التفسير التربويالجزء 1 · ص 3244 - 3247

الآيات 1-5

الآيات 1-5

قوله تعالى: ﴿قل أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَد﴾ (الفلق: 1-5)

لنا مع هذه السورة الوقفات التربوية التالية:

(الأولى) إنه سبحانه لما أمر بقراءة سورة الإخلاص تنزيها له عما لا يليق به في ذاته وصفاته، أمر في هذه السورة بالاستعاذة به والالتجاء إليه حتى يوفقه لهذه الطاعة على أكمل الوجوه، فكأن سورة الإخلاص غاية وسورة الفلق وسيلة. (وثانيها) ولما كان السؤال عن نسب الله وصفته فيه تجرؤ على الله فإن الاستعاذة بالله من هذه الجراءة هو من أفضل الطاعة وأكملها في التخلص من تلك الوساوس الشيطانية. (وثالثها) وفي هذه السورة تربية على الاستعاذة بالله من الشرور كلها وعلى رأسها الشيطان الرجيم إبليس أعاذنا الله منه. (ورابعها) أن الاستعاذة بالله تعالى من الشرور هو التجاء إلى الله، ومن التجأ إلى الله كان في أمنه وكنفه وحفظه ورعايته، وحاجة الإنسان إلى الأمن هي من الحاجات الأساسية كالحاجة إلى الطعام والشراب والهواء. فقوله تعالى: (قل أعوذ برب الفلق). يعني: يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وسائر المؤمنين بالاستجارة به. والفلق: كل ما انفلق عن جميع ما خلق من الحيوان والصبح والحب والنوى، قال الله تعالى: (فالق الإصباح) (الأنعام: 96)، وقال: (فالق الحب والنوى) (الأنعام: 95). وقيل: الفلق: الصبح، تقول العرب: هو أبين من فلق الصبح. وقيل: الرحم تنفلق بالحيوان. وقيل: الجبال والصخور تنفلق بالمياه، أي تتشقق. وقيل: واد في جهنم. وقيل: اسم من أسماء جهنم. وقوله تعالى: (من شر ما خلق). يعني: إبليس وذريته. وقيل: جهنم. وقيل: هو عام، أي من شر كل ذي شر خلقه الله عز وجل. وقوله تعالى: (ومن شر غاسق إذا وقب). يعني: الليل إذا أظلم، والغسق: أول ظلمة الليل، يقال: غسق الليل إذا أظلم. ومعنى: (وقب): أظلم أو دخل أو سكن أو نزل. وفي الترمذي عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى القمر، فقال: «يا عائشة، استعيذي بالله من شر هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب» (قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح). وقيل: الغاسق إذا وقب: الحية إذا لدغت، كأن الغاسق نابها لأن السم يغسق منه، أي يسيل، ووقب نابها: إذا دخل في اللديغ. وقوله تعالى: (ومن شر النفاثات في العقد). يعني: الساحرات اللائي ينفثن في عقد الخيط حين يقرأن عليها. روى النسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئا وكل إليه». وقوله تعالى: (ومن شر حاسد إذا حسد). والحسد: هو تمني زوال النعمة عن الغير، وإن لم يتمنى حصولها للنفس. والمنافسة: هي تمني حصول مثل النعمة للذات مع بقائها عند الغير. فالحسد شر مذموم، والمنافسة مباحة وهي الغبطة. والحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، فحسد إبليس آدم، وأول ذنب عصي به في الأرض، فحسد قابيل هابيل. وهذه سورة دالة على أن الله سبحانه خالق كل شر، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ من جميع الشرور. وجعل خاتمة ذلك الحسد، تنبيها على عظمه، وكثرة ضرره. والحمد لله رب العالمين.

3244

التفسير التربوي لسورة الناس

قال القرطبي في التفسير: ((سورة الناس: مثل سورة الفلق لأنها إحدى المعوذتين. وروى الترمذي عن عقبة بن عامر الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد أنزل الله علي آيات لم ير مثلهن: (قل أعوذ برب الناس) إلى آخر السورة، (قل أعوذ برب الفلق) إلى آخر السورة) (قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح) ورواه مسلم في صحيحه)).

