التفسير التربويالجزء 1 · ص 401 - 409

الآية 186

الآية 186

قوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُور﴾ (آل عمران: 186)

لنا مع هذه الآية الوقفات التربوية التالية:

(1) الغرض من هذا الإعلان هو أن يوطن المسلم نفسه على البلاء في المال والنفس وعلى سماع الكلام المؤذي له من أعداء الإسلام, لأنّ المسلم متى علم مسبقا بوقوع البلاء كان وقوع البلاء أقل مشقة وأهون على النفس, بخلاف ما لو نزل البلاء من دون علم مسبق بنزوله, فإنّ وقعه يكون أشد على النفس وأكثر مشقة.

(2) ولهذا الإعلام المسبق بوقوع البلاء معنى إعجازي في حال حصوله, لأنه عندما يحصل يقع في نفس المؤمن ازدياد اليقين بأنّ قائل هذا الكلام هو الله علام الغيوب, والصلة مع الله تجعل المؤمن أرغب في طاعة الله وأرهب من معصية الله.

(3) وفي هذه الآية تربية للمسلم فيما يجب أن يكون عليه في مواجهة البلاء وذلك بالصبر والتقوى, والصبر حبس النفس عمّا تكره, ويتضمن: حبس النفس على طاعة الله، وحبس النفس عن معصية الله، وحبس النفس على البلايا والمصائب, وأما التقوى فتعني الخوف والخشية من الله مع ما يولده هذا الخوف من العمل بأمر الله وترك ما نهى الله عنه.

(4) وللصبر على البلاء مع التقوى أثر نفسي في قلوب خصوم الدعوة, فهو السر الذي يجعل هؤلاء الخصوم يفكرون في الإسلام تفكيرا جديا ويقولون في أنفسهم: لو لم يكن في هذا الدين الخير الكثير لم يصبر أصحابه هذا الصبر الكبير, وفي مرحلة لاحقة قد ينقلب الخصوم إلى الإيمان بهذا الدين والدخول فيه أفواجا بعد أن كانوا أشد المعارضين له, فالصبر هو السر في نجاح الدعوات رغم كل العداوات, وفي التاريخ نماذج من ذلك سواء في انتشار الإسلام في الجزيرة العربية في بداياته, أم في انتشار المسيحية في أوربا في بداياتها. يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لقوله تعالى (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا): «الصبر عبارة عن احتمال المكروه, والتقوى عبارة عن الاحتراز عما لا ينبغي, فقدّم ذكر الصبر ثم ذكر عقبه التقوى, لأنّ الإنسان يقدم على الصبر لأجل أنه يريد الاتقاء عما لا ينبغي. وفيه وجه آخر: إنّ المراد من الصبر هو أنّ مقابلة الإساءة بالإساءة تفضي إلى ازدياد الإساءة, فأمر بالصبر تقليلا لمضار الدنيا, وأمر بالتقوى تقليلا لمضار الآخرة, فكانت الآية على هذا التأويل جامعة لآداب الدنيا والآخرة».

401

الآية 187

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُون﴾ (آل عمران: 187)

(1) في هذه الآية توبيخ لأهل الكتاب وخاصة العلماء منهم على كتمان العلم خاصة العلم المتعلق بصفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته, وفيها تهديد لهم وترهيب من عقاب الله تعالى لهم على هذا الكتمان إذا استمروا عليه, وفيها ذم لمسلكهم في الكتمان لأنه كان مقابل ثمن فليل زائل وفان ولا قيمة له أمام الثواب الذي ينتظرهم لو أدوا الأمانة وبلغوا الميثاق, وفيها تعجيب من حالهم وخاصة اليهود منهم, فبدلا من أن يبشروا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ويؤمنوا به راحوا يعادونه ويعارضونه ويكيلون له الأذى والسب والحرب والبلاء. وفي هذه الآية تحذير لعلماء المسلمين من أن يسلكوا مسلك أهل الكتاب في كتمان العلم, فمضمون هذه الآية عام وإن كان لفظها خاصا, ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة» (الترمذي), فالمسلمون أهل كتاب, وكتابهم القرآن, وهو أشرف الكتب. «يحكى أنّ الحجاج بن يوسف الثقفي أرسل إلى الحسن البصري وقال له: ما الذي بلغني عنك؟ فقال الحسن: ما كل الذي بلغك عني قلته, ولا كل ما قلته بلغك, قال الحجاج: أنت الذي قلت: إنّ النفاق كان مقموعا فأصبح قد تعمم وتقلد سيفا؟ فقال الحسن: نعم, فقال الحجاج: وما الذي حملك على هذا ونحن نكرهه؟ قال الحسن: لأنّ الله أخذ ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه» (الرازي), وقال قتادة: «مثل علم لا يقال به كمثل كنز لا يُنفق منه, ومثل حكمة لا تخرج كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب» (الطبري), وكان قتادة يقول: «طوبى لعالم ناطق, ولمستمع واع, هذا علم علما فبذله, وهذا سمع خيرا فوعاه» (الطبري).

