التفسير التربويالجزء 1 · ص 377 - 384

الآية 154

الآية 154

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾ (آل عمران: 154)

(1) قوله تعالى: (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُم). قال صاحب الظلال في المدلول التربوي لذلك: «وهي ظاهرة عجيبة تشي برحمة الله التي تحف بعباده المؤمنين, فالنعاس حين يلم بالمجهدين المرهقين المفزعين, ولو لحظة واحدة, يفعل في كيانهم فعل السحر, ويردهم خلقا جديدا, ويسكب في قلوبهم الطمأنينة, كما يسكب في كيانهم الراحة, بطريقة مجهولة الكنه والكيف! أقول هذا وقد جربته في لحظة كرب وشدة, فأحسست فيه رحمة الله الندية العميقة بصورة تعجز عن وصفها العبارة البشرية القاصرة».

(2) قوله تعالى: (يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَك). فيه تنبيه من الله لرسوله وتحذير من مكر المنافقين وكيدهم وما يخفونه فلا يظهرونه, والتربية بكشف ما يخفيه أعداء المسلمين أسلوب معهود في القرآن سواء تكلم القرآن عن المنافقين أم المشركين أم اليهود أم النصارى, فحقيقة هؤلاء الناس يجب أن تؤخذ من القرآن وتحديدا من مثل هذه الآيات التي تظهر ما يحاول إخفاؤه أعداء الإسلام.

(3) قوله تعالى: (يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِم). هناك حقيقة يجب أن تستقر في وجدان كل مسلم وفي قلب كل مؤمن وهو حقيقة الأجل والموت, فهذا أمر مكتوب ومقدّر ولا ينفع فيه التشاطر والتذاكي والحيلة, فلو أنّ إنسانا كتب الله له أن يعيش ستين سنة فإنه لن يموت قبل الستين وإن خاض ألف معركة, ولو أنّ إنسانا كتب الله له أن يعيش عشرين سنة فإنه سيموت في العشرين ولو لم يخض أي معركة, فإذا كانت الأعمار مقدّرة عند الله بقدر, ومؤقتة عنده بوقت, فالحذر وإن كان مطلوبا لا يُنجي من القدر, والتدبير لا يقاوم التقدير, فلماذا الخوف من الأعداء؟ ولماذا يترك المسلمون جهاد أعداء الدين وقتالهم؟ ولماذا يتخاذل المسلم أمام أعدائه طلبا للخلاص من الموت كما يظن؟ حقيقة الأجل والقدر يجب أن لا تغيب عن بال أي مسلم, لأنها إن غابت ولو قليلا تخاذل المسلم وخاف من الناس بدلا من الخوف من الله, وطلب الحياة عند من لا يملك الحياة، وهذه الحقيقة, حقيقة الأجل, سبق أن قررها القرآن في مواضع كثيرة وهاهو يقررها الآن وسيقررها في أماكن متعددة, ومع ذلك تغيب عن وجدان المسلم ويغفل عنها قلبه.

(4) قوله تعالى: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور). قال الطبري في مدلولها التربوي: «والله ذو علم بالذي في صدور خلقه من خير وشر, وإيمان وكفر, لا يخفى عليه شيء من أمورهم, سرائرها وعلانيتها, وهو لجميع ذلك حافظ, حتى يجازي جميعهم جزائهم على قدر استحقاقهم».

377

الآية 155

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيم﴾ (آل عمران: 155)

(1) قوله تعالى: (إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَان). المدلول التربوي لهذه الآية هو أنّ المعاصي تنسب إلى الشيطان وإن كان الخير والشر من الله وبقضائه وقدره, وهذا من التأدب مع الله, ومثل هذه الآية كثير في القرآن كقوله تعالى نقلا عن موسى: (فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَان) (القصص: 15)، وقوله تعالى نقلا عن يوسف: (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتي) (يوسف: 100)، وقوله تعالى نقلا عن صاحب موسى: (وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَه) (الكهف: 63).

