التفسير التربويالجزء 1 · ص 3082 - 3089

الآية 31

الآية 31

(31) قوله تعالى: (وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر). واعلم أنه تعالى إنما جعل الذين يعذبون في النار ملائكة ولم يجعلهم بشرا ليكونوا بخلاف جنس المعذبين فإن الجنسية مظنة الرأفة والرحمة ولذلك بعث الرسول المبعوث إلينا من جنسنا ليكون له رأفة ورحمة بنا، وليكونوا أبعد الخلق عن معصية الله تعالى وأقواهم على الطاعات الشاقة، ولأن قوتهم أعظم من قوة الجن والإنس. وفي بيان أن عدة الملائكة الموكلون بتعذيب الكافرين أو عدة الملائكة بشكل عام هي من الامتحان والاختبار للناس، وبنتيجة هذا الامتحان يفوض المؤمنون حكمة العدد إلى علم الخالق سبحانه لأن هذا من المتشابه الذي أمروا بالإيمان به، ويكذب الكافرون بهذا الأمر ويشككون فيه لأنهم غير مؤمنين أصلا، وبالنتيجة فإن هذا الامتحان يكون سببا في هداية أصحاب الهداية وسببا في ضلال أصحاب الضلال. وفيه تربية على أن هذه الآيات المشتملة على هذه المتشابهات هي ذكرى لجميع الناس، وإن كان المنتفع بها ليس إلا أهل الإيمان. فقوله تعالى: (وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة) يعني: لم نجعلهم رجالا فتتعاطون مغالبتهم، وقيل: جعلهم ملائكة لأنهم خلاف جنس المعذبين من الجن والإنس، فلا يأخذهم ما يأخذ المجانس من الرأفة والرقة، ولا يستروحون إليهم، ولأنهم أقوم خلق الله بحق الله وبالغضب له، ولأنهم أشد خلق الله بأسا وأقواهم بطشا (وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا) يعني: بلية، وقيل: إلا عذابا (ليستيقن الذين أوتوا الكتاب) يعني: ليوقن الذين أعطوا التوراة والإنجيل أن عدة خزنة جهنم موافقة لما عندهم (ويزداد الذين آمنوا إيمانا) بذلك، لأنهم لما صدقوا بما في كتاب الله آمنوا، ثم ازدادوا إيمانا لتصديقهم بعدد خزنة جهنم (ولا يرتاب) يعني: ولا يشك (الذين أوتوا الكتاب) يعني: الذين أعطوا الكتاب من اليهود والنصارى (والمؤمنون) يعني: المصدقون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في أن عدة خزنة جهنم تسعة عشر (وليقول الذين في قلوبهم مرض) يعني: في صدورهم شك ونفاق (والكافرون) يعني: من المشركين (ماذا أراد الله بهذا مثلا) يعني: بعدد خزنة جهنم (كذلك) يعني: الأمر (يضل الله من يشاء) يعني: يخزي ويعمي (ويهدي من يشاء) يعني: ويرشد، وقيل: (كذلك يضل الله من يشاء) عن الجنة (ويهدي من يشاء) إلى الجنة (وما يعلم جنود ربك إلا هو) يعني: وما يدري عدد ملائكة ربك الذين خلقهم لتعذيب أهل النار إلا الله جل ثناؤه (وما هي) يعني: الدلائل والحجج والقرآن، وقيل: النار التي هي سقر (إلا ذكرى) يعني: عظة (للبشر) يعني: للخلق. وقيل: نار الدنيا تذكرة لنار الآخرة.

3082

(32ـ 37) قوله تعالى: (كلا والقمر. والليل إذ أدبر. والصبح إذا أسفر. إنها لإحدى الكبر. نذيرا للبشر. لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر). فيه تأكيد على عظمة بعض الآيات الكونية كالقمر والليل والنهار تنبيها على عظمة خالقها. وفيه ترهيب من أهوال النار وأحوالها ودركاتها من خلال كونها محلا للقسم الرباني، ومن خلال التأكيد على ضخامتها وتعدد أماكنها، ومن خلال البيان بأن الله تعالى خلقها كذلك لإنذار البشر وتخويفهم من الكفر وإن كان بعض الناس يؤمنون وبعضهم يكفرون. فقوله تعالى: (كلا والقمر) يعني: ليس الأمر كما يقول من زعم أنه يقاوم خزنة النار، ثم أقسم على ذلك عز وجل بالقمر وبما بعده. (والليل إذ أدبر) يعني: ولى وقيل: أخذ في الإدبار. (والصبح إذا أسفر) يعني: أضاء، والإسفار: الإنارة، وقيل: أشرق. (إنها لإحدى الكبر) جواب القسم، والمعنى: إن هذه النار لإحدى الدواهي العظام. (نذيرا للبشر) يعني: النار، وقيل: المراد بالنذير محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: إن القرآن نذير للبشر لما تضمنه من الوعد والوعيد. (لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر) يعني: لمن شاء منكم أن يتقدم إلى الخير والطاعة أو يتأخر إلى الشر والمعصية، وقيل: هذا وعيد وتهديد وإن خرج مخرج الخبر، كقوله تعالى: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) (الكهف: 29).

(38ـ 42) قوله تعالى: (كل نفس بما كسبت رهينة. إلا أصحاب اليمين. في جنات يتساءلون. عن المجرمين. ما سلككم في سقر). فيه بيان أن كل نفس رهن بكسبها عند الله غير مفكوك رهنها إلا أصحاب اليمين، فإنهم فكوا عن رقاب أنفسهم بسبب أعمالهم الحسنة، كما يخلص الراهن رهنه بأداء الحق. ثم إنه تعالى ذكر في وصفهم أنهم يتساءلون عن المجرمين ما الذي أدى بهم إلى النار، وهو تساؤل لتعليم الناس وتنبيههم وتحذيرهم، وفيه توبيخ وتخجيل. فقوله تعالى: (كل نفس بما كسبت رهينة) يعني: مرتهنة بكسبها، وقيل: مأخوذة بعملها إما أن يخلصها وإما أن يوبقها. (إلا أصحاب اليمين) يعني: فإنهم لا يرتهنون بذنوبهم، وهم أهل الجنة. (في جنات) يعني: في بساتين (يتساءلون) يعني: يسأل بعضهم بعضا. (عن المجرمين) يعني: المشركين. (ما سلككم) يعني: ما الذي أدخلكم (في سقر) يعني: في النار.

3083

الآيات 43-46

(43) و (44) و (45) و (46) قوله تعالى: (قالوا لم نك من المصلين. ولم نك نطعم المسكين. وكنا نخوض مع الخائضين. وكنا نكذب بيوم الدين). فيه بيان أن العذاب في النار يكون على أمور أربعة وهي أصول الطاعات وبمخالفتها نعرف أصول المعاصي، فأولها: ترك الصلاة، وثانيها: ترك الإنفاق في سبيل الله سواء بترك الزكاة أو بترك النفقة الواجبة أو بترك صدقة التطوع، وثالثها: الخوض في آيات الله بالشك والتكذيب والسخرية والاستهزاء، ورابعها: التكذيب بالبعث وبيوم القيامة. فقوله تعالى: (قالوا) يعني: أهل النار (لم نك من المصلين) يعني: المؤمنين الذين يصلون. (ولم نك نطعم المسكين) يعني: لم نك نتصدق. (وكنا نخوض مع الخائضين) يعني: كنا نخالط أهل الباطل في باطلهم، وقيل: نخوض مع الخائضين في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وهو قولهم: كاهن، مجنون، شاعر، ساحر. (وكنا نكذب بيوم الدين) يعني: لم نك نصدق بيوم القيامة وهو يوم الجزاء والحكم.

3084

الآيات 47-48

(47) و (48) قوله تعالى: (حتى أتانا اليقين. فما تنفعهم شفاعة الشافعين). فيه تربية على أن من مات على الكفر فليس له شفاعة ولا ينتفع بشفاعة. وفيه إثبات للشفاعة للمؤمنين بمفهوم المخالفة من هذه الآيات، فتخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدل على أن غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين. فقوله تعالى: (حتى أتانا اليقين) يعني: جاءنا ونزل بنا الموت، ومنه قوله تعالى: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) (الحجر: 99) يعني: الموت. (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) هذا دليل على صحة الشفاعة للمذنبين، وذلك أن قوما من أهل التوحيد عذبوا بذنوبهم، ثم شفع فيهم، فرحمهم الله بتوحيدهم والشفاعة، فأخرجوا من النار، وليس للكفار شفيع يشفع فيهم.

3085

الآيات 49-51

(49) و (50) و (51) قوله تعالى: (فما لهم عن التذكرة معرضين. كأنهم حمر مستنفرة. فرت من قسورة). فيه ترهيب وتحذير من الإعراض عن المواعظ القرآنية من خلال تشبيه من يفعل ذلك بالحمر الوحشية التي تهرب من الأسود. فقوله تعالى: (فما لهم عن التذكرة معرضين) يعني: فما للمشركين أعرضوا وولوا عما جئتم به. وفي تفسير مقاتل: الإعراض عن القرآن من وجهين: أحدهما الجحود والإنكار، والوجه الآخر ترك العمل بما فيه. (كأنهم) يعني: كأن هؤلاء الكفار في فرارهم من محمد صلى الله عليه وسلم (حمر مستنفرة) يعني: الحمر الوحشية لأنها لا تألف البشر. (فرت) يعني: هربت (من قسورة) يعني: من قاهر يقهرها، وقيل: هم الرماة والصيادون، وقيل: هم السباع، وقيل: هو الأسد.

3086

الآيات 52-53

(52) و (53) قوله تعالى: (بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة. كلا بل لا يخافون الآخرة). فيه تحذير من التحكم على الله بالطلب منه أن يرسل لكل إنسان كتابا مقروءا ينص فيه على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ويطلب من ذلك الإنسان أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. ثم إنه تعالى يرد على هذا الاقتراح بالردع المطلق (كلا) وأن هذا الاقتراح يدل على كفر صاحبه بيوم الدين والبعث والجزاء، فلذلك أعرضوا عن التأمل، فإنه لما حصلت المعجزات الكثيرة، كفت في الدلالة على صحة النبوة فطلب الزيادة يكون من باب التعنت. فقوله تعالى: (بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة) يعني: يعطى كتبا مفتوحة، من رب العالمين مكتوب فيها: إني قد أرسلت إليكم محمدا صلى الله عليه وسلم. وقيل: كانوا يقولون إن كان محمد صادقا فليصبح عند كل رجل منا صحيفة فيها براءته وأمنه من النار. (كلا) ردع وزجر والمعنى: لا أعطيهم ما يتمنون (بل لا يخافون الآخرة) لأنهم يغترون بالدنيا.

3087

الآيات 54-56

(54) و (55) و (56) قوله تعالى: (كلا إنه تذكرة. فمن شاء ذكره. وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة). فيه ردع للكافرين عن إعراضهم عن التذكرة، فالقرآن تذكرة بليغة كافية. وفيه إثبات لحرية الاختيار من خلال إثبات المشيئة للإنسان في هذا الاختيار. وفيه إثبات أن المشيئة البشرية لا تصدم مع المشيئة الإلهية ولا تخرج عن سلطان الله تعالى وإرادته ومشيئته. ولأن هذه الآيات من الآيات الجامعة في مسألة القدر والجبر فإني نقول: القائل بالقدر أعور ينظر إلى النصوص بعين واحدة, والقائل بالجبر أعور ينظر إلى النصوص بالعين الأخرى, والقول بالقدر إفراط كما إنّ القول بالجبر تفريط, والقائل بالقدر ظالم لله بالانتقاص من مشيئة الله أو نفيها, كما إنّ القائل بالجبر ظالم للإنسان بالانتقاص من مشيئة الإنسان أو نفيها. والقول الصحيح في مسألة القدر والجبر هو ما نص الله عليه في كتابه بالنصوص الجامعة فقال هنا: (كلا إنه تذكرة. فمن شاء ذكره. وما يذكرون إلا أن يشاء الله)، وقال في سورة الإنسان: (إن هذه تذكره فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا. وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) (الإنسان: 29ـ30)، وقال في سورة التكوير: (إن هو إلا ذكر للعالمين. لمن شاء منكم أن يستقيم. وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين) (التكوير: 27ـ29). ومن خلال قراءة هذه النصوص نخلص إلى القاعدة الصحيحة في مسألة القدر والجبر وهي: إنّ الله تعالى أثبت للإنسان مشيئة وأثبت لنفسه مشيئة وجعل مشيئة الإنسان لا تخرج عن مشيئة الله. وفيه تربية على تعظيم الله تعالى وتمجيده فهو حقيق بأن يتقيه عباده ويخافوا عقابه فيؤمنوا ويطيعوا وحقيق بأن يغفر لهم ما سلف من كفرهم إذا آمنوا وأطاعوا. فقوله تعالى: (كلا إنه تذكرة) يعني: حقا إن القرآن عظة. (فمن شاء ذكره) يعني: اتعظ به. (وما يذكرون) يعني: وما يتعظون (إلا أن يشاء الله) يعني: ليس يقدرون على الاتعاظ والتذكر إلا بمشيئة الله ذلك لهم (هو أهل التقوى وأهل المغفرة) وفي الترمذي وسنن ابن ماجة عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية: (هو أهل التقوى وأهل المغفرة) قال: «قال الله تبارك وتعالى: أنا أهل أن أتقى، فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها فأنا أهل أن أغفر له» (اللفظ للترمذي، وقال: حديث حسن غريب). وقيل: هو أهل المغفرة لمن اجتنب الذنوب أو تاب منها. والحمد لله رب العالمين.

3088

التفسير التربوي لسورة القيامة

قال القرطبي في التفسير: «سورة القيامة: مكية. وهي تسع وثلاثون آية».

