التفسير التربويالجزء 1 · ص 3106 - 3117

الآيات 14-18

الآيات 14-18

(14) و (15) و (16) و (17) و (18) قوله تعالى: (ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا. ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا. قواريرا من فضة قدروها تقديرا. ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا. عينا فيها تسمى سلسبيلا). ثم إنه تعالى تابع في وصف نعيم الجنة لأولئك الأبرار المتقين من حيث الظلال والفاكهة والشراب، وقدم على الشراب وصف تلك الأواني التي يشربون بها فهي من الفضة، ثم ذكر أن من الشراب الزنجبيل الذي يتداوى به الناس في الدنيا بينما ينساب من العيون والينابيع في الآخرة. فقوله تعالى: (ودانية عليهم ظلالها) يعني: ظل الأشجار في الجنة قريبة من الأبرار، فهي مظلة عليهم زيادة في نعيمهم (وذللت) يعني: سخرت لهم (قطوفها) يعني: ثمارها (تذليلا) يعني: تسخيرا، فيتناولها القائم والقاعد والمضطجع، لا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك. (ويطاف عليهم بآنية من فضة) يعني: يدور على هؤلاء الأبرار الخدم إذا أرادوا الشراب فيسقون في أواني الفضة، وقد يسقون في أواني الذهب، وقد قال تعالى: (يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب) (الزخرف: 71) فنبه بذكر الفضة على الذهب، كقوله: (سرابيل تقيكم الحر) (النحل: 81) يعني: والبرد، فنبه بذكر أحدهما على الثاني (وأكواب) والأكواب: الكؤوس العظام التي لا آذان لها ولا عرى (كانت قوارير) يعني: من زجاج. (قوارير من فضة) يعني: في صفاء القوارير وبياض الفضة، فصفاؤها صفاء الزجاج وهي من فضة (قدروها تقديرا) يعني: قدرها لهم السقاة الذين يطوفون بها عليهم. (ويسقون فيها كأسا) وهي الخمر في الإناء (كان مزاجها زنجبيلا) يعني: يشوبها ويخلط فيها الزنجبيل. وكانت العرب تستلذ من الشراب ما يمزج بالزنجبيل لطيب رائحته، لأنه يحذو اللسان، ويهضم المأكول، فرغبوا في نعيم الآخرة بما اعتقدوه نهاية النعمة والطيب. (عينا فيها) يعني: في الجنة (تسمى سلسبيلا) والسلسبيل: الشراب اللذيذ، وهو مشتق من السلالة، تقول العرب: هذا شراب سلس وسلسال وسلسبيل بمعنى واحد، أي طيب الطعم لذيذه.

3106

الآيات 19-22

(19) و (20) و (21) و (22) قوله تعالى: (ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا. وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا. عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا. إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا). واعلم أنه تعالى ذكر بعد ذلك من يكون خادماً في تلك المجالس، فهم ولدان مخلدون، وذلك يتضمن دوام حياتهم وحسنهم ومواظبتهم على الخدمة الحسنة الموافقة. ثم إنه تعالى لما ذكر تفصيل أحوال أهل الجنة أتبعه بما يدل على أن هناك أمورا أعلى وأعظم من هذا القدر المذكور من النعيم. حيث الثياب من الحرير بأنواعه، والأساور من الفضة، والشراب هو من أطهر أنواع الشراب. واعلم أنه تعالى لما تمم شرح أحوال السعداء بين أن ذلك كان لهم ثوابا على إيمانهم الصادق وعملهم الصالح وسعيهم المشكور. فقوله تعالى: (ويطوف عليهم ولدان مخلدون) يعني: ويخدمهم ولدان مخلدون فإنهم أخف في الخدمة، ولأنهم باقون على ما هم عليه من الشباب والغضاضة والحسن، لا يهرمون ولا يتغيرون، ويكونون على سن واحدة على مر الأزمنة (إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا) يعني: ظننتهم من حسنهم وكثرتهم وصفاء ألوانهم لؤلؤا مفرقا في باحة المجلس، واللؤلؤ إذا نثر على بساط كان أحسن منه منظوما. (وإذا رأيت) يعني: ببصرك (ثم رأيت) يعني: هناك رأيت (نعيما) يعني: سائر ما يُتنعم به (وملكا كبيرا) والملك الكبير: استئذان الملائكة عليهم، وقيل: هو أن يأتي الرسول من عند الله بكرامة من الكسوة والطعام والشراب والتحف إلى ولي الله وهو في منزله، فيستأذن عليه، فذلك الملك العظيم. (عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق) يعني: يعلوهم الثياب الخضراء من الحرير، والسندس: ما رق من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه (وحلوا أساور من فضة) يعني: تارة يلبسون الذهب وتارة يلبسون الفضة (وسقاهم ربهم شرابا طهورا) يعني: إذا شربوه بعد أكلهم طهرهم، وصار ما أكلوه وما شربوه رشح مسك، وضمرت بطونهم. (إن هذا كان لكم جزاء) يعني: يقال لهم: إنما هذا ثواب لكم على أعمالكم الصالحة في الدنيا (وكان سعيكم) يعني: عملكم (مشكورا) يعني: من قبل الله، وشكره للعبد قبول طاعته، وثناؤه عليه، وإثابته إياه.