(2) قوله تعالى: (إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا). فيه تربية على أنّ المعصية تؤدي إلى المعصية, والسيئة تورث السيئة, والعكس صحيح فالطاعة تؤدي إلى الطاعة, والحسنة تورث الحسنة, وهذا تحذير من الذنوب إن كان المراد من قوله: (بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) أي: من الذنوب, وهذا تحذير من الكسب الحرام إن كان المراد من قوله: (بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) أي: من الأموال والمآكل, ومثل هذه الآية قوله تعالى: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون) (المطففين: 14). واعلم أنّ المسلمين يُنصرون على عدوهم بطاعة الله ورسوله, ويهزمون أمام عدوهم, وإن كانوا أكثر عددا وعدة, بمعصية الله أو معصية رسوله, وهزيمة أحد بسبب معصية الرماة لرسول الله صلى الله عليه وسلم درس في ذلك.

(3) قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُم). إذا عفا الله عن المذنب فيجب على المسلمين أن يعفوا عنه, ومثال ذلك: هذا العفو من الله عن المسلمين الذين فروا من قتال المشركين في غزوة أحد, ومع ذلك نجد بعض المسلمين قد عادوا للكلام في هذه المسألة في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه, وراحوا يعيّرونه بأنه كان من الذين فروا في أحد, وبعض المنتسبين إلى الإسلام لا زالوا يتكلمون بذلك عبر التاريخ وإلى الآن, والأولى بالمسلم أن يتأدب بأدب الله المذكور في كتابه, فمن عفا الله عنه وجب علينا العفو عنه. وهناك حالة شبيهة بهذه الحالة كالذي يحصل عندما يُعيّر إنسان بذنب ارتكبه رغم أنه تاب منه, وبعضهم يعيّر الناس بذنوب ارتكبوها في الجاهلية, وآخرون يعيّرون الناس بذنوب لم يرتكبوها وإنما ارتكبها آباؤهم وأمهاتهم أو أجدادهم أو جداتهم, فهذه الآية تحذير من مثل هذه الحالات, ومن تأدب بأدب الله كف عن هذا التعيير.

(4) قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيم). والغفور هو الذي يستر ذنوب التائبين, والحليم هو الذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه ومن خالفه, وإذا كانت هذه الصفات هي صفات الله فمن واجب المسلم أن يحاول التخلق بها والتأدب بأدبها, فيستر على التائبين معصيتهم, ويصبر على من خالف الله وعصاه عسى الله أن يهديه الله.

378

الآية 156

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ (آل عمران: 156)

(1) في هذه الآية تحذير للمؤمنين من مشابهة الكافرين في اعتقادهم الفاسد من أنّ الموت مربوط بأسباب كالسفر والقتال وأنّ الإنسان لو ترك فعل ذلك الشيء لما مات أو قتل, وفيها بيان أنّ ثمرة هذا المعتقد هو الحسرة في القلب والندامة في الوجدان, وذلك أنّ أقارب الميت أو المقتول يعتقدون أنهم لو منعوا قريبهم من السفر أو الغزو لبقي حيا, وأنه مات لأنهم لم يبذلوا جهدهم في منعه, فيعتقد قريب ذلك الميت أو المقتول أنه السبب في قتله أو موته, وهذا يولد الحسرة والندامة في قلبه. وفيها بيان بأنّ الله هو المحيي والمميت, فمن قدر الله له البقاء فلن يقتل ولن يموت لا في سفر ولا في غزو, ومن قدر الله له الموت فلا بد أن يموت وإن ترك السفر والغزو, وثمرة هذا الاعتقاد الصحيح في الموت والحياة هو الطمأنينة في القلب والراحة في الضمير والاستقرار في الوجدان, فعلى هذا تضمنت الآية التربية على الاعتقاد السليم وبيان ثمرته النفسية والوجدانية, والتحذير من الاعتقاد الفاسد وبيان ثمرته النفسية والوجدانية. وفي هذه الآية ترغيب للمؤمنين في الجهاد والإقدام على قتال أعداء الدين والصبر على قتالهم, وإن قلّ عدد المؤمنين وكثر عدد أعدائهم, وذلك من خلال البيان بأنّ الله هو المحيي والمميت وأنّ ذلك بيده, وأنّ أحدا لن يموت ولن يقتل إلا بعد فناء أجله الذي كتبه الله له, فلا معنى للجزع من الموت والخوف من جهاد أعداء الدين إذا كان المقتول ميت بأجله.

(2) قوله تعالى: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير). ترغيب في طريقة المؤمنين ومعتقدهم وترهيب من طريقة الكافرين ومعتقدهم في الموت والحياة, وترغيب في الطاعات وخاصة التي يخشى المؤمن خلالها الموت كالجهاد في سبيل الله, وترهيب من المعاصي وخاصة المعاصي التي لا يخشى المؤمن خلالها الموت كترك الجهاد في سبيل الله وقتال أعداء الدين.

