الآية 164
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِين﴾ (آل عمران: 164)
نلمح في الآية مجموعة من المدلولات التربوية:
(1) تكررت هذه الآية بنفس المعنى وبألفاظ متقاربة في أربعة مواضع في القرآن الكريم وهي: قوله تعالى: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم) (البقرة: 129)، وقوله تعالى: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُون) (البقرة: 151)، وقوله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِين) (آل عمران: 164)، وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِين) (الجمعة: 2)، والمدلول التربوي لهذا التكرار هو تأكيد أهمية هذه الآية وأهمية ما تضمنته من النعم الإلهية ومن الدور التربوي لنبي الله صلى الله عليه وسلم, بحيث يرسخ هذا الدور في أذهان الدعاة ويكون لهم نبراسا في دعوتهم إلى الله وفي منهج هذه الدعوة القائم على التربية والتزكية وليس على مجرد البلاغ والكلام.
(2) قوله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِين). والمنان في صفة الله هو المعطي ابتداء من غير أن يطلب عوضا على إعطائه, وهذا يدل على العناية الإلهية بالناس حيث يعطي الله الناس من غير أن يطلب منهم عوضا, وهذا يثير في نفس الإنسان المحبة لله والتعظيم له والحرص على فعل ما يرضيه والحرص على ترك ما يسخطه.
(3) تذكير المؤمنين بالمنة الإلهية عليهم في النبوة والقرآن والإيمان، يحمل معنى الترغيب في مجاهدة أعداء الإيمان الذين يحاولون سلب المؤمنين هذه المنة الربانية.
(4) تذكير المؤمنين بالمنة الإلهية في النبوة والقرآن والإيمان بعد الكلام على الغنائم والغلول فيه إقلال من أهمية الغنائم وتصغير لشأن المنافع الدنيوية حيث تبدو هذه المنة هي الغنيمة الحقيقية, فمن كسبها كان الفائز ولو خسر غنائم الأرض, ومن خسرها فهو المغبون ولو ربح غنائم الدنيا.
(5) تذكير المؤمنين بهذه المنة الإلهية في النبوة والإيمان بعد الحديث على الآلام والقروح والخسائر فيه تصغير لشأن هذه الآلام والقروح والخسائر حيث يبدو الفوز بهذه المنة هو الفوز الحقيقي الذي تهون أمامه كل خسائر الدنيا وآلامها وقروحها.
(6) قوله تعالى: (مِنْ أَنْفُسِهِم). يدل على طبيعة العلاقة بين المؤمنين ورسولهم, فهي علاقة النفس بالنفس , وهكذا يجب أن تكون, وفي الحديث: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وماله والناس أجمعين» (البخاري).
(7) قوله تعالى: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة). يدل على أنّ منهج النبي صلى الله عليه وسلم في علاقته مع المؤمنين هو منهج التربية, حيث إنّ التربية تقوم على ركنين: العلم وإليه الإشارة بقوله (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِه) وقوله (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة), والعمل وإليه الإشارة بقوله (وَيُزَكِّيهِم), وقرن العمل بالعلم هو جوهر العملية التربوية.