التفسير التربويالجزء 1 · ص 410 - 417

الآية 195

الآية 195

قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَاب﴾ (آل عمران: 195)

(1) قوله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُم). وما قبله وما بعده يدل على أنّ الاستجابة مشروطة بشروط: (أحدها) أنهم عرفوا الله بالدليل، وهو قوله: (إنّ في خلق) إلى قوله: (لآيات لأولي الألباب) الآيات. (والثاني) أنهم واظبوا على الذكر، وهو قوله: (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم). (والثالث) أنهم واظبوا على التفكر، وهو قوله: (ويتفكرون في خلق السماوات والأرض). (والرابع) أنهم أثنوا على الله قبل الدعاء، وهو قوله: (ربنا ما خلقت هذا باطلا). (والخامس) أنهم اشتغلوا بالدعاء، وهو قوله: (فقنا عذاب النار) إلى قوله: (إنك لا تخلف الميعاد). (والسادس) أنهم اشتغلوا بالعمل الصالح، وهو قوله: (أني لا أضيع عمل عامل منكم). قال الحسن البصري: «ما زالوا يقولون ربنا ربنا، حتى استجاب لهم» (القرطبي)، وهذا يدل على الإلحاح وعزم المسألة، وفي الحديث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة، ولا يقولن: اللهم إن شئت فأعطني، فإنه لا مستكره له» (البخاري)، وقد رُوي عن جعفر الصادق أنه قال: «من حزبه أمر فقال خمس مرات : ربنا، أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد، وقرأ هذه الآية، ثم قال: لأنّ الله حكى عنهم أنهم قالوا خمس مرات: ربنا، ثم أخبر أنه استجاب لهم» (الرازي).

(2) قوله تعالى: (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِم). قدم الذين هاجروا على الذين أخرجوا من ديارهم لأنّ رتبتهم أفضل، وذلك أنهم اختاروا الهجرة من أنفسهم ولم يرغموا عليها، وفي كل خير، لأنّ المديح والثناء للفريقين وإن قدم أحدهما على الآخر.

(3) قوله تعالى: (وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَاب). فيه ترغيب على العمل الصالح من خلال التذكير بأنّ ثواب العمل الصالح عند الله، وما كان عند الله فهو في غاية الشرف، وما كان عند الله فحصوله مؤكد لاشك في ذلك، لأنّ الله قادر على كل المقدورات وعالم بكل المعلومات وغني عن الحاجات، ويعطي عطاء من لا ينقص العطاء من ملكه شيئا، فهو في غاية الجود والكرم والإحسان، نسأل الله العظيم أن يعطينا من فضله.

410

الآيات 196-198

قوله تعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَار﴾ (آل عمران: 196-198)

(1) الآيات (196ــ 197): في هذه الآيات الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، وخاصة من قال منهم: هؤلاء الكفار لهم تجارة وأموال واضطراب في البلاد، ونحن نهلك من الجوع. والغرر: الخداع، والانغرار: الانخداع. وحقيقة الغرور ما كان له ظاهر مزين مبهرج وباطن يسوء ولا يسر، والله تعالى يربي المسلمين على عدم الانخداع بما عليه الكافرون من النعم، ويبين لهم حقيقة هذه النعم بأنها في الدنيا من قبيل المتاع القليل لأنها مشوبة بالآلام والعقوبات، وليست خالصة من الضرر، فهي كمن يأكل العسل وفي داخله السم، فهو وإن كان يستلذ بالعسل إلا أنّ روحه تتأذى بالسم، وكم من صاحب مال يحسد من لا مال له، وكم من صاحب أولاد يحسد من لا ولد له،وكم من صاحب سلطان يحسد من لا سلطان له، وهذه النعم تزول عن صاحبها يوم القيامة ويأوي إلى جهنم عقوبة له على عدم الإيمان وعدم الشكر لله.

(2) الآية (198) بعد الآيتين (196ــ197): قرن الله الوعد بالوعيد، وذكر الثواب بعد العقاب، وأتبع الترهيب بالترغيب، كما هي عادة القرآن في التربية والتأثير في النفوس ومحاولة جذبها إلى المنهج الرباني، وحملها على التمسك بهذا المنهج والعمل به.