(2) قوله تعالى: (وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلا). سئل الحسن البصري عن قوله تعالى (ثَمَناً قَلِيلاً) فقال: «الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها» (ابن كثير), فالذي يكتم العلم خاسر عند الله مهما كان الثمن الذي يتقاضاه في الدنيا وحتى لو كان الدنيا بحذافيرها, والعاقل من يقدم الدائم على الفاني والقائم على الزائل, ولكن كثيرا من الناس يبيعون آخرتهم بدنياهم, وهؤلاء في مصيبة عظيمة وفي خسارة جسيمة, ومع ذلك فخسارتهم تهون أمام من يبيع آخرته بدنيا غيره, حيث يخسر الدنيا والآخرة, نعوذ بالله من خسارة الآخرة.

402

الآيات 188-189

قوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ (آل عمران: 188-189)

(1) قوله تعالى: (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم). قال ابن عباس: «إنما أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب, سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه, وأخبروه بغيره, فخرجوا وأروه أنهم قد أخبروه بما سألهم عنه, واستحمدوا بذلك إليه, وفرحوا بما آتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه» (الطبري). وقال أبو سعيد الخدري: «إنّ رجالا من المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغزو وتخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه وحلفوا, وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت الآية» (الطبري). وأيا كان سبب النزول فإنّ هذه الآية تصور نموذجا من الناس اتصف بصفتين هما: الفرح بما أتى من المعصية, والمحبة على أن يحمد بما لم يفعل من الطاعة, وفي هذه الآية تربية للمسلمين على عدم الاتصاف بأيّ من هاتين الصفتين من خلال ذكر العقوبة الأخروية التي أعدها الله لمن اتصف بهذه الصفات.

(2) قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير). في هذه الآية رد على من قال: (إنّ الله فقير ونحن أغنياء) وهم اليهود, وفيها تكذيب لقولهم من خلال التذكير بملكية الله للسماوات والأرض, فهو غني عن طاعة من أطاع وعن معصية من عصى. وقيل: هي تأكيد للوعيد الوارد في الآية السابقة في حق من يفرح بما أتى من المعصية ويحب أن يحمد بما لم يأت من الطاعة, وتأكيد الوعيد هنا من خلال التذكير بملكية الله المطلقة وبقدرة الله المطلقة, فمن اتصف بكمال الملك وبكمال القدرة لا يعجزه شيء ولا يحتاج إلى شيء.

403

الآيات 190-194

قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَاد﴾ (آل عمران: 190-194)

لنا مع هذه الآية الوقفات التربوية التالية:

(1) تدخل هذه الآيات إطار التربية العقلية والتربية الفكرية في القرآن, وذلك أنّ الإسلام أراد أن يكون إيمان المؤمن مسبوقا بالتفكير وقائما عليه, وليس إيمانا قائما على التقليد الأعمى, وإعمال العقل والفكر وتشغيلهما يهدف إلى إعداد العقل للقيام بدوره في الحياة الإنسانية, ومن هنا نلمح التركيز على العقل في هذه الآيات وغيرها باعتبار أنّ الإنسان كائن عاقل وربما لا يميزه عن الحيوان إلا العقل. ونذكر هنا بأهداف التربية السبعة في الإسلام وهي: التربية العقيدية، والتربية العقلية، والتربية النفسية، والتربية الاجتماعية، والتربية الجنسية، والتربية الجسمية، والتربية الخُلقية.

(2) يقول الإمام الرازي في وجه نظم هذه الآيات مع سابقاتها في آل عمران: «اعلم أنّ المقصود من هذا الكتاب الكريم هو جذب القلوب والأرواح عن الاشتغال بالخلق إلى الاستغراق في معرفة الحق, فلما طال الكلام في تقرير الأحكام والجواب عن شبهات المبطلين عاد إلى إنارة القلوب بذكر ما يدل على التوحيد والإلهية والكبرياء والجلال فذكر هذه الآيات».