3107

الآيات 23-26

(23) و (24) و (25) و (26) قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا. فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا. واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا. ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا). ولما انتهى عرض النعيم اللين الرغيد المطمئن الهانئ الودود، اتجه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتثبيته على الدعوة في وجه الإعراض والكفر والتكذيب وتوجيهه إلى الصبر وانتظار حكم الله في الأمر، والاتصال بربه والاستمداد منه كلما طال الطريق، والابتعاد عن طاعة المخالفين له في الدين لأنهم لا يريدون به خيرا. وهذا الخطاب وإن كان موجها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن المراد به أمته معه. ووجه اتصال هذه الآيات بالتي قبلها أنه لما ذكر تعالى أصناف الوعد والوعيد، بين أن هذا الكتاب يتضمن ما بالناس حاجة إليه، فليس بسحر، ولا كهانة، ولا شعر، وأنه حق. فقوله تعالى: (إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا) يعني: ما افتريته ولا جئت به من عندك، ولا من تلقاء نفسك، كما يدعيه المشركون، وإنما أنزل عليك متفرقا: آية بعد آية، ولم ينزل جملة واحدة. (فاصبر لحكم ربك) يعني: لقضاء ربك، وقيل: فاصبر على أذى المشركين فإنه قضاء ربك (ولا تطع منهم آثما) يعني: صاحب إثم (أو كفورا) يعني: جحودا لله تعالى أو لنعم الله تعالى. (واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا) يعني: صل لربك أول النهار وآخره، ففي أوله صلاة الصبح وفي آخره صلاة الظهر والعصر. (ومن الليل فاسجد له) يعني: صلاة المغرب والعشاء (وسبحه ليلا طويلا) يعني: التطوع في الليل. وقال ابن عباس: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. وقيل: هو الذكر المطلق سواء كان في الصلاة أو في غيرها.

3108

الآيات 27-28

(27) و (28) قوله تعالى: (إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا. نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا). فيه تذكير للكافرين باليوم الثقيل الذي ينتظرهم وهم لا يحسبون له حسابا بل هم مشغولون باليوم العاجل وهو الدنيا. وفيه تلويح لهم بهوان أمرهم على الله، الذي خلقهم ومنحهم ما هم فيه من القوة، وهو قادر على الذهاب بهم، والإتيان بقوم آخرين، وهذا تربية من خلال التهديد بالاستبدال. فقوله تعالى: (إن هؤلاء يحبون العاجلة): توبيخ وتقريع، والعاجلة: الدنيا (ويذرون) يعني: ويتركون (وراءهم) يعني: بين أيديهم (يوما ثقيلا) يعني: عسيرا شديدا. (نحن خلقناهم) يعني: من طين (وشددنا أسرهم) يعني: خلقهم (وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا) يعني: لو نشاء لأهلكناهم وجئنا بأكثر طاعة لله منهم.

