التفسير التربويالجزء 1 · ص 3228 - 3235

التفسير التربوي لسورة الماعون

التفسير التربوي لسورة الماعون

قال القرطبي في التفسير: «سورة الماعون: وهي مكية في قول عطاء وجابر وأحد قولي ابن عباس. ومدنية في قول له آخر وهو قول قتادة وغيره. وهي سبع آيات».

وقال البقاعي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: «لما أخبر سبحانه وتعالى عن فعله معهم من الانتقام ممن تعدى حدوده فيهم، ومن الرفق بهم بما هو غاية في الحكمة، فكان معرفا بأن فاعله لا يترك الناس سدى من غير جزاء، وأمرهم آخر قريش بشكر نعمته بإفراده بالعبادة، عرفهم أول هذه أن ذلك لا يتهيأ إلا بالتصديق بالجزاء الحامل على معالي الأخلاق الناهي عن مساوئها».

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: ((هذه السورة مكية في بعض الروايات، ومكية مدنية في بعض الروايات (الثلاث الآيات الأولى مكية والباقيات مدنية) وهذه الأخيرة هي الأرجح، وإن كانت السورة كلها وحدة متماسكة، ذات اتجاه واحد، لتقرير حقيقة كلية من حقائق هذه العقيدة، مما يكاد يميل بنا إلى اعتبارها مدنية كلها، إذ إن الموضوع الذي تعالجه هو من موضوعات القرآن المدني وهو في جملته يمت إلى النفاق والرياء مما لم يكن معروفا في الجماعة المسلمة في مكة، ولكن قبول الروايات القائلة بأنها مكية مدنية لا يمتنع لاحتمال تنزيل الآيات الأربع الأخيرة في المدينة وإلحاقها بالآيات الثلاث الأولى لمناسبة التشابه والاتصال في الموضوع. إن هذه السورة الصغيرة ذات الآيات السبع القصيرة تعالج حقيقة ضخمة تكاد تبدل المفهوم السائد للإيمان والكفر تبديلا كاملا فوق ما تطلع به على النفس من حقيقة باهرة لطبيعة هذه العقيدة، وللخير الهائل العظيم المكنون فيها لهذه البشرية، وللرحمة السابغة التي أرادها الله للبشر وهو يبعث إليهم بهذه الرسالة الأخيرة. إن هذا الدين ليس دين مظاهر وطقوس، ولا تغني فيه مظاهر العبادات والشعائر، ما لم تكن صادرة عن إخلاص لله وتجرده، مؤدية بسبب هذا الإخلاص إلى آثار في القلب تدفع إلى العمل الصالح، وتتمثل في سلوك تصلح به حياة الناس في هذه الأرض وترقى. كذلك ليس هذا الدين أجزاء وتفاريق موزعة منفصلة، يؤدي منها الإنسان ما يشاء، ويدع منها ما يشاء، إنما هو منهج متكامل، تتعاون عباداته وشعائره، وتكاليفه الفردية والاجتماعية، حيث تنتهي كلها إلى غاية تعود كلها على البشر، غاية تتطهر معها القلوب، وتصلح الحياة، ويتعاون الناس ويتكافلون في الخير والصلاح والنماء، وتتمثل فيها رحمة الله السابغة بالعباد. ولقد يقول الإنسان بلسانه: إنه مسلم وإنه مصدق بهذا الدين وقضاياه، وقد يصلي، وقد يؤدي شعائر أخرى غير الصلاة، ولكن حقيقة الإيمان وحقيقة التصديق بالدين تظل بعيدة عنه ويظل بعيدا عنها لأن لهذه الحقيقة علامات تدل على وجودها وتحققها، وما لم توجد هذه العلامات فلا إيمان ولا تصديق مهما قال اللسان، ومهما تعبد الإنسان! إن حقيقة الإيمان حين تستقر في القلب تتحرك من فورها لكي تحقق ذاتها في عمل صالح، فإذا لم تتخذ هذه الحركة فهذا دليل على عدم وجودها أصلا، وهذا ما تقرره هذه السورة نصا)).

