التفسير التربويالجزء 1 · ص 3118 - 3125

التفسير التربوي لسورة النبإ

التفسير التربوي لسورة النبإ

قال القرطبي في التفسير: ((سورة (عم): مكية. وتسمى سورة (النبأ). وهي أربعون أو إحدى وأربعون آية)).

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «هذا الجزء كله ومنه هذه السورة ذو طابع غالب، سوره مكية فيما عدا سورتي البينة والنصر، وكلها من قصار السور على تفاوت في القصر. والأهم من هذا هو طابعها الخاص الذي يجعلها وحدة على وجه التقريب في موضعها واتجاهها، وإيقاعها، وصورها وظلالها، وأسلوبها العام.. هكذا خيل إلي وأنا أقرأ هذا الجزء، وأحس تركيزه على حقائق معينة قليلة العدد، عظيمة القدر، ثقيلة الوزن. وعلى إيقاعات معينة يلمس بها أوتار القلوب. وعلى مشاهد معينة في الكون والنفس. وعلى أحداث معينة في يوم الفصل. وأرى تكرارها مع تنوعها. هذا التكرار الموحي بأمر وقصد!.. وفي الجزء كله تركيز على النشأة الأولى للإنسان والأحياء الأخرى في هذه الأرض من نبات وحيوان، وعلى مشاهد هذا الكون وآياته في كتابه المفتوح، وعلى مشاهد القيامة العنيفة الطامة الصاخة القارعة الغاشية، ومشاهد الحساب والجزاء من نعيم وعذاب في صور تقرع وتذهل وتزلزل كمشاهد القيامة الكونية في ضخامتها وهولها، واتخاذها جميعا دلائل على الخلق والتدبير والنشأة الأخرى وموازينها الحاسمة، مع التقريع بها والتخويف والتحذير، وأحيانا تصاحبها صور من مصارع الغابرين من المكذبين، والأمثلة على هذا هي الجزء كله.. وهناك ظاهرة أخرى في الأداء التعبيري لهذا الجزء، هناك أناقة واضحة في التعبير، مع اللمسات المقصودة لمواطن الجمال في الوجود والنفوس، وافتنان مبدع في الصور والظلال والإيقاع الموسيقي والقوافي والفواصل، تتناسق كلها مع طبيعته في خطاب الغافلين النائمين السادرين، لإيقاظهم واجتذاب حسهم وحواسهم بشتى الألوان وشتى الإيقاعات وشتى المؤثرات. وهذه السورة نموذج لاتجاه هذا الجزء بموضوعاته وحقائقه وإيقاعاته ومشاهده وصوره وظلاله وموسيقاه ولمساته في الكون والنفس، والدنيا والآخرة، واختيار الألفاظ والعبارات لتوقع أشد إيقاعاتها أثرا في الحس والضمير».

3118

الآيات 1-40

قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا لِلطَّاغِينَ مَآَبًا لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا جَزَاءً وِفَاقًا إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا وَكَأْسًا دِهَاقًا لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَبًا إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابا﴾ (النبإ: 1-40)

(1ـ 5) قوله تعالى: (عم يتساءلون. عن النبأ العظيم. الذي هم فيه مختلفون. كلا سيعلمون. ثم كلا سيعلمون). افتتاح الكلام بالاستفهام عن تساؤل جماعة عن نبأ عظيم، افتتاح تشويق ثم تهويل لما سيذكر بعده، فهو من الفواتح البديعة لما فيها من أسلوب عزيز غير مألوف ومن تشويق بطريقة الإجمال ثم التفصيل المحصلة لتمكن الخبر الآتي بعده في نفس السامع أكمل تمكن. وإذ كان هذا الافتتاح مؤذنا بعظيم أمر كان مؤذنا بالتصدي لقول فصل فيه، ولما كان في ذلك إشعار بأهم ما فيه خوضهم يومئذ فإن افتتاح الكلام به من براعة الاستهلال. فقوله تعالى: (عم يتساءلون) يعني: عن أي شيء يسأل بعضهم بعضا، فيم يتشدد المشركون ويختصمون. (عن النبأ العظيم) يعني: يتساءلون عن الخبر الكبير. (الذي هم فيه مختلفون) يعني: يخالف فيه بعضهم بعضا، فيصدق واحد ويكذب آخر. والأظهر أن سؤالهم إنما كان عن البعث، والذي يدل عليه قوله تعالى: (إن يوم الفصل كان ميقاتا) (النبأ: 17). وقيل: هو القرآن لقوله تعالى: (قل هو نبأ عظيم. أنتم عنه معرضون). وقيل: هو أمر النبي صلى الله عليه وسلم. (كلا) رد عليهم في إنكارهم البعث أو تكذيبهم القرآن، وقيل: هي بمعنى: حقا (سيعلمون) يعني: سيعلمون البعث: أحق هو أم باطل، وقيل: سيعلمون عاقبة القرآن. (ثم كلا سيعلمون) يعني: حقا ليعلمن صدق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن ومما ذكره لهم من البعث بعد الموت، وقيل: سيعلمون عاقبة التكذيب. وكرر الآية للتأكيد، وهي تحمل معنى التهديد والوعيد.