3109

الآيات 29-31

(29) و (30) و (31) قوله تعالى: (إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا . وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما. يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما). واعلم أنه تعالى لما شرح أحوال السعداء وأحوال الأشقياء ذكر أن هذه السورة بما فيها من الترتيب العجيب والنسق البعيد والوعد والوعيد والترغيب والترهيب، تذكرة للمتأملين وتبصرة للمتبصرين، فمن شاء الخيرة لنفسه في الدنيا والآخرة اتخذ إلى ربه سبيلا، واتخاذ السبيل إلى الله عبارة عن التقرب إليه. ولأن هذه الآيات من الآيات الجامعة في مسألة القدر والجبر فإني نقول: القائل بالقدر أعور ينظر إلى النصوص بعين واحدة, والقائل بالجبر أعور ينظر إلى النصوص بالعين الأخرى, والقول بالقدر إفراط كما إنّ القول بالجبر تفريط, والقائل بالقدر ظالم لله بالانتقاص من مشيئة الله أو نفيها, كما إنّ القائل بالجبر ظالم للإنسان بالانتقاص من مشيئة الإنسان أو نفيها. والقول الصحيح في مسألة القدر والجبر هو ما نص الله عليه في كتابه بالنصوص الجامعة فقال في سورة المدثر: (كلا إنه تذكرة. فمن شاء ذكره. وما يذكرون إلا أن يشاء الله) (المدثر: 54ـ56)، وقال هنا: (إن هذه تذكره فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا. وما تشاؤون إلا أن يشاء الله)، وقال في سورة التكوير: (إن هو إلا ذكر للعالمين. لمن شاء منكم أن يستقيم. وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين) (التكوير: 27ـ29). ومن خلال قراءة هذه النصوص نخلص إلى القاعدة الصحيحة في مسألة القدر والجبر وهي: إنّ الله تعالى أثبت للإنسان مشيئة وأثبت لنفسه مشيئة وجعل مشيئة الإنسان لا تخرج عن مشيئة الله. وفيه تربية على أن دخول النار يكون بالعمل بينما دخول الجنة يكون برحمة الله وفضله. فقوله تعالى: (إن هذه) يعني: السورة (تذكرة) يعني: موعظة (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) يعني: طريقا موصلا إلى طاعته وطلب مرضاته. (وما تشاؤون) يعني: الطاعة والاستقامة واتخاذ السبيل إلى الله (إلا أن يشاء الله) فأخبر أن الأمر إليه سبحانه ليس إليهم، وأنه لا تنفذ مشيئة أحد ولا تتقدم إلا أن تتقدم مشيئته (إن الله كان عليما) بأعمالكم (حكيما) في أمره ونهيه لكم. (يدخل من يشاء في رحمته) يعني: يدخله الجنة راحما له (والظالمين) يعني: الكافرين (أعد لهم عذابا أليما) يعني: هيأ لهم عذابا مؤلما. والحمد لله رب العالمين.

3110

التفسير التربوي لسورة المرسلات

قال القرطبي في التفسير: ((سورة المرسلات: مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. وقال ابن عباس وقتادة إلا آية منها وهي قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون) (المرسلات: 48) مدنية. وقال ابن مسعود: نزلت (والمرسلات عرفا) على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن ونحن معه نسير، حتى أوينا إلى غار بمنى فنزلت، فبينا نحن نتلقاها منه، وإن فاه لرطب بها إذ وثبت حية، فوثبنا عليها لنقتلها فذهبت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وقيتم شرها كما وقيت شركم). وعن كريب مولى ابن عباس قال: قرأت سورة (والمرسلات عرفا) فسمعتني أم الفضل امرأة العباس، فبكت وقالت: والله يا بني لقد أذكرتني بقراءتك هذه السورة إنها لآخر ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في صلاة المغرب. وهي خمسون آية)).

وقال البقاعي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: ((لما ختمت سورة الإنسان بالوعد لأوليائه والوعيد لأعدائه، وكان الكفار يكذبون بذلك، افتتح هذه بالإقسام على أن ذلك كائن فقال: (والمرسلات عرفا)).

