التفسير التربويالجزء 1 · ص 2983 - 2990

الآيات 10-12

الآيات 10-12

(10) و (11) و (12) قوله تعالى: (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين. وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لب عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين. ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين). وفي هذه الآيات تربية بالقدوة من خلال البعد عن القدوة السيئة في الكافرين ومن خلال الاقتداء بالصالحين من المؤمنين. فامرأة نوح وامرأة لوط خالفتا أزواجهما في الدين والإيمان وهما قدوة سيئة ينبغي الابتعاد عنها، وامرأة فرعون خالفت زوجها في كفره وظلمه فآمنت بالله فهي قدوة حسنة ينبغي الاقتداء بها، ومريم ابنة عمران قدوة في الصبر على الأذى والتمسك بالإيمان رغم شدة الظلم لها والبهتان عليها. وفي هذه الآيات نماذج من الإيمان: نموذج الزوجة الكافرة مع كون زوجها نبيا من الصالحين، ونموذج الزوجة المؤمنة مع كون زوجها قمة في الكفر والطغيان، ونموذج المرأة المؤمنة من أسرة مؤمنة مع كون قومها قمة في الكفر والبهتان. فقوله تعالى: (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين) ضرب الله تعالى هذا المثل تنبيها على أنه لا يغني أحد في الآخرة عن قريب ولا نسيب إذا فرق بينهما الدين (فخانتاهما) يعني: في الدين فكفرتا وهذا إجماع المفسرين، وقيل: كانت امرأة نوح تقول للناس إنه مجنون، وكانت امرأة لوط تخبر بأضيافه (فلم يغنيا عنهما من الله شيئا) يعني: لم يدفع نوح ولوط مع كرامتهما على الله تعالى عن زوجتيهما شيئا من عذاب الله، تنبيها بذلك على أن العذاب يدفع بالطاعة لا بالوسيلة (وقيل ادخلا النار مع الداخلين) يعني: في الآخرة. (وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون) واسمها آسية بنت مزاحم، ضربها الله مثلا للمؤمنين ترغيبا في التمسك بالطاعة والثبات على الدين، وقيل: هذا حث للمؤمنين على الصبر في الشدة، أي لا تكونوا في الصبر عند الشدة أضعف من امرأة فرعون حين صبرت على أذى فرعون (إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة) لما عذبها فرعون وسلبها ملكها (ونجني من فرعون وعمله) وكان عمل فرعون الكفر بالله والظلم لعباد الله (ونجني من القوم الظالمين) وهم القبط قوم فرعون. (ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها) يعني: من النكاح والفواحش (فنفخنا فيه من روحنا) وفي قراءة أبي: (فنفخنا في جيبها من روحنا) وكل خرق في الثوب يسمى جيبا، فالمعنى: أحصنت فرجها ونفخ الروح في جيبها، ومعنى (فنفخنا): أرسلنا جبريل فنفخ في جيبها (من روحنا) يعني: روحا من أرواحنا، وهي روح عيسى عليه السلام (وصدقت بكلمات ربها) يعني: قول جبريل لها: (إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا) (مريم: 19) الآية (وكتبه) يعني: كل كتاب أنزل الله تعالى (وكانت من القانتين) يعني: من المطيعين. وإنما لم يقل من القانتات، لأنه أراد وكانت من القوم القانتين، فيجوز أن يرجع هذا إلى أهل بيتها، فإنهم كانوا مطيعين لله. والحمد لله رب العالمين.

2983

التفسير التربوي لسورة الملك

قال القرطبي في التفسير: ((سورة الملك: مكية في قول الجميع. وتسمى الواقية والمنجية. وهي ثلاثون آية. روى الترمذي عن ابن عباس قال: ضرب رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (هي المانعة، هي المنجية، تنجيه من عذاب القبر) (قال الترمذي: حديث حسن غريب). وعنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (وددت أن تبارك الذي بيده الملك في قلب كل مؤمن) ذكره الثعلبي. وعن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن سورة من كتاب الله ما هي إلا ثلاثون آية شفعت لرجل حتى أخرجته من النار يوم القيامة وأدخلته الجنة، وهي سورة تبارك) (خرجه الترمذي بمعناه، وقال فيه: حديث حسن). وقال ابن مسعود: إذا وضع الميت في قبره فيؤتى من قبل رجليه، فيقال: ليس لكم عليه سبيل، فإنه كان يقوم بسورة الملك على قدميه. ثم يؤتى من قبل رأسه، فيقول لسانه: ليس لكم عليه سبيل، إنه كان يقرأ بي سورة الملك. ثم قال: هي المانعة من عذاب الله، وهي في التوراة سورة الملك. من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطيب. وروي أن من قرأها كل ليلة لم يضره الفتان)).