(3) قوله تعالى: (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَار). مديح وثناء على الأبرار من خلال الوعد بالثواب الجزيل لمن كان كذلك، وهذا من قبيل الترغيب للمسلم في أن يكون من الأبرار، يقتدي بهم ويتأسى بأفعالهم، والأبرار جمع بر وهو المطيع، أي: من كانت سمته الطاعة في كل أمر، والرفق بعباد الله، والإحسان إليهم والسماحة معهم، وقال عمرو بن العاص: «إنما سموا الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما إنّ لوالديك عليك حقا كذلك لولدك عليك حقا» (ابن كثير)، وقال الحسن البصري: «الأبرار الذين لا يؤذون الذر» (ابن كثير).

(4) قوله تعالى: (لَهُمْ جَنَّات) وقوله تعالى: (وَمَا عِنْدَ اللَّه). إنّ منهج التربية القرآنية لا يقوم على وعد أتباعه بالنصر والغلبة والظفر وإن وعدهم بذلك في مواضع كثيرة من القرآن، وإنما يقوم على الوعد بالجنة والوعد بما عند الله، وهذه نقطة خلاف حاسمة مع غيره من المناهج التي تقوم على الوعد بالسعادة في الدنيا، ومن هنا يتربى المسلم على الوعد بالسعادة في الآخرة، ومما لاشك فيه أنّ السعادة الدنيوية حاصلة للمسلم، قال محمد بن كعب القرظي: «قال عبد الله بن رواحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم، قال عبد الله: فما لنا إن فعلنا ذلك؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الجنة، قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل» (أحمد).

411

الآية 199

قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَاب﴾ (آل عمران: 199)

(1) وصف الله تعالى هذه الفئة المؤمنة من أهل الكتاب بأربع صفات هي: (الأولى) الإيمان بالله. (والثانية) الإيمان بالكتب السماوية المنزلة من عند الله. (والثالثة) الخشوع لله، ومعناه: الطاعة الخالصة لله. (والرابعة) لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا، والمراد من ذلك كتمان آيات التوراة والإنجيل التي فيها صفة محمد صلى الله عليه وسلم.

(2) والمراد من ذكر هذه الفئة وصفاتها ترغيب المسلمين على الاتصاف بهذه الصفات والمواظبة عليها، والتأسي بهذه الفئة المؤمنة بحيث تكون لهم قدوة في ذلك، وكذلك ترغيب بقية أهل الكتاب في السير على منوال هذه الفئة المؤمنة منهم والتأسي بها في الإيمان والطاعة وعدم كتمان الحق.

(3) وقد ذكرت هذه الفئة لأنّ لإيمانها وتصديقها برسالة محمد صلى الله عليه وسلم أثرا أكبر في النفوس من إيمان بقية طوائف الكفر والشرك، وذلك أنّ عامة المشركين كانوا ينظرون إلى أهل الكتاب على أنهم يعرفون صفات النبي الذي يُبعث في آخر الزمان.

412

الآية 200

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ (آل عمران: 200)

لما كان الفلاح، وهو الفوز بالجنة والنجاة من النار، هدف كل مسلم فإنّ الله تعالى ذكر في هذه الآية الجامعة أركان الفلاح وهي أربعة أركان: الصبر، والمصابرة، والرباط، والتقوى.

(أولا) أما الصبر فأصله حبس النفس على ما تكره، ويشمل: الصبر على الطاعات، والصبر عن المعاصي، والصبر على المصائب والبلايا. ويدخل فيه: الصبر على مشقة النظر والاستلال في معرفة التوحيد والعدل والنبوة والمعاد، ويدخل فيه: الصبر على مشقة استنباط الإجابات عن شبهات المخالفين.

(ثانيا) وأما المصابرة فأصلها تحمل المكاره المتعلقة بالغير، وتشمل: تحمل مكاره أعداء الدين سواء في جانب الجهاد والقتال أم في جانب الجهاد والدعوة إلى الله، وتشمل: تحمل مكاره المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

(ثالثا) وأما المرابطة فأصلها الشد واللزوم والثبات، وتشمل: الرباط في الثغور دفاعا عن المسلمين لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه» (مسلم)، وتشمل: انتظار الصلاة بعد الصلاة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» (مسلم).