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: ((هذه السورة حادة الملامح، عنيفة المشاهد، شديدة الإيقاع، كأنها سياط لاذعة من نار. وهي تقف القلب وقفة المحاكمة الرهيبة، حيث يواجه بسيل من الاستفهامات والاستنكارات والتهديدات، تنفذ إليه كالسهام المسنونة! وتعرض السورة من مشاهد الدنيا والآخرة، وحقائق الكون والنفس، ومناظر الهول والعذاب ما تعرض. وعقب كل معرض ومشهد تلفح القلب المذنب لفحة كأنها من نار: (ويل يومئذ للمكذبين)! ويتكرر هذا التعقيب عشر مرات في السورة. وهو لازمة الإيقاع فيها. وهو أنسب تعقيب لملامحها الحادة، ومشاهدها العنيفة، وإيقاعها الشديد. وهذه اللازمة تذكرنا باللازمة المكررة في سورة الرحمن عقب عرض كل نعمة من نعم الله على العباد: (فبأي آلاء ربكما تكذبان؟) كما تذكرنا باللازمة المكررة في سورة القمر عقب كل حلقة من حلقات العذاب: (فكيف كان عذابي ونذر؟) وتكرارها هنا على هذا النحو يعطي السورة سمة خاصة، وطعما مميزا حادا. وتتوالى مقاطع السورة وفواصلها قصيرة سريعة عنيفة متعددة القوافي. كل مقطع بقافية. ويعود السياق أحيانا إلى بعض القوافي مرة بعد مرة. ويتلقى الحس هذه المقاطع والفواصل والقوافي بلذعها الخاص، وعنفها الخاص، واحدة إثر واحدة، وما يكاد يفيق من إيقاع حتى يعاجله إيقاع آخر، بنفس العنف وبنفس الشدة. ومنذ بداية السورة والجو عاصف ثائر بمشهد الرياح أو الملائكة، وهو افتتاح يلتئم مع جو السورة وظلها تمام الالتئام. وللقرآن في هذا الباب طريقة خاصة في اختيار إطار للمشاهد في بعض السور من لون هذه المشاهد وقوتها، وهذا نموذج منها، كما اختار إطارا من الضحى والليل إذا سجى لمشاهد الرعاية والحنان والإيواء في سورة الضحى، وإطارا من العاديات الضابحة الصاخبة المثيرة للغبار لمشاهد بعثرة القبور وتحصيل ما في الصدور في سورة العاديات، وغيرها كثير. وكل مقطع من مقاطع السورة العشرة بعد هذا المطلع، يمثل جولة أو رحلة في عالم، تتحول السورة معه إلى مساحات عريضة من التأملات والمشاعر والخواطر والتأثرات والاستجابات أعرض بكثير جدا من مساحة العبارات والكلمات، وكأنما هذه سهام تشير إلى عوالم شتى! وهكذا يمضي القلب مع سياق السورة السريع، وكأنه يلهث مع إيقاعها وصورها ومشاهدها. فأما الحقائق الموضوعية في السورة فقد تكرر ورودها في سور القرآن والمكية منها بوجه خاص ولكن الحقائق القرآنية تعرض من جوانب متعددة، وفي أضواء متعددة، وبطعوم ومذاقات متعددة، وفق الحالات النفسية التي تواجهها، ووفق مداخل القلوب وأحوال النفوس التي يعلمها منزل هذا القرآن على رسوله، فتبدو في كل حالة جديدة، لأنها تستجيش في النفس استجابات جديدة. وفي هذه السورة جدة في مشاهد جهنم، وجدة في مواجهة المكذبين بهذه المشاهد، كما أن هناك جدة في أسلوب العرض والخطاب كله، ومن ثم تبرز شخصية خاصة للسورة، حادة الملامح، لاذعة المذاق، لاهثة الإيقاع!)).