وقال البقاعي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: ((لما ختم سورة التحريم بأن من أعرض عنه سبحانه أهلكه ولم يغن عنه أحد، ومن أقبل عليه رفعه واستخلصه ولم يضره أحد، وختم بأنه قوى مريم عليها السلام حتى كانت في درجة الكمال ورزقها الرسوخ في الإخلاص، وكان مثل هذا لا يقدر على فعله إلا من لا ند له، وكان من لا ند له أهلا لأن تخلص له الأعمال ولا يلتفت إلى سواه بحال، لأنه الملك الذي يملك الملك، قال مثيرا للهمم إلى الاستبصار المثير للإرادة إلى رياضة تثمر جميع أبواب السعادة: (تبارك) أي تكبر وتقدس وتعالى وتعاظم وثبت ثباتا لا مثل له مع اليمن والبركة وتواتر الإحسان)).

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «هذا الجزء كله من السور المكية، كما كان الجزء الذي سبقه كله من السور المدنية. ولكل منهما طابع مميز، وطعم خاص. وبعض مطالع السور في هذا الجزء من بواكير ما نزل من القرآن كمطلع سورة المدثر ومطلع سورة المزمل. كما أن فيه سورا يحتمل أن تكون قد نزلت بعد البعثة بحوالي ثلاث سنوات كسورة القلم. وبحوالي عشر سنوات كسورة الجن التي يروى أنها نزلت في عودة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف، حيث أوذي من ثقيف، ثم صرف الله إليه نفرا من الجن فاستمعوا إليه وهو يرتل القرآن، مما حكته سورة الجن في هذا الجزء. وكانت هذه الرحلة بعد وفاة خديجة وأبي طالب قبيل الهجرة بعام أو عامين، وإن كانت هناك رواية أخرى هي الأرجح بأن السورة نزلت في أوائل البعثة. والقرآن المكي يعالج في الغالب إنشاء العقيدة في الله، وفي الوحي، وفي اليوم الآخر، وإنشاء التصور المنبثق من هذه العقيدة لهذا الوجود وعلاقته بخالقه، والتعريف بالخالق تعريفا يجعل الشعور به حيا في القلب، مؤثرا موجها موحيا بالمشاعر اللائقة بعبد يتجه إلى رب، وبالأدب الذي يلزمه العبد مع الرب، وبالقيم والموازين التي يزن بها المسلم الأشياء والأحداث والأشخاص. وقد رأينا نماذج من هذا في السور المكية السابقة، وسنرى نماذج منه في هذا الجزء. والقرآن المدني يعالج في الغالب تطبيق تلك العقيدة وذاك التصور وهذه الموازين في الحياة الواقعية، وحمل النفوس على الاضطلاع بأمانة العقيدة والشريعة في معترك الحياة، والنهوض بتكاليفها في عالم الضمير وعالم الظاهر سواء. وقد رأينا نماذج من هذا في السور المدنية السابقة ومنها سور الجزء الماضي. وهذه السورة الأولى سورة تبارك تعالج إنشاء تصور جديد للوجود وعلاقاته بخالق الوجود، تصور واسع شامل يتجاوز عالم الأرض الضيق وحيز الدنيا المحدود إلى عوالم في السماوات، وإلى حياة في الآخرة، وإلى خلائق أخرى غير الإنسان في عالم الأرض كالجن والطير، وفي العالم الآخر كجهنم وخزنتها، وإلى عوالم في الغيب غير عالم الظاهر تعلق بها قلوب الناس ومشاعرهم، فلا تستغرق في الحياة الحاضرة الظاهرة في هذه الأرض. كما أنها تثير في حسهم التأمل فيما بين أيديهم وفي واقع حياتهم وذواتهم مما يمرون به غافلين. وهي تهز في النفوس جميع الصور والانطباعات والرواسب الجامدة الهامدة المتخلفة من تصور الجاهلية وركودها، وتفتح المنافذ هنا وهناك، وتنفض الغبار، وتطلق الحواس والعقل والبصيرة ترتاد آفاق الكون، وأغوار النفس، وطباق الجو، ومسارب الماء، وخفايا الغيوب، فترى هناك يد الله المبدعة، وتحس حركة الوجود المنبعثة من قدرة الله، وتؤوب من الرحلة وقد شعرت أن الأمر أكبر، وأن المجال أوسع، وتحولت من الأرض على سعتها إلى السماء، ومن الظواهر إلى الحقائق، ومن الجمود إلى الحركة، مع حركة القدر، وحركة الحياة، وحركة الأحياء».

