الآيات 102-103
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون﴾ (آل عمران: 102-103)
(1) لما حذر الله المؤمنين من إضلال الكفار لهم في الآية السابقة, أمرهم في هذه الآية بمجامع الخيرات ومعاقد الطاعات, فأمرهم أولا بتقوى الله (اتَّقُوا اللَّهَ) وثانيا بالاعتصام بحبل الله (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً) وثالثا بذكر نعم الله (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ), قال الرازي: ((والسبب في هذا الترتيب أنّ فعل الإنسان لابد وأن يكون معللا إما بالرهبة وإما بالرغبة, والرهبة مقدمة على الرغبة, لأنّ دفع الضرر مقدم على جلب النفع, فقوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) إشارة إلى التخويف من عقاب الله تعالى, ثم جعله سببا للأمر بالتمسك بدين الله والاعتصام بحبل الله, ثم أردفه بالرغبة وهي قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) فكأنه قال: خوف عقاب الله يوجب ذلك, وكثرة نعم الله توجب ذلك, فلم تبق جهة من الجهات الموجبة للفعل إلا وهي حاصلة في وجوب انقيادكم لأمر الله ووجوب طاعتكم لحكم الله)).
(2) قوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِه). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حق تقاته: أن يُطاع فلا يُعصى, وأن يُذكر فلا يُنسى, وأن يُشكر فلا يُكفر» (البخاري). وقد أشكل ذلك مع قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) (التغابن: 16)، فظنّ بعض المفسرين أنّ هذه ناسخة لتلك, وقال جمهور المفسرين: لا تعارض بينهما, لأنّ قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) بيان لقوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ), والمعنى: اتقوا الله حق تقاته ما استطعتم.
(3) قوله تعالى: (وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون). لما كان الموت ليس من إرادة الإنسان واستطاعته فإنّ المدلول التربوي لهذه الآية هو الأمر بالمحافظة على الإسلام في حال الصحة والسلامة حتى يأتي أمر الله بالموت, قال ابن كثير: «فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه, ومن مات على شيء بُعث عليه, فعياذ بالله من خلاف ذلك».
(4) قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعا). وحبل الله هو كتابه, قال الرازي: «اعلم أنّ كل من يمشي على طريق دقيق يخاف أن تزلق رجله, فإذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن من الخوف, ولا شك أنّ طريق الحق طريق دقيق, وقد انزلق رجل الكثير عنه, فمن اعتصم بدليل الله وبيناته فإنه يأمن من ذلك الخوف, فكان المراد من الحبل هنا كل شيء يمكن التوصل به إلى الحق في طريق الدين».
(5) قوله تعالى: (جَمِيعا). يدل على أنّ الإسلام دين الجماعة, قلا يقوى على حمله الأفراد ولا يستطيعون تجسيده بين الناس وجعله واقعا عمليا مشهودا ما لم يجتمعوا على ذلك.