3111

الآيات 1-50

قوله تعالى: ﴿والمُرْسَلَاتِ عُرْفًا فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِينَ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً ‎وَأَمْوَاتًا وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُون﴾ (المرسلات: 1-50)

(1ـ 7) قوله تعالى: (والمرسلات عرفا. فالعاصفات عصفا. والناشرات نشرا. فالفارقات فرقا. فالملقيات ذكرا. عذرا أو نذرا. إنما توعدون لواقع). لما كان في كل قسم مقسم به ومقسم عليه، فإن المقصود من كل قسم التنبيه على جلالة وشرف وعلو مرتبة المقسم به، وهذا ظاهر لأنه تعالى أقسم هنا بالملائكة وصفاتها وأعمالها. وأما المقسم عليه فهو قضية القيامة واليوم الآخر والبعث والحساب والجزاء والعقاب. وهذه القضية كان من العسير على المشركين تصور وقوعها، ولذلك أكدها القرآن الكريم لهم بشتى المؤكدات وفي مواضع كثيرة منه. وكانت عنايته بتقرير هذه القضية في عقولهم، وإقرار حقيقتها في قلوبهم مسألة ضرورة لا بد منها لبناء العقيدة في نفوسهم على أصولها، ثم لتصحيح موازين القيم في حياتهم جميعا. فالاعتقاد باليوم الآخر هو حجر الأساس في العقيدة السماوية، كما أنه حجر الأساس في تصور الحياة الإنسانية، وإليه مرد كل شيء في هذه الحياة، ومن ثم اقتضت هذا الجهد الطويل الثابت لتقريرها في القلوب والعقول. فقوله تعالى: (والمرسلات عرفا) هي الملائكة أرسلت بالمعروف من أمر الله تعالى ونهيه والخبر والوحي، ومعنى (عرفا): يتبع بعضها بعضا كعرف الفرس، تقول العرب: الناس إلى فلان عرف واحد: إذا توجهوا إليه فأكثروا. (فالعاصفات عصفا) وهي الملائكة الموكلون بالرياح يعصفون بها، وقيل: الملائكة تعصف بروح الكافر، يقال: عصف بالشيء أي أباده وأهلكه. (والناشرات نشرا) هي الملائكة الموكلون بالسحب ينشرونها، وقيل: إنها الملائكة تنشر كتب الله عز وجل. (فالفارقات فرقا) وهي الملائكة تنزل بالفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وقيل: الملائكة تفرق الأقوات والأرزاق والآجال. (فالملقيات ذكرا) وهي الملائكة تلقي كتب الله عز وجل إلى الأنبياء عليهم السلام. (عذرا أو نذرا) يعني: تلقى الوحي إعذارا من الله أو إنذارا إلى خلقه من عذابه، وقيل: الرسل يعذرون وينذرون، وقيل: (عذرا) لله جل ثناؤه إلى خلقه (أو نذرا) للمؤمنين ينتفعون به ويأخذون به. (إنما توعدون لواقع) هذا جواب ما تقدم من القسم، أي ما توعدون من أمر القيامة لواقع بكم ونازل عليكم.

3112

(8ـ 15) قوله تعالى: (فإذا النجوم طمست. وإذا السماء فرجت. وإذا الجبال نسفت. وإذا الرسل أقّتت. لأي يوم أجلت. ليوم الفصل. وما أدراك ما يوم الفصل. ويل يومئذ للمكذبين). لما أقسم الله تعالى في الآيات السابقة على وقوع القيامة فإنه ذكر في هذه الآيات علامات وقوع ذلك اليوم ومشاهده والانقلابات الكونية الهائلة التي تحصل في الأرض والسماء والنجوم والجبال والرسالات وما تؤول إليه الأمور من حساب وجزاء وعقاب تنبيها للناس وتحذيرا لهم حتى يستعدوا لذلك اليوم. فقوله تعالى: (فإذا النجوم طمست) يعني: ذهب ضوءها وانمحى نورها (وإذا السماء فرجت) يعني: فتحت وشقت (وإذا الجبال نسفت) يعني: ذهبت بسرعة، وقيل: سويت بالأرض (وإذا الرسل أقتت) يعني: جمعت لوقتها يوم القيامة، والوقت: الأجل الذي يكون عنده الشيء المؤخر إليه، فالمعنى: جعل لها وقت وأجل للفصل والقضاء بينهم وبين الأمم (لأي يوم أجلت) يعني: أخرت، وهذا تعظيم لذلك اليوم، فهو استفهام على التعظيم. (ليوم الفصل) يعني: يوم القيامة (وما أدراك ما يوم الفصل) أتبع التعظيم تعظيما، أي وما أعلمك ما يوم الفصل؟! (ويل يومئذ للمكذبين) يعني: عذاب وخزي لمن كذب بالله وبرسله وكتبه وبيوم الفصل في ذلك اليوم. فهو وعيد، وكرره في هذه السورة عند كل آية لمن كذب، لأنه قسّمه بينهم على قدر تكذيبهم، فإن لكل مكذب بشيء عذابا سوى تكذيبه بشيء آخر، ورب شيء كذب به هو أعظم جرما من تكذيبه بغيره، فإنما يقسّم الله له من الويل على قدر ذلك.

