التفسير التربويالجزء 1 · ص 343 - 351

الآية 110

الآية 110

قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُون﴾ (آل عمران: 110)

(1) قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه). قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((لو شاء الله لقال (أنتم) فكنا كلنا, ولكن قال (كنتم) في خاصة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صنع مثل صنيعهم)) (الطبري), وقال عمر في خطبة له: «يا أيها الناس, من سرّه أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها» (الطبري), وقال مجاهد: «كنتم خير الناس للناس على هذا الشرط: أن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر وتؤمنوا بالله» (الطبري). وفي هذا البيان تربية للمسلمين على أنّ الخيرية قائمة على أساس من هذا الشرط وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله, فهي خيرية اكتسابية يستطيع أي إنسان تحصيلها بالجهد والعمل, وهذا البيان يخالف اليهود في ادعائهم أنهم أبناء الله وأحباؤه, وأنهم لا يدخلون النار إلا أياما معدودة, وأنهم شعب الله المختار, فتلك ادعاءات تدل على خيرية ظالمة لأنها لا تقوم على أساس من العمل والاكتساب وإنما تقوم على أساس من العرق والنسب, ومع ذلك يقع الكثير من المسلمين في ادعاءات اليهود حينما يدّعون الخيرية من دون شرطها أو يدّعون دخول الجنة من دون عمل, وفي هذا البيان القرآني تحذير وتنبيه.

(2) قوله تعالى: (وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه). ولم يقل: وتأمرون الناس بالإيمان بالله, وذلك لأنّ الإيمان بالله هو المعروف الأكبر في حياة الناس والكفر بالله هو المنكر الأكبر في حياة الناس, فقال: (وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) لأنّ الإيمان بالله هو زاد الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر, وهو سندهم في قيامهم بهذا الأمر, وكل من مارس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يدرك أهمية هذا الزاد, فهو ظل ممدود يفيء إليه الداعية عند كل مشقة وعند كل صدمة وعند كل خيبة أمل, وما أكثر المشقات والصدمات وخيبات الأمل في طريق الدعاة إلى الله.

343

(3) في آية سابقة قال: (ولتكن منكم أمة) ووصف تلك الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وهنا وصف الأمة المسلمة كلها بصفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال: كنتم خير أمة) فدل ذلك على أنّ وجود الأمة المسلمة وقيامها لا يكون إلا بهذا الشرط , شرط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فإما أن تقوم بهذا الشرط فهي موجودة أو لا تقوم بهذا الشرط فهي غبر موجودة, وفي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديق ذلك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا, فجالسوهم وواكلوهم وشاربوهم, فضرب الله تعالى قلوب بعضهم ببعض, ولعنهم على لسان داود وسليمان وعيسى بن مريم ــ ثم جلس وكان متكئا فقال: لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا» (أبو داود والترمذي), وقال أيضا: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» (أحمد والترمذي), وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا فليغره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه, وذلك أضعف الإيمان» وفي رواية «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (مسلم).

(4) قوله تعالى: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرا). ترغيب لأهل الكتاب على الإيمان بالله ودخول الإسلام, وبيان بأنّ ذلك خير لهم في الدنيا بتخلصهم من هذه المعيشة النكد والفراغ الروحي والضياع الحقيقي مرة بتأليه الطبيعة ومرة بتأليه العقل ومرة بتأليه العلم ومرة بتأليه الأشخاص, والإيمان خير لهم في الآخرة بخلاصهم من عذاب الله وعقابه والخلود في النار. ولو يعلم أهل الكتاب وسائر المؤمنين ما يعيشه المؤمنون من الراحة النفسية والاطمئنان والسكينة والاستقرار الداخلي بسبب من إيمانهم بالله لقاتلوهم عليه, ولا يدرك قيمة هذا الكلام إلا من ذاق طعم الإيمان وعاش تجربة الإيمان, وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: «ذاق طعم الإيمان من آمن بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا» (أحمد).

344

الآيات 111-112

قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُون﴾ (آل عمران: 111-112)

(1) قوله تعالى: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُون). قال الرازي: ((اعلم أنه تعالى لما رغب المسلمين في التصلب في إيمانهم وترك الالتفات إلى أقوال الكفار وأفعالهم بقوله (كنتم خير أمة), رغبهم فيه من وجه آخر وهو أنّ الكافرين لا قدرة لهم على الإضرار بالمسلمين إلا بالقليل من القول الذي لا عبرة به, ولو أنهم قاتلوا المسلمين صاروا منهزمين مخذولين, وإن كان كذلك لم يجب الالتفات إلى أقوالهم وأفعالهم)).