3228

الآيات 1-7

قوله تعالى: ﴿أرأيت الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُون﴾ (الماعون: 1-7)

فيه تربية على الإيمان باليوم الآخر وما يتضمنه هذا الإيمان من العمل بمكارم الأخلاق: كرعاية اليتيم، ومساعدة الفقير والمسكين، والحفاظ على الصلاة، والبعد عن الرياء، واجتناب منع العارية. وفيه تعجيب ممن يكذب بالجزاء مع وضوح الدلالة عليه بحكمة الحكيم في الربط بين صلاح العالم وتعمير الكون ووجوب الحساب والجزاء والعقاب لكي يكون ذلك حافزا للناس على عمل الخير وترك الشر. فقوله تعالى: (أرأيت الذي يكذب بالدين). يعني: الحساب والجزاء والعقاب في الآخرة. وفي الكلام حذف، والمعنى: أرأيت الذي يكذب بالدين: أمصيب هو أم مخطئ. وقوله تعالى: (فذلك الذي يدع اليتيم). يعني: يدفعه عن حقه، وقيل: يقهره ويظلمه. وقد ذكرنا أن العرب في الجاهلية كانوا لا يورثون النساء ولا الصغار، ويقولون: إنما يحوز المال من يطعن بالسنان، ويضرب بالحسام. وقوله تعالى: (ولا يحض على طعام المسكين). يعني: لا يأمر به، من أجل بخله وتكذيبه بالجزاء، ومن قبيل الأولى أنه لا يطعم المسكين لأن الذي لا يحض على الشيء لا يتصور منه فعله. وليس الذم عاما حتى يتناول من تركه عجزا، ولكنهم كانوا يبخلون ويعتذرون لأنفسهم، ويقولون: (أنطعم من لو يشاء الله أطعمه) (يس: 47)، فنزلت هذه الآية فيهم، وتوجه الذم إليهم. والمعنى: لا يفعلونه إن قدروا، ولا يحثون عليه إن عسروا. وقوله تعالى: (فويل للمصلين. الذين هم عن صلاتهم ساهون). والويل: العذاب الأليم، وقيل: واد في جهنم. والساهون عن الصلاة: هم الذين يؤخرونها عن أوقاتها. وقيل: هو المصلي الذي إن صلى لم يرج لها ثوابا، وإن تركها لم يخش عليها عقابا. وقيل: لا يتمون ركوعها ولا سجودها. وقيل: هم المنافقون يتركون الصلاة سرا، ويصلونها علانية. وقال عطاء: الحمد لله الذي قال (عن صلاتهم) ولم يقل في صلاتهم. وقوله تعالى: (الذين هم يراءون). يعني: في صلاتهم، وقيل: في طاعاتهم. والرياء أن يفعل الفعل لكي يراه الناس لا إيمانا به ولا رغبة في ثوابه. وحقيقة الرياء طلب ما في الدنيا بالعبادة، وأصله طلب المنزلة في قلوب الناس. (وأول الرياء) تحسين السمت، وهو من أجزاء النبوة، ويريد بذلك الجاه والثناء. (وثانيها) الرياء بالثياب القصار والخشنة، ليأخذ بذلك هيئة الزهد في الدنيا. (وثالثها) الرياء بالقول، بإظهار التسخط على أهل الدنيا، وإظهار الوعظ والتأسف على ما يفوت من الخير والطاعة. (ورابعها) الرياء بإظهار الصلاة والصدقة، أو بتحسين الصلاة لأجل رؤية الناس. وذلك يطول. ولا يكون الرجل مرائيا بإظهار العمل الصالح إن كان فريضة، فمن حق الفرائض الإعلان بها وتشهيرها، لأنها أعلام الإسلام وشعائر الدين، ولأن تاركها يستحق الذم والمقت، فوجب إماطة التهمة بالإظهار. وإن كان تطوعا فحقه أن يخفى، لأنه لا يلام على تركه ولا تهمة فيه، فإن أظهره قاصدا للاقتداء به كان جميلا، وإنما الرياء أن يقصد بالإظهار أن تراه الأعين فتثني عليه بالصلاح. وقوله تعالى: (ويمنعون الماعون). يعني: الزكاة التي فرض الله عليهم. وقيل: الماعون: منافع الأشياء، فماعون كل شيء منفعته. وقيل: إنه العارية. وقيل: إنه المعروف كله الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم. وقيل: إنه الماء. وقيل: هو ما لا يحل منعه كالماء أو الكلأ أو النار أو الملح. لأن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: «الماء والنار والملح» قلت: يا رسول الله هذا الماء، فما بال النار والملح؟ فقال: «يا عائشة، من أعطى نارا فكأنما تصدق بجميع ما طبخ بتلك النار، ومن أعطى ملحا فكأنما تصدق بجميع ما طيب به ذلك الملح، ومن سقى شربة من الماء حيث يوجد الماء فكأنما أعتق ستين نسمة، ومن سقى شربة من الماء حيث لا يوجد فكأنما أحيا نفسا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا» (ابن ماجة). والحمد لله رب العالمين.