379

الآية 158

قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُون﴾ (آل عمران: 158)

(1) قوله تعالى: (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُون). ترغيب في الجهاد في سبيل الله من خلال الوعد بمغفرة الله ورحمته, وتبيان أنّ هذه الدرجة من المغفرة والرحمة الإلهية خير مما يجمعه الإنسان في حياته من المال والجاه والسلطان والأولاد, لأنّ كل ذلك من متاع الدنيا وهو زائل لا محالة, ورحمة الله ومغفرته هي الباقية التي لا تزول, وذلك أنّ المسلم إن ترك الجهاد في سبيل الله فإنما يتركه من أجل متاع الدنيا وزهرتها, والعاقل من يترك الزائل من أجل الباقي والخاسر من ترك الباقي من أجل الزائل.

(2) قوله تعالى: (وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُون). ترغيب في الجهاد في سبيل الله من خلال التذكير بحشر الناس إلى الله يوم القيامة, حيث يجازي الله الناس على أعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر, ومن تذكر هذه الحقيقة, حقيقة الحشر إلى الله ومنه إلى ثوابه أو إلى عقابه كان ذلك أرغب له في الطاعات وعلى رأسها الجهاد في سبيل الله, وأرهب له عن المعاصي وعلى رأسها ترك الجهاد في سبيل الله والركون إلى الدنيا ومتاعها الزائل.

(3) يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لهاتين الآيتين: ((واعلم أنه سبحانه وتعالى رغب المجاهدين في الآية الأولى بالحشر إلى مغفرة الله, وفي الآية الثانية زاد في إعلاء الدرجات فرغبهم هنا بالحشر إلى الله. يروى أنّ عيسى بن مريم عليه السلام مر بأقوام نحفت أبدانهم واصفرت وجوههم, ورأى عليهم آثار العبادة, فقال: ماذا تطلبون؟ فقالوا: نخشى عذاب الله, فقال: هو أكرم من أن لا يخلصكم من عذابه. ثم مر بأقوام آخرين فرأى عليهم تلك الآثار, فسألهم, فقالوا: نطلب الجنة والرحمة, فقال: هو أكرم من أن يمنعكم رحمته. ثم مر بقوم ثالث ورأى آثار العبودية عليهم أكثر, فسألهم, فقالوا: نعبده لأنه إلهنا ونحن عبيده, لا لرغبة ولا لرهبة, فقال: أنتم العبيد المخلصون, والمتعبدون المحقون. فانظر في ترتيب هذه الآيات, فإنه قال في الآية الأولى: (لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّه) وهو إشارة إلى من يعبده خوفا من عقابه, ثم قال: (وَرَحْمَة) وهو إشارة إلى من يعبده لطلب ثوابه, ثم قال في خاتمة الآية: (لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُون) وهو إشارة إلى من يعبد الله لمجرد الربوبية والعبودية, وهذا أعلى المقامات وأبعد النهايات في العبودية وفي علو الدرجة, ألا ترى أنه لما شرف الملائكة قال: (وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِه) (الأنبياء: 19)، وقال للمقربين من أهل الثواب: (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِر) (القمر: 55)، فبيّن أنّ هؤلاء الذين بذلوا أنفسهم وأبدانهم في طاعته ومجاهدة عدوه يكون حشرهم إليه, واستئناسهم بكرمه, وتمتعهم بنور ربوبيته, وهذا مقام فيه إطناب, والمستبصر يرشده القدر الذي أوردناه)).

380

الآية 159

قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين﴾ (آل عمران: 159)

(1) نلمح في هذه الآية أسلوب التربية بالقدوة, فالله تعالى وصف رسوله صلى الله عليه وسلم بصفات وأمره بصفات على سبيل المديح له والثناء عليه, والمدلول التربوي لذلك هو أن يتخلق المسلم بهذه الصفات وهذا ما يسمى أسلوب التربية بالقدوة, والاقتداء بمحمد صلى الله عليه وسلم له شكلان: (الأول) أن يحاول المسلم تقليده في أقواله وأفعاله وفي صفاته, وهذا الشكل هو المعروف. (والثاني) أن يحاول المسلم التصرف أمام كل مشكلة تواجهه كما يتصرف محمد صلى الله عليه وسلم لو كان موجودا بدل ذلك المسلم أمام نفس المشكلة, وهذا الشكل ما أحوجنا إليه لأنّ فيه اقترابا أكبر من التربية الإسلامية على أساس الاقتداء بمحمد صلى الله عليه وسلم.