(2) قوله تعالى: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذى). اعلم أنّ التربية الإيمانية تقوم على أساس أنّ الله هو النافع الضار, فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: «يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك, احفظ الله تجده تجاهك, إذا سألت فاسأل الله, وإذا استعنت فاستعن بالله, واعلم أنّ الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك, ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك, رُفعت الأقلام وجفت الصحف» (الترمذي), وهذه الآية تؤكد هذا المعنى, فلا ضرر يوقعه اليهود بالمسلمين إلا ما كتبه الله وأذن به, وقد أذن الله بالإيذاء اللساني والقولي من إسماع المسلمين كلمات الكفر أو الشرك كالطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم, وقولهم (عزير ابن الله), وما أشبه ذلك, وهذه الآية تفيد تطمين المسلمين كما هو في الحديث.

(3) قوله تعالى: (وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُون). وهذا شرط والشرط ليس بالضرورة أن يقع, وفي الواقع لم يقع هذا الشرط فدل ذلك على صحة كلام الله حين قال: (وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ) ولم يقل: ويقاتلونكم ويولونكم الأدبار, ومن تتبع السيرة النبوية وجد تصديق هذا الفهم للآية, إذ إنّ اليهود لم يقاتلوا المسلمين كما فعل المشركون وذلك لجبنهم وتخاذلهم, فبعد غزوة بدر حاصر المسلمون يهود بني قينقاع في حصنهم فاستسلموا من دون قتال, وبعد غزوة أحد حاصر المسلمون يهود بني النضير في حصنهم فاستسلموا من دون قتال, وبعد غزوة الخندق حاصر المسلمون يهود بني قريظة في حصنهم فاستسلموا من دون قتال, وبعد مدة حاصر المسلمون اليهود الذين تجمعوا في حصون خيبر فاستسلموا من دون قتال إلا بعض المبارزات الفردية التي انتهت بمصرع أبطالهم, فكان حال اليهود في جزيرة العرب أنهم لم تقم شوكتهم على قتال بل كانوا يقومون على السعي بالفتنة بين الناس, وهذا حالهم عبر التاريخ.

345

(4) قوله تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُون). دلت هذه الآية على أنّ المعصية والاعتداء تورث الذلة والفاقة, فقال تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّة) وقال: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ) وهي الفاقة, وعلل ذلك بقوله: (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ). وهذه قاعدة يجب تربية المسلمين عليها, وهي: إنّ المعصية تورث الذل والفقر, وإنّ الطاعة تورث العز والغنى, وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديق ذلك حيث قال: «إذا تبايعتم بالعينة, وأخذتم أذناب البقر, ورضيتم بالزرع, وتركتم الجهاد, سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم» (أبو داود)، والعينة شكل من أشكال الربا. وقال قتادة: «اجتنبوا المعصية والعدوان, فإنّ بهما أهلك من أهلك قبلكم من الناس» (الطبري), وفي هذه الآية وهذا الحديث وهذا القول لقتادة من مفسري التابعين تفسير لما تعيشه الأمة المسلمة من الذلة الآن. قال الإمام الرازي في تفسير هذه الآية: ((إنّ علة الذلة والمسكنة والغضب هي الكفر وقتل الأنبياء, وعلة الكفر وقتل الأنبياء هي المعصية, وذلك لأنهم لما توغلوا في المعاصي والذنوب فكانت ظلمات المعاصي تتزايد حالا فحالا, ونور الإيمان يضعف حالا فحالا, ولم يزل ذلك إلى أن بطل نور الإيمان وحصلت ظلمة الكفر, وإليه الإشارة بقوله: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون) (المطففين: 14)، فقوله: (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا) إشارة علة العلة, ولهذا المعنى قال أرباب المعاني: من ابتلي بترك الآداب وقع في ترك السنن, ومن ابتلي بترك السنن وقع في ترك الفريضة, ومن ابتلى بترك الفريضة وقع في استحقار الشريعة, ومن ابتلى بذلك وقع في الكفر)). وفي سورة البقرة ثلاث آيات تؤكد معنى هذه الآية وتقرر هذه القاعدة وهي: الآية (61)، والآية (85)، والآية (114)، فمن أراد التوسع فليراجع هذه الآيات.