3229

التفسير التربوي لسورة الكوثر

قال القرطبي في التفسير: «سورة الكوثر: وهي مكية في قول ابن عباس والكلبي ومقاتل. ومدنية في قول الحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة. وهي ثلاث آيات».

وقال البقاعي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: «لما كانت سورة الماعون بإفصاحها ناهية عن مساوئ الأخلاق، كانت بإفهامها داعية إلى معالي الشيم، فجاءت الكوثر لذلك، وكانت الماعون قد ختمت بأبخل البخلاء وأدنى الخلائق: المنع تنفيرا من البخل ومما جره من التكذيب، فابتدأت الكوثر بأجود الجود، العطاء لأشرف الخلائق ترغيبا فيه وندبا إليه».

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «هذه السورة خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كسورة الضحى وسورة الشرح، يسري عنه ربه فيها، ويعده بالخير، ويوعد أعداءه بالبتر، ويوجهه إلى طريق الشكر. ومن ثم فهي تمثل صورة من حياة الدعوة، وحياة الداعية في أول العهد بمكة، صورة من الكيد والأذى للنبي صلى الله عليه وسلم ودعوة الله التي يبشر بها، وصورة من رعاية الله المباشرة لعبده وللقلة المؤمنة معه، ومن تثبيت الله وتطمينه وجميل وعده لنبيه ومرهوب وعيده لشانئه. كذلك تمثل حقيقة الهدى والخير والإيمان، وحقيقة الضلال والشر والكفران، الأولى كثرة وفيض وامتداد، والثانية قلة وانحسار وانبتار، وإن ظن الغافلون غير هذا وذاك».

3230

الآيات 1-3

قوله تعالى: ﴿إنا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَر﴾ (الكوثر: 1-3)

