التفسير التربويالجزء 1 · ص 2975 - 2982

التفسير التربوي لسورة التحريم

التفسير التربوي لسورة التحريم

قال القرطبي في التفسير: «سورة التحريم مدنية في قول الجميع. وهي اثنتا عشرة آية. وتسمى سورة النبي».

وقال الرازي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: «أما التعلق بما قبلها فذلك لاشتراكهما في الأحكام المخصوصة بالنساء، واشتراك الخطاب بالطلاق في أول تلك السورة مع الخطاب بالتحريم في أول هذه السورة لما كان الطلاق في الأكثر من الصور أو في الكل كما هو مذهب البعض مشتملا على تحريم ما أحل الله. وأما الأول بالآخر فلأن المذكور في آخر تلك السورة يدل على عظمة حضرة الله تعالى، كما أنه يدل على كمال قدرته وكمال علمه، لما كان خلق السماوات والأرض وما فيهما من الغرائب والعجائب مفتقرا إليهما وعظمة الحضرة مما ينافي القدرة على تحريم ما أحل الله».

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «عندما جرى قدر الله أن يجعل الإسلام هو الرسالة الأخيرة، وأن يجعل منهجه هو المنهاج الباقي إلى آخر الخليقة، وأن تجري حياة المؤمنين به وفق الناموس الكوني العام، وأن يكون هذا الدين هو الذي يقود حياة البشرية ويهيمن على نشاطها في كل ميدان، عندما جرى قدر الله بهذا كله جعل الله هذا المنهج في هذه الصورة، شاملا كاملا متكاملا، يلبي كل طاقات البشر واستعداداتهم، في الوقت الذي يرفع هذه الطاقات وهذه الاستعدادات إلى الأفق اللائق بخليفة الله في الأرض، وبالكائن الذي كرمه الله على كثير من عباده، ونفخ فيه من روحه، وجعل طبيعة هذا الدين الانطلاق بالحياة إلى الأمام: نموا وتكاثرا، ورفعة وتطهرا، في آن واحد. فلم يعطل طاقة باقية بانية، ولم يكبت استعدادا نافعا، بل نشط الطاقات وأيقظ الاستعدادات وفي الوقت ذاته حافظ على توازن حركة الاندفاع إلى الأمام مع حركة الاندفاع إلى الأفق الكريم، الذي يهيئ الأرواح في الدنيا لمستوى نعيم الآخرة، ويعد المخلوق الفاني في الأرض للحياة الباقية في دار الخلود. وعندما جرى قدر الله أن يجعل طبيعة هذه العقيدة هكذا جرى كذلك باختيار رسولها صلى الله عليه وسلم إنساناً تتمثل فيه هذه العقيدة بكل خصائصها، وتتجسم فيه بكل حقيقتها، ويكون هو بذاته وبحياته الترجمة الصحيحة الكاملة لطبيعتها واتجاهها، إنسانا قد اكتملت طاقاته الإنسانية كلها، ضليع التكوين الجسدي، قوي البنية، سليم البناء، صحيح الحواس، يقظ الحس، يتذوق المحسوسات تذوقا كاملا سليما. وهو في ذات الوقت ضخم العاطفة، حي الطبع، سليم الحساسية، يتذوق الجمال، متفتح للتلقي والاستجابة، وهو في الوقت ذاته كبير العقل، واسع الفكر، فسيح الأفق، قوي الإرادة، يملك نفسه ولا تملكه. ثم هو بعد ذلك كله النبي الذي تشرق روحه بالنور الكلي، والذي تطيق روحه الإسراء والمعراج، والذي ينادى من السماء، والذي يرى نور ربه، والذي تتصل حقيقته بحقيقة كل شيء في الوجود من وراء الأشكال والظواهر، فيسلم عليه الحصى والحجر، ويحن له الجذع، ويرتجف به أحد الجبل! ثم تتوازن في شخصيته هذه الطاقات كلها، فإذا هو التوازن المقابل لتوازن العقيدة التي اختير لها. ثم يجعل الله حياته الخاصة والعامة كتابا مفتوحا لأمته وللبشرية كلها، تقرأ فيه صور هذه العقيدة، وترى فيه تطبيقاتها الواقعية. ومن ثم لا يجعل فيها سرا مخبوءا، ولا سترا مطويا، بل يعرض جوانب كثيرة منها في القرآن، ويكشف منها ما يطوى عادة عن الناس في حياة الإنسان العادي، حتى مواضع الضعف البشري الذي لا حيلة فيه لبشر، بل إن الإنسان ليكاد يلمح القصد في كشف هذه المواضع في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم للناس! إنه ليس له في نفسه شيء خاص، فهو لهذه الدعوة كله، فعلام يختبئ جانب من حياته صلى الله عليه وسلم أو يخبأ؟ إن حياته هي المشهد المنظور القريب الممكن التطبيق من هذه العقيدة، وقد جاء صلى الله عليه وسلم ليعرضها للناس في شخصه وفي حياته، كما يعرضها بلسانه وتوجيهه، ولهذا خلق، ولهذا جاء. ولقد حفظ عنه أصحابه صلى الله عليه وسلم ونقلوا للناس بعدهم أدق تفصيلات هذه الحياة، فلم تبق صغيرة ولا كبيرة حتى في حياته اليومية العادية لم تسجل ولم تنقل، وكان هذا طرفا من قدر الله في تسجيل حياة هذا الرسول، أو تسجيل دقائق هذه العقيدة مطبقة في حياة الرسول، فكان هذا إلى جانب ما سجله القرآن الكريم من هذه الحياة السجل الباقي للبشرية إلى نهاية الحياة. وهذه السورة تعرض في صدرها صفحة من الحياة البيتية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصورة من الانفعالات والاستجابات الإنسانية بين بعض نسائه وبعض، وبينهن وبينه! وانعكاس هذه الانفعالات والاستجابات في حياته صلى الله عليه وسلم وفي حياة الجماعة المسلمة كذلك، ثم في التوجيهات العامة للأمة على ضوء ما وقع في بيوت رسول الله وبين أزواجه. والوقت الذي وقعت فيه الأحداث التي تشير إليها السورة ليس محدداً . ولكن بالرجوع إلى الروايات التي جاءت عنه يتأكد أنه بعد زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش قطعا».

