهم وجعل الناس يصدقون أباطيلهم، وكثرة الأيمان أمارة الكذب كما يقولون. وفيه بيان أن المنافقين يصدون عن الإسلام بنفاقهم وهذا من سوء عملهم، خاصة وأن الشخصية النفاقية هي شخصية مريضة بالفصام بين الظاهر والباطن أو بتعدد الشخصيات كما يقال في الطب النفس حيث لهم شخصية مع المؤمنين وشخصية أخرى مغايرة تماما مع الكافرين وشخصية ثالثة مع المنافقين أمثالهم. فقوله تعالى: (اتخذوا أيمانهم جنة) يعني: اتخذوا حلفهم بالله سترة، وفي قراءة (إيمانهم) يعني: اتخذوا إعلانهم الإيمان وقاية لأنفسهم وأموالهم (فصدوا عن سبيل الله) يعني: أعرضوا، وقيل: صرفوا المؤمنين عن إقامة حكم الله عليهم من القتل وأخذ الأموال، وقيل: منعوا الناس عن الجهاد بأن يتخلفوا ويقتدي بهم غيرهم (إنهم ساء ما كانوا يعملون) يعني: ساءت الأعمال أعمالهم الخبيثة من النفاق والأيمان الكاذبة والصد عن سبيل الله.

(3) قوله تعالى: (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون). وفي هذه الآية بيان لنوعين من النفاق: النفاق المتقطع الذي تصرح به هذه الآية، والنفاق المستمر الذي صرحت به سورة البقرة في مطلعها. ففي النفاق المتقطع يتناوب الإيمان مع الشك والكفر في الباطن ويكون الظاهر هو الإيمان، وفي النفاق المستمر يكون قلب المنافق على حالة واحدة من الكفر بينما يكون ظاهره هو الإيمان. وقد نجد التحول من النفاق المتقطع إلى النفاق المستمر الذي تصرح به هذه الآية. وفيه إعلام من الله تعالى بأن المنافق كافر. فقوله تعالى: (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا) يعني: آمنوا باللسان ثم كفروا بالقلب، وقيل: نزلت هذه الآية في قوم آمنوا ثم ارتدوا (فطبع على قلوبهم) يعني: ختم عليها بالكفر (فهم لا يفقهون) الإيمان ولا الخير.

(4) قوله تعالى: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون). والسمة الرابعة من سمات المنافقين هي الفصل بين ظاهر الحال وباطن المقال، فالذين يختارون النفاق هم في الغالب من الذين يمتلكون أجساما جميلة ومنطقا حلوا ولكن لخبث باطنهم فهم كالأخشاب اليابسة التي ليس فيها حياة. فكأن المنافقين هنا يغطون السماوات بالقبوات، فيغطون خبث الباطن بجمال الظاهر. ومن سمات المنافقين الشك بالآخر وسوء التفسير لكلام الآخر فهم على القاعدة التي تقول: يكاد المريب يقول خذوني، أو كما يقال في الأمثال: الذي تحت إبطه مسلة تنخزه. فقوله تعالى: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم) يعني: هيئاتهم ومناظرهم (وإن يقولوا تسمع لقولهم) يعني: يحسنون الإبانة، فوصفهم الله بتمام الصورة وحسن الإبانة، وقيل: هي صفة لعبد الله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس: كان عبد الله بن أبي وسيما جسيما صحيحا صبيحا ذلق اللسان (كأنهم خشب مسندة) يعني: شبههم بالأخشاب المسندة إلى الحائط لا يسمعون ولا يعقلون، أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام (يحسبون كل صيحة عليهم) يعني: يصفهم بالجبن والخور (هم العدو فاحذرهم) يعني: فاحذر أن تثق بقولهم أو تميل إلى كلامهم، وقيل: فاحذر ميلهم لأعدائك وتخذيلهم لأصحابك (قاتلهم الله) يعني: لعنهم الله، وهي كلمة ذم وتوبيخ، وقيل: أحلهم محل من قاتله عدو قاهر، لأن الله تعالى قاهر لكل معاند (أنى يؤفكون) يعني: كيف يكذبون، وقيل: كيف يعدلون عن الحق ويصرفون عن الرشد، وقيل: كيف تضل عقولهم عن هذا مع وضوح الدلائل، فالإفك يكون بمعنى الكذب، ويكون بمعنى الصرف.

(5) قوله تعالى: (وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون). والسمة الخامسة من سمات المنافقين هي السخرية من استغفار رسول الله صلى الله عليهم وسلم للمؤمنين بالتكبر عليها والصد عنها لأنهم لا يؤمنون بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلا. فقوله تعالى: (وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله) لما نزل القرآن بصفتهم مشى إليهم عشائرهم وقالوا: افتضحتم بالنفاق فتوبوا إلى رسول الله من النفاق، واطلبوا أن يستغفر لكم، فلووا رؤوسهم، يعني: حركوها استهزاء وإباء (ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون) يعني: يعرضون عن الرسول متكبرين عن الإيمان.

