الآيات 26-27
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (البقرة: 26-27)
(1) الحياء حالة نفسية يرافقها تغير بدني تبدأ بالخوف وتنتهي بالترك، وهذه الحالة تصيب الأجسام فلا يصح وصف الله عز وجلّ بها لا في النفي ولا في الإثبات، وإذا كان الحياء هو ما ذكرنا فالأدب التربوي مع الله يقتضي أن لا نصفه بذلك، فلا نقول عنه أنه (المستحي) أو أنه (غير المستحي)، والأولى حمل هذا اللفظ على معنى الترك، وهو نهاية الاستحياء. فنقول في قوله تعالى: (إنّ الله لا يستحيي أن يضرب مثلا): إنّ الله لا يترك ضرب المثل، أو نقول إنّ ذلك من قبيل المشاكلة اللفظية، لأنّ قوله: (إنّ الله لا يستحيي أن يضرب مثلا)، هو جواب لسؤال الكافرين والمنافقين حيث قالوا: أما يستحيي ربك يا محمد أن يضرب الأمثال؟!. ومثل ذلك يقال في هذه الكلمة حيث وردت في الأحاديث النبوية كقول أم سُليم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿يا رسول الله، إنّ الله لا يستحيي من الحق...﴾ (مسلم)، أي: لا يأمر بالحياء فيه ولا يمتنع من ذكره.
(2) وقد تعهد الله هذه الأمة المسلمة بالرعاية والعناية فعلّمهم كيف يردون على حملات التشكيك والبلبلة التي يطلقها المنافقون والكافرون للنيل من الإسلام، والكيد له وتشكيك الناس فيه، وهذا النص رد على إحدى هذه المحاولات، إذ إنه بعد أن ضرب الله الأمثال في تبيان حقيقة المنافقين في مطلع هذه السورة، كقوله تعالى: (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا) وقوله تعالى: (أو كصيّب من السماء) قال المنافقون: الله أعلى وأجلّ أن يضرب الأمثال، فنزل قوله تعالى: (إنّ الله لا يستحيي أن يضرب مثلا). وفي رواية أنّ بعض المشركين قالوا: ما بال الذباب والعنكبوت يذكران في القرآن؟! فنزل قوله تعالى: (إنّ الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها)، وكلا القولين في نزول هذه الآية نقلا عن الذين كفروا، حيث قال: (وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا).
(3) إنّ معنى قوله تعالى: (إنّ الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها)، هو أنّ الله لا يترك ضرب المثل في الصغير والكبير، إذا كان في ذلك حكمة بالغة وفائدة تحصل للناس في تبيان حقائق ما يحتاجونه، وهذا أيضا يدل على العناية الإلهية بالناس واهتمامه تعالى بتعليمهم وتأديبهم.
(4) قوله تعالى في وصف الفاسقين: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون).