التفسير التربويالجزء 1 · ص 385 - 392

الآيات 162-163

الآيات 162-163

قوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُون﴾ (آل عمران: 162-163)

نلمح في هذه الآيات تلك الازدواجية العجيبة في تأثيرها التربوي بين الترغيب والترهيب والوعد والوعيد, فقوله: (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّه) ترغيب في طاعة الله واتباع ما يرضيه سواء في ترك الغلول أم في غير ذلك, وترغيب في رضوان الله سواء رضي الناس أم سخطوا، وقوله: (كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير) ترهيب من اتباع ما يسخط الله عز وجل سواء في الغلول أم في غير ذلك, ووعيد شديد لمن يفعل ذلك بالعقوبة الأخروية وهي دخول النار والإقامة في شر مقام. وقوله تعالى (هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّه) أي: إنّ الله لا يسوي بين أهل الطاعة وأهل المعصية, فهؤلاء في درجة وهؤلاء في درجة, وكذلك لا يسوي الله بين أهل الطاعة فهم في درجات حسب طاعتهم, ولا يسوي بين أهل المعصية فهم في دركات حسب معصيتهم, والحكمة من عدم المساواة هي التشجيع على الطاعة والتحذير من المعصية, ولو سوّى بينهم لكان في ذلك إغراء للناس بفعل المعصية وهذا على الله محال, و قوله تعالى: (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُون) ترغيب في الطاعة وتحذير من المعصية من خلال التذكير بعلم الله المطلق الذي لا يخفى عليه خافية, والتذكير بهذه الرقابة الإلهية على أعمال الناس فيه ترغيب على العمل الصالح وترهيب من العمل الطالح.

385

الآية 164

قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِين﴾ (آل عمران: 164)

نلمح في الآية مجموعة من المدلولات التربوية:

(1) تكررت هذه الآية بنفس المعنى وبألفاظ متقاربة في أربعة مواضع في القرآن الكريم وهي: قوله تعالى: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم) (البقرة: 129)، وقوله تعالى: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُون) (البقرة: 151)، وقوله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِين) (آل عمران: 164)، وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِين) (الجمعة: 2)، والمدلول التربوي لهذا التكرار هو تأكيد أهمية هذه الآية وأهمية ما تضمنته من النعم الإلهية ومن الدور التربوي لنبي الله صلى الله عليه وسلم, بحيث يرسخ هذا الدور في أذهان الدعاة ويكون لهم نبراسا في دعوتهم إلى الله وفي منهج هذه الدعوة القائم على التربية والتزكية وليس على مجرد البلاغ والكلام.

(2) قوله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِين). والمنان في صفة الله هو المعطي ابتداء من غير أن يطلب عوضا على إعطائه, وهذا يدل على العناية الإلهية بالناس حيث يعطي الله الناس من غير أن يطلب منهم عوضا, وهذا يثير في نفس الإنسان المحبة لله والتعظيم له والحرص على فعل ما يرضيه والحرص على ترك ما يسخطه.

(3) تذكير المؤمنين بالمنة الإلهية عليهم في النبوة والقرآن والإيمان، يحمل معنى الترغيب في مجاهدة أعداء الإيمان الذين يحاولون سلب المؤمنين هذه المنة الربانية.

(4) تذكير المؤمنين بالمنة الإلهية في النبوة والقرآن والإيمان بعد الكلام على الغنائم والغلول فيه إقلال من أهمية الغنائم وتصغير لشأن المنافع الدنيوية حيث تبدو هذه المنة هي الغنيمة الحقيقية, فمن كسبها كان الفائز ولو خسر غنائم الأرض, ومن خسرها فهو المغبون ولو ربح غنائم الدنيا.

(5) تذكير المؤمنين بهذه المنة الإلهية في النبوة والإيمان بعد الحديث على الآلام والقروح والخسائر فيه تصغير لشأن هذه الآلام والقروح والخسائر حيث يبدو الفوز بهذه المنة هو الفوز الحقيقي الذي تهون أمامه كل خسائر الدنيا وآلامها وقروحها.

(6) قوله تعالى: (مِنْ أَنْفُسِهِم). يدل على طبيعة العلاقة بين المؤمنين ورسولهم, فهي علاقة النفس بالنفس , وهكذا يجب أن تكون, وفي الحديث: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وماله والناس أجمعين» (البخاري).