(16ـ 19) قوله تعالى: (ألم نهلك الأولين. ثم نتبعهم الآخرين. كذلك نفعل بالمجرمين. ويل يومئذ للمكذبين). فيه دعوة إلى الإيمان من خلال النظر في مصارع الأمم السابقة التي كذبت رسلها وأنكرت المعاد، وأن هذا الدمار والهلاك والاستئصال في الدنيا هو من سنة الله في المكذبين. فقوله تعالى: (ألم نهلك الأولين) أخبر عن إهلاك الكفار من الأمم الماضين من لدن آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم. (ثم نتبعهم الآخرين) يعني: نلحق الآخرين بالأولين. (كذلك نفعل بالمجرمين) يعني: مثل ما فعلناه بمن تقدم نفعل بمشركي هذه الأمة إما بالسيف، وإما بالهلاك. (ويل يومئذ للمكذبين) وقد تقدم.

3113

(20ـ 24) قوله تعالى: (ألم نخلقكم من ماء مهين. فجعلناه في قرار مكين. إلى قدر معلوم. فقدرنا فنعم القادرون. ويل يومئذ للمكذبين). لما دعانا الله تعالى في الآيات السابقة إلى الإيمان به وباليوم الآخر من خلال النظر في مصارع الغابرين، دعانا في هذه الآيات إلى الإيمان به وباليوم الآخر من خلال النظر في آيات الله في النفس البشرية وفي مراحل تخلق الجنين في الرحم لأن النظر في النشأة الأولى يوحي بالتقدير والتدبير الرباني الذي تقف عنده العقول حيرى ويتملكها العجب في كل دقيقة وفي كل شاردة وواردة. فقوله تعالى: (ألم نخلقكم من ماء مهين) يعني: ضعيف حقير وهو النطفة. (فجعلناه في قرار مكين) يعني: في مكان حريز وهو الرحم. (إلى قدر معلوم) يعني: إلى وقت الولادة. (فقدرنا) يعني: فقدّرنا، من القدرة، الرزق والعمل والأجل والشقاوة أو السعادة. (فنعم القادرون) يعني: المقدّرون. (ويل يومئذ للمكذبين) وقد تقدم.

(25ـ 28) قوله تعالى: (ألم نجعل الأرض كفاتا. أحياء وأمواتا. وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا. ويل يومئذ للمكذبين). فيه دعوة إلى الإيمان بالله واليوم الآخر من خلال النظر في آيات الله تعالى في الآفاق ومنها آية الأرض التي تضم أبناءها إليها أحياء وأمواتا، وقد جهزت لهم بالاستقرار والماء أصل الأحياء، ومنها خلق الناس، وإليها يعود الناس. فقوله تعالى: (ألم نجعل الأرض كفاتا) يعني: ضامة. ثم فسر الكفات فقال: (أحياء وأمواتا) يعني: تضم الأحياء على ظهورها والأموات في بطنها. وهذا يدل على وجوب مواراة الميت ودفنه، ودفن شعره وسائر ما يزيله عنه. (وجعلنا فيها) يعني: في الأرض (رواسي شامخات) يعني: الجبال، والرواسي: الثوابت، والشامخات: الطوال (وأسقيناكم ماء فراتا) والماء الفرات: الماء العذب يشرب منه ويسقى به. (ويل يومئذ للمكذبين) وقد تقدم.

