التفسير التربويالجزء 1 · ص 335 - 342

الآيات 98-99

الآيات 98-99

قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون﴾ (آل عمران: 98-99)

نلمح في هاتين الآيتين أسلوبا فريدا في التربية استخدم فيه النص القرآني مزيجا من التأنيب والوعيد, فقوله تعالى: (لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ) تأنيب وتوبيخ وتقريع وتعنيف يدل عليه أسلوب الاستفهام الإنكاري, وقوله تعالى: (وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ) وعيد وترهيب من الكفر بآيات الله من خلال تذكيرهم بشهادة الله عليهم يوم القيامة, وما أعظمها من شهادة يشهد بها الله على الإنسان, وقوله تعالى: (لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً) تأنيب وتوبيخ يشهد عليه أسلوب الاستفهام الإنكاري, و قوله تعالى: (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) وعيد وترهيب من هذه الأفعال الكافرة وهي: الصد عن سبيل الله, ومحاولة تشويه استقامة سبيل الله, وذلك من خلال تذكيرهم برقابة الله الدائمة وعلمه المطلق بأعمالهم.

335

الآية 100

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِين﴾ (آل عمران: 100)

لنا مع هذه الآية الوقفات التربوية التالية:

(1) لما حذر الله تعالى في الآية السابقة أهل الكتاب من إضلال المؤمنين وكشف محاولتهم في ذلك, حذر المؤمنين في هذه الآية من طاعة أهل الكتاب, لأنّ هذه الطاعة ستكون سببا في ضلالهم ورجوعهم إلى الكفر بعد الإيمان, والضلال لا يحصل تلقائيا في العادة وإنما الغالب فيه أن يكون هناك مضَل ومضِل, ومن هنا كانت التربية الإسلامية قائمة على تحذير الطرفين, وهذه قاعدة تربوية في معالجة الأخطاء بعد وقوعها أو الوقاية من الأخطاء قبل وقوعها مهما كانت هذه الأخطاء في الصغر أو الكبر.

(2) كما دلت هذه الآية وغيرها من الآيات على أنّ هدف أعداء الإسلام ومنهم أهل الكتاب في خصومتهم مع المسلمين هو إضلال المسلمين وردهم إلى الكفر بعد الإيمان, وفي هذا بيان لطبيعة المعركة, فهي معركة حول العقيدة وإن رفعت في هذه المعركة شعارات أخرى كالأرض والثروات وغيرها, فهي شعارات مزيفة الغاية منها خداع المسلمين عن حقيقة المعركة خوفا من جيشان العقيدة وانبعاثها, وهذه الآية كقوله تعالى: (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيد) (البروج: 8)، فلينتبه لذلك المسلمون!.

(3) عندما بُعث محمد صلى الله عليه وسلم وقامت رسالة الإسلام كان أعداء الإسلام ينضوون في ثلاث معسكرات: اليهود, والنصارى, والمشركون سواء كانوا مشركي العرب أم الفرس, وهذه المعسكرات هيَ هي الآن في عدائها للإسلام متمثلة في: اليهودية العالمية, والصليبية العالمية, والشرك العالمي, فالصراع لازال قائما والتاريخ يعيد نفسه, فلينتبه لذلك المسلمون!.

(4) نلمح في هذا التحذير للمؤمنين من طاعة أهل الكتاب ترهيبا شديدا من رجوعهم إلى الكفر بعد الإيمان, وهذا من أشد الترهيبات بالنسبة للمؤمنين والصحابة منهم بشكل خاص, لأنّ كل واحد منهم كان يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار, ويدخل في إطار التحذير من طاعة أهل الكتاب التلقي عنهم في شأن العقيدة والمنهج أو سؤالهم في ذلك, فالغزو الثقافي يبدأ عادة قبل الغزو المادي. قال عبد الله بن ثابت: «جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله, إني أمرت بأخ يهودي من بني قريظة فكتب لي مجامع من التوراة, ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا, قال: فسُري عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: والذي نفسي بيده, لو أصبح فيكم موسى عليه السلام ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم, إنكم حظي من الأمم, وأنا حظكم من النبيين» (أحمد).