2975

الآيات 1-2

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِين﴾ (التحريم: 1-2)

(1) و (2) قوله تعالى: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم. قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم). فيه تربية على أنه لا يجوز للمؤمن أن يحلف على الامتناع عن أكل أو شرب مباح، وأن ذلك من اليمين المنعقدة التي تجب فيها الكفارة والحنث في اليمين. وفيه تربية على طبيعة العلاقة بين المؤمن وربه، فالله ولي المؤمن يتعهده بالمغفرة والرحمة والعلم والحكمة. فقوله تعالى: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي لله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلا، قالت: فتواطأت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير! أكلت مغافيرا؟ (والمغافير: بقلة متغيرة الرائحة فيها حلاوة) فدخل على إحداهما فقالت له ذلك، فقال: «بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش، ولن أعود له» وزاد البخاري في روايته: «وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدا»، فنزلت هذه الآيات في سورة التحريم، والتحريم هنا: الامتناع عن الحلال، وقيل: الحلف بالله على ترك الحلال (تبتغي مرضاة أزواجك) يعني: تفعل ذلك طلبا لرضاهن (والله غفور رحيم) يعني: غفور لما أوجب المعاتبة، رحيم برفع المؤاخذة. (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) تحليل اليمين: كفارتها إذا أراد المؤمن استباحة المحلوف عليه، وكفارة اليمين هي قوله تعالى في سورة المائدة: (فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) (المائدة: 89)، وفي الحديث: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير» (مسلم وأحمد) وقوله: (والله مولاكم) يعني: وليكم وناصركم بإزالة الحظر فيما تحرمونه على أنفسكم، وبالترخيص لكم في تحليل أيمانكم بالكفارة، وبالثواب على ما تخرجونه في الكفارة (وهو العليم) يعني: بخلقه (الحكيم) يعني: فيما فرض من حكمه.