(7) قوله تعالى: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة). يدل على أنّ منهج النبي صلى الله عليه وسلم في علاقته مع المؤمنين هو منهج التربية, حيث إنّ التربية تقوم على ركنين: العلم وإليه الإشارة بقوله (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِه) وقوله (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة), والعمل وإليه الإشارة بقوله (وَيُزَكِّيهِم), وقرن العمل بالعلم هو جوهر العملية التربوية.

386

(8) قوله تعالى: (وَيُزَكِّيهِم). التزكية معناها: التطهير, والتطهير يشمل النفس أولا, واللسان ثانيا, والجوارح ثالثا. والتزكية تعني التربية الصحيحة، لأنّ التربية الهدامة الفاسدة لا تدخل في معنى التزكية.

(9) التذكير بالنعمة يوجب الشكر للمنعم وإن كان الشكر هنا ليس عوضا عن النعمة, لأنه لا يمكن للشكر أن يعادل أي نعمة, والشكر يكون باللسان ويكون بالعمل, وشكر اللسان هو التحدث بالنعمة والثناء على المنعم, وشكر العمل هو فعل الطاعات وترك المنهيات, وكلما عظمت النعمة عظمت الطاعة الواجبة إزاءها, وكلما عظمت النعمة قبحت المعصية للمنعم, والسبيل إلى الحفاظ على النعمة وزيادتها يكون بشكر المنعم, وإلى ذلك أشار الله تعالى بقوله: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُم) (إبراهيم: 7)، وقيل في الأمثال: وبالشكر تدوم النعم.

387

الآية 165

قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ (آل عمران: 165)

(1) معنى هذه الآية: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَة) أي: في غزوة أحد بأن هُزمتم وقتل منكم سبعون, (قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا) أي: في غزوة بدر بأن انتصرتم وقتلتم سبعين وأسرتم سبعين من المشركين, (قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُم) يعني بذلك مخالفة الرماة في أحد لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(2) وفي هذه الآية تربية للمسلمين على سنة من سنن الله فيهم وهي أنهم ينصرون بالطاعة ويهزمون بالمعصية, وقد لا تنطبق هذه السنة على غيرهم ولكنها في حقهم قائمة حيث تكون الهزيمة عقوبة لهم على المعصية, فإذا هُزموا أو تأخر النصر عنهم فعليهم أن يبادروا إلى التفتيش في حياتهم عن المعاصي فيتركوها وعن الطاعات فيعملوا بها.

(3) وفي هذه الآية تربية للمسلمين على أنّ البلاء عام وإن كانت المعصية خاصة في فئة من المسلمين, وذلك أنّ المسلمين هُزموا في غزوة أحد وهذا بلاء عمّ الجميع مع أنّ المعصية قد صدرت من فئة منهم وهو الرماة الذين برحوا أماكنهم خلافا لأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(4) وفي هذه الآية تربية للمسلمين على أنّ انتصارهم على أعدائهم معلق بثلاثة شروط : (أحدها) استكمال حقيقة الإيمان في قلوبهم. (والثاني) استكمال الطاعات في أقوالهم وأفعالهم. (والثالث) استكمال عدة القتال من قوة وعدد وسلاح. وأي إخلال في هذه الشروط فستكون العاقبة للكافرين على المسلمين, وكل هذا يدخل في قوله تعالى (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ).

388

الآيات 166-167

قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُون﴾ (آل عمران: 166-167)

(1) قوله تعالى: (فَبِإِذْنِ اللَّه). معناه: إنّ هزيمة المسلمين في غزوة أحد كانت بقضاء الله وتقديره, وهذا يدل على العناية الإلهية بالمسلمين حتى في حال هزيمتهم, فهي عناية قائمة ودائمة في كل الأحوال, والله تعالى لا يتخلى عنهم وإن أذن في هزيمتهم بسبب من أخطائهم وتقصيرهم, ومن هنا تبدو الهزيمة مدرسة في التربية والإعداد والتمحيص, وهذا يفسر لنا هذا الكم الهائل من الآيات، حوالي ستين آية، في دراسة الهزيمة في غزوة أحد وفي التعقيب عليها واستنباط العبر منها.