(29ـ 34) قوله تعالى: (انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون. انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب. لا ظليل ولا يغني من اللهب. إنها ترمي بشرر كالقصر. كأنه جمالات صفر. ويل يومئذ للمكذبين). وفي هذه الآيات تحذير للمكذبين باليوم الآخر مما يلقونه من العذاب يوم القيامة على تكذيبهم، فكأنه تعالى يدعوهم إلى الإيمان كي لا يقوا في هذه الأهوال التي تذكر لهم وتعرض عليهم ثم يعرضون عليها إن لم يؤمنوا. فقوله تعالى: (انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون) يعني: سيروا إلى ما كنتم به تكذبون من العذاب في النار. (انطلقوا إلى ظل) يعني: دخان (ذي ثلاث شعب) يعني: الدخان الذي يرتفع ثم يتشعب إلى ثلاث شعب، وكذلك شأن الدخان العظيم إذا ارتفع تشعب. (لا ظليل) يعني: ليس كالظل الذي يقي حر الشمس (ولا يغني من اللهب) يعني: ولا يدفع من لهب جهنم شيئا. واللهب: ما يعلو على النار إذ اضطرمت من أحمر وأصفر وأخضر. (إنها ترمي بشرر كالقصر) والشرر: ما تطاير من النار في كل جهة، والقصر: البناء العالي. (كأنه جمالات صفر) فشبه الشرر بالقصر في مقاديره، ثم شبهه في لونه بالجمالات الصفر، وهي الإبل السود، والعرب تسمى السود من الإبل صفرا. (ويل يومئذ للمكذبين) وقد تقدم.

3114

(35ـ 40) قوله تعالى: (هذا يوم لا ينطقون. ولا يؤذن لهم فيعتذرون. ويل يومئذ للمكذبين. هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين. فإن كان لكم كيد فكيدون. ويل يومئذ للمكذبين). فيه بيان لأنواع تخويف الكفار وتشديد الأمر عليهم، وذلك لأنه تعالى بين أنه ليس لهم عذر ولا حجة فيما أتوا به من القبائح، ولا قدرة لهم على دفع العذاب عن أنفسهم، فيجتمع في حقهم في هذا المقام أنواع من العذاب كعذاب الخجالة حيث يفتضحون على رؤوس الأشهاد ويظهر قصورهم وتقصيرهم، وعذاب الندم والخزي حيث يرون خصومهم المؤمنين فائزين بالثواب والتعظيم ويرون أنفسهم فائزين بالخزي والنكال. واعلم أن من أنواع تهديد الكفار التقريع والتوبيخ والتحدي، حيث يجتمع الأولون والآخرون من المكذبين ويقال لهم: إن أمكنكم الدفع عن أنفسكم بضروب الكيد والحيل والخداع والتلبيس كما كنتم تفعلون في الدنيا فافعلوا الآن. فقوله تعالى: (هذا يوم لا ينطقون) يعني: لا يتكلمون. (ولا يؤذن لهم فيعتذرون) يعني: إن يوم القيامة له مواطن ومواقيت فهذا من المواقيت التي لا يتكلمون فيها ولا يؤذن لهم في الاعتذار والتنصل. وعن عكرمة عن ابن عباس قال: سأله ابن الأزرق عن قوله تعالى: (هذا يوم لا ينطقون) وقوله: (فلا تسمع إلا همسا) (طه: 108) وقوله: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) (الصافات: 27) فقال ابن عباس: إن الله عز وجل يقول: (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون) (الحج: 47) فإن لكل مقدار من هذه الأيام لونا من هذه الألوان. (ويل يومئذ للمكذبين) وقد تقدم. (هذا يوم الفصل) يعني: يقال لهم هذا اليوم الذي يفصل فيه بين الخلائق، فيتبين المحق من المبطل (جمعناكم والأولين) يعني: جمع الذين كذبوا محمدا والذين كذبوا النبيين من قبله. (فإن كان لكم كيد) يعني: حيلة في الخلاص من الهلاك (فكيدوني) يعني: فاحتالوا لأنفسكم ولن تجدوا ذلك. وقيل: (فإن كان لكم كيد) يعني: قدرتم على حرب (فكيدوني) يعني: فحاربوني. (ويل يومئذ للمكذبين) وقد تقدم.