2976

الآيات 3-4

(3) و (4) قوله تعالى: (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير. إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير). فيه تربية على أنه لا يجوز إفشاء السر. وفيه تربية على التوبة من خلال تشريعها الرباني والحض عليها. وفيه تربية على تعظيم الرسول الكريم من خلال إثبات الولاية له من الله والملائكة والمؤمنين. فقوله تعالى: (وإذا أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا) يعني: واذكر إذ أسر النبي إلى حفصة حديثا وهو الحلف على ترك أكل العسل المغافير واستكتامه إياها ذلك (فلما نبأت به) يعني: أخبرت به عائشة لمصافاة كانت بينهما، وكانتا متظاهرتين على نساء النبي صلى الله عليه وسلم (وأظهره الله عليه) يعني: وأطلعه الله على أنها قد نبأت به (عرف بعضه وأعرض عن بعض) يعني: عرف حفصة بعض ما أوحي إليه من أنها أخبرت عائشة بما نهاها عن أن تخبرها وأعرض عن بعض تكرما (فلما نبأها به) يعني: أخبر حفصة بما أظهره الله عليه (قالت من أنبأك هذا) يا رسول الله عني، فظنت أن عائشة أخبرته، فقال عليه السلام: (نبأني العليم) يعني: الذي لا يخفى عليه شيء (الخبير) وفي وصفه بكون خبيرا بعد وصفه بكونه عليما ما يدل على أن الخبير أكثر مبالغة من العليم. (إن تتوبا إلى الله) يعني حفصة وعائشة، حثهما على التوبة على ما كان منهما من الميل إلى خلاف محبة رسول الله صلي الله عليه وسلم (فقد صغت قلوبكما) يعني: زاغت ومالت عن الحق، وهو أنهما أحبتا ما كره النبي صلي الله عليه وسلم من اجتناب العسل، وكان عليه الصلاة والسلام يحب العسل (وإن تظاهرا عليه) يعني: تتظاهرا وتتعاونا على النبي صلى الله عليه وسلم بالمعصية والإيذاء. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له، حتى خرج حاجا فخرجت معه، فلما رجع فكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له، فوقفت حتى فرغ، ثم سرت معه فقلت: يا أمير المؤمنين، من اللتان تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه؟ فقال: تلك حفصة وعائشة، قال فقلت له: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة فما أستطيع هيبة لك، قال: فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من علم فسلني عنه، فإن كنت أعلمه أخبرتك (فإن الله هو مولاه) يعني: وليه وناصره فلا يضره ذلك التظاهر منهما (وجبريل) عليه السلام (وصالح المؤمنين) يعني: خيار المؤمنين، وقيل: هم الأنبياء، وقيل: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم (والملائكة بعد ذلك ظهير) يعني: أعوان له ومناصرين.

2977

الآية 5

(5) قوله تعالى: (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا). فيه تربية للزوجات عامة ولزوجات النبي خاصة من خلال التهديد بالاستبدال بزوجات خيرا منهن إن أصروا على الترفع على أزواجهن. فقوله تعالى: (عسى ربه إن طلقكن) قيل: كل (عسى) في القرآن واجب إلا هذا، وقيل: هو واجب ولكن الله عز وجل علقه بشرط وهو التطليق ولم يطلقهن (أن يبدله أزواجا خيرا منكن) لأنكن لو كنتن خيرا منهن ما طلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم لو طلقهن في الدنيا أن يزوجه في الدنيا نساء خيرا منهن، والله كان عالما بأنه كان لا يطلقهن، ولكن أخبر عن قدرته على أنه إن طلقهن أبدله خيرا منهن تخويفا لهن، وهو كقوله تعالى: (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم) (محمد: 38) وهو إخبار عن القدرة وتخويف لهم (مسلمات) يعني: لأمر الله تعالى وأمر رسوله (مؤمنات) يعني: مصدقات بما أمرن به ونهين عنه (قانتات) يعني: مطيعات، والقنوت: الطاعة (تائبات) يعني: من ذنوبهن، وقيل: راجعات إلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم (عابدات) يعني: كثيرات العبادة لله تعالى، وقال ابن عباس: كل عبادة في القرآن فهو التوحيد (سائحات) يعني: صائمات، وسمي الصائم سائحا لأن السائح لا زاد معه، وإنما يأكل من حيث يجد الطعام، وقيل: مهاجرات، وقيل: ذاهبات في طاعة الله عز وجل، من ساح الماء إذا ذهب (ثيبات وأبكارا) يعني: منهن ثيب ومنهن بكر.

