التفسير التربويالجزء 1 · ص 3220 - 3227

التفسير التربوي لسورة العصر

التفسير التربوي لسورة العصر

قال القرطبي في التفسير: «سورة العصر: وهي مكية. وقال قتادة مدنية. وهي ثلاث آيات».

وقال البقاعي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: «لما كانت لذة هذه الدنيا الظاهرة التنعم بما فيها من المتاع، وكان الإنسان مسؤولا بما شهد به، ختم التكاثر عن ذلك النعيم متوعدا برؤية الجحيم، فكان ساكن هذه الدار على غاية الخطر، وكان نعيمه في غاية الكدر، فقال دالا على ذلك بأن أكثر الناس هالك، ومؤكدا بالقسم والأداة لما للأغلب من التكذيب لذلك إما بالمقال أو بالحال».

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «في هذه السورة الصغيرة ذات الآيات الثلاث يتمثل منهج كامل للحياة البشرية كما يريدها الإسلام، وتبرز معالم التصور الإيماني بحقيقته الكبيرة الشاملة في أوضح وأدق صورة. إنها تضع الدستور الإسلامي كله في كلمات قصار، وتصف الأمة المسلمة: حقيقتها ووظيفتها، في آية واحدة هي الآية الثالثة من السورة. وهذا هو الإعجاز الذي لا يقدر عليه إلا الله. والحقيقة الضخمة التي تقررها هذه السورة بمجموعها هي هذه: إنه على امتداد الزمان في جميع الأعصار، وامتداد الإنسان في جميع الدهور، ليس هنالك إلا منهج واحد رابح، وطريق واحد ناج، هو ذلك المنهج الذي ترسم السورة حدوده، وهو هذا الطريق الذي تصف السورة معالمه».

3220

الآيات 1-3

قوله تعالى: ﴿والعصرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر﴾ (العصر: 1-3)

ترسم هذه السورة معالم الإسلام وحقائق الدين في سطرين مع القسم بالزمان على أن ما سواه هالك وخاسر في كل زمان ومكان. وهذه الحقائق هي: الإيمان بالله، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والصبر بمفهومه الواسع على الطاعة وعن المعصية وعلى النوائب والبلايا. فقوله تعالى: (والعصر). يعني: الدهر، فأقسم الله تعالى بالدهر لما فيه من التنبيه بتصرف الأحوال وتبدلها، وما فيها من الدلالة على الخالق. وقيل: الليل والنهار. وقيل: الغداة والعشي. وقيل: إنه العشي، وهو ما بين زوال الشمس وغروبها. وقيل: هو قسم بصلاة العصر، وهي الوسطى، لأنها أفضل الصلوات. وقيل: هو قسم بعصر النبي صلى الله عليه وسلم لفضله بتجديد النبوة فيه. وقيل: معناه ورب العصر. وقوله تعالى: (إن الإنسان لفي خسر). هذا جواب القسم، والمراد بالإنسان الكافر. وقيل: المراد بالإنسان جنس الناس. (لفي خسر) يعني: لفي غبن، وقيل: لفي نقص، وقيل: لفي هلاك وعقوبة، ومنه قوله تعالى: (وكان عاقبة أمرها خسرا) (الطلاق: 9)، وقيل: إن الإنسان إذا عمر في الدنيا وهرم لفي نقص وضعف وتراجع، إلا المؤمنين فإنهم تكتب لهم أجورهم التي كانوا يعملونها في حال شبابهم، نظيره قوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم. ثم رددناه أسفل سافلين) (التين: 4ـ5). وقوله تعالى: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر). فقوله: (إلا الذين آمنوا) استثناء من الإنسان لأنه بمعنى جنس الناس، ومعنى آمنوا: صدقوا بالله والرسل واليوم الآخر (وعملوا الصالحات) يعني: صدقوا الإيمان بالعمل، وقيل: أدوا الفرائض المفترضة عليهم (وتواصوا بالحق) يعني: أوصى بعضهم بعضا بالله وتوحيده وكتابه (وتواصوا بالصبر) يعني: أوصى بعضهم بعضا بالصبر على الطاعة والصبر عن المعصية والصبر على المصائب والبلايا. والحمد لله رب العالمين.