346

الآيات 113-115

قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِين﴾ (آل عمران: 113-115)

(1) ذكر الله أنّ من أهل الكتاب فئة مؤمنة بمحمد صلى الله عليه وسلم ووصفها بصفات ثمانية: (الأولى) (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَة) أي: قائمة بأمر الله متمسكة به ثابتة عليه ملازمة له غير مضطربة في هذا القيام. (الثانية) (يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ) أي: يقرؤون القرآن في ساعات الليل وأوقاته, في أوله ووسطه وآخره. (الثالثة) (وَهُمْ يَسْجُدُونَ) أي: وهم يصلون لله, وقيل: يخضعون ويخشعون لله. (الرابعة) (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) مع ما يستلزم هذا الإيمان بالله من الإيمان بالملائكة والكتب والرسل, ومع ما يستلزم هذا الإيمان باليوم الآخر من الطاعات واجتناب المعاصي. (الخامسة) (وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) أي: يأمرون بكل معروف ابتداء بالمعروف الأكبر وهو الإيمان بالله وانتهاء بأقل الطاعات وأصغرها. (السادسة) (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) أي: ينهون عن كل منكر ابتداء من المنكر الأكبر وهو الشرك بالله وانتهاء بأقل المعاصي وأصغرها. (السابعة) (وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) أي: يبادرون إليها خوف فوات الوقت بالموت، ويعملونها غير متثاقلين في عملها. (الثامنة) (وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) والصالح هو الذي يعمل بطاعة الله. واعلم أنه تعالى لما امتدح هذه الفئة المؤمنة من أهل الكتاب وأثنى عليهم بهذه الصفات فكان ذلك كالترغيب لعامة المؤمنين في الاقتداء بهم والاتصاف بصفاتهم, وهذا من قبيل التربية بالقدوة الصالحة والتأسي بها.

(2) قوله تعالى: (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوه). ترغيب لهذه الفئة المؤمنة من أهل الكتاب في فعل الخير والمسارعة إليه من خلال تطمينهم بأنّ عملهم لن يذهب هباء, وأنّ الله يحصي لهم أعمالهم وسوف يثيبهم عليها يوم القيامة, وفيه ترغيب لعامة المسلمين على فعل الخير.

(3) قوله تعالى: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِين). يدل على أنّ الإيمان والتقوى شيء واحد, وأنّ هذه الصفات المذكورة أعلاه هي صفات المؤمنين وهي صفات المتقين, فكل مؤمن تقي وكل تقي مؤمن، وليس في الإسلام تفريق بين الإيمان والتقوى كما يزعم بعض الناس فيقولون: هذا مؤمن تقي وهذا مؤمن غير تقي. والمدلول التربوي الثاني لهذه الآية هو الترغيب في التقوى والإيمان وفي الصفات المذكورة أعلاه من خلال التذكير بعلم الله المطلق الذي لا يخفى عليه خافية, فهو عالم ومطلع على هذه الفئة وما اتصفت به, وهذا الترغيب هو لهذه الفئة المؤمنة من أهل الكتاب ولسائر المؤمنين إذا اقتدوا بها وتأسوا بصفاتها. أخي المسلم: هل حاولت أن تتصف بهذه الصفات؟ إذا لم تحاول فإنك لم تستفد من قراءة القرآن, لأنّ الله حين يذكر هذه الصفات فلا يذكرها للثقافة والاطلاع وإنما يذكرها للمسلمين كي يسيروا وفقها ويعملوا على منوالها ويحاولوا الاتصاف بها.

347

الآيات 116-117

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون﴾ (آل عمران: 116-117)

(1) قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون). قال الإمام الطبري: «هذا وعيد من الله عزّ وجل للأمة الأخرى الفاسقة من أهل الكتاب, الذين أخبر عنهم بأنهم فاسقون, وأنهم باؤوا بغضب منه, ولمن كان من نظائرهم من أهل الكفر بالله ورسوله وما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله». قلت: هذا الوعيد عام في الكافرين وإن كان نزوله خاصا في فئة من أهل الكتاب, وقد تضمن هذا الوعيد التربية بالعقوبة الأخروية على الكف, حيث شمل منع الانتفاع بالمال والولد يوم القيامة وشمل الخلود في عذاب الله وعقوبته.

(2) قوله تعالى: (لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُم). قال الإمام الطبري: «وإنما خصّ أولاده وأمواله لأنّ أولاد الرجل أقرب أنسبائه إليه, وهو أقدر على ماله منه على مال غيره, وأمره فيه أجوز من أمره في مال غيره, فإذا لم يغن عنه ولده لصلبه, وماله الذي هو نافذ الأمر فيه, فغير ذلك من أقربائه وسائر أنسبائه وأموالهم, أبعد من أن تغني عنه من الله شيئا». وقال الإمام الرازي: ((إنما خصّ تعالى الأموال والأولاد بالذكر, لأنّ أنفع الجمادات هو المال, وأنفع الحيوانات هو الولد, ثم بيّن تعالى أنّ الكافر لا ينتفع بهما البتة في الآخرة, وذلك يدل على عدم انتفاعه بسائر الأشياء بطريق الأولى, ونظيره قوله تعالى: (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم) (الشعراء: 88ــ89)).