(2) قوله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك). هذه هي الصفة الأولى التي وصف الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم, وهي صفة اللين مع المؤمنين, وإعلاءً في شأن هذه الصفة صرّح القرآن بأنّ مصدرها هو الله تعالى فقال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ), ووصف رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيم) (التوبة: 128), قال قتادة: «أي والله, طهّره الله من الفظاظة والغلظة, وجعله قريبا رحيما, بالمؤمنين رؤوفا, وذكر لنا أنّ صفة محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة: ليس بفظ ولا غليظ ولا صخوب في الأسواق, ولا يجزي بالسيئة مثلها, ولكن يعفو ويصفح» (الطبري), وإنما وصف الله رسوله باللين واتصف رسوله بذلك لأنّ مقصود البعثة هو التبليغ للناس والتكليف للمؤمنين, وهذا المقصود لا يتم إلا إذا اتصف صاحب الرسالة باللين والرحمة والرأفة من غير قساوة في القول ولا قساوة في القلب, ولما كان كل مسلم صاحب رسالة فعليه أن يتصف بهذه الصفة وأن يتخلق بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم المستمدة من أخلاق الله تعالى. واعلم أنّ اللين هو صفة وسط بين الصلابة والرخاوة, ولذلك قيل في الأمثال: لا تكن صلبا فتكسر ولا تكن رخوا فتعصر. والله تعالى وصف رسوله باللين مع المؤمنين في هذه الآية وغيرها, ووصفه بالغلظة مع الكافرين والمنافقين فقال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِم) (التوبة: 73), فلكل مقام مقال, والنفوس تتفاوت فمنها ما لا يصلحه إلا اللين كنفوس المؤمنين, ومنها ما لا يصلحه إلا الغلظة كنفوس الكافرين والمنافقين.

(3) قوله تعالى: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُم). وهاتان الصفتان هما من تمام الصفة الأولى, فقوله تعالى (فَاعْفُ عَنْهُمْ) أي: تجاوز عن إساءتهم إليك, وقوله تعالى (وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ) أي: اطلب من الله أن يغفر لهم ذنوبهم, والمسلم إذا اتصف بهذه الصفات تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذلك وسيلة لمحبة الناس له, فالنفوس جُبلت على حب من أحسن إليها, والعفو عن إساءة المسيء إحسان له, وطلب المغفرة من الله لصاحب الذنب هو من الإحسان إليه.

381

(4) قوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر). أمر الله رسوله بمشاورة المؤمنين مع كونه معصوما فدل هذا على ضرورة الشورى لكل مسلم وخاصة من كان في موضع الولاية على المسلمين, ووصف الله المؤمنين بقوله: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم) (الشورى: 38)، فمدحهم في ذلك ترغيبا لهم في الشورى. وللشورى فوائد ومدلولات تربوية: (أولها) فيها إكرام لمن يُستشار وإعلاء لشأنه ورفع لدرجته, وهذا يعود بالمحبة والإخلاص لصاحب الاستشارة. (والثاني) فيها تحميل مسؤولية لمن يُستشار وترغيب له في الطاعة والعمل، لأنّ الرأي الذي سيعمل به الناس قد يكون رأيه. (والثالث) الوصول إلى الرأي الأصوب والأكثر صحة, لأنّ عمل مجموعة عقول في قضية يؤدي إلى نتيجة أصح من عمل عقل بمفرده. (والرابع) أمر الله رسوله بالشورى ليقتدي به غيره فيصير ذلك سنة في أمة محمد صلى الله عليه وسلم. (والخامس) فيها سبر لعقول المؤمنين وأفهامهم فيظهر من خلالها مقادير عقولهم وأفهامهم. (والسادس) فيها سبر لمدى الحب والولاء والطاعة، ويظهر ذلك من خلال الشورى, وكل قائد محتاج إلى معرفة مقدار محبة الناس له وطاعتهم لأمره وولائهم له. (والسابع) الشورى ركن أساسي من أركان النظام السياسي في الإسلام, فهو نظام قائم على الشورى, ولذلك قال الفقهاء بوجوب الشورى واختلفوا في إلزامها, وأقول: الشورى عامة في كل المجالات الحياة وليس في الأمور السياسية والعسكرية فقط, فما أحوج المسلم إلى الشورى في بيته وفي عمله ومع زوجته وأولاده ومع صديقه وأخيه وفي كل شأن من شؤون حياته.