3221

التفسير التربوي لسورة الهمزة

قال القرطبي في التفسير: «سورة الهمزة: مكية بإجماع. وهي تسع آيات».

وقال البقاعي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: ((لما بين الناجين من قسمي الإنسان في العصر، وختم بالصبر، حصل تمام التشوف إلى أوصاف الهالكين، فقال مبينا لأضلهم وأشقاهم والذي الصبر على أذاه في غاية الشدة ليكون ما أعد له من العذاب مسلاة للصابر: (ويل لكل همزة)).

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: ((تعكس هذه السورة من الصور الواقعية في حياة الدعوة في عهدها الأول. وهي في الوقت ذاته نموذج يتكرر في كل بيئة. صورة اللئيم الصغير النفس، الذي يؤتى المال فتسيطر نفسه به، حتى ما يطيق نفسه! ويروح يشعر أن المال هو القيمة العليا في الحياة، القيمة التي تهون أمامها جميع القيم وجميع الأقدار: أقدار الناس، وأقدار المعاني، وأقدار الحقائق، وأنه وقد ملك المال فقد ملك كرامات الناس وأقدارهم بلا حساب!! والتهديد يجيء في صورة مشهد من مشاهد القيامة يمثل صورة للعذاب مادية ونفسية، وصورة للنار حسية ومعنوية. وقد لوحظ فيها التقابل بين الجرم وطريقة الجزاء وجو العقاب. فصورة الهمزة اللمزة، الذي يدأب على الهزء بالناس وعلى لمزهم في أنفسهم وأعراضهم، وهو يجمع المال فيظنه كفيلا بالخلود! صورة هذا المتعالي الساخر المستقوي بالمال، تقابلها صورة المنبوذ المهمل المتردي في (الحطمة) التي تحطم كل ما يلقى إليها، فتحطم كيانه وكبرياءه. وهي (نار الله الموقدة) وإضافتها لله وتخصيصها هكذا يوحي بأنها نار فذة، غير معهودة، ويخلع عليها رهبة مفزعة رعيبة. وهي (تطلع) على فؤاده الذي ينبعث منه الهمز واللمز، وتكمن فيه السخرية والكبرياء والغرور)).

3222

الآيات 1-9

قوله تعالى: ﴿ويل لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَة﴾ (الهمزة: 1-9)

