الآية 195
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَاب﴾ (آل عمران: 195)
(1) قوله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُم). وما قبله وما بعده يدل على أنّ الاستجابة مشروطة بشروط: (أحدها) أنهم عرفوا الله بالدليل، وهو قوله: (إنّ في خلق) إلى قوله: (لآيات لأولي الألباب) الآيات. (والثاني) أنهم واظبوا على الذكر، وهو قوله: (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم). (والثالث) أنهم واظبوا على التفكر، وهو قوله: (ويتفكرون في خلق السماوات والأرض). (والرابع) أنهم أثنوا على الله قبل الدعاء، وهو قوله: (ربنا ما خلقت هذا باطلا). (والخامس) أنهم اشتغلوا بالدعاء، وهو قوله: (فقنا عذاب النار) إلى قوله: (إنك لا تخلف الميعاد). (والسادس) أنهم اشتغلوا بالعمل الصالح، وهو قوله: (أني لا أضيع عمل عامل منكم). قال الحسن البصري: «ما زالوا يقولون ربنا ربنا، حتى استجاب لهم» (القرطبي)، وهذا يدل على الإلحاح وعزم المسألة، وفي الحديث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة، ولا يقولن: اللهم إن شئت فأعطني، فإنه لا مستكره له» (البخاري)، وقد رُوي عن جعفر الصادق أنه قال: «من حزبه أمر فقال خمس مرات : ربنا، أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد، وقرأ هذه الآية، ثم قال: لأنّ الله حكى عنهم أنهم قالوا خمس مرات: ربنا، ثم أخبر أنه استجاب لهم» (الرازي).
(2) قوله تعالى: (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِم). قدم الذين هاجروا على الذين أخرجوا من ديارهم لأنّ رتبتهم أفضل، وذلك أنهم اختاروا الهجرة من أنفسهم ولم يرغموا عليها، وفي كل خير، لأنّ المديح والثناء للفريقين وإن قدم أحدهما على الآخر.
(3) قوله تعالى: (وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَاب). فيه ترغيب على العمل الصالح من خلال التذكير بأنّ ثواب العمل الصالح عند الله، وما كان عند الله فهو في غاية الشرف، وما كان عند الله فحصوله مؤكد لاشك في ذلك، لأنّ الله قادر على كل المقدورات وعالم بكل المعلومات وغني عن الحاجات، ويعطي عطاء من لا ينقص العطاء من ملكه شيئا، فهو في غاية الجود والكرم والإحسان، نسأل الله العظيم أن يعطينا من فضله.