336

الآية 101

قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾ (آل عمران: 101)

(1) قوله تعالى: (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُه). هذا الأسلوب في الخطاب وهو الاستفهام الذي يفيد التعجيب أسلوب تربوي يحمل معنى الترهيب والوعيد والمنع والتغليظ في حال حدوث الفعل، وهو أكبر أثرا من النفي العادي من غير استفهام.

(2) قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم). في هذا القول ترغيب على الاعتصام بكتابه وبسنة نبيه صلى الله عليه وسلم, وقد جاء هذا الترغيب بعد الترهيب السابق في الشطر الأول من الآية, فقرن الله تعالى بين الترهيب والترغيب في نفس المسألة وهي الاعتصام بالكتاب والسنة.

(3) قال قتادة: «في هذه الآية علمان بيّنان: كتاب الله ونبي الله, فأما نبي الله فقد مضى, وأما كتاب الله فقد أبقاه بين أظهركم رحمة منه ونعمة, فيه حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته» (الطبري). وقال الزجاج: «يجوز أن يكون الخطاب لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة, لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيهم وهم يشاهدونه، ويجوز أن يكون الخطاب لجميع الأمة, لأنّ آثاره وعلاماته والقرآن الذي أوتي فينا, فكأن النبي صلى الله عليه وسلم فينا وإن لم نشاهده» (القرطبي). وقال القرطبي: «ويدخل في هذه الآية من لم ير النبي صلى الله عليه وسلم, لأنّ ما فيهم من سنته يقوم مقام رؤيته». قلت: هذه الآية وإن نزلت في خواص من الصحابة وهم الأوس والخزرج فإنها عامة للمسلمين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيما بعده من القرون لقوله صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي, ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض» (الحاكم والموطأ).

337

الآيات 102-103

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون﴾ (آل عمران: 102-103)

(1) لما حذر الله المؤمنين من إضلال الكفار لهم في الآية السابقة, أمرهم في هذه الآية بمجامع الخيرات ومعاقد الطاعات, فأمرهم أولا بتقوى الله (اتَّقُوا اللَّهَ) وثانيا بالاعتصام بحبل الله (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً) وثالثا بذكر نعم الله (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ), قال الرازي: ((والسبب في هذا الترتيب أنّ فعل الإنسان لابد وأن يكون معللا إما بالرهبة وإما بالرغبة, والرهبة مقدمة على الرغبة, لأنّ دفع الضرر مقدم على جلب النفع, فقوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) إشارة إلى التخويف من عقاب الله تعالى, ثم جعله سببا للأمر بالتمسك بدين الله والاعتصام بحبل الله, ثم أردفه بالرغبة وهي قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) فكأنه قال: خوف عقاب الله يوجب ذلك, وكثرة نعم الله توجب ذلك, فلم تبق جهة من الجهات الموجبة للفعل إلا وهي حاصلة في وجوب انقيادكم لأمر الله ووجوب طاعتكم لحكم الله)).

(2) قوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِه). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حق تقاته: أن يُطاع فلا يُعصى, وأن يُذكر فلا يُنسى, وأن يُشكر فلا يُكفر» (البخاري). وقد أشكل ذلك مع قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) (التغابن: 16)، فظنّ بعض المفسرين أنّ هذه ناسخة لتلك, وقال جمهور المفسرين: لا تعارض بينهما, لأنّ قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) بيان لقوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ), والمعنى: اتقوا الله حق تقاته ما استطعتم.

(3) قوله تعالى: (وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون). لما كان الموت ليس من إرادة الإنسان واستطاعته فإنّ المدلول التربوي لهذه الآية هو الأمر بالمحافظة على الإسلام في حال الصحة والسلامة حتى يأتي أمر الله بالموت, قال ابن كثير: «فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه, ومن مات على شيء بُعث عليه, فعياذ بالله من خلاف ذلك».