(3) قوله تعالى: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون). نلمح في هذه الآية التربية بضرب المثل وهي أبلغ في النفوس وأشد تأثيرا من تقرير الحقيقة بشكل عادي من دون مثل أو تشبيه, ومعنى الآية: إنّ أعمال الكافرين الصالحة تذهب هباء منثورا يوم القيامة فلا ينتفعون بها, وقد شبّه أعمال الكافرين هنا بالزرع الذي تصيبه ريح شديدة البرد لها صرير فتتلفه.

(4) الآية (116و 117): دلت الآية الأولى على عدم انتفاع الكافر بماله وولده يوم القيامة, ودلت الآية الثانية على عدم انتفاع الكافر بعمله يوم القيامة, والعكس صحيح , فالمؤمن ينتفع بماله وولده وعمله يوم القيامة, وفي ذلك يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية» وهي كناية عن المال «أو علم ينتفع به» وهو كناية عن العمل «أو ولد صالح يدعو له» (مسلم) وهو كناية عن الولد.

348

الآيات 118-120

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيط﴾ (آل عمران: 118-120)

(1) قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُم). لما شرح في الآيات السابقة أحوال المؤمنين وأحوال الكافرين شرع في هذه الآيات تحذير المؤمنين من مخالطة الكافرين وموالاتهم, فنهاهم في هذه الآيات عن اتخاذ الكافرين وأهل الأهواء (مِنْ دُونِكُمْ) أولياء: أخلاء يستشيرونهم في الآراء ويسندون إليهم أمورهم ويطلعونهم على ما يخص المؤمنين من الأسرار والأحوال, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» (أبو داود)، وقد روى البخاري في صحيحه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه, وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه, والمعصوم من عصمة الله» (البخاري)، وهذا تحذير من بطانة السوء وإن كان التحذير للأنبياء والخلفاء فهو لعامة المسلمين من قبيل الأولى.

(2) قوله تعالى: (بِطَانَة). قال الإمام الطبري: «وإنما جعل البطانة مثلا لخليل الرجل, فشبّهه بما ولي بطنه من ثيابه, لحلوله منه ــ في إطلاعه على أسراره وما يطويه عن أباعده وكثير من أقاربه ــ محل ما ولي جسده من ثيابه», وقال الإمام الرازي: «وبطانة الرجل خاصته الذين يبطنون أمره وأصله من البطن خلاف الظهر, ومنه بطانة الثوب خلاف ظهارته, والحاصل أنّ الذي يخصه الإنسان بمزيد التقريب يسمى بطانة لأنه بمنزلة ما يلي بطنه من شدة القرب منه».

(3) واعلم أنه الله تعالى لما حذر المؤمنين من موالاة الكافرين واتخاذهم بطانة علل ذلك بمجموعة من الصفات التي يتصف بها الكافرون, كل واحدة من هذه الصفات كافية لتعليل هذا النهي، وهذه الصفات هي: (الأولى) (لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً) أي: يبذلون ما بوسعهم من جهد في إفسادكم. (والثانية) (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ) أي يحبون لكم المشقة والشر. (الثالثة) (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) أي: يحملون لكم البغض الشديد والذي يظهر من بغضهم لكم هو القليل. (الرابعة) (تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ) أي: يكرهونكم رغم محبتكم لهم وهذا كناية عن شدة الكره. (الخامسة) (وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ) أي: يؤمنون ببعض الرسالات ويكفرون ببعض الرسالات ومنها رسالتكم. (السادسة) (وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ) أي: يخادعونكم في الإيمان بإظهار الإيمان وإبطان خلافه. (السابعة) (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ) أي: يكرهون لكم أي خير, (وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا) أي: يحبون لكم أي شر. وموالاة الكافرين بعد كل هذه الصفات لا يدل إلا على جهل أو قلة إيمان أو عدم إيمان, فحاش للمسلم من ذلك.

(4) قوله تعالى: (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُون). قال الإمام الرازي: «ثم بيّن تعالى أنّ إظهار هذه الأسرار للمؤمنين من نعمه عليهم», فدل ذلك على الترغيب من الله للمؤمنين في شكره على نعمه بعدم موالاة الكافرين خاصة بعد هذا البيان, وخصّ أهل العقول بالبيان للترغيب في استعمال العقل في تأمل هذه الآيات وتدبر معانيها.