2984

الآية 1

قوله تعالى: ﴿تبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِين﴾ (الملك: 1)

(1) قوله تعالى: (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير). فيه تربية على تسبيحه تعالى بالقول: تبارك الذي بيده الملك. وفيه بيان أن كل ما خلق الله تعالى من حياة وموت وأرض وسماء وكل ما هو مذكور في هذه السورة هو منبثق من ملك الله تعالى. وفيه تربية على أنه تعالى لا يعجزه شيء، ولا يفوته شيء، ولا يحول دون إرادته شيء، ولا يحد مشيئته شيء. يخلق ما يشاء، ويفعل ما يريد، وهو قادر على ما يريد، غالب على أمره، لا تتعلق بإرادته حدود ولا قيود. فقوله تعالى: (تبارك) تفاعل من البركة، وقيل: تقدس، وقيل: دام، فهو الدائم الذي لا أول لوجوده ولا آخر لدوامه (الذي بيده الملك) يعني: ملك السماوات والأرض في الدنيا والآخرة، وقيل: بيده الملك يعز من يشاء ويذل من يشاء ويحيي ويميت، ويغني ويفقر، ويعطي ويمنع (وهو على كل شيء قدير) يعني: من الإنعام والانتقام.

2985

الآية 2

(2) قوله تعالى: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور). الموت والحياة أمران مألوفان بالنسبة للناس، ولكن هذه الآية تبعث حركة التأمل فيما وراء الموت والحياة من قدر الله وبلائه، ومن حكمة الله وتدبيره. فقوله تعالى: (الذي خلق الموت والحياة) قيل: المعنى خلقكم للموت والحياة، يعني للموت في الدنيا والحياة في الآخرة، وقدم الموت على الحياة لأن الموت إلى القهر أقرب. وقيل: قدمه لأنه أقدم، فالأشياء في الابتداء كانت في حكم الموت كالنطفة والتراب ونحوه، وقيل: قدم الموت على الحياة لأن أقوى الناس داعيا إلى العمل من نصب موته بين عينيه، وهذا يرجع إلى الغرض المسوق له الآية. وقال العلماء: الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته، وحيلولة بينهما، وتبدل حال وانتقال من دار إلى دار، والحياة عكس ذلك (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) يعني: ليعاملكم معاملة المختبر، أي ليبلوكم بالموت فيظهر الصبر وبالحياة ليبين الشكر، وقيل: خلق الله الموت للبعث والجزاء، وخلق الحياة للابتلاء، فاللام في (ليبلوكم) تتعلق بخلق الحياة لا بخلق الموت، وقيل: المعنى: ليبلوكم فيعلم أيكم أحسن عملا (وهو العزيز) في انتقامه ممن عصاه (الغفور) لمن تاب.

2986

الآيات 3-4

(3) و (4) قوله تعالى: (الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور. ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير). فيه تربية على النظر بعين البصر والبصيرة في خلق السماوات، وما في خلقها من الجمال والكمال، وهذا التأمل والاستغراق فيه هو الطريق إلى الإيمان بالله تعالى ووحدانيته وقدرته وقيامه بأمر المخلوقات في التعهد بالرعاية والتدبير والتصريف من حال إلى حال. فقوله تعالى: (الذي خلق سبع سماوات طباقا) يعني: بعضها فوق بعض (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) يعني: من تباين وتباعد، وقيل: ما ترى في خلق الرحمن من اعوجاج ولا تناقض ولا تباين بل هي مستقيمة مستوية دالة على خالقها، ثم أمر بأن ينظروا في خلقه ليعتبروا به فيتفكروا في قدرته فقال: (فارجع البصر) يعني: اردد طرفك إلى السماء (هل ترى من فطور) والفطور: الشقوق، وقيل: الخلل. (ثم ارجع البصر كرتين) يعني: مرة بعد أخرى، وإنما أمر بالنظر مرتين لأن الإنسان إذا نظر في الشيء مرة لا يرى عيبه ما لم ينظر إليه مرة أخرى، فأخبر تعالى أنه وإن نظر في السماء مرتين لا يرى فيها عيبا بل يتحير بالنظر إليها، فذلك قوله تعالى: (ينقلب إليك البصر خاسئا) يعني: خاشعا صاغرا متباعدا عن أن يرى شيئا من ذلك (وهو حسير) يعني: قد بلغ الغاية في الإعياء.

