التفسير التربويالجزء 1 · ص 3236 - 3243

الآيات 1-3

الآيات 1-3

قوله تعالى: ﴿إذا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابا﴾ (النصر: 1-3)

لنا مع هذه السورة الوقفات التربوية التالية:

3236

(إحداها) إنه تعالى لما تعهد محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالعناية الربانية والتربية الإسلامية والتزموا طاعة الله تعالى وتشريعه وعدهم بالنصر وانتشار الدين وحقق لهم ذلك. (والثانية) تضمنت هذه السورة نعمتين كبيرتين على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه مع مقابلة ذلك بنوعين من الشكر، فالشكر على النصر والفتح يكون بالتسبيح والاستغفار. (والثالثة) وفيه تربية على أن الاشتغال بالطاعات سبب لمزيد من الدرجات في الدنيا والآخرة. (والرابعة) أن في هذه السورة نعي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإعلان بقرب وفاته، وقد ذكر أنه عاش بعدها ستين يوما. (والخامسة) أن الاستغفار عبادة يحتاجها كل مؤمن حتى لو لم يقع منه الذنب لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالاستغفار مع عصمته عن الذنوب. فقوله تعالى: (إذا جاء نصر الله والفتح). يعني: إذا جاء عون الله بفتح مكة، فالنصر: العون مأخوذ من قولهم: نصر الغيث الأرض إذا أعان على نباتها. وقيل: هو فتح المدائن والقصور. وقيل: فتح سائر البلاد. وقيل: ما فتحه عليه من العلوم. وقيل: (إذا) بمعنى قد، لأنها نزلت بعد فتح مكة. وقوله تعالى: (ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا). يعني: جماعات: فوجا بعد فوج، والمراد بالناس العرب وغيرهم. وذلك أنه لما فتحت مكة قالت العرب: أما إذا ظفر محمد بأهل الحرم، وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل، فليس لكم به يدان. فكانوا يسلمون أفواجا: أمة بعد أمة. وقوله تعالى: (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا). والتسبيح يعني الصلاة، وقيل: القول سبحان الله، وأصل التسبيح هو التنزيه والتمجيد سواء في الصلاة أو في الذكر. والاستغفار: طلب المغفرة من الله تعالى وهي الستر على الذنوب وقبول التوبة منها، ويكون الاستغفار بالقول والعمل، فأما القول فهو أستغفر الله، وأما العمل فهو الإقلاع عن الذنب مع الندم عليه. وقوله: (إنه كان توابا) يعني: يقبل التوبة مرة بعد مرة، فالله تعالى يقبل التوبة مهما عظم الذنب ومهما تكرر. روى مسلم عن عائشة رصي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول قبل أن يموت: «سبحانك وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك» قالت: قلت: يا رسول الله ما هذه الكلمات التي أراك أحدثتها تقولها؟ قال: ((جعلت لي علامة في أمتي إذا رأيتها قلتها: (إذا جاء نصر الله والفتح)) إلى آخر السورة. وروى البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فقال بعضهم: لم تدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: إنه ممن قد علمتم، قال: فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم، قال: وما رأيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني، فقال ما تقولون في: (إذا جاء نصر الله والفتح) حتى ختم السورة، فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وقال بعضهم: لا ندري، ولم يقل بعضهم شيئا، فقال لي: يا بن عباس، أكذاك تقول؟ قلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله له (إذا جاء نصر الله والفتح) فتح مكة فذاك علامة أجلك، قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم. وفي مسند أحمد عن ابن عباس قال: لما نزلت: (إذا جاء نصر الله والفتح) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعيت إلي نفسي» يعني: بأنه مقبوض في تلك السنة. والحمد لله رب العالمين.

3237

التفسير التربوي لسورة المسد

قال القرطبي في التفسير: «سورة تبت: وهي مكية بإجماع. وهي خمس آيات».