(رابعا) وأما التقوى فأصلها الخوف والخشية من الله، وتشمل: العمل بالطاعات، وتشمل: ترك المنهيات.

413

التفسير التربوي لسورة النساء

قال الرازي في تقديم هذه السورة: ((اعلم أن هذه السورة مشتملة على أنواع كثيرة من التكاليف، وذلك لأنه تعالى أمر الناس في أول هذه السورة بالتعطف على الأولاد والنساء والأيتام، والرأفة بهم، وإيصال حقوقهم إليهم، وحفظ أموالهم عليهم، وبهذا المعنى ختمت السورة، وهو قوله: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة). وذكر في أثناء هذه السورة أنواعا أخر من التكاليف، وهي الأمر بالطهارة والصلاة وقتال المشركين، ولما كانت هذه التكاليف شاقة على النفوس لثقلها على الطباع، لا جرم افتتح السورة بالعلة التي لأجلها يجب حمل هذه التكاليف الشاقة، وهي تقوى الرب الذي خلقنا والإله الذي أوجدنا)).

414

الآية 1

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبا﴾ (النساء: 1)

(1) قوله تعالى مخاطبا الناس: (اتَّقُوا رَبَّكُم) ثم قال (وَاتَّقُوا اللَّه). إنّ لفظ (الرب) مشتق من التربية والرعاية والإصلاح والإحسان فهو يحمل معنى الترغيب, أما لفظ (الله) المشتق من الإلهية والعبودية فهو يحمل معنى الترهيب لأنه يدل على القهر والهيبة, وهكذا قرن النص القرآني بين الترغيب والترهيب في شأن أمر الناس بالتقوى ومحاولة جعلهم من المتقين.

(2) قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا). فيه تربية للمسلمين على المفهوم الإنساني للدين الإسلامي، وتبيان لهذا الوجه الإنساني الذي يكاد يكون غائبا من حياة المسلمين في هذه الأيام, فالإسلام ــ وإن كان قد دعا الناس إلى الرابطة الإيمانية والأخوة الإيمانية ــ فإنه لم يلغ الرابطة الإنسانية والأخوة الإنسانية, فالناس كل الناس من أمّ واحدة ومن أب واحد، فبعضهم من بعض، ولبعضهم حقوق واجبة على البعض وجوب حق الأخ على أخيه في النسب، لاجتماعهم في النسب إلى أب واحد وأم واحدة, ولو شاء الله لخلق الناس من مجموعة من الرجال تتزاوج مع مجموعة من النساء, ولكن شاء أن يكون الناس من أب واحد وأم واحدة ليتراحموا وليتناصفوا ولا يتظالموا, وأول حقوق الأخوة الإنسانية هو صلة الرحم الذي أشارت إليها هذه الآية.

(3) قوله تعالى: (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء). إشارة إلى قاعدة الحياة البشرية وهي الأسرة, وفي هذه السورة وغيرها من السور تشريعات كثيرة تقوم على أساس رعاية الأسرة والعناية بها، كتشريع الإرث وتشريع الزواج وتشريع الطلاق، وكل هذا تربية للمسلمين على الاهتمام بها باعتبارها الخلية المقدسة التي تقوم عليها الحياة البشرية ويقوم عليها بناء المجتمع, إنها اللبنة الأولى التي يجب عدم العبث بها كما يفعل ذلك أصحاب التوجهات المادية المنحرفة في موجاتهم المتتالية من القول بأنّ أصل الإنسان قرد إلى القول بالإباحية إلى القول بإلغاء الملكية إلى الحواضن الجماعية، إلى آخر موضات العصر وهي الاستنساخ.

(4) قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَام). معناه: واتقوا الأرحام فصلوها ولا تقطعوها, وفي الحديث القدسي: «يقول الله تعالى: أنا الرحمن وهي الرحم, اشتققت اسمها من اسمي, فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته» (الترمذي)، فثبت بدلالة الكتاب والسنة وجوب صلة الرحم, ونؤكد هنا على أمرين: (أحدهما) وجوب صلة الرحم الكافرة كما هو واجب صلة الرحم المؤمنة ما لم تكن هذه الرحم في حالة حرب وقتال مع المسلمين، وذلك لأنه صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأسماء وقد سألته : أفأصل أمي؟ قال: «نعم، صلي أمك» (البخاري)، فأمرها بصلتها وكانت أمها كافرة. (والآخر) أنّ صلة الرحم ليس أن تصل من وصلك من الأرحام، بل أن تصل من قطعك من الأرحام، لأنّ من وصلك ستصله بطبعك أما من قطعك فهنا تكون صلة الرحم.