3119

(6ـ 16) قوله تعالى: (ألم نجعل الأرض مهادا. والجبال أوتادا. وخلقناكم أزواجا. وجعلنا نومكم سباتا. وجعلنا الليل لباسا. وجعلنا النهار معاشا. وبنينا فوقكم سبعا شدادا. وجعلنا سراجا وهاجا. وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا. لنخرج به حبا ونباتا. وجنات ألفافا). ثم عدل السياق عن الحديث حول هذا النبأ وتركه لحينه، ولفت نظر الناس إلى ما هو واقع بين أيديهم وحولهم، في ذوات أنفسهم وفي الكون من حولهم، مما يدل على ما وراءه من تدبير ويوحي بما سيتلوه من تقرير. واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم إنكار البعث وأراد إقامة الدلالة على صحة الحشر قدم لذلك مقدمة في بيان كونه تعالى قادرا على جميع الممكنات عالما بجميع المعلومات، وذلك لأنه متى ثبت هذان الأصلان ثبت القول بصحة البعث، وإنما أثبت هذين الأصلين بأن عدد أنواعا من مخلوقاته الواقعة على وجه الإحكام والإتقان، فإن تلك الأشياء من جهة حدوثها تدل على القدرة، ومن جهة إحكامها وإتقانها تدل على العلم، ومتى ثبت هذان الأصلان وثبت أن الأجسام متساوية في قبول الصفات والأعراض، ثبت لا محالة كونه تعالى قادرا على تغيير الدنيا بسمائها وأرضها وعلى إيجاد عالم الآخرة. واعلم أنه تعالى ذكر هنا من عجائب مخلوقاته ما يدل على وجوده ووحدانيته وقدرته وعلمه. فقوله تعالى: (ألم نجعل الأرض مهادا) يعني: ممهدة كالفراش، فتصلح للسكن فيها والعيش عليها. (والجبال أوتادا) يعني: لتثبيت الأرض وصلاحها وبقائها. وقد أثبت العلم أن القوة النابذة المتولدة من دوران الأرض كافية لجعل القشرة الأرضية تنفك عن الأرض وتنفصل عنها. (وخلقناكم أزواجا) يعني: ذكرا وأنثى، لكي تستمر الحياة ويقع الإعمار. وقيل: ألوانا وأصنافا، لكي تختلف الأحوال فيقع الاعتبار ويشكر الفاضل ويصبر المفضول. (وجعلنا نومكم سباتا) يعني: راحة لأبدانكم، وقيل: انقطعا عن الناس وعن الاشتغال، فالسبات يشبه الموت إلا أنه لم تفارقه الروح. (وجعلنا الليل لباسا) يعني: سترا لكم، فتلبسكم ظلمته وتغشاكم، وقيل: سكنا لكم. (وجعلنا النهار معاشا) يعني: وقتا للعمل والتصرف وطلب المعاش الذي الطعام والشراب وغيره مما يتعيش به الناس. (وبنينا فوقكم سبعا شدادا) يعني: سبع سماوات، محكمة الخلق، وثيقة البنيان. (وجعلنا سراجا وهاجا) يعني: وقادا وهي الشمس، ولم يذكر القمر لأنه يستمد ضياءه من الشمس. (وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا) يعني: السحاب، وقيل: الرياح لأنها تعصر السحاب، ومعنى (ثجاجا): منصبا متتابعا. (لنخرج به) يعني: بذلك الماء (حبا) كالحنطة والشعير وغير ذلك (ونباتا) وهو ما تأكله الدواب من الحشيش. (وجنات) يعني: بساتين (ألفافا) يعني: ملتفة بعضها ببعض لتشعب أغصانها.

