التفسير التربويالجزء 1 · ص 38 - 45

الآيات 26-27

الآيات 26-27

قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (البقرة: 26-27)

(1) الحياء حالة نفسية يرافقها تغير بدني تبدأ بالخوف وتنتهي بالترك، وهذه الحالة تصيب الأجسام فلا يصح وصف الله عز وجلّ بها لا في النفي ولا في الإثبات، وإذا كان الحياء هو ما ذكرنا فالأدب التربوي مع الله يقتضي أن لا نصفه بذلك، فلا نقول عنه أنه (المستحي) أو أنه (غير المستحي)، والأولى حمل هذا اللفظ على معنى الترك، وهو نهاية الاستحياء. فنقول في قوله تعالى: (إنّ الله لا يستحيي أن يضرب مثلا): إنّ الله لا يترك ضرب المثل، أو نقول إنّ ذلك من قبيل المشاكلة اللفظية، لأنّ قوله: (إنّ الله لا يستحيي أن يضرب مثلا)، هو جواب لسؤال الكافرين والمنافقين حيث قالوا: أما يستحيي ربك يا محمد أن يضرب الأمثال؟!. ومثل ذلك يقال في هذه الكلمة حيث وردت في الأحاديث النبوية كقول أم سُليم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿يا رسول الله، إنّ الله لا يستحيي من الحق...﴾ (مسلم)، أي: لا يأمر بالحياء فيه ولا يمتنع من ذكره.

(2) وقد تعهد الله هذه الأمة المسلمة بالرعاية والعناية فعلّمهم كيف يردون على حملات التشكيك والبلبلة التي يطلقها المنافقون والكافرون للنيل من الإسلام، والكيد له وتشكيك الناس فيه، وهذا النص رد على إحدى هذه المحاولات، إذ إنه بعد أن ضرب الله الأمثال في تبيان حقيقة المنافقين في مطلع هذه السورة، كقوله تعالى: (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا) وقوله تعالى: (أو كصيّب من السماء) قال المنافقون: الله أعلى وأجلّ أن يضرب الأمثال، فنزل قوله تعالى: (إنّ الله لا يستحيي أن يضرب مثلا). وفي رواية أنّ بعض المشركين قالوا: ما بال الذباب والعنكبوت يذكران في القرآن؟! فنزل قوله تعالى: (إنّ الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها)، وكلا القولين في نزول هذه الآية نقلا عن الذين كفروا، حيث قال: (وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا).

(3) إنّ معنى قوله تعالى: (إنّ الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها)، هو أنّ الله لا يترك ضرب المثل في الصغير والكبير، إذا كان في ذلك حكمة بالغة وفائدة تحصل للناس في تبيان حقائق ما يحتاجونه، وهذا أيضا يدل على العناية الإلهية بالناس واهتمامه تعالى بتعليمهم وتأديبهم.

(4) قوله تعالى في وصف الفاسقين: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون).

38

قد يقول قائل: أما يكفي في التربية والتعليم أن يصف الله الخير والصحيح ويأمر الناس باتباعه وينهاهم عن مخالفته؟. والجواب على ذلك: إنّ هناك نوعين من التربية، (الأول) التربية الكافية، وهي أن يصف الله الخير ويأمر بفعله وينهى عن تركه. (والثاني) التربية الكاملة، وهي أن يصف الله الخير ويأمر بفعله وينهى عن تركه، وكذلك يصف الشر وينهى عن فعله ويأمر بتركه. والله تعالى تعهد هذه الأمة بالتربية الكاملة، فوصف سبيل المؤمنين وأمر بها ونهى عن تركها، ووصف سبيل المجرمين وأمر بتركها ونهى عن فعلها، وذلك من فضل الله على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون.

والصفات التي وصف بها الفاسقين في هذا النص إنما ذكرها لسببين: (الأول) لتبيان الفاسقين، حتى إنّ من يقرأ هذا النص وبعد قرون من نزوله يحس أنّ هذه الصورة مألوفة له، ويكاد يعرف أصحاب هذه الصفات حتى لو كانوا في خليط من الناس. (والثاني) كي لا يتصف المسلم بهذه الصفات، فإذا كانت صفة الفاسق هي نقض العهود، فصفة المؤمن هي الوفاء بالعهود أيا كانت هذه العهود، وسواء كانت الإقرار بالربوبية لله في عالم الذر، أم كانت الإقرار بالإلهية والتوحيد، أم كانت الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وضرورة اتباعه، أم كانت عهود المسلم مع الناس، وإذا كانت صفة الفاسق هي قطع ما أمر الله به أن يوصل، فصفة المؤمن هي أن يصل من أمر الله بوصله، كصلة الرحم وصلة الإيمان وصلة الإنسانية، وإذا كانت صفة الفاسق هي الإفساد في الأرض من خلال العمل بمعصية الله، فصفة المؤمن هي الإصلاح في الأرض من خلال العمل بطاعة الله.