415

(5) قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبا). معنى الرقيب: الحفيظ الذي يحفظ عليك أعمالك ويحاسبك عليها, فهذه الآية تحمل معنى الترغيب والترهيب والوعد والوعيد, لأنّ من اعتقد برقابة الله عليه كان بين الخوف والرجاء, الخوف من عقاب الله في حال المعصية والرجاء بنعيم الله وثوابه وجنته في حال الطاعة، والله أعلم.

416

الآية 2

قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيرا﴾ (النساء: 2)

(1) نلمح في هذه الآية وغيرها من الآيات والأحاديث المتعلقة باليتيم، وهو من فقد والده وهو في سن دون البلوغ والرشد، حرصه تعالى على اليتامى ورعايته لهم حتى راح يشرع التشريع تلو التشريع والوصية بعد الوصية والأمر بعد الأمر, وهذا من رحمته تعالى ورأفته بالناس وخاصة الضعفاء منهم، مثل اليتامى والصغار عموما والنساء الذين كانوا في الجاهلية عرضة للظلم والحيف وهضم الحقوق, حتى ليبدوا لنا أنّ الله أرحم بالضعفاء من أبويهم ومن أنفسهم .

(2) قوله تعالى: (وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّب). قال السُدّي: «كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم ويجعل مكانها الشاة المهزولة, ويقول: شاة بشاة! ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح مكانه الدرهم الزيف, ويقول: درهم بدرهم!» (الطبري)، ويدخل في معنى هذه تعجل الرزق الحرام قبل مجيء الحلال، ومن هذا المعنى قول ابن مسعود في عقوبة المعصية بأكل الحرام الحرمان من الرزق الحلال, قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إنّ الرجل ليحرم الرزق بالمعصية يأتيها» (الطبري), والمدلول التربوي لهذه الآية ولحديث ابن مسعود هو التربية بالعقوبة الدنيوية قبل الأخروية, وذلك أنّ المعصية ومنها أكل الحرام، كأكل مال اليتيم وغير ذلك، عقوبتها الدنيوية هي الحرمان من الرزق الحلال، والحل الشرعي في هذه الحالة هو الصبر عن الرزق الحرام انتظارا للرزق الحلال, فالمعصية تورث الذلّ، وتورث الفاقة والفقر من الرزق الحلال.

(3) قوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُم). نلحظ الأثر التربوي لهذا الكلام في سلوك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث فهموا من الأكل خلط مال اليتيم بأموالهم تمهيدا لأكلهما معا، فعمدوا إلى عزل أموال اليتامى عن أموالهم, ولما كان هذا العزل سببا للمشقة في الوصاية على اليتيم وسببا إلى تلاف بعض مال اليتيم، فإنّ الله رخّص لهم في خلط أموالهم بمال اليتيم, قال الحسن البصري رحمه الله: ((لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى, كرهوا أن يخالطوهم, وجعل وليّ اليتيم يعزل مال اليتيم عن ماله, فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُم) (البقرة: 220)، قال: فخالطوهم واتقوا)) (الطبري). وهذا السلوك من أوصياء اليتامى يجعلنا نقف أمام حالة لا تفلح فيها التشريعات ما لم يتسم المطبقون لهذه التشريعات بالإيمان بها والسعي لتطبيقها بناء على وازع داخلي من التقوى وخوف الله تعالى، إذ إنّ أي تشريع ما أسهل التهرب منه إذا لم يصل الناس إلى الإيمان بهذا التشريع والخوف من العقوبة الأخروية على مخالفته, وهذا ما حصل لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(4) قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيرا). هذا نص على أنّ أكل مال اليتيم من كبائر الذنوب، ومثله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا السبع الموبقات» فذكر منها «أكل مال اليتيم» (البخاري)، وفي الآية والحديث ترهيب من أكل مال اليتيم ووعيد لفاعله بالعقوبة الأخروية وإن نجا من العقوبة الدنيوية.

417