3120

(17ـ 20) قوله تعالى: (إن يوم الفصل كان ميقاتا. يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا. وفتحت السماء فكانت أبوابا. وسيرت الجبال فكانت سرابا). ثم انتقل السياق القرآني من الحقائق والمشاهد والصور والإيقاعات في عالم المخلوقات إلى أولى مشاهد القيامة ليبين للناس ذلك النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون، والذي هددهم به يوم يعلمون! ليقول لهم ما هو؟ وكيف يكون. فذكر أن يوم القيامة كان في تقدير الله وحكمه وقتا لنهاية الدنيا وحدا للخلائق ينتهون إليه، وأنه ميقات لما وعد الله به من الثواب والعقاب، وأنه ميقات لاجتماع كل الخلائق في فصل الحكومات وقطع الخصومات. فقوله تعالى: (إن يوم الفصل كان ميقاتا) يعني: وقتا وميعادا لجمع الأولين والآخرين، لما وعد الله من الجزاء والثواب، وسمي يوم الفصل لأن الله تعالى يفصل فيه بين خلقه. (يوم ينفخ في الصور) يعني: البوق لأجل البعث (فتأتون) يعني: إلى موضع العرض (أفواجا) يعني: أمما وزمرا وجماعات. (وفتحت السماء فكانت أبوابا) يعني: لنزول الملائكة، كما قال تعالى: (ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا) (الفرقان: 25). وقيل: أبوابا يعني: طرقا. (وسيرت الجبال) قيل: نسفت من أصولها، وقيل: أزيلت عن مواضعها (فكانت سرابا) يعني: لا شيء، كما أن السراب كذلك: يظنه الرائي ماء وليس بماء.

3121

(21ـ 30) قوله تعالى: (إن جهنم كانت مرصادا. للطاغين مآبا. لابثين فيها أحقابا. لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا. إلا حميما وغساقا. جزاء وفاقا. إنهم كانوا لا يرجون حسابا. وكذبوا بآياتنا كذابا. وكل شيء أحصيناه كتابا. فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا). واعلم أنه تعالى لما ذكر في الآيات السابقة الأحوال العامة ليوم القيامة ذكر في هذه الآيات الأحوال الخاصة بالكافرين وما يصيرون إليه من الجحيم وألوان العقاب والعذاب على ما كانوا يكذبون به في الدنيا وعلى ما كانوا يعملونه في الحياة الدنيا. فقوله تعالى: (إن جهنم كانت مرصادا) يعني: ذات أرصاد، فترصد من يمر بها، وقيل: محبسا وطريقا وممرا، فلا سبيل إلى الجنة حتى يقطع جهنم. (للطاغين) يعني: الذين تجاوزوا حدهم في المعصية أو الظلم، وقيل: المراد بالطاغين من طغى في دينه بالكفر، أو في دنياه بالظلم (مآبا) يعني: مرجعا ومنقلبا. (لابثين فيها) يعني: مقيمين فيها (أحقابا) يعني: دهورا وأزمنة طويلة. (لا يذوقون فيها بردا) يعني: طعاما، وقيل: راحة، وقيل: ظلا أو نوما (ولا شرابا) يعني: مما يشرب وفيه لذة الشراب. (إلا حميما) يعني: ماء حارا (وغساقا) وهو صديد أهل النار. (جزاء وفاقا) يعني: عقابا موافقا لأعمالهم، وعبر عن العقاب بالجزاء للتهكم. وقيل: كانت أعمالهم سيئة، فأتاهم الله بما يسوءهم. (إنهم كانوا لا يرجون) يعني: لا يخافون (حسابا) يعني: محاسبة على أعمالهم، وقيل: معناه لا يرجون ثواب حساب. (وكذبوا بآياتنا كذابا) يعني:بما جاءت به الأنبياء، وقيل: بما أنزلنا من الكتب. (وكل شيء أحصيناه كتابا) يعني: أحصيناه في كتاب، وهو كتاب الأعمال، وقيل: اللوح المحفوظ. (فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا) قال أبو برزة الأسلمي: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أشد آية في القرآن؟ فقال: قوله تعالى: (فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا) وقوله: (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها) (النساء: 56) وقوله: (كلما خبت زدناهم سعيرا) (الإسراء: 97).