(5) قوله تعالى: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه). هذه تربية من الله لرسوله ولكل صاحب شورى على الحزم والعزم في إمضاء الأمور وتنفيذها بعد المشاورة واختيار الرأي الأصوب, فالتردد بعد الشورى أساس الفشل, ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، بعد أن شاورهم في أحد على الإقامة في المدينة أو الخروج للقاء المشركين خارج المدينة واختار أغلبهم الخروج فدخل ولبس عدة الحرب وخرج, فقالوا له: يا رسول الله, أقم إن شئت فإنا لا نريد أن نكرهك, فقال لهم مقولته المشهورة: «ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يفصل الله بينه وبين قومه» (البخاري). وفي قوله تعالى: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه) تربية من الله لهذه الأمة على أنّ الأخذ بالأسباب من التوكل, وأنّ ترك الأخذ بالأسباب ليس من التوكل, ولو كان الأخذ بالأسباب منافيا للتوكل لما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالشورى.

(6) قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين). المدلول التربوي لهذا القول هو أنه يجب على كل مسلم أن يحرص على الصفة التي يحبها الله في المسلمين, وفيه ترغيب للمسلمين بتفويض الأمور إلى الله وإظهار العجز والحاجة لله, لأنّ التوكل مأخوذ من التكلان وهو الاعتماد على الله مع إظهار العجز.

382

الآية 160

قوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون﴾ (آل عمران: 160)

لنا مع هذه الآية المدلولات التربوية التالية:

(1) المدلول التربوي الأول هو الترغيب في الطاعة والتحذير من المعصية, وذلك أنّ النصر والخذلان بيد الله, والله ينصر من أطاعه حيث قال: (بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِين) (آل عمران: 125)، والله يخذل من عصاه حيث قال: (حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُم) (آل عمران: 152).

(2) المدلول التربوي الثاني لهذه الآية هو تأكيد التوكل على الله والترغيب فيه والحث عليه, لأنّ من علم أنه لا ناصر إلا الله, ومن نصره الله فلا غالب له, ومن خذله الله فلا ناصر له, فوّض أموره إليه وتوكل عليه ولم يشتغل بغيره.

(3) المدلول التربوي الثالث لهذه الآية هو أنّ التوكل على الله لا ينفي الأخذ الأسباب, فالأخذ بالأسباب واجب, ولكن النتائج ليست مترتبة على الأسباب, والأسباب لا تنشئ النتائج, والله يرتب النتائج على الأسباب بمشيئته وقدره, وهذا التصور من أهم خصائص العقيدة الإسلامية, وهذه الآية دليل على هذا التصور ففي قضية النصر والخذلان يرد الله المسلمين إلى مشيئته وقدره, ويعلقهم بإرادته وقدره: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ) ومع ذلك يأمرهم بالأخذ بالأسباب وتفويض الأمور إليه (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).

383

الآية 161

قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُون﴾ (آل عمران: 161)

قال السُدّي: «ما كان ينبغي له أن يخون, فكما لا ينبغي له أن يخون فلا تخونوا» (الطبري). الأصل في كلمة الغلول هو الخيانة, وخصّ الغلول في الشرع بالسرقة من الغنائم قبل قسمتها, وفي هذه الآية تربية للمسلين على الأمانة وعدم الخيانة في الغنيمة, وذلك بالترهيب من الغلول والوعيد على فعله بالعقوبة يوم القيامة وهي عقوبة شديدة, حيث يأتي الغال بما غل يوم القيامة فيكون له ذلك فضيحة على رؤوس الأشهاد, هذا ناهيك عن عقوبة الدنيا وهي التعزيز والتشهير به أمام الناس. وقد كان لهذه الآية والأحاديث في معناها أثر كبير في سلوك المسلمين وجهادهم عبر التاريخ, حتى ذكر لنا المؤرخون صفحات مشرقة من تاريخ الأمة المسلمة في الأمانة في مجال الغنائم.

384