404

(3) في نزول هذه الآيات وفضلها والترغيب في قراءتها والتفكر فيها مجموعة من الأحاديث نذكرها لما لها من آثار تربوية في بناء الشخصية المسلمة. فقد أخرج ابن حبان وغيره عن عطاء قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فبكت وأطالت ثم قالت: ((كل أمره كان عجب, أتاني في ليلتي فدخل في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي, ثم قال لي: يا عائشة, هل تأذني لي الليلة في عبادة ربي؟ فقلت: يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب مرادك, قد أذنت لك, فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء, ثم قام يصلي, فقرأ من القرآن ثم جعل يبكي, ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض, فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي, فقال له: يا رسول الله, أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: يا بلال, أفلا أكون عبدا شكورا؟ ثم قال: ما لي لا أبكي وقد أنزل الله في هذه الليلة (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) إلى قوله (إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَاد), ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها)) (ابن حبان). وأخرج الطبراني وغيره عن ابن عباس قال: ((أتت قريش اليهود فقالوا: ما جاءكم موسى من الآيات؟ قالوا: عصاه ويده بيضاء للناظرين, وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى فيكم؟ قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحي الموتى, فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا, فدعا ربه فنزلت (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض) الآيات, ليتفكروا فيها)) (الطبراني). وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «بت عند خالتي ميمونة, فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل, ثم استيقظ فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده, ثم قرأ العشر آيات الأواخر من سورة آل عمران حتى ختم» (البخاري ومسلم). وأخرج الطبراني والحاكم عن صفوان بن المعطل السلمي رضي الله عنه قال: «كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فرمقت صلاته ليلة فصلى العشاء الآخرة ثم نام، فلما كان نصف الليل استيقظ فتلا الآيات العشر من آخر سورة آل عمران، ثم تسوك، ثم توضأ فصلى إحدى عشرة ركعة» (الطبراني والحاكم).

(4) قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَاب). فيها ثلاثة دلائل على وجود الله وكمال صفاته وهي: خلق السماوات, وخلق الأرض, واختلاف الليل والنهار, والمسلم مدعو إلى التفكر في هذه الدلائل الثلاثة على وجود الله, والتفكر ليس مرة واحدة, وإنما مرات ومرات, كي يكون هذا الفكر غذاء للروح وغذاء للنفس يعينها على أداء الطاعات ويقوي من عزيمتها في المواظبة على العبادات.

(5) قوله تعالى: (لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَاب). خصّ أولي الألباب أي العقول بالتفكير والإيمان مديحا لهم وثناء عليهم وإعلاء من شأنهم كي يكونوا قدوة لغيرهم يقتدي بهم الناس.

405

(6) قوله تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار). قال الإمام الرازي: ((اعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل الإلهية والقدرة والحكمة وهو ما يتصل بتقرير الربوبية, ذكر بعدها ما يتصل بالعبودية, وأصناف العبودية ثلاثة أقسام: التصديق بالقلب, والإقرار باللسان, والعمل بالجوارح, فقوله تعالى (يَذْكُرُونَ اللَّهَ) إشارة إلى عبودية اللسان, وقوله تعالى (قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ) إشارة إلى عبودية الجوارح والأعضاء, وقوله تعالى (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) إشارة إلى عبودية القلب والفكر والروح, والإنسان ليس إلا هذا المجموع, فإذا كان اللسان مستغرقا في الذكر, والأركان في الشكر, والجنان في الفكر, كان هذا العبد مستغرقا بجميع أجزائه في العبودية، فالآية الأولى دالة على كمال الربوبية, وهذه الآية دالة على كمال العبودية, فما أحسن هذا الترتيب في جذب الأرواح من الخلق إلى الحق, وفي نقل الأسرار من جانب عالم الغرور إلى جانب الملك الغفور)).