2978

الآية 6

(6) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون). فيه تربية على مسؤولية الإنسان عن نفسه وعن أهله وعمن يعول بحملهم على التربية الإسلامية الصحيحة والأعمال الصالحة وقاية لهم من النار. وفيه ترهيب من النار من خلال بيان شدتها وشدة الملائكة الموكلين بها. فقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا) أمر الله تعالى بوقاية الإنسان نفسه وأهله النار، قيل: قوا أنفسكم وأمروا أهليكم بالذكر والدعاء حتى يقيهم الله بكم، وقيل: قوا أنفسكم بأفعالكم وقوا أهليكم بوصيتكم، وهو الصحيح، لأن الفقه الذي يعطيه العطف الذي يقتضي التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه في معنى الفعل، فعلى الرجل أن يصلح نفسه بالطاعة، ويصلح أهله إصلاح الراعي للرعية. وفي الحديث أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم» (البخاري) ويدخل فيه الأولاد لأن الولد بعض منه، فيعلمهم الحلال والحرام، ويجنبهم المعاصي والآثام، إلى غير ذلك من الأحكام. قال القرطبي: ((وقال عليه الصلاة والسلام: (حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه ويعلمه الكتابة ويزوجه إذا بلغ). وقال عليه الصلاة والسلام: (ما نحل والد ولدا أفضل من أدب حسن). وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم: (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع). خرجه جماعة من أهل الحديث. وهذا لفظ أبي داود. وخرج أيضا عن سمرة بن جندب قال: قال النبي صلي الله عليه وسلم: (مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها). وكذلك يخبر أهله بوقت الصلاة ووجوب الصيام ووجوب الفطر إذا وجب، مستندا في ذلك إلى رؤية الهلال. وقد روى مسلم أن النبي صلي الله عليه وسلم كان إذا أوتر يقول: (قومي فأوتري يا عائشة). وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رحم الله امرأ قام من الليل فصلى فأيقظ أهله فإن لم تقم رش وجهها بالماء، رحم الله امرأة قامت من الليل تصلى وأيقظت زوجها فإذا لم يقم رشت على وجهه من الماء). ومنه قوله صلي الله عليه وسلم: (أيقظوا صواحب الحجر). ويدخل هذا في عموم قوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى) (المائدة: 2). وذكر القشيري أن عمر رضي الله عنه قال لما نزلت هذه الآية: يا رسول الله، نقي أنفسنا، فكيف لنا بأهلينا؟ فقال: (تنهونهم عما نهاكم الله وتأمرونهم بما أمر الله). وقال مقاتل: ذلك حق عليه في نفسه وولده وأهله وعبيده وإمائه. قال الكيا: فعلينا تعليم أولادنا وأهلينا الدين والخير، وما لا يستغنى عنه من الأدب. وهو كقوله تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) (طه: 132)) وقوله: (وقودها الناس والحجارة) يعني: ليست كنار الدنيا في الوقود (عليها ملائكة غلاظ شداد) يعني: الملائكة الزبانية غلاظ القلوب لا يرحمون إذا استرحموا، خلقوا من الغضب، وحبب إليهم عذاب الخلق كما حبب لبني آدم أكل الطعام والشراب (شداد) يعني: شداد الأبدان، وقيل: غلاظ الأقوال شداد الأفعال (لا يعصون الله ما أمرهم) يعني: لا يخالفونه في أمره من زيادة أو نقصان (ويفعلون ما يؤمرون) يعني: في وقته، فلا يؤخرونه ولا يقدمونه.

2979

الآية 7

(7) قوله تعالى: (يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون). فيه تحذير للكافرين بأنه لا توبة ولا اعتذار يوم القيامة على ما كان منهم في الدنيا لأن الآخرة دار حساب وجزاء وعقاب بينما الدنيا دار ابتلاء وعمل وفيها فسحة واسعة للتوبة والاعتذار. فقوله تعالى: (يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم) فإن عذركم لا ينفع، وهذا النهي لتحقيق اليأس (إنما تجزون) في الآخرة (ما كنتم تعملون) في الدنيا.

2980

الآية 8

(8) قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير). فيه دعوة عامة إلى التوبة الصادقة عن أي ذنب يقع فيه المؤمن، وفيه ترغيب بالتوبة الصادقة من خلال الوعد عليها بتكفير السيئات ودخول الجنات وعدم الإخزاء في الآخرة ومنح النور على الصراط وفي الظلمات وفي أهوال يوم القيامة. فقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله) أمر بالتوبة وهي فرض على الأعيان في كل الأحوال وكل الأزمان (توبة نصوحا) النصوح الصادقة الخالصة، وقيل: هي التي لا عودة بعدها، وقيل: وقيل: النصوح أن يبغض الذنب الذي أحبه ويستغفر منه إذا ذكره، وقيل: التوبة النصوح: الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع عن الذنب، والاطمئنان على أنه لا يعود (عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم) وعسى من الله واجبة (ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار) يوم القيامة (يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه) يعني: لا يعذبهم (نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم) يعني: يكرمهم الله بالنور يوم القيامة حيث يحرم منه الكافرون والمنافقون (يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير) هذا دعاء المؤمنين حين أطفأ الله نور المنافقين.

2981

الآية 9

(9) قوله تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير). هذه الآية أصل في الترغيب بالجهاد القتالي للكافرين المحاربين والجهاد الدعوي للكافرين غير المحاربين والمنافقين. ولما كان منهج المنافقين يتميز عن منهج الكافرين المسالمين بالتميع والتذبذب فإنه تعالى دعا إلى الشدة والغلظة في العامل معهم لحملهم على الجادة الصريحة في الإيمان والكفر. فقوله تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) أمر الله رسوله والمؤمنين أن يجاهدوا الكفار بالسيف والمواعظ الحسنة والدعاء إلى الله، والمنافقين بالغلظة وإقامة الحجة، وأن يعرفهم أحوالهم في الآخرة، وأنهم لا نور لهم يجوزون به الصراط مع المؤمنين (ومأواهم جهنم) يعني: الصنفين (وبئس المصير) يعني: المرجع.

2982