39

الآية 28

قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة: 28)

(1) النعمة الأولى في الحياة هي نعمة الحياة المذكورة في النص أعلاه (وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُم)، والكفر بالنعمة قبيح، وكلما عظمت النعمة عظمت معصية صاحب النعمة، والله تعالى إذ يذكر الناس بنعمه عليهم فإنما يذكرهم بها كي يحثهم على طاعته، وهذا الأسلوب التربوي، وهو التربية بالنعمة، كثيرا ما نجده في القرآن، وخاصة في حديثه تعالى عن بني إسرائيل. ومثال ذلك: الوالد ينعم على ولده بالنعم الكثيرة بأن رباه وعلّمه وأنفق عليه الأموال، فكلما عظم إنعام الوالد على ولده عظم مقابل ذلك معصية الولد لوالده، والأعظم من ذلك أن يجحد الولد أبوة والده، وهذا حال الكافرين بالله وخاصة الذين يجحدون وجوده. والسؤال الوارد في هذه الآية (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُم) ليس على سبيل الاستفهام العادي، وإنما هو على سبيل التقريع والتعنيف، ومعنى قوله (وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُم) أي: كنتم ترابا ونطافا، لأنّ آدم خلق من تراب وخلق سائر الناس من النطاف.

(2) هذه الآية دالة على وجوب الزهد في الدنيا، لأنّ الموت لابد منه (ثم يميتكم)، ولأنّ الرجوع إلى الله كائن لا محالة (ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُون). والقرآن حينما يذكر الإنسان بالموت فلكي يقلل من حرص الإنسان على الدنيا، ولكي يبين للناس أن الحياة الدنيا إلى زوال، ولكي يربي الناس على الزهد في الدنيا. ولو قارنا الإحياء الأول بالإحياء الثاني لعلمنا مقدار الدنيا كم هو قليل؟!. يقول الله تعالى: (وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّون) (الحج: 47)، فلو عاش إنسان في هذه الحياة الدنيا مائة عام، لعادلت هذه المدة بحساب الحياة الآخرة حوالي الساعتين، وهذا تصديق قوله تعالى: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) (النازعـات:46). وإذا كان الأمر كذلك فالأولى بالعاقل أن يمضي هاتين الساعتين في طاعة الله علّه يخلد في نعيم الله، ومن كان فيه أدنى ذرة من عقل لا يرضى بأن يمضي هاتين الساعتين في معصية الله ثم يخلد بعدها في نار جهنم.

40

الآية 29

قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 29)

(1) هذه هي النعمة الثانية في الحياة وهي نعمة التسخير، فكل ما خلقه الله في هذا الكون مسخر للإنسان، فهل سيقابل الإنسان ربه بالجحود بنعمه أم إنه سيكون من الشاكرين. وهنا نلمح الترتيب التربوي لآيات القرآن، فذكر في الآية السابقة نعمة الحياة ثم ذكر بعدها نعمة التسخير، لأنّ انتفاع الإنسان بما حوله إنما يكون بعد أن تحصل له الحياة.

(2) قوله تعالى: (لكم) يعني أنّ كل ما خلقه الله في الأرض وفي السماء إنما خلقه الله لك أيها الإنسان، فعليك أن تدرك ذلك لكي تدرك عظمة الله ومدى رعايته ومحبته لك، وهذا يعني أنّ الإنسان سيد الكون بلا منازع، فأين هو الإنسان في منظار غير المسلمين من ماديين وغيرهم؟!. الكون مسخر للإنسان من منظار الإسلام، ومع ذلك نجد أنّ المذاهب الوضعية والمذاهب الجاهلية قديمها وحديثها قد سخرت الإنسان لخدمة الكون.

(3) ومعنى (لكم) هو أنّ ما خُلق حول الإنسان إنما خُلق لخدمته، لا أن يتحول الإنسان إلى عبد عند هذه المخلوقات فيسعى لخدمتها، خلق الله المال لكي ينتفع به الإنسان وإذا بالإنسان يتحول إلى عبد للمال، وخُلقت الآلة لكي تريح الإنسان فإذا بالإنسان يتحول إلى عبد للآلة، فشتان بين ما أراده الله للإنسان وبين ما أراده الإنسان لنفسه.