349

(5) قوله تعالى: (هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُم). قال قتادة: «فوالله إنّ المؤمن ليحب المنافق ويأوي له ويرحمه, ولو أنّ المنافق يقدر على ما يقدر عليه المؤمن لأباد خضراءه», وقال الطبري: «وفي هذه الآية إبانة من الله تعالى عن حال الفريقين، المؤمنين والكافرين، ورحمة أهل الإيمان ورأفتهم بأهل الخلاف لهم, وقساوة قلوب أهل الكفر وغلظتهم على أهل الإيمان», فدلّ هذا البيان على أنّ محبة المؤمنين للكافرين هي من قبيل الرحمة والرأفة والشفقة بحالهم ومحبة الصلاح لهم.

(6) قوله تعالى: (تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّه). قال الإمام الرازي: ((تقدير الكلام أنكم تؤمنون بكتبهم كلها وهم مع ذلك يبغضونكم, فما بالكم مع ذلك تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم! وفيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم, ونظيره قوله تعالى: (إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُون) (النساء: 104)).

(7) قوله تعالى: (قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُم). إنّ الله إذ يأمر المؤمنين بأن يقولوا ذلك للكافرين فمعناه: إنّ الكافرين لا يدركون ما يأملون, والمدلول التربوي لهذا الخطاب هو تيئيس الكافرين من المؤمنين, وهذا التيئيس قد يكون حافزا للكافرين على ترك ما هم عليه من الكفر وإيذاء المؤمنين وربما التحول إلى الصف الإيماني.

(8) قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ). فيه ترغيب للمؤمنين بطاعة الله في نهيهم عن موالاة الكافرين وذلك من خلال تذكيرهم بأنّ الله يعلم ما في صدور الكافرين نحوكم وأنتم لا تعلمون إلا ما ظهر من ذلك, وفيه ترهيب للكافرين من كفرهم وذلك من خلال البيان لهم بأنّ ما يخفونه عن المسلمين يعلمه الله فهم مكشوفون لله، والله سيطلع المؤمنين على دواخلهم فليس أمامهم إلا التوبة وتغيير ما في نفوسهم.

350

(9) قوله تعالى: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئا). فيه تربية للمسلمين على السلوك القويم الذي يحفظهم من كيد الكائدين وشر الكافرين وذلك باستعمال سلاح الصبر والتقوى, قال الإمام ابن كثير: «يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكيد الفجار باستعمال الصبر والتقوى والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم فلا حول ولا قوة لهم إلا به, وهو الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن, ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته, ومن توكل عليه كفاه». واستعمال سلاح الصبر والتقوى يتنافى مع الانهيار والتخاذل والتنازل عن العقيدة كلها أو بعضها اتقاءً لشرهم المتوقع أو الحاصل كما يحصل من بعض المسلمين, فهذا السلوك مخالف للتربية القرآنية القائمة على مواجهة شر الأعداء بسلاح الصبر والتقوى, قال الإمام الرازي: ((معنى الآية: أنّ كل من صبر على أداء أوامر الله تعالى واتقى كل ما نهى الله عنه كان في حفظ الله فلا يضره كيد الكافرين ولا حيل المحتالين, وتحقيق الكلام في ذلك هو أنه سبحانه إنما خلق الخلق للعبودية: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون) (الذاريات: 56)، فمن وفى بعهد العبودية في ذلك فالله تعالى أكرم من أن لا يفي بعهد الربوبية في حفظه عن الآفات والمخافات, وإليه الإشارة بقوله: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب) (الطلاق: 2ـ3). وقال بعض الحكماء: إذا أردت أن تكبت من يحسد فاجتهد في اكتساب الفضائل)).

(10) قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيط). فيه تطمين للمؤمن من شرور الأعداء وذلك من خلال تذكيره بعلم الله المطلق بما يُكنّه للأعداء وبما يعملونه, وفيه ترغيب للمؤمن على الثبات والصبر والتقوى من خلال تذكيره بعلم الله بما يعمله الأعداء, وقوله: (بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) ولم يقل: محيط بما يعملون, قدم الأهم بالنسبة للمؤمنين في هذا الأمر وهو أعمال الكافرين وشرورهم, لأنّ المراد من الآية ليس البيان بكونه تعالى عالما وإنما تطمين المؤمنين من شرور أعمال الكافرين.

351