(4) قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعا). وحبل الله هو كتابه, قال الرازي: «اعلم أنّ كل من يمشي على طريق دقيق يخاف أن تزلق رجله, فإذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن من الخوف, ولا شك أنّ طريق الحق طريق دقيق, وقد انزلق رجل الكثير عنه, فمن اعتصم بدليل الله وبيناته فإنه يأمن من ذلك الخوف, فكان المراد من الحبل هنا كل شيء يمكن التوصل به إلى الحق في طريق الدين».

(5) قوله تعالى: (جَمِيعا). يدل على أنّ الإسلام دين الجماعة, قلا يقوى على حمله الأفراد ولا يستطيعون تجسيده بين الناس وجعله واقعا عمليا مشهودا ما لم يجتمعوا على ذلك.

338

(6) قوله تعالى: (وَلا تَفَرَّقُوا). اعلم أنّ الوحدة تكون من اجتماع المسلمين المخلصين لله لا يخالط نفوسهم شيء من أهواء الدنيا: كهوى الرياسة وهوى الحسد وهوى الحرص والطمع وهوى الكبر والتعالي , وما إن تخالط هذه الأهواء الدنيوية نفوسهم حتى يفترقوا, قال الإمام الرازي: «اعلم أن كل من كان وجهه الدنيا كان معاديا لأكثر الخلق, ومن كان وجهه خدمة الله تعالى لم يكن معاديا لأحد, والسبب فيه أنه ينظر من الحق إلى الخلق فيرى الكل أسيرا في قبضة القضاء والقدر فلا يعادي أحدا, ولهذا قيل: إنّ العارف إذا أمرَ أمر برفق, ويكون ناصحا لا يعنّف ولا يعيّر, فهو مستبصر بسر الله في القدر». وهذه الحقيقة في تفسير الفرقة بردّها إلى الأهواء وقلة الإخلاص لله تبين لنا أهمية التربية الدينية ودورها في وحدة المسلمين والقضاء على الفرقة, فإنّ الدعاة كلما ابتعدوا عن طريق التربية الدينية كلما ازدادوا فرقة وتنازعا وصراعا, ولا تنخدع - أخي المسلم - بما يرفعه المسلمون من شعارات فكرية لتبرير فرقتهم وتنازعهم، فإنّ الخلافات الفكرية نتيجة للفرقة وليست سببا لها.

(7) قوله تعالى: (فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانا). في هذه الآيات توجيه من الله للمسلمين إلى القاعدتين الأساسيتين اللتين يقوم عليهما المجتمع المسلم وهما: الإيمان بالله وما يستلزم ذلك من مراقبته وتقواه, والأخوة في الله وما يستلزم ذلك من حقوق وواجبات للأخ على أخيه.

(8) قوله تعالى: (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا). هذا الخطاب في الأصل للأوس والخزرج وإن كان عاما في مدلوله, وقد وصف الله حال الأوس والخزرج في خصومتهم بأنهم كانوا على شفا حفرة من النار, فما الذي نقوله الآن عن خصومات المسلمين وصراعاتهم وتقاتلهم؟!.

(9) وقوله تعالى: (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّار). فيه تحقير وتصغير لمدة الحياة التي يعيشها الناس، أي فيه تزهيد من الدنيا, قال الإمام الرازي: «فمثلت حياتهم التي يتوقع بعدها الوقوع في النار بالقعود على حرفها, وهذا فيه تنبيه على تحقير مدة الحياة, فإنه ليس بين الحياة والموت المستلزم للوقوع في الحفرة إلا ما بين طرف الشيء وبين ذلك الشيء».

(10) قوله تعالى: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون). أي: يبين لكم سائر حججه في تنزيله وعلى لسان رسوله لتهتدوا إلى سبيل الرشاد وتسلكوها, لأنّ (لعل) هنا ليست على بابها من الترجي وإنما هي بمعنى (كي), فلعل من الله واجبة كما يقول المفسرون. والمدلول التربوي لهذا النص هو بيان رحمة الله بالناس واهتمامه بهم ورعايته لهم ورأفته بمصيرهم يوم القيامة حتى إنه بيّن لهم الحجج والبينات والدلائل والمعجزات كي يعلموا طريق الهداية فيسلكوه فيفوزوا بسعادة الدنيا والآخرة, ولو شاء لما بيّن لهم ذلك ولتركهم يبحثون عن ذلك بجهدهم وطاقتهم, فليس للناس حق على الله في ذلك البيان, ولكنه تعالى إذ خلق الإنسان لم يتركه سدى كما يقول الفلاسفة.