(2) قوله تعالى: (وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا). يدل على إحدى الحكم الإلهية في هزيمة المسلمين يوم أحد وهي تمحيص الصف المؤمن وفرز العناصر المنافقة المندسة في هذا الصف, وإذا كان للهزيمة ثمن فإنّ فرز الغش في الصف الإسلامي لا يقدر بثمن, لأنّ أي قيادة في العالم تدفع أموالا هائلة كي تكشف العناصر المنافقة والمندسة في صفوف أتباعها, وهنا تأتي الهزيمة بعملية الفرز وإظهار الغش ونفي الخبث, وهذا ما لا يأتي به النصر.

(3) قوله تعالى: (وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا). يدل على أنّ القتال في سبيل الله قد يكون هجوميا الغاية منه نشر الدعوة إلى الله وتخليص الناس من ظلم الطواغيت واستعبادهم للناس, وقد يكون دفاعيا الغاية منه الدفاع عن النفس والمال والعرض, وهذا معنى قوله تعالى (أَوِ ادْفَعُوا) أي عن أنفسكم وأهلكم ومالكم وعرضكم ومن يلوذ بكم, ولكن بعض الذين يعانون من هزيمة داخلية في ثقافتهم وفي فكرهم ووجدانهم وقيمهم التي يحملونها حاولوا أن يصوروا القتال في التاريخ الإسلامي على أنه قتال دفاعي وليس قتالا هجوميا مع أنه لا يعيب الإسلام ولا المسلمين أن يكون قتالهم هجوميا لنشر تعاليم الإسلام ومبادئه وتحرير الناس من العبودية للطواغيت, فالقتال وسيلة من وسائل الدعوة وهو امتداد للدعوة بوسيلة أخرى.

389

الآية 168

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين﴾ (آل عمران: 168)

(1) في هذه الآية تربية للمسلمين على أنّ الحذر لا ينفع من القدر, وأنّ المقتول ميّت بأجله, وما أخبر الله به فهو كائن لا محالة, وذلك من خلال الرد على أقوال المنافقين الذين ربطوا القتل بالخروج إلى المعركة, وربطوا النجاة بالتخلف عن القتال في سبيل الله.

(2) وفيها تربية على أنّ (لو) في هذا المجال لا فائدة منها ولا نفع فيها, بل هي تفيد الحسرة وتولد الندامة وتفتح عمل الشيطان, كما ورد النهي عن استعمال (لو) في هذه المجالات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولا يقل أحدكم لو أني فعلت كذا كان كذا, ولكن ليقل قدّر الله وما شاء فعل, فإن لو تفتح عمل الشيطان» (مسلم).

(3) وفي هذه الآية تربية وتعليم لأسلوب الرد على المخالفين والخصوم وذلك بعدم إيراد أقوال الخصوم والرد عليها ولكن بذكر التصورات السليمة والقواعد الصحيحة أولا ثم الإشارة إلى بطلان أقوال المخالفين ثانيا, حيث إنّ قعود المنافقين عن القتال كان في بداية المعركة ومع ذلك ذكر بعد تقرير جملة من التصورات الصحيحة عن المعركة, وهذا يدل على أنّ هدم الباطل لا يعني إقامة الحق ولكن إقامة الحق تعني هدم الباطل, وهذه قاعدة جليلة في العمل الإسلامي ينبغي أن لا تغيب عن بال الدعاة إلى الله.

390

الآيات 169-171

قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِين﴾ (آل عمران: 169-171)