هذه السورة كالمقابلة للسورة المتقدمة، وذلك لأن الله تعالى وصف المنافق في السورة السابقة بأربعة أمور: (أولها) البخل (والثاني) ترك الصلاة (والثالث) الرياء في الصلاة (والرابع) منع الزكاة أو العارية. فذكر في هذه السورة في مقابلة تلك الصفات الأربع صفات أربعة: فذكر في مقابلة البخل إنا أعطيناك الكوثر فأعط أنت الكثير ولا تبخل، وذكر في مقابلة ترك الصلاة الأمر بالصلاة، وذكر في مقابلة الرياء الصلاة لرضا الرب، وذكر في مقابلة منع الزكاة أو العارية التصدق بلحم الأضاحي. ثم ختم السورة بالقول: إن المنافق الذي يأتي بتلك الأفعال القبيحة المذكورة في تلك السورة سيموت ولا يبقى من دناه أثر ولا خبر، وأما أنت فيبقى لك في الدنيا الذكر الجميل، وفي الآخرة الثواب الجزيل. فقوله تعالى: (إنا أعطيناك الكوثر). يعني: الشيء الكثير، والعرب تسمى كل شيء كثير في العدد والقدر والخطر كوثرا. قيل: إنه نهر في الجنة، روى البخاري عن أنس والترمذي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الكوثر: نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج» (قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح). وقيل: إنه حوض النبي صلى الله عليه وسلم في الموقف، ففي صحيح مسلم عن أنس قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أغفى إغفاءه، ثم رفع رأسه متبسما فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: نزلت على آنفا سورة، فقرأ سورة الكوثر، ثم قال: «أتدرون ما الكوثر»؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل، عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم فأقول إنه من أمتي، فيقال إنك لا تدري ما أحدث بعدك». وقيل: الكوثر النبوة والقرآن والإسلام ورفع الذكر. وقيل: هو كثرة الأصحاب والأمة والأشياع. وقيل: هو الشفاعة. وقيل: المعجزات الكثيرة التي يهتدي بسببها الناس. وقوله تعالى: (فصل لربك وانحر). يعني: أقم الصلاة المفروضة عليك، وتقرب إلى ربك بالذبائح توزعها على الفقراء. وقيل: صلاة العيد ويوم النحر. وقال أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينحر ثم يصلي، فأمر أن يصلي ثم ينحر. وقوله تعالى: (إن شانئك هو الأبتر). يعني: إن مبغضك هو المقطوع من كل خير. وقيل: إن الله عز وجل لما أوحى إلى رسوله، ودعا قريشا إلى الإيمان، قالوا: انبتر منا محمد، أي خالفنا وانقطع عنا، فأخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أنهم هم المبتورون. قال أهل اللغة: الأبتر من الرجال: الذي لا ولد له، ومن الدواب: الذي لا ذنب له، وكل أمر انقطع من الخير أثره فهو أبتر، والبتر: القطع، وخطبة بتراء إذا لم يحمد الله فيها، ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم. والحمد لله رب العالمين.

3231

التفسير التربوي لسورة الكافرون

قال القرطبي في التفسير: ((سورة الكافرون: وهي مكية في قول ابن مسعود والحسن وعكرمة. ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة والضحاك. وهي ست آيات. وفي الترمذي من حديث أنس: أنها تعدل ثلث القرآن. وفي كتاب (الرد لأبي بكر الأنباري) عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قل يا أيها الكافرون) تعدل ربع القرآن). وروى جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتحب يا جبير إذا خرجت سفرا أن تكون من أمثل أصحابك هيئة وأكثرهم زادا)؟ قلت: نعم، قال: (فاقرأ هذه السور الخمس من أول (قل يا أيها الكافرون) إلى (قل أعوذ برب الناس) وافتتح قراءتك ببسم الله الرحمن الرحيم). قال: فوالله لقد كنت غير كثير المال، إذا سافرت أكون أبدهم هيئة، وأقلهم زادا، فمذ قرأتهن صرت من أحسنهم هيئة، وأكثرهم زادا، حتى أرجع من سفري ذلك. وقال فروة بن نوفل الأشجعي: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني قال: (اقرأ عند منامك (قل يا أيها الكافرون) فإنها براءة من الشرك). خرجه أبو بكر الأنباري وغيره. وقال ابن عباس: ليس في القرآن أشد غيظا لإبليس منها، لأنها توحيد وبراءة من الشرك)).

وقال البقاعي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: ((لما أخبر الله نبيه في الكوثر أن العريق في شنآنه عدم، وجب أن يعرض عنه ويقبل بكليته على من أنعم عليه بذلك، فقال معلما له ما يقول ويفعل: (قل يا أيها الكافرون) أي الذين قد حكم بثباتهم على الكفر فلا انفكاك لهم عنه، فستروا ما تدل عليه عقولهم من الاعتقاد الحق لو جردوها من أدناس الحظ، وهم كفرة مخصوصون، وهم من حكم بموته على الكفر بما طابقه من الواقع، وبما دل عليه التعبير بالوصف دون الفعل)).