3115

(41ـ 45) قوله تعالى: (إن المتقين في ظلال وعيون. وفواكه مما يشتهون. كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون. إنا كذلك نجزي المحسنين. ويل يومئذ للمكذبين). وهذه الآيات وإن كانت في النعيم الذي أعده الله تعالى للمتقين يوم القيامة فإن سياقها هو تهديد الكفار وتعذيبهم، وذلك لأن الخصومة الشديدة والنفرة العظيمة التي كانت في الدنيا قائمة بين الكفار والمؤمنين، صارت بحيث أن الموت كان أسهل على الكافر من أن يرى للمؤمن دولة وقوة، فلما بين الله تعالى في هذه السورة اجتماع أنواع العذاب والخزي والنكال على الكفار، بين في هذه الآيات اجتماع أنواع السعادة والكرامة في حق المؤمنين، حتى أن الكافر يرى نفسه في غاية الذل والهوان والخزي والخسران، ويرى خصمه في نهاية العز والكرامة والرفعة والمنقبة، فتتضاعف حسرته ويتزايد غمه وهمه، وهذا من العذاب الروحاني. فقوله تعالى: (إن المتقين في ظلال) يعني: ظلال الأشجار وظلال القصور (وعيون) يعني: عيون جارية من الماء في الجنة. (وفواكه مما يشتهون) يعني: يتمنون. (كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون) يعني: يقال لهم ذلك في الجنة. (إنا كذلك نجزي المحسنين) يعني: نثيب الذين أحسنوا في تصديقهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وأعمالهم في الدنيا. (ويل يومئذ للمكذبين) وقد تقدم.

3116

(46ـ 50) قوله تعالى: (كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون. ويل يومئذ للمكذبين. وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون. ويل يومئذ للمكذبين. فبأي حديث بعده يؤمنون). فيه تخويف للكفار، فكأنه تعالى يقول لهم: إنكم عرضتم أنفسكم لهذه الآفات التي وصفناها ولهذه المحن التي شرحناها لأجل حبكم للدنيا ورغبتكم في طيباتها وشهواتها، إلا أن هذه الطيبات قليلة بالنسبة إلى تلك الآفات العظيمة، وهذا وإن كان في اللفظ أمرا إلا أنه في المعنى نهي بليغ وزجر عظيم ومنع في غاية المبالغة. وفيه تخويف للكفار، فكأنه تعالى يقول لهم: هب أنكم تحبون الدنيا ولذاتها ولكن لا تعرضوا بالكلية عن خدمة خالقكم بل تواضعوا له، فإنكم إن آمنتم ثم ضممتم إليه طلب اللذات حصل لكم رجاء الخلاص عن عذاب جهنم والفوز بالثواب. واعلم أنه تعالى لما بالغ في زجر الكفار من أول هذه السورة إلى آخرها بالوجوه التي شرحناها، وحث على التمسك بالنظر والاستدلال والانقياد للدين الحق، ختم هذه السورة بالتعجب من الكفار، وبين أنهم إذا لم يؤمنوا بهذه الدلائل مع تجليها ووضوحها فبأي حديث بعده يؤمنون. فقوله تعالى: (كلوا وتمتعوا قليلا) هذا عائد إلى ما تقدم قبل المتقين، وهو وعيد وتهديد (إنكم مجرمون) يعني: كافرون، وقيل: مكتسبون فعلا يضركم في الآخرة من الشرك والمعاصي. (ويل يومئذ للمكذبين) وقد تقدم. (وإذا قيل لهم اركعوا) يعني: صلوا، وقيل: اخضعوا لله (لا يركعون) يعني: لا يصلون، وقيل: لا يخضعون لله. (ويل يومئذ للمكذبين) وقد تقدم. (فبأي حديث بعده يؤمنون) يعني: إن لم يصدقوا بالقرآن الذي هو المعجز فبأي شئ يصدقون؟!. وقد كرر: (ويل يومئذ للمكذبين) لمعنى تكرير التخويف والوعيد. وقيل: ليس بتكرار، لأنه أراد بكل قول منه غير الذي أراد بالآخر، كأنه ذكر شيئا فقال: ويل لمن يكذب بهذا، ثم ذكر شيئا آخر فقال: ويل لمن يكذب بهذا، ثم ذكر شيئا ثالثا فقال: ويل لمن يكذب بهذا. والحمد لله رب العالمين.

3117