لما ذكر في السورة السابقة صفات الناجين يوم القيامة، ذكر في هذه السورة صفات الهالكين يوم القيامة. ولعل أبرز هذه الصفات: العيب على الناس بالهمز واللمز مما يدل على الكبر وبطر الحق وغمط الناس، وجمع المال من الحلال والحرام مع كنزه أو إنفاقه في معصية الله والظن أن قيمة الناس بما يملكون فمن ملك قرشا فهو يساوي قرشا كما يقول أهل الجاهلية. ومع أن هذه السورة من قصار السور إلا أن مساحة الوعيد على الذنوب أكبر من مساحة النص على هذه الذنوب مما يدل على عظمها وخطرها وقوة نخرها لعظام المجتمع إن وجدت فيه. فقوله تعالى: (ويل لكل همزة لمزة). والويل: الخزي والعذاب والهلكة، وقيل: واد في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لذابت من شدة حره. والهمزة: الذي يعيب الناس بلسانه. واللمزة: الذي يعيب الناس بجوارحه. وقيل: الهمزة الذي يعيب الناس بحضورهم، واللمزة الذي يعيب الناس بغيابهم. وقيل: هما بمعنى واحد. وقوله تعالى: (الذي جمع مالا وعدده). يعني: جمع المال وأعده لنوائب الدهر. وقيل: أعد ماله لمن يرثه من أولاده. وقيل: فاخر بعدده وكثرته. والمقصود: الذم على إمساك المال عن سبيل الطاعة، كما قال: (مناع للخير) (ق: 25)، وقال: (وجمع فأوعى) (المعارج: 18). وقوله تعالى: (يحسب أن ماله أخلده). يعني: يظن أن ماله يبقيه حيا لا يموت، وقيل: يظن أن ماله يزيد في عمره، وقيل: أحياه فيما مضى. وقوله تعالى: (كلا لينبذن في الحطمة). فقوله: (كلا) رد لما توهمه الكافر من الخلود بالمال أو البقاء مع المال (لينبذن) يعني: ليطرحن المال وجامعه (في الحطمة) وهي النار، سميت بذلك لأنها تكسر كل ما يلقي فيها وتحطمه وتهشمه. وقيل: وهي الطبقة السادسة من طبقات جهنم. وقيل: هي الدركة الثانية من درك النار. وقيل: اسم من أسماء جهنم. وقوله تعالى:(وما أدراك ما الحطمة). استفهام والمراد منه التعظيم لشأنها والتفخيم لأمرها. ثم فسرها فقال: (نار الله الموقدة). يعني: التي أوقد عليها ألف عام، وألف عام، وألف عام، فهي غير خامدة، أعدها الله للعصاة والكافرين. وقوله تعالى: (التي تطلع على الأفئدة). يعني: تأكل النار جميع ما في أجسادهم، حتى إذا بلغت إلى الفؤاد، خلقوا خلقا جديدا، فرجعت تأكلهم. وخص الأفئدة لان الألم إذا صار إلى الفؤاد مات صاحبه. وقيل: معنى (تطلع على الأفئدة) أي تعلم مقدار ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب، وذلك بما استبقاه الله تعالى من الأمارة الدالة عليه. وقوله تعالى: (إنها عليهم مؤصدة). يعني: مطبقة، وقيل: مغلقة بإحكام، من قولهم: أصدت الباب إذا أغلقته. وقوله تعالى: (في عمد ممددة). يعني: بعند ممددة ، فالفاء بمعنى الباء. والعمد الممددة: هي الأعمدة العظيمة في الطول أو القطر. وقيل: يعذبون بالعمد الممددة. وقيل: العمد الممددة أغلال في أعناقهم، وقيود في أرجلهم. والحمد لله رب العالمين.

3223

التفسير التربوي لسورة الفيل

قال القرطبي في التفسير: «سورة الفيل: وهي مكية بإجماع. وهي خمس آيات».

وقال البقاعي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: «لما قدم في الهمزة أن كثرة الأموال والقوة بالرجال ربما أعقبت الوبال، دل عليه في هذه السورة بدليل حاضر، محذرا من الوجاهة في الدنيا وعلو الرتبة، مشيرا إلى أنها كلما عظمت زاد ضررها بما تكسبه من الطغيان حتى ينازع صاحبها الملك الأعلى ، ومع كون الدليل حاضرا فللعرب ولا سيما قريش به الخبرة التامة».

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «تشير هذه السورة إلى حادث مستفيض الشهرة في حياة الجزيرة العربية قبل البعثة، عظيم الدلالة على رعاية الله لهذه البقعة المقدسة التي اختارها الله لتكون ملتقى النور الأخير، ومحضن العقيدة الجديدة، والنقطة التي تبدأ منها زحفها المقدس لمطاردة الجاهلية في أرجاء الأرض، وإقرار الهدى والحق والخير فيها».