(7) قوله تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِم). ذكر الله فريضة واجبة على كل مسلم, وهي فريضة الذكر, وهي واجبة في أصلها ولكن ليست محددة بمقدار أو لفظ أو كيفية, وذلك لأنّ الذكر عمل القلب, ولفظ اللسان ما هو إلا لاستحضار القلب وللتفكر أثناء الذكر, والمراد من الذكر هو الاتصال مع الله تعالى ودوام هذا الاتصال سواء في الصلاة أم في غير الصلاة, وعمل القلب ليس مشروطا بوضعية معينة للجسم, والمراد من قوله تعالى (قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِم) أي: على كل حال من حالات الإنسان وذلك بإجماع مفسري السلف على هذا الكلام, وتعليل ذلك أنّ الإنسان ليس لهو في وجوده إلا هذه الحالات الثلاث, فهو إما أن يكون قائما أو أن يكون قاعدا أو أن يكون مضطجعا, وأما ما يفعله بعض الجهلة من المسلمين من الرقص أثناء الذكر فهذا ليس له أساس من الشريعة الإسلامية, ناهيك عن كونه مخلا بحقيقة الذكر واستحضار القلب والتفكر بالكلام المذكور. وقيل: إنّ المراد بالذكر في هذه الآية وفي شبيهتها في سورة النساء: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُم) (النساء: 103) هو الصلاة, وإذا كان المراد بالذكر هو الصلاة ففقه الآية هو أنّ الإنسان يصلي قائما, فإن لم يستطع فقاعدا, فإن لم يستطع فعلى جنبه, كما قال عمران بن حصين رضي الله عنه: كانت بي بواسير فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة؟ فقال: «صلّ قائما, فإن لم تستطع فقاعدا, فإن لم تستطع فعلى جنب» (البخاري)، ومعنى هذا: إنه لا عذر في ترك الصلاة مهما كانت الأسباب كما إنه لا عذر في ترك الذكر.

406

(8) قوله تعالى: (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض). هذه هي الفريضة الغائبة من حياة المسلمين وهي فريضة التفكير, وهي أهم فريضة في الإسلام لأنّ الإيمان قائم أساسا عليها, وهو نتيجة من نتائجها. وقد حضّ الله تعالى في كثير من آياته على التفكر كقوله تعالى: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون) (البقرة: 219)، (البقرة: 266), وقوله تعالى: (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون) (يونس: 24), وقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون)، (الرعد: 3)، (الزمر: 42)، (الجاثية: 13), وقد ذكر الله التفكر في القرآن في سبعة عشر موضعا مديحا له وثناء على فاعله ودعوى للناس إلى العمل به. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فكر ساعة خير من عبادة ستين سنة» (تفسير الدر المنثور)، وسئلت أم الدرداء: ما كان أفضل عبادة أبي الدرداء رضي الله عنه؟ قالت: التفكر والاعتبار)) (الدر المنثور), وقال ابن عباس رضي الله عنه: «تفكر ساعة خير من قيام ليلة» (الدر المنثور), وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تفكر ساعة في اختلاف الليل والنهار خير من عبادة ثمانين سنة» (الدر المنثور), وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينما رجل مستلق ينظر إلى السماء وإلى النجوم فقال: والله إني لأعلم أنّ لك خالقا وربا, اللهم اغفر لي, فنظر الله إليه فغفر له» (الدر المنثور).

(9) وفي هذه الآية دليل على نبذ التقليد وبطلانه وخاصة في مسألة التوحيد والإيمان, إذ لابد أن يقوم الإيمان بالله وتوحيده على الفكر والتأمل والنظر والاستدلال, قال الإمام الرازي: «دلت الآية على أنّ أعلى مراتب الصديقين التفكر في دلالات الذات والصفات, وأنّ التقليد أمر باطل لا عبرة به ولا التفات إليه»، وقال الإمام القرطبي: «ختم تعالى هذه السورة، يعني سورة آل عمران، بالنظر والاستدلال في آياته، إذ لا تصدر إلا عن حيّ قيوم قدير قدوس سلام غني عن العالمين, حتى يكون إيمانهم مستندا إلى اليقين لا إلى التقليد».

(10) قوله تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض). لما رغب الله في الذكر رغب في ذكر الله, ولما رغب الله في الفكر رغب في الفكر بمخلوقات الله, فدلّ هذا على أنّ التفكير يكون في خلق الله ونعمه ولا يكون في الخالق, لأنّ الفكر في ذات الخالق مستحيل, والدليل على ذلك هذه الآية: (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض) فقال (فِي خَلْقِ) ولم يقل: في خالق, وكذلك قوله تعالى: (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَت) (الغاشية: 17ــ20)، فالنظر والتفكر يكون بالمخلوقات لا في الخالق, وكذلك لما سأل فرعون اللعين موسى عليه السلام: (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِين) أجابه موسى عليه السلام: (قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِين) (الشعراء: 23-24)، ففرعون يسأل عن الذات وموسى يجيبه عن المخلوقات التي تدل على الخالق, وفي الحديث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله» (الطبراني).