(6) قوله تعالى: (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين). فيه ترهيب ووعيد للمنافقين بأن استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم لا ينفعهم وإن حصل وأن الله لن يهديهم سبيلا لأنهم قوم فاسقون خارجون عن وعلى طاعة الله. فقوله تعالى: (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم) يعني: كل ذلك سواء، لا ينفع استغفارك شيئا، لأن الله لن يغفر لهم (إن الله لا يهدي القوم الفاسقين) يعني: من كانت أعماله الفسق فإن الله لا يهديه إلى الإيمان.

(7) قوله تعالى: (هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون). والسمة السابعة من سمات المنافقين هي الحرب المالية الخبيثة المقصد على المسلمين وهي أنهم يسعون في ردة المؤمنين من خلال منع المساعدات المالية التي قد تصلهم. وفيه وعد للمؤمنين بأن الله يتكفل برزقهم فيستمروا في الإيمان رغم فقر الحال في بعض الأوقات فهو المالك المطلق لخزائن الرزق في السماوات والأرض. فقوله تعالى: (هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا) يعني: حتى يتفرقوا عنه (ولله خزائن السماوات والأرض) فأعلمهم الله سبحانه أن خزائن السماوات والأرض له ينفق كيف يشاء، وقال الجنيد: خزائن السماوات الغيوب، وخزائن الأرض القلوب، فهو علام الغيوب ومقلب القلوب (ولكن المنافقين لا يفقهون) يعني: أنه تعالى إذا أراد أمرا يسره.

(8) قوله تعالى: (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون). وإذا كانت إحدى وسائل التعرف على الشخصية هي زلات اللسان كما يقال في علم النفس الحديث، ففي هذه الآية زلة لسان لزعيم المنافقين في العهد النبوي حيث زل لسانه بالقول: لئن رجعنا إلى لمدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فصرح بأنه الأعز وأن الرسول هو الأذل كما صرح برغبته في طرد رسول الله ومن معه من المدينة. وفيه تسلية وعزاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بأنهم هم الأعزاء لأن العزة لله وقد جعلها في رسله وفي المؤمنين معهم وحرم منها المنافقين في الدنيا وفي الآخرة. فالعقل السليم يقول بذلة كل من يعمل على خلاف ما يعتقد على سبيل الخوف أو الإكراه كما هو حال المنافقين. فقوله تعالى: (يقولون) يعني: المنافقين (لئن رجعنا إلى المدينة) يعني: المدينة النبوية (ليخرجن الأعز منها) يعنون: أنفسهم (الأذل) يعنون: رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتوهموا أن العزة بكثرة الأموال والأتباع (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) يعني: المنعة والقوة لله وقد جعلها لرسوله وللمؤمنين به (ولكن المنافقين لا يعلمون) ذلك لأنهم لا يؤمنون أساسا بالله والرسول.

(9) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون). فيه تحذير من فتنة المال وفتنة الأولاد لأنها قد تدفع بصاحبها إلى سلوك سبيل النفاق خوفا عليهما، كما أن الخوف على المال أو الولد قد يدفع المؤمن إلى الجبن أو البخل، ومنه الخسارة في الحالين. وفيه تحذير للمؤمنين أخلاق المنافقين. فقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم) يعني: لا تشتغلوا بهما فتصيرون إلى الشح والبخل (عن ذكر الله) يعني: عن طاعته وعبادته كالصلاة والحج والزكاة والإنفاق في سبيل الله وقراءة القرآن (ومن يفعل ذلك) يعني: ومن يشتغل بالمال والولد عن طاعة ربه (فأولئك هم الخاسرون) يعني: في الآخرة حيث يخسر المال والولد ويخسر نفسه بأن يوردها النار.

(10) و (11) قوله تعالى: (وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين. ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون). فيه تحذير من طلب الرجعة سواء في الآخرة أو عند الموت من خلال الوعيد الإلهي بأنه لا رجعة في الآخرة ولا حين الموت، وذلك أنه ما من كافر إلا ويطلب الرجعة إلى الدنيا لكي ينفق ماله في سبيل الله ويعمل الأعمال الصالحة التي لم يكن يعملها في الدنيا. وفي بعض الآثار أنه ما من مؤمن يملك المال ولم يؤد زكاته ولم يحج به إلى بيت الله إلا سأل الرجعة حين الموت لكي يؤدي الزكاة ويحج إلى بيت الله الحرام. فقوله تعالى: (وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت) يدل على وجوب تعجيل أداء الزكاة، ولا يجوز تأخيرها أصلا، وكذلك سائر العبادات إذا تعين وقتها (فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين) يعني: يسأل الرجعة إلى الدنيا ليعمل صالحا. وروى الترمذي عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس قال: من كان له مال يبلغه حج بيت ربه أو تجب فيه الزكاة فلم يفعل، سأل الرجعة عند الموت. فقال رجل: يا بن عباس، اتق الله، إنما يسأل الرجعة الكفار. فقال: سأتلو عليك بذلك قرآنا: (وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين). وقال ابن عباس: هذه الآية أشد على أهل التوحيد، لأنه لا يتمنى الرجوع إلى الدنيا أو التأخير فيها أحد له عند الله خير في الآخرة. (ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها) يعني: حان وقت وفاتها (والله خبير بما تعملون) يعني: من خير وشر. والحمد لله رب العالمين.