3224

الآيات 1-5

قوله تعالى: ﴿ألم تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُول﴾ (الفيل: 1-5)

في الدلالة التربوية لهذه السورة قال الإمام ابن كثير: «هذه من النعم التي امتن الله بها على قريش، فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل، الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة ومحو أثرها من الوجود، فأبادهم الله، وأرغم آنافهم، وخيب سعيهم، وأضل عملهم، ورّدهم بشر خيبة. وكانوا قوما نصارى، وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالا مما كان عليه قريش من عبادة الأوثان. ولكن كان هذا من باب الإرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه في ذلك العام ولد على أشهر الأقوال، ولسان حال القدر يقول: لم ننصركم على الحبشة لخيريتكم عليهم، ولكن صيانة للبيت العتيق الذي سنشرفه ونعظمه ونوقره ببعثة النبي الأمي محمد صلوات الله وسلامه عليه، خاتم الأنبياء». فقوله تعالى: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل). يعني: ألم تخبر بذلك، وقيل: ألم تسمع، واللفظ استفهام، والمعنى تقرير، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه عام، أي ألم تروا ما فعلت بأصحاب الفيل، فقد رأيتم ذلك، وعرفتم موضع منتي عليكم، فما لكم لا تؤمنون؟ وأما قصة أصحاب الفيل، فذكر ابن إسحاق: أن أبرهة الحبشي بنى القليس بصنعاء، وهي كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشيء من الأرض، وكان نصرانيا، ثم كتب إلى النجاشي: إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب، فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشي، غضب رجل من النسأة (وهم الذين يؤخرون الشهر الحرام) فخرج حتى أتى الكنيسة، فأحدث فيها (يعني: الغائط) ثم خرج فلحق بأرضه. فأخبر بذلك أبرهة، فقال: من صنع هذا؟ فقيل: صنعه رجل من أهل هذا البيت، الذي تحج إليه العرب بمكة، لما سمع قولك: (أصرف إليها حج العرب) غضب، فجاء فقعد فيها، أي أنها ليست لذلك بأهل. فغضب عند ذلك أبرهة، وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه، وبعث رجلا كان عنده إلى بني كنانة يدعوهم إلى حج تلك الكنيسة، فقتلت بنو كنانة ذلك الرجل، فزاد أبرهة ذلك غضبا وحنقا. ثم أمر الحبشة فتهيأت وتجهزت، ثم سار وخرج معه بالفيل، وسمعت بذلك العرب، فأعظموه وخافوا منه، ورأوا جهاده حقا عليهم، حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام. فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة، وجهاده عن بيت الله الحرام، وما يريد من هدمه وتخريبه، فأجابه من أجابه إلى ذلك، ثم عرض له فقاتله، فهزم ذو نفر وأصحابه، وأخذ له ذو نفر فأتي به أسيرا، فلما أراد قتله قال له ذو نفر: أيها الملك لا تقتلني، فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيرا لك من قتلي، فتركه من القتل، وحبسه عنده في وثاق، وكان أبرهة رجلا حليما. ثم مضى أبرهة على وجهه يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قبيلتي خثعم: شهران وناهس، ومن تبعه من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة، وأخذ له نفيل أسيرا، فأتي به، فلما هم بقتله قال له نفيل: أيها الملك لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب، وهاتان يداي لك على قبيلتي خثعم: شهران وناهس، بالسمع والطاعة، فخلى سبيله. وخرج به معه يدله، حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب في رجال من ثقيف، فقالوا له: أيها الملك، إنما نحن عبيدك، سامعون لك مطيعون، ليس عندنا لك خلاف، وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد، يعنون: اللات، إنما تريد البيت الذي بمكة، نحن نبعث معك من يدلك عليه، فتجاوز عنهم. وبعثوا معه أبا رغال، حتى أنزله المغمس، فلما أنزله به مات أبو رغال هناك، فرجمت قبره العرب، فهو القبر الذي يرجم الناس بالمغمس. فلما نزل أبرهة بالمغمس، بعث رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود على خيل له، حتى انتهى إلى مكة فساق إليه أموال أهل تهامة من قريش وغيرهم، وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها، فهمّت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به، فتركوا ذلك. وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة، وقال له: سل عن سيد هذا البلد وشريفهم، ثم قل له: إن الملك يقول: إني لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تعرضوا لي بحرب، فلا حاجة لي بدمائكم، فإن هو لم يرد حربي فأتني به. فلما دخل حناطة مكة، سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطلب بن هاشم، فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة، فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك منه طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم عليه السلام، فإن يمنعه منه فهو حرمه وبيته، وإن يحل بينه وبينه، فوالله ما عندنا دفع عنه. فقال له حناطة: فانطلق إليه، فإنه قد أمرني أن آتيه بك، فانطلق معه عبد المطلب، ومعه بعض بنيه، حتى أتى العسكر، فسأل عن ذي نفر، وكان صديقا له، حتى دخل عليه وهو في محبسه، فقال له: يا ذا نفر، هل عندك من غناء فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نفر، وما