وقال البقاعي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: ((لما ذكر سبحانه الآخرة أول سورة المدثر وخوف منها بالتعبير بالناقور وما تبعه، ثم أعاد أمرها آخرها، وذكر التقوى التي هي أعظم أسباب النجاح فيها والمغفرة التي هي الدواء الأعظم لها، وكان الكفار يكذبون بها، وكان سبحانه قد أقام عليها من الأدلة من أول القرآن إلى هنا تارة مع الإقسام وأخرى مع الخلو عنه ما صيرها في حد البديهيات، وكانت العادة قاضية بأن المخبر إذا كذبه السامع حلف على ما أخبره به، وكان الإقسام مع تحقق العناد لا يفيد، أشار سبحانه وتعالى إلى أن الأمر قد صار غنيا عن الإقسام لما له من الظهور الذي لا ينكره إلا معاند، فقال مشيراً إلى تعظيمها والتهويل في أمرها بذكرها وإثبات أمرها بعدم الإقسام أو تأكيده: (لا أقسم) أي لا أوقع الإقسام أو أوقعه مؤكدا (بيوم القيامة) على وجود يوم القيامة)).

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «هذه السورة الصغيرة تحشد على القلب البشري من الحقائق والمؤثرات، والصور والمشاهد، والإيقاعات واللمسات، ما لا قبل له بمواجهته ولا التفلت منه، تحشدها بقوة، في أسلوب خاص، يجعل لها طابعا قرآنيا مميزا، سواء في أسلوب الأداء التعبيري، أو أسلوب الأداء الموسيقي، حيث يجتمع هذا وذاك على إيقاع تأثير شعوري قوي، تصعب مواجهته ويصعب التفلت منه أيضا! إنها تبدأ في الآيتين الأوليين منها بإيقاع عن القيامة، وإيقاع عن النفس. ثم يستطرد الحديث فيها متعلقا بالنفس ومتعلقا بالقيامة، من المطلع إلى الختام، تزاوج بين النفس وبين القيامة حتى تنتهي. وكأن هذا المطلع إشارة إلى موضوع السورة أو كأنه اللازمة الإيقاعية التي ترتد إليها كل إيقاعات السورة، بطريقة دقيقة جميلة. ومن تلك الحقائق الكبيرة التي تحشدها هذه السورة في مواجهة القلب البشري، وتضرب بها عليه حصارا لا مهرب منه، حقيقة الموت القاسية الرهيبة التي تواجه كل حي، فلا يملك لها ردا، ولا يملك لها أحد ممن حوله دفعا، وهي تتكرر في كل لحظة، ويواجهها الكبار والصغار، والأغنياء والفقراء، والأقوياء والضعاف، ويقف الجميع منها موقفاً واحدا، لا حيلة، ولا وسيلة، ولا قوة، ولا شفاعة، ولا دفع، ولا تأجيل، مما يوحي بأنها قادمة من جهة عليا لا يملك البشر معها شيئا. ومن تلك الحقائق الكبيرة التي تعرضها السورة ، حقيقة النشأة الأولى، ودلالتها على صدق الخبر بالنشأة الأخرى، وعلى أن هناك تدبيرا في خلق هذا الإنسان وتقديرا، وهي حقيقة يكشف الله للناس عن دقة أدوارها وتتابعها في صنعة مبدعة، لا يقدر عليها إلا الله، ولا يدعها أحد ممن يكذبون بالآخرة ويتمارون فيها. ومن المشاهد المؤثرة التي تحشدها السورة، وتواجه بها القلب البشري مواجهة قوية، مشهد يوم القيامة وما يجري فيه من انقلابات كونية، ومن اضطرابات نفسية، ومن حيرة في مواجهة الأحداث الغالبة حيث يتجلى الهول في صميم الكون، وفي أغوار النفس وهي تروغ من هنا ومن هناك كالفأر في المصيدة! ومن هذه المشاهد مشهد المؤمنين المطمئنين إلى ربهم، المتطلعين إلى وجهه الكريم في ذلك الهول، ومشهد الآخرين المقطوعين الصلة بالله، وبالرجاء فيه، المتوقعين عاقبة ما أسلفوا من كفر ومعصية وتكذيب. وهكذا تعالج السورة عناد هذا القلب وإعراضه وإصراره ولهوه، وتشعره بالجد الصارم الحازم في هذا الشأن، شأن القيامة، وشأن النفس، وشأن الحياة المقدرة بحساب دقيق، ثم شأن هذا القرآن الذي لا يخرم منه حرف، لأنه من كلام العظيم الجليل، الذي تتجاوب جنبات الوجود بكلماته، وتثبت في سجل الكون الثابت، وفي صلب هذا الكتاب الكريم. وقد عرضنا نحن لحقائق السورة ومشاهدها فرادى لمجرد البيان، وهي في نسق السورة شيء آخر، إذ أن تتابعها في السياق، والمزاوجة بينها هنا وهناك، ولمسة القلب بجانب من الحقيقة مرة، ثم العودة إليه بالجانب الآخر بعد فترة، كل ذلك من خصائص الأسلوب القرآني في مخاطبة القلب البشري، مما لا يبلغ إليه أسلوب آخر، ولا طريقة أخرى».

3089