الآية 186
قوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُور﴾ (آل عمران: 186)
لنا مع هذه الآية الوقفات التربوية التالية:
(1) الغرض من هذا الإعلان هو أن يوطن المسلم نفسه على البلاء في المال والنفس وعلى سماع الكلام المؤذي له من أعداء الإسلام, لأنّ المسلم متى علم مسبقا بوقوع البلاء كان وقوع البلاء أقل مشقة وأهون على النفس, بخلاف ما لو نزل البلاء من دون علم مسبق بنزوله, فإنّ وقعه يكون أشد على النفس وأكثر مشقة.
(2) ولهذا الإعلام المسبق بوقوع البلاء معنى إعجازي في حال حصوله, لأنه عندما يحصل يقع في نفس المؤمن ازدياد اليقين بأنّ قائل هذا الكلام هو الله علام الغيوب, والصلة مع الله تجعل المؤمن أرغب في طاعة الله وأرهب من معصية الله.
(3) وفي هذه الآية تربية للمسلم فيما يجب أن يكون عليه في مواجهة البلاء وذلك بالصبر والتقوى, والصبر حبس النفس عمّا تكره, ويتضمن: حبس النفس على طاعة الله، وحبس النفس عن معصية الله، وحبس النفس على البلايا والمصائب, وأما التقوى فتعني الخوف والخشية من الله مع ما يولده هذا الخوف من العمل بأمر الله وترك ما نهى الله عنه.
(4) وللصبر على البلاء مع التقوى أثر نفسي في قلوب خصوم الدعوة, فهو السر الذي يجعل هؤلاء الخصوم يفكرون في الإسلام تفكيرا جديا ويقولون في أنفسهم: لو لم يكن في هذا الدين الخير الكثير لم يصبر أصحابه هذا الصبر الكبير, وفي مرحلة لاحقة قد ينقلب الخصوم إلى الإيمان بهذا الدين والدخول فيه أفواجا بعد أن كانوا أشد المعارضين له, فالصبر هو السر في نجاح الدعوات رغم كل العداوات, وفي التاريخ نماذج من ذلك سواء في انتشار الإسلام في الجزيرة العربية في بداياته, أم في انتشار المسيحية في أوربا في بداياتها. يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لقوله تعالى (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا): «الصبر عبارة عن احتمال المكروه, والتقوى عبارة عن الاحتراز عما لا ينبغي, فقدّم ذكر الصبر ثم ذكر عقبه التقوى, لأنّ الإنسان يقدم على الصبر لأجل أنه يريد الاتقاء عما لا ينبغي. وفيه وجه آخر: إنّ المراد من الصبر هو أنّ مقابلة الإساءة بالإساءة تفضي إلى ازدياد الإساءة, فأمر بالصبر تقليلا لمضار الدنيا, وأمر بالتقوى تقليلا لمضار الآخرة, فكانت الآية على هذا التأويل جامعة لآداب الدنيا والآخرة».