غناء رجل أسير بيدي ملك، ينتظر أن يقتله غدوا وعشيا! ما عندي غناء في شيء مما نزل بك، إلا أن أنيسا سائس الفيل صديق لي، فسأرسل إليه، وأوصيه بك، وأعظم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك، فتكلمه بما بدا لك، ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك، فقال حسبي. فبعث ذو نفر إلى أنيس، فقال له: إن عبد المطلب سيد قريش، وصاحب عين مكة، ويطعم الناس بالسهل، والوحوش في رؤوس الجبال، وقد أصاب له الملك مائتي بعير، فاستأذن له عليه، وانفعه عنده بما استطعت، فقال: أفعل. فكلم أنيس أبرهة، فقال له: أيها الملك، هذا سيد قريش ببابك، يستأذن عليك، وهو صاحب عين مكة، يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال، فأذن له عليك، فيكلمك في حاجته. قال: فأذن له أبرهة. وكان عبد المطلب أوسم الناس، وأعظمهم وأجملهم، فلما رآه أبرهة أجله، وأعظمه عن أن يجلسه تحته، فنزل أبرهة عن سريره، فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه. ثم قال لترجمانه: قل له: حاجتك؟ فقال له ذلك الترجمان، فقال: حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي. فلما قال له ذلك، قال أبرهة لترجمانه: قل له لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه، لا تكلمني فيه؟! قال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه. قال: ما كان ليمتنع مني! قال أنت وذاك. فرد عليه إبله. وانصرف عبد المطلب إلى قريش، فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في الجبال والشعاب، تخوفا عليهم معرة الجيش. ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش، يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة: لا هم إن العبد يمنع رحله فامنع حلالك، لا يغلبن صليبهم ومحالهم عدوا محالك، إن يدخلوا البلد الحرام فأمر ما بدا لك. يعني: شيء ما بدا لك، لم تكن تفعله بنا. والحلال: جمع حل. والمحال: القوة. قال ابن إسحاق: ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة، ثم انطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال، فتحرزوا فيها، ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها. فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة، وهيأ فيله، وعبأ جيشه، وكان اسم الفيل محمودا، وأبرهة مجمع لهدم البيت، ثم الانصراف إلى اليمن، فلما وجهوا الفيل إلى مكة، أقبل نفيل بن حبيب، حتى قام إلى جنب الفيل، ثم أخذ بأذنه فقال له: ابرك محمود، وارجع راشدا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام، ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل. وخرج نفيل بن حبيب يشتد، حتى أصعد في الجبل. وضربوا الفيل ليقوم فأبى، فضربوا في رأسه ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مراقه، فبزغوه بها ليقوم، فأبى، فوجهوه راجعا إلى اليمن، فقام يهرول ووجهوه إلى الشام، ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق، ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك. وأرسل الله عليهم طيرا من البحر، أمثال الخطاطيف والبلسان، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار: حجر في منقاره، وحجران في رجليه، أمثال الحمص والعدس، لا تصيب منهم أحدا إلا هلك، وليس كلهم أصابت. وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق التي جاءوا منها، ويسألون عن نفيل بن حبيب، ليدلهم على الطريق إلى اليمن. فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون بكل مهلك على كل سهل، وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم يسقط أنملة فأنملة، كلما سقطت منه أنملة أتبعتها منه مدة تمث قيحا ودما، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، فيما يزعمون. وفي ذلك العام ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصحيح من الأقوال، فقد ذكر البيهقي في دلائل النبوة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ولدت عام الفيل». وهذا العام يوافق سنة (570) لميلاد المسيح عليه السلام. وقد اعتبرت العرب ذلك العام بداية للتأريخ إلى أن جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأرخ بالهجرة النبوية. وقوله تعالى: (ألم يجعل كيدهم في تضليل). يعني: في إبطال وتضييع، لأنهم أرادوا أن يكيدوا قريشا بالقتل والسبي، والبيت بالتخريب والهدم. وقوله تعالى: (وأرسل عليهم صيرا أبابيل). يعني: في جماعات عظيمة متتابعة. وقوله تعالى: (ترميهم بحجارة من سجيل). يعني: من طين ونار، فهي من طين مطبوخ بالنار. وقيل: (من سجيل) أي من السماء، فهي سجين وأبدلت اللام نونا. وقيل: (من سجيل) أي مما كتب عليهم أن يعذبوا به، مشتق من السجل. وقوله تعالى: (فجعلهم كعصف مأكول). يعني: فجعل أصحاب الفيل كعصف مأكول، وهو ورق الزرع إذا أكلته فرمت به إلى الأسفل، فشبه تقطع أوصالهم بتفرق أجزائه. وقيل: المراد به قشر البر، يعني الغلاف الذي تكون فيه حبة القمح، وهو التبن الذي يتبقى بعد أخذ حب الحنطة منه. وقال ابن إسحاق: لما رد الله الحبشة عن مكة، عظمت العرب قريشا وقالوا: أهل الله، قاتل عنهم، وكفاهم مؤونة عدوهم، فكان ذلك نعمة من الله عليهم. والحمد لله رب العالمين.