2954

التفسير التربوي لسورة التغابن

قال القرطبي في التفسير: ((سورة التغابن مدنية في قول الأكثرين. وقال الضحاك: مكية. وقال الكلبي: هي مكية ومدنية. وهي ثماني عشرة آية. وعن ابن عباس أن سورة التغابن نزلت بمكة، إلا آيات من آخرها نزلت بالمدينة في عوف بن مالك الأشجعي، شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جفاء أهله وولده، فأنزل الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم) (التغابن: 14) إلى آخر السورة. وعن عبد الله بن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود يولد إلا وفي تشبيك رأسه مكتوب خمس آيات من فاتحة سورة التغابن)).

وقال ابن كثير في التفسير: ((سورة التغابن: وهي مدنية، وقيل: مكية. روى الطبراني عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود يولد إلا مكتوب في تشبيك رأسه خمس آيات من سورة التغابن) أورده ابن عساكر في ترجمة (الوليد بن صالح) وهو غريب جدا، بل منكر)).

وفي علاقة هذه السورة بالتي قبلها قال البقاعي: «لما ختمت تلك بإثبات القهر بنفوذ الأمر وإحاطة العلم، افتتح هذه بإحاطة الحمد ودوام التنزه عن كل شائبة نقص، إرشادا إلى النظر في أفعاله والتفكر في مصنوعاته لأنه الطريق إلى معرفته، وأما معرفته بكنه الحقيقة فمحال فإنه لا يعرف الشيء كذلك إلا مثله ولا مثل له». وقال الرازي: «وجه تعلق هذه السورة بما قبلها هو أن تلك السورة للمنافقين الكاذبين، وهذه السورة للموافقين الصادقين. وأيضا فإن تلك السورة مشتملة على ذكر النفاق سرا وعلانية، وهذه السورة مشتملة على التهديد البالغ لهم عن ذلك. وأما تعلق هذه السورة بآخر التي قبلها فلأن في آخر تلك السورة التنبيه على الذكر والشكر كما تقدم، وفي أول هذه السورة إشارة إلى أن في الناس أقواماً يواظبون على الذكر والشكر دائما وهم الذين يسبحون».

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: ((هذه السورة أشبه شيء بالسور المكية في موضوعها وفي سياقها وفي ظلالها وإيحاءاتها، وبخاصة المقاطع الأولى منها، فلا يكاد الجو المدني يتبين إلا في فقراتها الأخيرة. والفقرات الأولى إلى ابتداء النداء: (يا أيها الذين آمنوا) تستهدف بناء أسس العقيدة، وإنشاء التصور الإسلامي في القلوب بأسلوب السور المكية التي تواجه الكفار المشركين ابتداء، وتخاطبهم بهذا التصور خطاب المبتدئ في مواجهته، ثم هي تستخدم المؤثرات الكونية والنفسية كما تستعرض مصائر الغابرين من المكذبين قبلهم، وتعرض عليهم مشاهد القيامة لإثبات البعث، وتوكيده توكيدا شديدا، يدل على أن المخاطبين به من المنكرين الجاحدين. فأما الفقرات الأخيرة فهي تخاطب الذين آمنوا بما يشبه خطابهم في السور المدنية لحثهم على الإنفاق، وتحذرهم فتنة الأموال والأولاد. وهي الدعوة التي تكررت نظائرها في العهد المدني بسبب مقتضيات الحياة الإسلامية الناشئة فيها. كما أن فيها ما قد يكون تعزية عن مصاب أو تكاليف وقعت على عاتق المؤمنين، ورد الأمر فيها إلى قدر الله، وتثبيت هذا التصور، وهو ما يتكرر في السور المدنية وبخاصة بعد الأمر بالجهاد وما ينشأ عنه من تضحيات. ولقد وردت روايات أن السورة مكية، ووردت روايات أخرى أنها مدنية مع ترجيحها، وكدت أميل إلى اعتبارها مكية تأثرا بأسلوب الفقرات الأولى فيها وجوها، ولكني أبقيت اعتبارها مدنية مع الرأي الراجح فيها لأنه ليس ما يمنع أن تكون الفقرات الأولى فيها خطابا للكفار بعد الهجرة سواء كانوا كفار مكة أم كفار القريبين من المدينة. كما أنه ليس ما يمنع أن يستهدف القرآن المدني في بعض الأحيان جلاء أسس العقيدة، وإيضاح التصور الإسلامي، بهذا الأسلوب الغالب على أسلوب القرآن المكي، والله أعلم. والمقطع الأول في السورة يستهدف بناء التصور الإيماني الكوني، وعرض حقيقة الصلة بين الخالق سبحانه وهذا الكون الذي خلقه، وتقرير حقيقة بعض صفات الله وأسمائه الحسنى وأثرها في الكون وفي الحياة الإنسانية. والمقطع الثاني في السورة يذكر بمصير الغابرين من المكذبين بالرسل والبينات، المعترضين على بشرية الرسل، كما كان المشركون يكذبون ويعترضون على بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم ويكفرون بما جاءهم به من البينات)).