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «الاستعاذة في هذه السورة برب الناس، ملك الناس، إله الناس. والمستعاذ منه هو: شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس. والاستعاذة بالرب، الملك، الإله، تستحضر من صفات الله سبحانه ما به يدفع الشر عامة، وشر الوسواس الخناس خاصة. فالرب هو المربي والموجه والراعي والحامي، والملك هو المالك الحاكم المتصرف، والإله هو المستعلي المستولي المتسلط، وهذه الصفات فيها حماية من الشر الذي يتدسس إلى الصدور، وهي لا تعرف كيف تدفعه لأنه مستور. والله رب كل شيء، وملك كل شيء، وإله كل شيء، ولكن تخصيص ذكر الناس هنا يجعلهم يحسون بالقربى في موقف العياذ والاحتماء. والله برحمة منه يوجه رسوله صلى الله عليه وسلم وأمته إلى العياذ به والالتجاء إليه، مع استحضار معاني صفاته هذه، من شر خفي الدبيب، لا قبل لهم بدفعه إلا بعون من الرب الملك الإله. فهو يأخذهم من حيث لا يشعرون، ويأتيهم من حيث لا يحتسبون».

3245

الآيات 1-6

قوله تعالى: ﴿قل أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاس﴾ (الناس: 1-6)

لنا مع هذه السورة الوقفات التربوية التالية:

(الأولى) إنه تعالى ذكر أنه رب الناس وإن كان ربا لجميع الخلق لأن الناس هم أعظم الخلق، فأعلم بذكرهم أنه رب لهم وإن عظموا. (والثانية) إنه تعالى أمر بالاستعاذة من شره الناس كما أمر بالاستعاذة من شر الجن لكي بعرف الناس أن في الإنس شياطين كما في الجن شياطين. (والثالثة) تربية الناس على العبودية لله تعالى والالتجاء إليه في كل مكروه وعند كل شر وفي كل الأحوال كما يلتجئ العبد إلى سيده. فقوله تعالى: (قل أعوذ برب الناس). يعني: مالكهم ومصلح أمورهم. وإنما ذكر أنه رب الناس، وإن كان ربا لجميع الخلق لأمرين: (أحدهما) لأن الناس معظمون، فأعلم بذكرهم أنه رب لهم وإن عظموا. (والثاني) لأنه أمر بالاستعاذة من شرهم، فأعلم بذكرهم أنه هو الذي يُعيذ منهم. وقوله تعالى: (ملك الناس). يعني: ملك على الناس وعلى ملوكهم، وذكر أنه ملك للناس للتذكير بأنه لا ملك سواه وكل ملك في الناس فهو عبد مخلوق لله. وقوله تعالى: (إله الناس). يعني: معبودهم، المستحق للعبادة دون غيره، فلا يستعاذ إلا به ولا يلتجأ إلا إليه. وقوله تعالى: (من شر الوسواس الخناس). يعني: من شر الشيطان، والوسوسة: حديث النفس، والخنس: الغياب بعد الظهور، وهما صفتان أصيلتان من صفات الشيطان، وبهما يُضل الناس. ووصف بالخناس لأنه كثير الاختفاء، وقيل: لأنه يخنس إذا ذكر العبد ربه، أي يتأخر. وقوله تعالى: (الذي يوسوس في صدور الناس). يعني: يحدث النفس بالشرور والمعاصي فيحضها عليها. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم». وقيل: وسوسة الشيطان هي الدعاء لطاعته بكلام خفي، يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع صوت. وقوله تعالى: (من الجنة والناس). يعني: أن الشيطان قد يكون من الإنس. قال الحسن: هما شيطانان، أما شيطان الجن فيوسوس في صدور الناس، وأما شيطان الإنس فيأتي علانية. وقال قتادة: إن من الجن شياطين، وإن من الإنس شياطين، فتعوذ بالله من شياطين الإنس والجن. وروى النسائي وأحمد وغيرهما عن أبي ذر قال: دخلت المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، فجئت فجلست إليه، فقال: «يا أبا ذر، تعوذ بالله من شر شياطين الجن والإنس» قلت: أو للإنس شياطين؟ قال: «نعم».

3246

خاتمة المؤلف

وفي الختام أقول: تم الفراغ من كتابة التفسير التربوي للقرآن الكريم صبيحة اليوم الثالث والعشرين من شهر جمادى الأولى من سنة ألف وأربعمائة وثلاث وثلاثين للهجرة النبوية، الموافق لصبيحة اليوم الرابع عشر من شهر نيسان من العام الثاني عشر بعد الألفين من ميلاد المسيح عليه السلام، وكنت قد شرعت في كتابة هذا التفسير منذ ثلاث عشرة سنة. والحمد لله أولا وآخرا، وبداية ونهاية. وكتبه الفقير إلى مغفرة ربه والخادم لكتابه: الدكتور كمال المويل.

3247