3225

التفسير التربوي لسورة قريش

قال القرطبي في التفسير: «سورة قريش: مكية في قول الجمهور. ومدنية في قول الضحاك والكلبي. وهي أربع آيات».

وقال البقاعي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: «لما كان ما فعله سبحانه من منع هذا الجيش العظيم من دخول الحرم الذي هو مظهر قدرته ومحل عظمته الباهرة وعزته والمذكر بخليله عليه الصلاة والسلام، وما كان من الوفاء بعظيم خلته كرامة لقريش عظيمة ظاهره عاجلة حماية لهم عن أن تستباح ديارهم وتسبى ذراريهم لكونهم أولاد خليله وخدام بيته وقطان حرمه ومتعززين به ومنقطعين إليه، وعن أن يخرب موطن عزهم ومحل أمنهم وعيشهم وحرزهم، ذكرهم سبحانه وتعالى ما فيه من النعمة الآجلة إكراما ثانيا بالنظر في العاقبة».

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «وهذه السورة تبدو امتدادا لسورة الفيل قبلها من ناحية موضوعها وجوها، وإن كانت سورة مستقلة مبدوءة بالبسملة، والروايات تذكر أنه يفصل بين نزول سورة الفيل وسورة قريش تسع سور، ولكن ترتيبهما في المصحف متواليتين يتفق مع موضوعهما القريب».