وقال البقاعي في علاقة هذه السورة بالتي قبلها: «لما قدم سبحانه وتعالى في سورة النصر القطع بتحقيق النصر لأهل هذا الدين بعد ما كانوا فيه من الذلة، والأمر الحتم بتكثيرهم بعد الذي مر عليهم مع الذلة من القلة، وختمها بأنه التواب، وكان أبو لهب من شدة العناد لهذا الدين والأذى للنبي صلى الله عليه وسلم مع قربه منه بالمحل الذي لا يجهل، بل شاع واشتهر ، وأحرق الأكباد وصهر، كان بحيث يسأل عن حاله إذ ذاك هل يثبت عليه أو يذل، فشفى الله غلّ هذا السؤال، وأزيل بما يكون له من النكال، وليكون ذلك بعد وقوع الفتح ونزول الظفر والنصر، والإظهار على الأعداء بالعز والقهر، مذكرا له صلى الله عليه وسلم بما كان أول الأمر من جبروتهم وأذاهم وقوتهم بالعَدد والعُدد، وأنه لم يغن عنهم شيء من ذلك».

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: «لما أجمع بنو هاشم بقيادة أبي طالب على حماية النبي صلى الله عليه وسلم ولو لم يكونوا على دينه، تلبية لدافع العصبية القبلية، خرج أبو لهب على إخوته، وحالف عليهم قريشا، وكان معهم في الصحيفة التي كتبوها بمقاطعة بني هاشم وتجويعهم كي يسلموا لهم محمدا صلى الله عليه وسلم. وكان قد خطب بنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم رقية وأم كلثوم لولديه قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فلما كانت البعثة أمرهما بتطليقهما حتى يثقل كاهل محمد بهما! وهكذا مضى هو وزوجته أم جميل يثيرانها حربا شعواء على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الدعوة، لا هوادة فيها ولا هدنة. وكان بيت أبي لهب قريبا من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان الأذى أشد. وقد روي أن أم جميل كانت تحمل الشوك فتضعه في طريق النبي، وقيل : إن حمل الحطب كناية عن سعيها بالأذى والفتنة والوقيعة. نزلت هذه السورة ترد على هذه الحرب المعلنة من أبي لهب وامرأته، وتولى الله سبحانه عن رسوله صلى الله عليه وسلم أمر المعركة!».

3238

الآيات 1-3

قوله تعالى: ﴿تبت يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَد﴾ (المسد: 1-3)

لنا مع هذه السورة الوقفات التربوية التالية:

