الآية 110
قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُون﴾ (آل عمران: 110)
(1) قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه). قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((لو شاء الله لقال (أنتم) فكنا كلنا, ولكن قال (كنتم) في خاصة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صنع مثل صنيعهم)) (الطبري), وقال عمر في خطبة له: «يا أيها الناس, من سرّه أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها» (الطبري), وقال مجاهد: «كنتم خير الناس للناس على هذا الشرط: أن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر وتؤمنوا بالله» (الطبري). وفي هذا البيان تربية للمسلمين على أنّ الخيرية قائمة على أساس من هذا الشرط وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله, فهي خيرية اكتسابية يستطيع أي إنسان تحصيلها بالجهد والعمل, وهذا البيان يخالف اليهود في ادعائهم أنهم أبناء الله وأحباؤه, وأنهم لا يدخلون النار إلا أياما معدودة, وأنهم شعب الله المختار, فتلك ادعاءات تدل على خيرية ظالمة لأنها لا تقوم على أساس من العمل والاكتساب وإنما تقوم على أساس من العرق والنسب, ومع ذلك يقع الكثير من المسلمين في ادعاءات اليهود حينما يدّعون الخيرية من دون شرطها أو يدّعون دخول الجنة من دون عمل, وفي هذا البيان القرآني تحذير وتنبيه.
(2) قوله تعالى: (وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه). ولم يقل: وتأمرون الناس بالإيمان بالله, وذلك لأنّ الإيمان بالله هو المعروف الأكبر في حياة الناس والكفر بالله هو المنكر الأكبر في حياة الناس, فقال: (وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) لأنّ الإيمان بالله هو زاد الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر, وهو سندهم في قيامهم بهذا الأمر, وكل من مارس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يدرك أهمية هذا الزاد, فهو ظل ممدود يفيء إليه الداعية عند كل مشقة وعند كل صدمة وعند كل خيبة أمل, وما أكثر المشقات والصدمات وخيبات الأمل في طريق الدعاة إلى الله.