2955

الآية 1

قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ (التغابن: 1)

(1) قوله تعالى: (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير). فيه تربية على تسبيح الله بالقلب واللسان والعمل وكذلك في كل حين وعلى كل حال، لأنه تعالى المالك لكل ما خلق والقادر على كل شيء والمحمود على كل حال، وجاء التسبيح طلبا في صيغة الإخبار للتأكيد عليه حتى لكأنه قد حصل. فقوله تعالى: (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض) يعني: يسجد له ما في السموات السبع وما في الأرض من خلقه ويعظمه (له الملك) يعني: له ملك السماوات والأرض، وسلطانه ماض في ذلك، وقضاؤه نافذ فيه أمره (وله الحمد) يعني: وله حمد كلّ ما فيها من خلق، لأن جميع من في ذلك من الخلق لا يعرفون الخير إلا منه، وليس لهم رازق سواه فله حمد جميعهم (وهو على كل شيء قدير) يعني: وهو على كلّ شيء ذو قدرة، يخلق ما يشاء، ويميت من يشاء، ويغني من أراد، ويفقر من يشاء، ويعزّ من يشاء، ويذلّ من يشاء، لا يتعذر عليه شيء أراده، لأنه ذو القدرة التامة الذي لا يعجزه معها شيء.

2956

الآية 2

(2) قوله تعالى: (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير). فيه تربية على أنه تعالى خلق الإيمان وخلق الكفر وجعل الناس على نوعين لأن الابتلاء وهو الغاية من الدنيا لا يكون إلا بوجود الضدين. وفيه ترغيب بالطاعة وترهيب من المعصية من خلال التذكير بعلمه تعالى بما يعمل الناس من خير وشر. فقوله تعالى: (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن) يعني: إن الله خلق الخلق، ثم كفروا وآمنوا، وتمام الكلام: (هو الذي خلقكم)، ثم وصفهم فقال: (فمنكم كافر ومنكم مؤمن)، كقوله تعالى: (والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه) (النور: 45) الآية، قالوا: فالله خلقهم، والمشي فعلهم، وفي الحديث: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» (البخاري). وقال الزجاج: إن الله خلق الكافر، وكفره فعل له وكسب، مع أن الله خالق الكفر، وخلق المؤمن، وإيمانه فعل له وكسب، مع أن الله خالق الإيمان (والله بما تعملون بصير) يعني: والله بصير بأعمالكم عالم بها لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم بها، فاتقوه أن تخالفوه في أمره أو نهيه.

2957

الآية 3

(3) قوله تعالى: (خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير). فيه تربية على أنه تعالى خلق الخلق لأجل إحقاق الحق في الدنيا والآخرة، فكأنه تعالى يرضى للناس اختيار الإيمان في الدنيا لأجل الجزاء عليه بالجنة في الآخرة. وفيه تربية على الشكر من خلال التذكير بنعمة الخلق والتصوير حيث خلق الإنسان على أحسن تقويم فوجب على الإنسان أن يعمل أحسن الأعمال. وفيه ترغيب وترهيب من خلال التذكير بالمصير إليه تعالى يوم القيامة من أجل الحساب والجزاء والعقاب. فقوله تعالى: (خلق السماوات والأرض بالحق) يعني: خلقها حقا يقينا لأجل الحق وهو أن يجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى (وصوركم فأحسن صوركم) يعني: آدم عليه السلام خلقه بيده كرامة له، وقيل: جميع الخلائق، والتصوير: التخطيط والتشكيل، والمعنى: جعلهم على أحسن وأبهى صورة بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور (وإليه المصير) يعني: المرجع، فيجازي كلا بعمله.

2958