3239

(إحداها) هذه السورة من الدلائل الباهرة على إعجاز القرآن وأنه من عند الله تعالى، وذلك أنها من أوائل ما نزل من السور المكية، وهي تحكم على أبي لهب بعدم التوبة من الكفر لأنها حكمت عليه بالنار، ومع ذلك لم يخطر ببال أبي لهب ولو لمرة واحدة أن يعلن إسلامه ولو كذبا لأنه إذا فعل ذلك نقض القرآن وأثبت أنه ليس من عند الله تعالى. (والثانية) وفيه تربية على أن المال لا ينفع يوم القيامة شيئا ما دام صاحبه كافرا بالله، والعاقل من لا يغتر بكثرة المال، ولا بما يقوله المستهزئون بالدين من أنه من كان غنيا في الدنيا فهو غني في الآخرة. (والثالثة) وفيه دليل على أن عداوة القريب أشد وقعا على صاحب الدعوة من عداوة الغريب لأن الناس يظنون أنه أعرف بقريبه وأدرى به من غيره، فكيف إذا كان العدو هو عم النبي صلى الله عليه وسلم. (والرابعة) وخص اليدين بالهلاك مع أن المراد بهما الذات لأنهما أدوات الكسب والعمل في العادة. فقوله تعالى: (تبت يدا أبي لهب وتب). يعني: خسرت وخابت وضلت (يدا أبي لهب) يعني: ذاته، وخص اليدين لأن العمل أكثر ما يكون بهما، وقد يعبر عن النفس باليدين كما قال تعالى: (بما قدمت يداك) (الحج: 10) أي نفسك، وهذا شائع في كلام العرب فتعبر ببعض الشيء عن كله أو عن كل الشيء ببعضه (وتب) يعني: وهلك وخسر وخاب وضل. وقيل: الأول: دعاء، والثاني: خبر، كما يقال: أهلكه الله وقد هلك. وأبو لهب اسمه عبد العزى، وكنيته أبو لهب لتلهب وجهه وحسنه، وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم، وامرأته العوراء أم جميل، أخت أبي سفيان بن حرب. وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: لما نزلت: (وأنذر عشيرتك الأقربين) (الشعراء: 214) خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا، فهتف: «يا صباحاه!» فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد، فقال: «يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب» فاجتمعوا إليه، فقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي»؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال: ﴿فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد﴾، فقال أبو لهب: تبا لك! أما جمعتنا إلا لهذا! ثم قام، فنزلت هذه السورة: (تبت يدا أبي لهب وتب) إلى آخر السورة. وقوله تعالى: (ما أغنى عنه ماله وما كسب). يعني: ما دفع عنه عذاب الله ما جمع من المال، ولا ما كسب من الجاه. وقيل: وما كسب أي من الولد. وفي الحديث: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه» (أبو داود). وقوله تعالى: (سيصلى نارا ذات لهب). يعني: ذات اشتعال وتلهب. وقوله تعالى: (وامرأته حمالة الحطب). يعني: كانت تحمل الحطب والشوك فتطرحه بالليل على طريق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وقيل: كانت تمشي بالنميمة بين الناس، تقول العرب: فلان يحطب على فلان: إذا وشي عليه. وقيل: كانت تعير رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر، ثم كانت مع كثرة مالها تحمل الحطب على ظهرها لشدة بخلها، فعيرت بالبخل. وقيل: حمالة الخطايا والذنوب، من قولهم: فلان يحتطب على ظهره. وقيل: حمالة الحطب في النار. وقوله تعالى: (في جيدها حبل من مسد). يعني: في عنقها حبل من نار يوم القيامة، والمسد: الحبل المفتول. وقيل: إن ذلك إشارة إلى الخذلان، يعني: إنها مربوطة عن الإيمان بما سبق لها من الشقاء، كالمربوط في جيده بحبل من مسد. والحكم ببقاء أبي لهب وامرأته في النار مشروط ببقائهما على الكفر إلى الموافاة، فلما ماتا على الكفر صدق الإخبار عنهما. ففيه معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم. فامرأته خنقها الله بحبلها، وأبو لهب رماه الله بالعدسة (مرض كالطاعون) بعد وقعة بدر بسبع ليال، بعد أن شجته أم الفضل، وذلك أنه لما قدم الحيسمان مكة يخبر خبر بدر، قال له أبو لهب: أخبرني خبر الناس؟ قال: نعم، والله ما هو إلا أن لقينا القوم، فمنحناهم أكتافنا، يضعون السلاح منا حيث شاؤوا، ومع ذلك ما لمست الناس، لقينا رجالا بيضا على خيل بلق، لا والله ما تبقي منا شيئا. قال أبو رافع: وكنت غلاما للعباس أنحت الأقداح في صفة زمزم، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر، فقلت: تلك والله الملائكة. قال: فرفع أبو لهب يده، فضرب وجهي ضربة منكرة، وثاورته، وكنت رجلا ضعيفا، فاحتملني فضرب بي الأرض، وبرك على صدري يضربني. وتقدمت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة، فتأخذه وتقول: استضعفته أن غاب عنه سيده! وتضربه بالعمود على رأسه فتفلقه شجة منكرة. فقام يجر رجليه ذليلا، ورماه الله بالعدسة، فمات، وأقام ثلاثة أيام لم يدفن حتى أنتن، ثم إن ولده غسلوه بالماء، قذفا من بعيد، مخافة عدوى العدسة. وكانت قريش تتقيها كما يتقي الطاعون. ثم احتملوه إلى أعلى مكة، فأسندوه إلى جدار، ثم رضموا عليه الحجارة. والحمد لله رب العالمين.

3240

التفسير التربوي لسورة الإخلاص

قال القرطبي في التفسير: «سورة الإخلاص: مكية في قول ابن مسعود والحسن وعطاء وعكرمة وجابر. ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي. وهي أربع آيات».