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «لم يكن العرب يجحدون الله ولكن كانوا لا يعرفونه بحقيقته التي وصف بها نفسه، فكانوا يشركون به ولا يقدرونه حق قدره، ولا يعبدونه حق عبادته. كانوا يشركون به هذه الأصنام. وكانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله. وأن بينه سبحانه وبين الجنة نسبا.. فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم يقول: إن دينه هو دين إبراهيم عليه السلام، قالوا: نحن على دين إبراهيم فما حاجتنا إذن إلى ترك ما نحن عليه واتباع محمد؟! وفي الوقت ذاته راحوا يحاولون مع الرسول صلى الله عليه وسلم خطة وسطا بينهم وبينه، وعرضوا عليه أن يسجد لآلهتهم مقابل أن يسجدوا هم لإلهه! وأن يسكت عن عيب آلهتهم وعبادتهم، وله فيهم وعليهم ما يشترط! ولحسم هذه الشبهة، وقطع الطريق على المحاولة، والمفاصلة الحاسمة بين عبادة وعبادة، ومنهج ومنهج، وتصور وتصور، وطريق وطريق، نزلت هذه السورة، بهذا الجزم، وبهذا التوكيد، وبهذا التكرار، لتنهي كل قول، وتقطع كل مساومة وتفرق نهائيا بين التوحيد والشرك، وتقيم المعالم واضحة، لا تقبل المساومة والجدل في قليل ولا كثير».

3232

الآيات 1-6

قوله تعالى: ﴿قل يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين﴾ (الكافرون: 1-6)

لنا مع هذه السورة الوقفات التربوية التالية:

3233

(إحداها) إنه عليه الصلاة والسلام كان مأمورا بالرفق واللين في جميع الأمور، ثم كان مأمورا بأن يدعو إلى الله بالوجه الأحسن، ثم إنه خاطبهم: (قل يا أيها الكافرون) وذلك يدل على أنه كان مأمورا بذلك ولم يكن موقفا من عند نفسه. (وثانيها) إن قوله : (قل) يوجب كونه رسولا من عند الله، فكلما قيل له: (قل) كان ذلك كالمنشور الجديد في ثبوت رسالته، وذلك يقتضي المبالغة في تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم. (وثالثها) إنهم سموك أبتر، فإن شئت أن تستوفي منهم القصاص فاذكرهم بوصف ذم بحيث تكون صادقا فيه: (قل يأيها الكافرون) لكن الفرق أنهم عابوك بما ليس من فعلك، وأنت تعيبهم بما هو فعلهم. (ورابعها) ذكر التوحيد ونفي الأنداد جنة للعارفين ونار للمشركين فاجعل لفظك جنة للموحدين ونارا للمشركين: (قل يا أيها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون). (وخامسها) أن البراءة من الشرك تنفي عن صاحبها التهمة، فقد قال شيخ لمريده: لا تصاحب السلطان، قال: ولم؟ قال: لأنه يوقع الناس في أحد الخطأين: إما أن يعتقدوا أن السلطان متدين لأنه يخالطه العالم الزاهد، أو يعتقدوا أنك فاسق مثله. (وسادسها) أن هؤلاء الكفار لفرط حماقتهم ظنوا أن الكثرة في الإلهية كالكثرة في المال يزيد به الغني، وليس الأمر كذلك بل هو كالكثرة في العيال تزيد به الحاجة. فقوله تعالى: (قل يا أيها الكافرون). ذكر ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس: أن سبب نزولها أن الوليد بن المغيرة، والعاص ابن وائل، والأسود بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا، كنا قد شاركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه. وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما بيدك، كنت قد شركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه، فأنزل الله عز وجل (قل يا أيها الكافرون). وهذا الخطاب لمن سبق في علم الله تعالى أنه سيموت على كفره، فهي من الخصوص الذي جاء بلفظ العموم. وقيل: نزلت جوابا، وعنى بالكافرين قوما معينين، لا جميع الكافرين، لأن منهم من آمن، ومنهم من مات أو قتل على كفره، وهم المخاطبون بهذا القول، وهم المذكورون. وقوله تعالى: (لا أعبد ما تعبدون). يعني: في الحاضر، وهو نفي لجنس مشاركة الكافرين في عبادتهم، يعني: لا في صغيرة ولا كبيرة لأن الإيمان لا يتجزأ. وقوله تعالى: (ولا أنتم عابدون ما أعبد). يعني: أرفض أن تعبدوا الله تعالى بشرطكم وهو التشارك في العبادة، وأما إذا أرادوا عبادة الله تعالى من غير اشتراط فهو أمر مقبول ومرغوب فيه. وقوله تعالى: (ولا أنا عابد ما عبدتم). يعني: في المستقبل. وقوله تعالى: (ولا أنتم عابدون ما أعبد). يعني: في المستقبل. كرر للتأكيد في قطع أطماعهم. قال أكثر أهل المعاني: نزل القرآن بلسان العرب، ومن مذاهبهم التكرار إرادة التأكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف والإيجاز، لأن خروج الخطيب والمتكلم من شيء إلى شيء أولى من اقتصاره في المقام على شيء واحد. وقيل: التكرار لأن القوم كرروا عليه مقالهم مرة بعد مرة. وقيل: إنما كرر بمعنى التغليظ. وقيل: (لا أعبد) الساعة (ما تعبدون). (ولا أنتم عابدون) الساعة (ما أعبد). ثم قال: (ولا أنا عابد) في المستقبل (ما عبدتم). (ولا أنتم) في المستقبل (عابدون ما أعبد). وقوله تعالى: (لكم دينكم ولي دين). فيه معنى التهديد، وهو كقوله تعالى: (لنا أعمالنا ولكم أعمالكم) (القصص: 55) أي إن رضيتم بدينكم، فقد رضينا بديننا. وقيل: الدين هنا بمعنى الجزاء، أي لكم جزاء دينكم ولي جزاء ديني. وقيل: سمى دينهم دينا لأنهم اعتقدوه وتولوه. والحمد لله رب العالمين.