(4) ومن معاني (لكم) أنّ الله خلق الكون من حول الإنسان لكي ينتفع به في الدنيا، بأن يتقوى به على طاعة الله، وينتفع به فيما يتعلق بالآخرة بأن يستدل به على وجود الله ووحدانيته وعبادته.

(5) ولو أنّ الإنسان عبد الله تعالى كل عمره لما وفاه نعمة من نعمه، فبأيّ شيء يدخل الجنة؟ الجواب: برحمة الله وفضله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن يُدخل أحدَكم عملُهُ الجنة»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟، قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» (البخاري).

41

الآية 30

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 30)

(1) هذه هي النعمة الثالثة من النعم العامة على الناس ككل وهي نعمة الاستخلاف في الأرض، فالإنسان هو خليفة الله في الأرض، ومهمته هي إعمار الأرض، ولا يكون إعمار في الأرض وإصلاح فيها ما لم يحكم الناس بعضهم بالعدل، قال تعالى: (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) (ص: 26). فهي إذن مكانة عظمى وتكريم كبير ونعمة جليلة توجب على الإنسان الشكر بحق المنعم، وذلك من خلال توحيده وعبادته والعمل بطاعته، فلينظر الناس: هل هم يقومون بهذا الدور؟ وهل يتصرفون على أنهم خلفاء لله في الأرض يعملون بما أمر ويسيرون وفق ما يرضى؟ هل يجلس الإنسان في تلك القمة السامقة والمكانة اللائقة التي وهبه الله إياها؟ أم إنه يجلس في الحضيض؟.

(2) قوله تعالى مخاطبا الملائكة: (إني جاعل في الأرض خليفة)، قال قتادة: «استشار الملائكة في خلق آدم»(الطبري). مع أنه تعالى منزه عن المشورة، فلماذا استشار الملائكة في خلق آدم وهو غير محتاج لمشورة أحد؟ الجواب على ذلك: إنه تعالى أراد تعليم عباده الشورى، وتقرير مبدأ الشورى في السلوك التربوي للناس، وذلك أنه استشار ولا حاجة به إلى المشورة، فكيف يكون حال الإنسان وهو محتاج إلى المشورة؟!. إنّ الشورى وسيلة تربوية يحتاجها الناس في سعيهم ونشاطهم وسائر شؤون حياتهم، فالله تعالى خاطب رسوله بقوله: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر) (آل عمران: 159)، وقد امتدح الله المؤمنين بالشورى بينهم فقال: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم) (الشورى: 38)، وفي الأثر: «ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار»، ومعظم الأخطاء البشرية تأتي من التفرد في الرأي وعدم الشورى.

42

الآيات 31-33

قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (البقرة: 31-33)

(1) قوله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها). هذه هي النعمة الرابعة من النعم العامة لكل الناس، أنعم الله بها على آدم وذريته، وهي نعمة التعليم، وذلك من خلال الرمز على الأشياء بالأسماء، فتتحول المسميات من أشخاص وأشياء إلى ألفاظ منطوقة، وهي نعمة كبرى نتخيل عظمتها حينما نتصور فقدانها، فإذا أراد إنسان أن يحدّث آخر عن الجبل فعليه إما أن يُحضر الجبل وإما أن يذهب به إلى الجبل، ويقال مثل ذلك في سائر المسميات. إنّ فقدان هذا العلم، علم الترميز، يجعل الحياة شبه مستحيلة، فلينظر الإنسان إلى نتيجة هذه النعمة وغيرها من النعم، ولير هل أدى حقها؟.

(2) قول الملائكة: (لا علم لنا إلا ما علمتنا). فيه أدب تربوي عظيم، ينبغي على كل مسلم أن يتأدب به ويتربى عليه، وهو أن يقول: لا أعلم أو الله أعلم إذا سئل عن شيء لا يعلمه، ومع أنّ قول (لا أعلم) صحيح في هذا الأمر، فإنّ قول (الله أعلم) أكثر أدبا مع الله، وذلك ما ورد في قول الملائكة: (لا علم لنا إلا ما علمتنا). قال الإمام القرطبي في تفسيره: ((وعن ابن عمر رضي الله عنه أنّ رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيّ البقاع شر؟ قال: (لا أدري حتى أسأل جبريل)، فسأل جبريل فقال: (لا أدري حتى أسأل ميكائيل)، فجاء فقال: (خير البقاع المساجد وشرها الأسواق). وكان علي رضي الله عنه يقول: وابردها على الكبد، ثلاث مرات، قالوا: وما ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: أن يُسأل الرجل عما لا يعلم فيقول: الله أعلم؟. وقال مالك بن أنس: سمعت ابن هرمز يقول: ينبغي للعالم أن يورّث جلساءه من بعده لا أدري، حتى يكون أصلا في أيديهم، فإذا سئل أحدهم عمّا لا يدري قال: لا أدري. وقال الهيثم بن جميل: شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري)).