وقال ابن كثير في سبب نزول هذه السورة وفضلها: ((تفسير سورة الإخلاص: وهي مكية. ذكر سبب نزولها وفضلها. روى الإمام أحمد عن أبيّ بن كعب: أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، انسب لنا ربك، فأنزل الله هذه السورة. وكذا رواه الترمذي. حديث آخر في فضلها: وروى البخاري عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بسورة الإخلاص، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (سلوه: لأيّ شيء يصنع ذلك؟) فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أخبروه أن الله تعالى يحبه). حديث في كونها تعدل ثلث القرآن: روى البخاري عن أبي سعيد أن رجلا سمع رجلا يقرأ: (قل هو الله أحد) يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن). حديث آخر: روى البخاري عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟) فشق ذلك عليهم وقالوا: أينا يُطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: (الله الواحد الصمد ثلث القرآن). حديث آخر: روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: بات قتادة بن النعمان يقرأ الليل كله (قل هو الله أحد) فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (والذي نفسي بيده، لتعدلُ نصف القرآن، أو ثلثه). حديث آخر في كون قراءتها توجب الجنة: روى الإمام مالك بن أنس عن أبي هريرة قال: أقبلت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع رجلا يقرأ (قل هو الله أحد) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وجبت) قلت: وما وجبت؟ قال: (الجنة). ورواه الترمذي والنسائي. حديث في تكرار قراءتها: روى الحافظ أبو يعلى الموصلي عن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أما يستطيع أحدكم أن يقرأ: (قل هو الله أحد) ثلاث مرات في ليلة، فإنها تعدلُ ثلث القرآن؟). حديث في الاستشفاء بها مع المعوذتين: روى البخاري عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما فقرأ فيهما: (قل هو الله أحد) و (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس) ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات. وهكذا رواه أهل السنن)).

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: ((هذه السورة الصغيرة تعدل ثلث القرآن كما جاء في الروايات الصحيحة. قال البخاري: حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد، أن رجلا سمع رجلا يقرأ: (قل هو الله أحد) يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن). وليس في هذا من غرابة، فإن الأحدية التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلنها: (قل هو الله أحد) هذه الأحدية عقيدة للضمير، وتفسير للوجود، ومنهج للحياة. وقد تضمنت السورة من ثم عرض الخطوط الرئيسية في حقيقة الإسلام الكبيرة)).

3241

الآيات 1-4

قوله تعالى: ﴿قل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد﴾ (الإخلاص: 1-4)

لنا مع هذه السورة الوقفات التربوية التالية:

(الأولى) المشهور أن هو ضمير الشأن، والسر في تصدير السورة به التنبيه من أول الأمر على فخامة مضمونها مع ما فيه من زيادة التحقيق والتقرير، فإن الضمير لا يفهم منه من أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر جليل فيبقى الذهن مترقبا لما أمامه مما يفسره ويزيل إبهامه فيتمكن عند وروده له فضل تمكن. (والثانية) اعلم أن معرفة الله تعالى جنة حاضرة، إذ الجنة أن تنال ما يوافق عقلك ورغبتك، ولذلك لم تكن الجنة جنة لآدم لما نازع عقله رغبته، ولا كان القبر سجنا على المؤمن لأنه حصل له هناك ما يلائم عقله ورغبته، ولما كانت معرفة الله تعالى مما يريدها العقل والرغبة فصارت جنة مطلقة. (والثالثة) في هذه السورة تقديس مطلق وتعظيم مطلق، ولما كانت هذه الأمة في الذروة من حسن الأفهام حباها سبحانه وتعالى بسورة الإخلاص كاملة ببيان لا يمكن أن تحتمل عقول البشر زيادة عليه، وذلك البيان أنه ثابت ثباتا لا يشبهه ثبات على وجه لا يكون لغيره أصلا، وأنه سبحانه وتعالى منزه عن الشبيه والنظير والمثيل، فلا زوجة له ولا ولد، ولا حاجة بوجه إلى أحد، بل له الخلق والأمر. (والرابعة) إن هذه السورة تعدل ثلث القرآن وذلك لأن موضوع القرآن هو الإلهيات والنبوات والمعاد، ولما كان مضمون السورة هو الإلهيات فإنها تعدل ثلث القرآن. فقوله تعالى: (قل هو الله أحد). يعني: الواحد الوتر، والأحد: صيغة مبالغة من الواحد، ومعنى (أحد) أنه لا يتعدد ولا يتجزأ. وقوله تعالى: (الله الصمد). يعني: الذي يصمد إليه في الحاجات، قال أهل اللغة: الصمد: السيد الذي يصمد إليه في النوازل والحوائج. وقيل: الصمد هو السيد الذي قد انتهى سؤدده في أنواع الشرف والسؤدد. وقيل: إنه المستغني عن كل أحد، والمحتاج إليه كل أحد. وقيل: المقصود في الرغائب، والمستعان به في المصائب. وقيل: الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وقيل: الكامل الذي لا عيب فيه. وقيل: المصمت الذي لا جوف له. وقيل: الصمد: الذي لم يلد ولم يولد. وقوله تعالى: (لم يلد ولم يولد). يعني: ليس أبا لأحد وليس ابنا لأحد، وذلك أن الأبوة والبنوة حاجات والله تعالى منزه عن الحاجة. وقوله تعالى: (ولم يكن له كفوا أحد). يعني: لم يكن له شبيه ولا عدل، وليس كمثله شيء. وقيل: لم يكن له مثلا أحد. وقيل: ليس له ند ولا نظير. والحمد لله رب العالمين.

