الآيات 1-5
قوله تعالى: ﴿قل أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَد﴾ (الفلق: 1-5)
لنا مع هذه السورة الوقفات التربوية التالية:
(الأولى) إنه سبحانه لما أمر بقراءة سورة الإخلاص تنزيها له عما لا يليق به في ذاته وصفاته، أمر في هذه السورة بالاستعاذة به والالتجاء إليه حتى يوفقه لهذه الطاعة على أكمل الوجوه، فكأن سورة الإخلاص غاية وسورة الفلق وسيلة. (وثانيها) ولما كان السؤال عن نسب الله وصفته فيه تجرؤ على الله فإن الاستعاذة بالله من هذه الجراءة هو من أفضل الطاعة وأكملها في التخلص من تلك الوساوس الشيطانية. (وثالثها) وفي هذه السورة تربية على الاستعاذة بالله من الشرور كلها وعلى رأسها الشيطان الرجيم إبليس أعاذنا الله منه. (ورابعها) أن الاستعاذة بالله تعالى من الشرور هو التجاء إلى الله، ومن التجأ إلى الله كان في أمنه وكنفه وحفظه ورعايته، وحاجة الإنسان إلى الأمن هي من الحاجات الأساسية كالحاجة إلى الطعام والشراب والهواء. فقوله تعالى: (قل أعوذ برب الفلق). يعني: يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وسائر المؤمنين بالاستجارة به. والفلق: كل ما انفلق عن جميع ما خلق من الحيوان والصبح والحب والنوى، قال الله تعالى: (فالق الإصباح) (الأنعام: 96)، وقال: (فالق الحب والنوى) (الأنعام: 95). وقيل: الفلق: الصبح، تقول العرب: هو أبين من فلق الصبح. وقيل: الرحم تنفلق بالحيوان. وقيل: الجبال والصخور تنفلق بالمياه، أي تتشقق. وقيل: واد في جهنم. وقيل: اسم من أسماء جهنم. وقوله تعالى: (من شر ما خلق). يعني: إبليس وذريته. وقيل: جهنم. وقيل: هو عام، أي من شر كل ذي شر خلقه الله عز وجل. وقوله تعالى: (ومن شر غاسق إذا وقب). يعني: الليل إذا أظلم، والغسق: أول ظلمة الليل، يقال: غسق الليل إذا أظلم. ومعنى: (وقب): أظلم أو دخل أو سكن أو نزل. وفي الترمذي عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى القمر، فقال: «يا عائشة، استعيذي بالله من شر هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب» (قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح). وقيل: الغاسق إذا وقب: الحية إذا لدغت، كأن الغاسق نابها لأن السم يغسق منه، أي يسيل، ووقب نابها: إذا دخل في اللديغ. وقوله تعالى: (ومن شر النفاثات في العقد). يعني: الساحرات اللائي ينفثن في عقد الخيط حين يقرأن عليها. روى النسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئا وكل إليه». وقوله تعالى: (ومن شر حاسد إذا حسد). والحسد: هو تمني زوال النعمة عن الغير، وإن لم يتمنى حصولها للنفس. والمنافسة: هي تمني حصول مثل النعمة للذات مع بقائها عند الغير. فالحسد شر مذموم، والمنافسة مباحة وهي الغبطة. والحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، فحسد إبليس آدم، وأول ذنب عصي به في الأرض، فحسد قابيل هابيل. وهذه سورة دالة على أن الله سبحانه خالق كل شر، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ من جميع الشرور. وجعل خاتمة ذلك الحسد، تنبيها على عظمه، وكثرة ضرره. والحمد لله رب العالمين.