2987

الآيات 5-6

(5) و (6) قوله تعالى: (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير. وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير). فيه دليل على كونه تعالى قادرا عالما، وذلك لأن هذه الكواكب محدثة، ومختصة بمقدار خاص، وموضع معين، وسير معين، وهذا يدل على أن خالقها قادر، ونظرا لكونها محكمة متقنة موافقة لمصالح العباد مع كونها زينة لأهل الدنيا وسببا لانتفاعهم بها، فهذا يدل على أن خالقها عالم. واعلم أنه تعالى بين في أول هذه السورة أنه قادر على جميع الممكنات، ثم ذكر بعده أنه وإن كان قادرا على الكل إلا أنه إنما خلق ما خلق لا للعبث والباطل بل لأجل الابتلاء والامتحان، وبين أن المقصود من ذلك الابتلاء أن يكون عزيزا في حق المصرين على الإساءة غفورا في حق التائبين، ولكن العزة والمغفرة لا يثبتان إلا إذا ثبت كونه تعالى كاملا في القدرة والعلم، وحينئذ ثبت كونه قادرا على تعذيب العصاة وكل من كفر بالله من الشياطين وغيرهم. فقوله تعالى: (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح) جمع مصباح وهو السراج، وتسمى الكواكب مصابيح لإضاءتها (وجعلناها رجوما للشياطين) يعني: جعلنا شهبها، فحذف المضاف، دليله: (إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب) (الصافات: 10) وعلى هذا فالمصابيح لا تزول ولا يرجم بها. وقيل: إن الضمير راجع إلى المصابيح على أن الرجم من أنفس الكواكب، ولا يسقط الكوكب نفسه إنما ينفصل منه شيء يرجم به من غير أن ينقص ضوءه ولا صورته. وقال قتادة: خلق الله تعالى النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها في البر والبحر والأوقات (وأعتدنا لهم) يعني: للشياطين وهم كفرة الجن (عذاب السعير) يعني: عذاب النار في الآخرة. (وللذين كفروا بربهم) يعني: من الإنس (عذاب جهنم) يعني: النار (وبئس المصير) يعني: المرجع والمنقلب.

2988

الآيات 7-9

(7) و (8) و (9) قوله تعالى: (إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور. تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير. قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير). فيه ترهيب للكافرين من النار من خلال وصف شدتها وحركتها ونفسها وشدة غيظها على أهلها وسؤال الزبانية للقادمين إليها سؤال توبيخ وتقريع وتقرير عن بعثة الرسل إليهم وإقرارهم على أنفسهم بالذنب وهو تكذيب الرسل والاستهزاء بدعوتهم. فقوله تعالى: (إذا ألقوا فيها) يعني: الكفار إذا ألقوا في النار (سمعوا لها شهيقا) يعني: صوتا كالشهيق، والشهيق في الصدر، والزفير في الحلق (وهي تفور) يعني: تغلي، وقيل: تفور بهم كما يفور الحب القليل في الماء الكثير. (تكاد تميز) يعني: تتقطع وينفصل بعضها من بعض (من الغيظ) يعني: من شدة الغيظ على أعداء الله تعالى، وقيل: الغيظ: الغليان (كلما ألقى فيها فوج) يعني: جماعة من الكفار (سألهم خزنتها) على جهة التوبيخ والتقريع (ألم يأتكم نذير) يعني: رسول في الدنيا ينذركم هذا اليوم حتى تحذروا. (قالوا بلى قد جاءنا نذير) يعني: رسول أنذرنا وخوفنا (فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء) يعني: على ألسنتكم (إن أنتم) يعني: ما أنتم يا معشر الرسل (إلا في ضلال كبير) فاعترفوا بتكذيبهم للرسل، ولكنه اعتراف لا فائدة منه إلا الحسرة والندامة عند فاعله.

2989

الآيات 10-11

(10) و (11) قوله تعالى: (وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير. فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير). فيه تربية على أن الدليل نوعان، إما دليل النقل أو دليل العقل. وفيه بيان أن الكافرين لم يقبلوا الأدلة النقلية ولا أعملوا عقولهم في الأدلة العقلية فصاروا في الآخرة من أصحاب النار المقيمين فيها والذين هم أهلها. ثم إن الكافرين اعترفوا بجهلهم فقالوا وهم في النار: (لو كنا نسمع) من الرسل ما جاءوا به (أو نعقل) عنهم، وقيل: لو كنا نسمع الهدى أو نعقله، وقيل: لو كنا نسمع سماع من يعي ويفكر أو نعقل عقل من يميز وينظر (ما كنا في أصحاب السعير) يعني: ما كنا من أهل النار. (فاعترفوا بذنبهم) يعني: بتكذيبهم للرسل (فسحقا لأصحاب السعير) يعني: فبعدا لهم من رحمة الله، وقيل: السحق واد في جهنم.

2990