3226

الآيات 1-4

قوله تعالى: ﴿لإيلاف قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْف﴾ (قريش: 1-4)

يمن الله تعالى على قريش بالكثير من النعم الباهرة ليستحيوا مما هم فيه من عبادة غير الله معه، ويذكرهم بهذه النعم ليستجيش الحياء في نفوسهم فيكفوا عن عبادة الأصنام وينصاعوا لعبادة الرحمن ومل رسالة الإسلام إلى الأنام. وأول هذه النعم هي أن حادثة الفيل كانت من أجل الحفاظ على وجودهم والحفاظ على وحدتهم. وثاني هذه النعم الأمن والسلامة في رحلاتهم التجارية التي هي عماد الاقتصاد في مكة مع كون الجزيرة العربية يومها لا تعرف هذا الأمان بل كان السائد فيها هو الغزو والسلب والسبي. وثالث هذه النعمة أنه تعالى حرم مكة على لسان إبراهيم عليه السلام وحافظ على حرمتها مع كون سائر القرى في جزية العرب غير آمنة في نفس الفترة. ورابع هذه النعم الأمن الغذائي الذي كانت تعيشه مكة نتيجة الرحلات التجارية وموسم الحج في كل عام. وتلخيص هذا الذي قلناه بمصطلح العصر هو القضيتين العالميتين اللتين هما الشغل الشاغل للناس في العصر الحديث: الأمن والغذاء. فقوله تعالى: (لإيلاف قريش). قيل: إن هذه السورة متصلة بالتي قبلها في المعنى، والتقدير: أهلكت أصحاب الفيل لإيلاف قريش، يعني: لتأتلف وتتفق قريش، وقيل: لكي تألف قريش فتؤمن رحلتيها. وممن عد السورتين واحدة أبي بن كعب، ولا فصل بينهما في مصحفه. وقال سفيان بن عيينة: كان لنا إمام لا يفصل بينهما، ويقرؤهما معا. وقيل: جعل الله ذلك لإيلاف قريش، أي ليألفوا الخروج ولا يجترأ عليهم. وقيل: ليست بمتصلة، لأن بين السورتين (بسم الله الرحمن الرحيم) وذلك دليل على انقضاء السورة وافتتاح الأخرى، وأن اللام متعلقة بقوله تعالى: (فليعبدوا) يعني: فليعبدوا رب هذا البيت لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف. وقوله تعالى: (إيلافهم رحلة الشتاء والصيف). يعني: ما قد ألفوه من رحلة الشتاء والصيف. وكانت إحدى الرحلتين إلى اليمن في الشتاء لأنها بلاد حامية، والرحلة الأخرى في الصيف إلى الشام لأنها بلاد باردة. وقيل: الإيلاف هنا: الإجارة والحماية، يقال: آلف يؤلف إذا أجار الحمائل بالحماية. وقيل: كان أصحاب الإيلاف أربعة إخوة بنو عبد مناف: هاشم، وعبد شمس، والمطلب، ونوفل. فأما هاشم فإنه كان يؤلف ملك الشام، أي أخذ منه حبلا وعهدا يأمن به في تجارته إلى الشام، وأخوه عبد شمس كان يؤلف إلى الحبشة، والمطلب إلى اليمن، ونوفل إلى فارس، ومعنى يؤلف يجير. وقوله تعالى: (فليعبدوا رب هذا البيت). أمرهم الله تعالى بعبادته وتوحيده، لأجل منته عليهم بإيلافهم الرحلتين. وقيل: (فليعبدوا رب هذا البيت) أي ليألفوا عبادة رب الكعبة، كما كانوا يألفون الرحلتين. وقوله تعالى: (الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف). يعني: أطعمهم بعد جوع وآمنهم بعد خوف، وكان ذلك بدعوة إبراهيم عليه السلام حيث قال: (رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات) (البقرة: 126). وقيل: كانت العرب يغير بعضها على بعض، ويسبي بعضها من بعض، فأمنت قريش من ذلك المكان الحرم كما قال تعالى: (أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات (3) كل شيء) (القصص: 57). وقيل: التنكير يفيد العموم، والمعنى: أطعمهم من كل جوع وآمنهم من كل خوف. والحمد لله رب العالمين.

3227