3234

التفسير التربوي لسورة النصر

قال القرطبي في التفسير: ((سورة النصر: وهي مدنية بإجماع. وتسمى سورة (التوديع). وهي ثلاث آيات. وهي آخر سورة نزلت جميعا قاله ابن عباس في صحيح مسلم)).

وقال البقاعي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: «لما دلت التي قبلها على أن الكفار قد صاروا إلى حال لا عبرة بهم ولا التفات إليهم ولا خوف منهم ما دام الحال على المتاركة، كان كأنه قيل: فهل يحصل نصر عليهم وظفر بهم بالمعاركة، فأجاب بهذه السورة بشارة للمؤمنين ونذارة للكافرين، ولكنه لما لم يكن هذا بالفعل إلا عام حجة الوداع بعد فتح مكة بسنتين كان كأنه لم يستقر الفتح إلا حينئذ، فلم ينزل سبحانه وتعالى هذه السورة إلا في ذلك الوقت وقبل منصرفه من غزوة حنين، فقال تعالى ذلك تحقيقا لأنه ينصر المظلوم ويعلي دينه ويمهل ولا يهمل، فإنه لا يعجزه شيء، وحثا على التفويض له والاكتفاء به».

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «هذه السورة الصغيرة، كما تحمل البشرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بنصر الله والفتح ودخول الناس في دين الله أفواجا، وكما توجهه صلى الله عليه وسلم حين يتحقق نصر الله وفتحه واجتماع الناس على دينه إلى التوجه إلى ربه بالتسبيح والحمد والاستغفار، وكما تحمل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم البشرى والتوجيه، تكشف في الوقت ذاته عن طبيعة هذه العقيدة وحقيقة هذا المنهج، ومدى ما يريد أن يبلغ بالبشرية من الرفعة والكرامة والتجرد والخلوص، والانطلاق والتحرر. هذه القمة السامقة الوضيئة، التي لم تبلغها البشرية قط إلا في ظل الإسلام، ولا يمكن أن تبلغها إلا وهي تلبي الهدف العلوي الكريم».

3235