3122

(31ـ 37) قوله تعالى: (إن للمتقين مفازا. حدائق وأعنابا. وكواعب أترابا. وكأسا دهاقا. لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا. جزاء من ربك عطاء حسابا. رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا). واعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الكفار أتبعه بوعد الأخيار، فانتقل السياق من ثم مشهد العذاب بكل قوته وعنفه إلى مشهد النعيم وهو يتدفق تدفقا، كما هي عادة القرآن في المناوبة بين الوعد والوعيد، والثواب والعقاب، والترغيب والترهيب. فقوله تعالى: (إن للمتقين مفازا) يعني: موضع فوز ونجاة وخلاص مما فيه أهل النار، ولذلك قيل للفلاة إذا قل ماؤها: مفازة، تفاؤلا بالخلاص منها. (حدائق وأعنابا) هذا تفسير الفوز، والحدائق البساتين، والأعناب معروفه وهي كناية عن الفواكه. (وكواعب أترابا) والكواعب: العذارى المستديرة النواهد، والأتراب: من تربة واحدة في السن. (وكأسا) والكأس: الإناء فيه الخمر (دهاقا) يعني: ممتلئة، وقيل: متتابعة يتبع بعضها بعضا، وقيل: صافية. (لا يسمعون فيها) يعني: في الجنة (لغوا ولا كذابا) واللغو: الباطل من الكلام، والكذب: الكلام المخالف للحقيقة. (جزاء من ربك) يعني: ثوابا (عطاء) يعني: تفضلا (حسابا) يعني: كثيرا، وقيل: ما يكفيهم. (رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن) يعني: الرب هو الرحمن بالمؤمنين (لا يملكون منه خطابا) لا يملكون أن يسألوه إلا فيما أذن لهم فيه، وقيل: بالشفاعة إلا بإذنه.

3123

(38) و (39) و (40) قوله تعالى: (يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا. ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا. إنا أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا). وتختم السورة بإيقاع جليل في حقيقته وفي المشهد الذي يعرض فيه، وبإنذار وتذكير قبل أن يجيء اليوم الذي يكون فيه هذا المشهد الجليل، فذلك هو النبأ العظيم، الذي يتساءلون عنه، وذلك ما سيكون يوم يعلمون ذلك النبأ العظيم! ولأن الملائكة أعظم المخلوقات قدرا ورتبة، وأكثر قدرة ومكانة، فبين أنهم لا يتكلمون في موقف القيامة إجلالا لربهم وخوفا منه وخضوعا له، فكيف يكون حال غيرهم. فقوله تعالى: (يوم يقوم الروح) يعني: لا يملكون منه خطابا يوم يقوم الروح وهو جبريل عليه السلام (والملائكة صفا) يعني: في صف واحد (لا يتكلمون) يعني: لا يشفعون (إلا من أذن له الرحمن) يعني: في الشفاعة (وقال صوابا) يعني: حقا، وأصل الصواب هو السداد في القول والفعل. (ذلك اليوم الحق) يعني: الكائن الواقع لا محالة (فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا) يعني: مرجعا بالعمل الصالح، وقيل: (مآبا) سبيلا. (إنا أنذرناكم عذابا قريبا) الخطاب للذين لا يؤمنون بالبعث أو لا يعملون له، والعذاب القريب هو عذاب الآخرة، وسمي قريبا لأنه آت، وكل ما هو آت فهو قريب (يوم ينظر المرء ما قدمت يداه) يعني: يرى عمله بأم عينه (ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا) يعني: يتمنى أنه لم يكن شيئا في الدنيا لما عاينه من هول الآخرة وعذابها، وروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله تعالى يحشر الخلق كلهم من دابة وطائر وإنسان، ثم يقال للبهائم والطير كوني ترابا، فعند ذلك: (يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا)). والحمد لله رب العالمين.

3124

التفسير التربوي لسورة النازعات

قال القرطبي في التفسير: «سورة النازعات: مكية بإجماع. وهي خمس أو ست وأربعون آية».

وقال البقاعي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: ((لما ذكر سبحانه يوم يقوم الروح ويتمنى الكافر العدم في آخر السورة السابقة، أقسم أول هذه السورة بنزع الأرواح على الوجه الذي ذكره بأيدي الملائكة عليهم السلام على ما يتأثر عنه من البعث، وساقه على وجه التأكيد بالقسم لأنهم به مكذبون فقال تعالى: (والنازعات غرقا. والناشطات نشطا)).

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «هذه السورة نموذج من نماذج هذا الجزء لإشعار القلب البشري حقيقة الآخرة، بهولها وضخامتها، وجديتها وأصالتها، في التقدير الإلهي لنشأة هذا العالم الإنساني، والتدبير العلوي لمراحل هذه النشأة وخطواتها على ظهر الأرض وفي جوفها، ثم في الدار الآخرة، التي تمثل نهاية هذه النشأة وعقباها. وفي الطريق إلى إشعار القلب البشري حقيقة الآخرة الهائلة الضخمة العظيمة الكبيرة يوقع السياق إيقاعات منوعة على أوتار القلب، ويلمسه لمسات شتى حول تلك الحقيقة الكبرى، وهي إيقاعات ولمسات تمت إليها بصلة، فتلك الحقيقة تمهد لها في الحس وتهيئه لاستقبالها في يقظة وفي حساسية».

3125