(1) أخرج أبو داود بإسناد صحيح أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر ترد أنهار الجنة تأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش, فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا: من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عند الحرب, فقال الله سبحانه: أنا أبلغهم عنكم، قال: فأنزل الله هذه الآيات» (أبو داود). والمدلول التربوي لهذه الآيات وهذا الحديث في سبب نزولها هو الترغيب في الجهاد والتحريض عليه وذلك من خلال تبيان ما يؤول إليه حال الشهداء, الذين يقتلون في سبيل الله, من الحياة البرزخية والرزق الإلهي والنعيم والفضل والثواب والأجر. وفيها تربية على مفهوم جديد للموت في سبيل الله, وذلك أنّ الذي يقتل في سبيل الله ليس بميت كما هو مفهوم الموت عند الناس بل هو ينتقل من حياة إلى حياة, وهذا المفهوم الجديد له أثره التربوي في الترغيب في الشهادة في سبيل الله, وفي هذه الآيات تربية على الإيثار وتقديم محبة الإخوان في الله على محبة النفس. قال الإمام الرازي: «الآية تدل على أنّ استبشارهم بسعادة إخوانهم أتم من استبشارهم بسعادة أنفسهم, لأنّ الاستبشار الأول في الذكر هو بأحوال الإخوان, وهذا تنبيه من الله تعالى على أنّ فرح الإنسان بصلاح أحوال إخوانه ومتعلقيه يجب أن يكون أتم أكمل من فرحه بصلاح أحوال نفسه».

(2) قوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِين). فيه ترغيب في الطاعات بشكل عام وفي القتال بشكل خاص حتى لو لم تحصل الشهادة, وذلك من خلال الوعد بعدم ضياع أجر الطاعة مهما كانت هذه الطاعة وسواء توجت بالشهادة أم لم تتوج.

391

الآيات 172-175

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين﴾ (آل عمران: 172-175)

(1) قال ابن كثير في التفسير: «هذا كان يوم حمراء الأسد, وذلك أنّ المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين كروا راجعين إلى بلادهم, فلما استمروا في سيرهم ندموا لم لا تمموا على أهل المدينة وجعلوها الفصيلة, فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم يرعبهم ويريهم أنّ بهم قوة وجلدا, ولم يأذن لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أحد سوى جابر بن عبد الله رضي الله عنه».

(2) قوله تعالى: (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيم). مضمون هذه الآية هو التربية بالقدوة وذلك من خلال الثناء على هذه الجماعة المسلمة التي استجابت لأوامر الله وأوامر رسوله في النفير للجهاد واللحاق بالمشركين رغم ما أصابها من الجراح, فكان هذا الثناء بمثابة الترغيب لعامة المسلمين في الاقتداء بهذه الجماعة والسير على خطاها في النفير والجهاد في العسر والمكره كما هو في اليسر والمنشط.

(3) قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل). مضمون هذه الآية أيضا هو التربية بالقدوة من خلال الثناء على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوة إيمانهم ورباطة جأشهم وعدم خوفهم من الناس, بل على العكس من ذلك ازداد إيمانهم وقوية عزيمتهم عندما علموا باجتماع المشركين وإعدادهم العدة لحرب المسلمين, وقد كان لهاتين الآيتين أثرهما التربوي في نفوس المسلمين عبر التاريخ الإسلامي.

(4) قوله تعالى: (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيم). ترغيب في طاعة الله وطاعة الرسول من خلال تعداد المنافع وتبيان ثمرات هذه الطاعة على الفئة التي استجابت وأطاعت, فكان من ثمرات هذه الطاعة الحصول على نعمة الله وعلى فضله تبارك وتعالى والسلامة من الأذى والوصول إلى رضوان الله.

(5) قوله تعالى: (فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين). يدل على أنّ عدم الخوف من الناس وعلى أنّ الخوف من الله هما مقتضى الإيمان ومن آثاره في شخصية المؤمن, وفيه تربية للمؤمنين على أنّ الخوف من الله والخوف من الناس لا يجتمعان في قلب المؤمن السليم الإيمان, لأنّ الإيمان بالله يولد الخوف من الله في قلب المؤمن وينفي من قلبه الخوف من الناس. قال الإمام الرازي: «هذه الواقعة تدل دلالة ظاهرة على أنّ الكل بقضاء الله وقدره, وذلك لأنّ المسلمين كانوا قد انهزموا من المشركين يوم أحد, والعادة جارية بأنه إذا انهزم أحد الخصمين عن الآخر فإنه يحصل في نفس الغالب قوة وشدة واستيلاء, وفي قلب المغلوب انكسار وضعف, ثم إنه سبحانه قلب القضية هنا, فأودع قلوب الغالبين وهم المشركون الخوف والرعب, وأودع قلوب المغلوبين القوة والحمية والصلابة, وذلك يدل على أنّ الدواعي والصوارف من الله تعالى, وأنها متى حدثت في القلوب وقعت الأفعال على وفقها».

392