43

(3) قوله تعالى: (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُون). اشتمل على ترهيب عظيم ووعيد شديد، وذلك أنّ الله يعلم الظاهر والباطن، ويتساوى في علمه باطن المخلوقات وظاهرها، وهذا يوجب على المسلم أن يجتهد في تصفية باطنه كما يجتهد في تصفية ظاهره، وإذا كان يترك المعاصي في الظاهر استحياء من الناس فعليه أن يترك المعاصي في الباطن استحياء من الله. وقد شدد القرآن على ترك المعاصي والفواحش الظاهرة والباطنة فقال تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن) (الأنعام: 151)، وقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن) (الأعراف: 33)، وقال تعالى: (وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَه) (الأنعام: 120). وفي هذا قال سليمان بن على لحميد الطويل: عظني، فقال حميد الطويل: «إن كنت إذا عصيت الله خاليا ظننت أنه يراك فلقد اجترأت على أمر عظيم، وإن كنت ظننت أنه لا يراك فلقد كفرت» (تفسير الرازي). قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآيات الثلاث: «وفي هذه الآيات الثلاث العبرة لمن اعتبر، والذكرى لمن ادّكر، والبيان لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، عما أودع الله جلّ ثناؤه آيَ القرآن من لطائف الحكم التي تعجز عن أوصافها الألسن. وذلك أنّ الله جلّ ثناؤه احتج فيها لنبيه صلى الله عليه وسلم على من كان بين ظهرانيه من يهود بني إسرائيل، بإطلاعه إياه من علوم الغيب التي لم يكن جلّ ثناؤه أطلع عليها من خلقه إلا خاصا، ولم يكن مدركا علمه إلا بالإنباء والإخبار، لتتقرر عندهم صحة نبوته، ويعلموا أنّ ما أتاهم به فمن عنده».

44

الآية 34

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: 34)

(1) قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيس). هذه هي النعمة الخامسة من النعم العامة التي أنعم الله بها على آدم وذريته، وهي أنه تعالى جعل الملائكة يسجدون له، وهذا يدل على أنّ الإنسان أفضل من الملائكة، كما إنّ سجود يعقوب وزوجته وأولاده ليوسف عليه السلام يدل على تفضيل يوسف عليهم، فالسجود يدل على التفضيل. فإن قيل: إنّ السجود كان لآدم، أما أولاده فمنهم من يكون مثله على الإيمان ومنهم من يكون بخلافه على الكفر، فهل الإنسان الكافر أفضل من الملائكة؟. الجواب على ذلك: إنّ تفضيل الإنسان على الملائكة حكم عام، والتفصيل في ذلك: إنّ الإنسان المؤمن أفضل من الملائكة، وعبادته لله أفضل من عبادة الملائكة، لأنّ الملائكة جُبلوا على الطاعة والإنسان جُبل على الاختيار، فإن أطاع الله وعبده كانت عبادته وطاعته أفضل من عبادة الملائكة وطاعتهم، أما الإنسان الكافر فهو ليس لأفضل من الملائكة، وليس أفضل من الحيوان، لأنه لم يعبد الله ولم يطعه فهو أضل من الأنعام وأقل سوية منها، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُون) (الأعراف: 179). فانتبه لنفسك أيها الإنسان!! إما أن تكون أفضل من الملائكة بأن تعبد الله وتطيعه، وإما أن تكون أدنى من الحيوان بأن تكفر بالله وتعصيه، ولا منزلة بين المنزلتين.

(2) قوله تعالى: (إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِين). يدل على أنّ السبب في ضلال إبليس وعصيانه هو الكبر، والله تعالى حينما ذكر السبب في ضلال إبليس فإنما ذكره ليحذر الناس منه وينفرهم عنه، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر»، فقال رجل: إنّ الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله جميل يحب الجمال، والكبر بطر الحق وغمط الناس» (مسلم)، وفي رواية «وغمص» بالصاد. ومعنى (بطر الحق) تسفيهه وإبطاله، ومعنى (غمط الناس) احتقارهم وازدراؤهم، ومعنى (غمص الناس) استصغارهم وعدم رؤيتهم شيئا.

45