407

(11) قوله تعالى: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار) إلى قوله: (إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَاد). نلمح في هذه الآيات مجموعة من الآداب التربوية في الدعاء: (أولها) تقديم الثناء قبل الدعاء، فقوله تعالى: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَك) ثناء ومديح لله تعالى بما هو أهله، وقوله تعالى (فَقِنَا عَذَابَ النَّار) وما بعدها دعاء، وذلك أنّ الدعاء طلب، والثناء قبل الطلب أرغب في الإجابة وأقرب إلى حصولها. (والثاني) تقديم العمل الصالح والطاعات كوسيلة قبل الدعاء أملا في حصول الإجابة، وذلك بأن يقول المؤمن: يا الله، إني فعلت كذا طاعة لك واستجابة لأمرك وامتثالا لنهيك فأطلب منك كذا وكذا، وهذا ما نجده في هذه الآيات، فقوله تعالى: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا) تقديم للعمل الصالح كوسيلة، وقوله تعالى: (رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَار) دعاء وطلب من الله. (والثالث) القاعدة في طلب المغفرة وتكفير الخطايا ودخول الجنة هي الإيمان، والإيمان مقدم على الطلب، فقوله تعالى: (فَآمَنَّا) إشارة إلى الإيمان، وقوله تعالى: (رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَار) إشارة إلى طلب المغفرة وتكفير الخطايا وحصول الثواب بدخول الجنة يوم القيامة، وعجبا لقوم يطلبون المغفرة وتكفير الخطايا وغير ذلك من دون إيمان أو بإيمان مليء بالشك أو بإيمان يتخلله الكفر بالله وشتم أنبيائه وسب دينه ومعاداة أهل هذا الدين. (والرابع) الدعاء بصيغة الجمع (ربنا)، (فاغفر لنا)، (وتوفنا)، ونقول: هذا الأدب التربوي هو قاعدة في الدعاء، والمقصود منه الأمل في أن يجيب الله دعاءنا إذا قُرن بدعاء غيرنا وإن كنا لا نستحق الإجابة وغيرنا يستحق الإجابة، فصيغة الجمع هنا تحمل معنى التوسل بالمجموع. (والخامس) الدعاء بالمأثور من الأدعية في القرآن والسنة مقدم على الدعاء المطلق،لأنّ ما ذكر من أدعية في القرآن والسنة المراد منه الاقتداء به ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، وخاصة في الصلاة فيستحب تقديم المأثور من الأدعية على الدعاء المطلق، فقد سئل محمد بن سيرين عن الدعاء في الصلاة فقال: «كان أحب دعائهم ما وافق القرآن» (الدر المنثور)، وقال إبراهيم النخعي: «كان يستحب أن يدعو في المكتوبة بدعاء القرآن» (الدر المنثور).

(12) قوله تعالى: (إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَه) وقوله تعالى: (وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَة). يدلّ على أنّ العذاب الروحاني أقوى وأشد من العذاب الجسماني، وذلك أنّ الله قرر الإخزاء كعذاب مستقل غير دخول النار وهدد به مما دلّ على شدته وقوته.

(13) قوله تعالى: (إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَان). ولم يقل: إننا سمعنا مناديا للإيمان، فجمع بين المنادي وينادي تفخيما لشأنه وتعظيما لمكانه ومديحا له وثناء عليه، والمنادي هنا هو القرآن كما قال محمد بن كعب القرظي: «هو القرآن، ليس كل الناس يسمع النبي صلى الله عليه وسلم» (الدر المنثور).

408

(14) قوله تعالى: (وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَار). المراد من الوفاة مع الأبرار هو أن يكونوا معهم يوم القيامة في الدرجة والمنزلة، وهذا من قبيل التوسل بالصالحين حيث إنّ الإنسان ينتفع بمحبة غيره، وقد يحصل له الضرر من محبة الآخرين حسبما يكون الآخرون، ومثل ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم لمن أحبه وخشي أن لا يراه يوم القيامة في الجنة «أنت مع من أحببت» (البخاري).

(15) وهكذا في هذه الآيات ثلاث فرائض تكاد تكون مهملة من قبل المسلمين، وإن أقيمت فلا تقام بشروطها وآدابها الإسلامية، وهي: فريضة الذكر، وفريضة الفكر، وفريضة الدعاء.

409