التفسير التربوي لسورة النبإ
قال القرطبي في التفسير: ((سورة (عم): مكية. وتسمى سورة (النبأ). وهي أربعون أو إحدى وأربعون آية)).
وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «هذا الجزء كله ومنه هذه السورة ذو طابع غالب، سوره مكية فيما عدا سورتي البينة والنصر، وكلها من قصار السور على تفاوت في القصر. والأهم من هذا هو طابعها الخاص الذي يجعلها وحدة على وجه التقريب في موضعها واتجاهها، وإيقاعها، وصورها وظلالها، وأسلوبها العام.. هكذا خيل إلي وأنا أقرأ هذا الجزء، وأحس تركيزه على حقائق معينة قليلة العدد، عظيمة القدر، ثقيلة الوزن. وعلى إيقاعات معينة يلمس بها أوتار القلوب. وعلى مشاهد معينة في الكون والنفس. وعلى أحداث معينة في يوم الفصل. وأرى تكرارها مع تنوعها. هذا التكرار الموحي بأمر وقصد!.. وفي الجزء كله تركيز على النشأة الأولى للإنسان والأحياء الأخرى في هذه الأرض من نبات وحيوان، وعلى مشاهد هذا الكون وآياته في كتابه المفتوح، وعلى مشاهد القيامة العنيفة الطامة الصاخة القارعة الغاشية، ومشاهد الحساب والجزاء من نعيم وعذاب في صور تقرع وتذهل وتزلزل كمشاهد القيامة الكونية في ضخامتها وهولها، واتخاذها جميعا دلائل على الخلق والتدبير والنشأة الأخرى وموازينها الحاسمة، مع التقريع بها والتخويف والتحذير، وأحيانا تصاحبها صور من مصارع الغابرين من المكذبين، والأمثلة على هذا هي الجزء كله.. وهناك ظاهرة أخرى في الأداء التعبيري لهذا الجزء، هناك أناقة واضحة في التعبير، مع اللمسات المقصودة لمواطن الجمال في الوجود والنفوس، وافتنان مبدع في الصور والظلال والإيقاع الموسيقي والقوافي والفواصل، تتناسق كلها مع طبيعته في خطاب الغافلين النائمين السادرين، لإيقاظهم واجتذاب حسهم وحواسهم بشتى الألوان وشتى الإيقاعات وشتى المؤثرات. وهذه السورة نموذج لاتجاه هذا الجزء بموضوعاته وحقائقه وإيقاعاته ومشاهده وصوره وظلاله وموسيقاه ولمساته في الكون والنفس، والدنيا والآخرة، واختيار الألفاظ والعبارات لتوقع أشد إيقاعاتها أثرا في الحس والضمير».