3242

التفسير التربوي لسورة الفلق

قال القرطبي في التفسير: «سورة الفلق: وهي مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة. وهي خمس آيات. وهذه السورة وسورة الناس وسورة الإخلاص: تعوذ بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سحرته اليهود، على ما يأتي. وقيل: إن المعوذتين كان يقال لهما المقشقشتان أي تبرئان من النفاق».

وقال صاحب الظلال في تقديم هذه السورة: ((هذه السورة والتي بعدها توجيه من الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ابتداء وللمؤمنين من بعده جميعا للعياذ بكنفه، واللياذ بحماه، من كل مخوف: خاف وظاهر، مجهول ومعلوم، على وجه الإجمال وعلى وجه التفصيل، وكأنما يفتح الله سبحانه لهم حماه، ويبسط لهم كنفه، ويقول لهم في مودة وعطف: تعالوا إلى هنا، تعالوا إلى الحمى، تعالوا إلى مأمنكم الذي تطمئنون فيه، تعالوا فأنا أعلم أنكم ضعاف وأن لكم أعداء وأن حولكم مخاوف وهنا الأمن والطمأنينة والسلام. ومن ثم تبدأ كل منهما بهذا التوجيه: (قل أعوذ برب الفلق)، (قل أعوذ برب الناس)).

وقد ورد في فضائل المعوذتين الكثير من الأحاديث: فروى النسائي عن عقبة بن عامر، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكب، فوضعت يدي على قدمه، فقلت: أقرئني سورة هود، أقرئني سورة يوسف. فقال لي: ((ولن تقرأ شيئا أبلغ عند الله من: (قل أعوذ برب الفلق)). وروى النسائي عن عبد الله قال: أصابنا طش وظلمة، فانتظرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي بنا، فقال: قل! فقلت: ما أقول؟ قال: «قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثا، يكفك كل شيء». وفي البخاري ومسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى قرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث، كلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه، وأمسح عنه بيده، رجاء بركتها. وثبت في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم سحره يهودي من يهود بني زريق، يقال له لبيد بن الأعصم، حتى يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء ولا يفعله، فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث، ثم قال: «يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني ملكان، فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي: ما شأن الرجل؟ قال: مطبوب، قال ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال في ماذا؟ قال في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر، تحت راعوفة في بئر ذي أوران» قالت عائشة: فجاء البئر واستخرجه، فإذا مشاطة رأس إنسان، وأسنان من مشط، وإذا وتر معقود فيه إحدى عشرة عقدة مغرزة بالإبر، فأنزل الله تعالى هاتين السورتين، وهما إحدى عشرة آية على عدد تلك العقد، وأمر أن يتعوذ بهما، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة، ووجد النبي صلى الله عليه وسلم خفة، حتى انحلت العقدة الأخيرة، فكأنما أنشط من عقال.

3243