339

الآيات 104-107

قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾ (آل عمران: 104-107)

(1) قوله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون). لنا مع هذه الآية الوقفات التربوية التالية: (أولا) في هذه الآية تربية وتبيان لدور الجماعة في المجتمع المسلم, والمقصود منها أن تكون هناك فئة مختصة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الإسلام, متفرغة لهذا العمل, وهذا من فروض الكفاية باتفاق المفسرين والفقهاء, وفرض الكفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الكل, وإذا لم يقم به أحد أثم الجميع, وقيام هذه الفئة بهذا الدور لا يلغي دور الفرد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فالواجب الفردي قائم من غير تفرغ ولا اختصاص, وهذا معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه, وذلك أضعف الإيمان» وفي رواية «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (مسلم), فالفرد يغير المنكر إذا رآه (من رأى منكم) والفئة تبحث عن المنكر كي تغيره (ولتكن منكم), وهذا هو الفارق بين الحالتين, ومع ذلك فدور الفرد هنا يصب في دور الجماعة، وعمله يصب في عملها. (ثانيا) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده, لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده, ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم» (أحمد والترمذي), وهذا الحديث في شرح الآية فيه ترهيب من التخلف عن القيام بهذا الدور وذلك بوقوع العقاب في الدنيا وعدم استجابة الدعاء, وفيه تبيان لأهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من قبل الجماعة, فهو يوحي بأنّ قيام المجتمع واستمراره مرهون بوجود هذه الفئة التي تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وتدعو إلى الإسلام, فوجود هذه الفئة مع قيامها بدورها عصمة للأمة من العقاب الإلهي في الدنيا كالخسف والزلازل والبراكين والفيضانات. (ثالثا) اتفق العلماء على أنّ تارك المعروف لا يسقط عنه الأمر بالمعروف وأنّ فاعل المنكر لا يسقط عنه النهي عن المنكر, وذلك أنّ فعل المعروف واجب والأمر بالمعروف واجب ولا يسقط أحد الواجبين بسقوط الآخر, وذلك حتى لا يتخذ ترك المعروف أو فعل المنكر ذريعة للقضاء على فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, «رُوي عن الحسن البصري أنه سمع مطرّف بن عبد الله يقول: لا أقول ما لا أفعل, فقال الحسن: وأينا يفعل ما يقول؟ ودّ الشيطان لو ظفر بهذه الكلمة منكم, فلا يأمر أحد بمعروف ولاُ ينهى أحد عن منكر». قلت: ومع ذلك عاب الله على قوم يأمرون الناس بالبر ولا يفعلونه فقال: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُون) (البقرة: 44)، وعاب على المؤمنين أن يقولوا ما لا يفعلون فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُون) (الصف: 2-3).

340

(2) قوله تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم). في هذه الآية تربية وبناء لشخصية الأمة المسلمة من خلال تحذيرها من مشابهة الأمم التي قبلها كاليهود والنصارى في الفرقة والاختلاف في الدين, وختم هذا التحذير بالوعيد الشديد لمن يفعل ذلك فقال: (وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم).

(3) قوله تعالى: (تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا). أثبت الافتراق قبل الاختلاف فدل ذلك على أنّ الافتراق كان سببا في الاختلاف وليس نتيجة له, وأما سبب الافتراق فهو البغي كما نص الله على ذلك في كتابه فقال: (وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُم) (الشورى: 14)، وقال: (فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُم) (الجاثـية: 17)، والبغي يعني الأهواء, كهوى الرياسة وهوى الحسد وهوى الحرص والطمع وهو الكبر والتعالي, وفي الحديث الشريف ما يؤكد هذه القاعدة القرآنية, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة, وإنّ هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة ـ يعني الأهواء- كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه, لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله» (أحمد وأبو داود). والأهواء علاجها بالتربية القرآنية أي بالتزكية كما هو مصطلح القرآن, وهي مهمة الرسل وأتباعهم, قال تعالى: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُم) (البقرة: 151), وقال تعالى: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِم) (البقرة: 129)، وقال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِم) (آل عمران: 164)، وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِم) (الجمعة: 2).

(4) قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَات). يدل على أنّ ذنب العالم أعظم من ذنب الجاهل, ومنه عقوبة العالم أشد من عقوبة الجاهل, والعكس صحيح, فأجر العالم أكبر من أجر الجاهل وثوابه أكبر من ثوابه, وهذه هي ضريبة العلم.

(5) الآيات (106-107): قرن الترهيب بالترغيب والوعيد بالوعد, فقوله تعالى: (أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) وعيد على الكفر، وقوله تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وعد على الإيمان. وهذا الأسلوب في التربية معهود في القرآن, وهو يستخدم في القرآن بدقة وحكمة لا مثيل لها, فنجد أحيانا الوعد يسبق الوعيد, وأحيانا الوعيد يسبق الوعد, ونجد أحيانا مساحة الوعد أكبر من مساحة الوعيد, وأحيانا مساحة الوعيد أكبر من مساحة الوعد, وكل ذلك عائد إلى علمه تعالى بالنفس البشرية وبالذي يناسبها ويصلحها.

341

الآيات 108-109

قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُور﴾ (آل عمران: 108-109)

(1) قوله تعالى: (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِين). فيه وقفتان تربويتان: (الأولى) نفى الله الظلم عن نفسه لأنه تقدم ذكر العقوبة الشديدة لمن كفر بالله بعد إيمانه , ومعنى ذلك أنّ العقوبة الشديدة كانت بسبب الأفعال المنكرة التي تضر بمصالح المجتمع ومنافعه أولا وأخيرا, والحكمة التربوية في إيقاع العقوبة بالمذنبين هي أنّ مصالح العالم لا تستقيم إلا بتهديد المذنبين, وإذا حصل هذه التهديد من الله فلا بد من إيقاعه وتحقيقه دفعا للكذب وتحقيقا للتهديد. (والثانية) إنّ قال قائل: لماذا يوجد ظلم في الدنيا مع أنّ الله لا يريد الظلم؟ الجواب على ذلك: إنّ الله قادر على منع الظلمة من الظلم على سبيل القهر والإجبار, ولو أنه فعل ذلك على سبيل الإجبار لما كان للحياة معنى, لأنّ الحياة لو كانت كلها خيرا لا شر فيه لبطلت الحكمة من كونها دار ابتلاء, فدل ذلك على أنّ الحياة لا يكون لها معنى إلا بترك الناس يختارون ويريدون ثم يحاسبون يوم القيامة على هذا الاختيار وهذه الإرادة.

(2) قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْض). فيه تعليل لماذا لا يقع الظلم من الله للعباد حين يعاقبهم يوم القيامة على ذنوبهم وأفعالهم المنكرة, وذلك أنّ الظالم إذ يظلم غيره فإنّ ذلك يكون إما لجهل منه بالظلم أو لعجز منه على منع الظلم أو لحاجة في داخله يلبيها بالظلم, وكل ذلك على الله محال لأنّ الله مالك السموات والأرض وما فيهما, وهذه الملكية تنافي الجهل والعجز والحاجة, وإذا امتنعت هذه الصفات على الله امتنع كونه ظالما أو مريدا للظلم.

(3) قوله تعالى: (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُور). معناه: إنّ مصير الخلق إلى الله يوم القيامة صالحهم وطالحهم, فيجازي المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته, وهذه الآية تحمل الترغيب بالصلاح والترهيب من الفساد, لأنّ الإنسان إذا أيقن بالمصير إلى الله يوم القيامة وبقاعدة الحساب والجزاء والعقاب كان ذلك ترغيبا له في الطاعة والعمل الصالح وترهيبا له من المعصية والعمل الطالح.

342