التفسير التربويالجزء 1 · ص 46 - 54

الآيات 35-36

الآيات 35-36

قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ (البقرة: 35-36)

(1) قوله تعالى: (وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَة). اعلم أنّ الله تعالى ما حرّم طعاما إلا وأحلّ طعاما آخر، وما حرّم شرابا إلا وأحلّ شرابا آخر، وما حرّم نكاحا إلا وأحلّ نكاحا آخر، وهذا من رحمته تعالى بالناس ورأفته بهم، وهذا أيضا من اليسر في الابتلاء والامتحان، لأنّ الغاية من الابتلاء ليس إسقاط الإنسان في المعصية وإنما إظهار الإرادة الكامنة عند الإنسان، وذلك لإعداده لمهمة إعمار الأرض والخلافة فيها. وهنا نجد أنّ الله تعالى عندما حرم على آدم وزوجته شجرة بعينها أحل لهم كل أشجار الجنة ما عدا هذه الشجرة، وهذا المنهج في التربية يحتاجه الدعاة، فإذا نهوا الناس عن الحرام شجعوهم على الحلال، وإذا حرموا عليهم أشياء مما حرمه الله عليهم فعليهم أن يوجدوا لهم البدائل مما أحله الله، فلا يكفي أن يقول الدعاة للناس: هذا حرام ... وهذا حرام، بل عليهم مساعدتهم على ترك الحرام وذلك بإيجاد البدائل. واعلم أنّ في هذه الآيات تحذيرا شديدا من المعاصي، وذلك أنّ المعصية التي وقع فيها آدم وزوجته كانت سببا في الخروج من الجنة والهبوط إلى الأرض، وكذلك كانت المعصية سببا في طرد إبليس من الجنة، وهذه قاعدة يجب زرعها في أذهان المسلمين وهي: إنّ المعصية تحط من درجة الإنسان، وربما نقلته من حالة الرغد والعيش الهنيء إلى حياة المشقة والضنك. وهذه التجربة التي مرّ بها آدم، تجربة الغواية والأكل من الشجرة التي نهاه الله عنها وتذوق العاقبة وتجرع الندامة وممارسة التوبة، ما هي إلا تربية وإعداد لآدم كي يواجه الحياة الدنيا، حيث إنّ الحياة الدنيا تختلف عن تلك الحياة القائمة في الجنة اختلافا كبيرا، فزوّده الله تعالى بهذه التجربة لأنه سيواجه وكذلك ذريته مثلها في الحياة الدنيا، فكانت هذه التجربة إعدادا له لمهمة الخلافة في الأرض.

(2) قوله تعالى: (بعضكم لبعض عدو). تنبيه للإنسان إلى طبيعة العلاقة مع الشيطان، فهي علاقة تقوم على العداوة الدائمة والمستمرة، وتوجيه له أن يكون على يقظة وعلى حذر، من أمر الشيطان الذي أخرج آدم من الجنة، وأقسم أنه سيمنع ذرية آدم من دخول الجنة ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

46

الآية 37

قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 37)

(1) قوله تعالى: (من ربه). ولم يقل: من الله، لأنّ كلمة الرب هنا أنسب للموضوع، حيث إنّ الرب هو المربي، وآدم حين وقع في المعصية احتاج إلى الله بصفته ربا كي يربيه ويعلمه كيفية التوبة والكلمات التي يقولها ليعبر بها عن توبته. ومن هنا نلمح العناية الإلهية بآدم وذريته في تعليمه كيفية التوبة، وهي النعمة السادسة من النعم العامة على الإنسان، والكلمات التي تلقاها آدم من ربه فقالها، فقبل الله توبته بها، هي قوله تعالى: (قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين) (الأعراف: 23)، لاحظ قالا: ربنا، ولم يقولا: إلهنا، وذلك لأنّ كلمة الرب هنا أنسي وأليق بالسياق القرآني.

(2) قوله تعالى: (إنه هو التواب الرحيم). وصف الله نفسه بأنه (التوّاب)، ومعنى التوّاب هو الذي يقبل التوبة من العبد مرة بعد مرة، وهي صيغة مبالغة من التوبة. وذلك أنّ العبد لا يذنب مرة واحدة فقط وإنما يذنب مرة بعد مرة، والله هو التواب الذي يقبل التوبة مهما تكررت المعصية، وإن عاد المذنب في اليوم سبعين مرة، وهذا بخلاف البشر الذين يقبلون التوبة لمرة واحدة أو لمرات قليلة. ولوصفه تعالى نفسه بأنه (التوّاب) معنى آخر، وهو أنّ الذين يتوبون إلى الله عددهم كبير ومعاصيهم كثيرة، ومع ذلك فإنّ الله يقبل توبة الجميع مهما بلغت خطاياهم. والتوبة لا تصح إلا بشروط: (أولها) الإقلاع عن الذنب، فلا يسمى تائبا من الذنب من كان مستمرا فيه. (وثانيها) الندم على الفعل، فلا يسمى تائبا من كان لا يحسّ أنه ارتكب ذنبا ووقع في معصية الله. (وثالثها) العزم على عدم العودة إلى الذنب، فلا يسمى تائبا من كان ينوي الرجوع إلى الذنب. (ورابعها) رد الحق إلى أصحابه، فلا يسمى تائبا من كان حق الناس في يديه، لأنّ التمسك بحقوق الناس يعني الاستمرار في الذنب. فانظر إلى رحمة الله تعالى بالناس ورأفته بهم حين علمهم كيف يتوبون إليه. كل مذنب بحاجة إلى التوبة، لأنّ آدم على علو شأنه وارتفاع مكانه ما استغنى عن التوبة، فحاجة ذريته إليها من قبيل الأولى، والمسلم لا يستنكف عن التوبة، لأنّ الاستنكاف عن التوبة ليس من سبيل المؤمنين، وإنما هو سبيل الجبارين المتكبرين على الله، الذين يبطرون الحق ويردون النعمة التي أنعم الله بها على عباده، أي: نعمة التوبة.

47

الآيات 38-39

قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: 38-39)

لنا مع هذه الآيات الوقفات التربوية التالية:

(1) قوله تعالى: (فإما يأتينكم مني هدى) فيه تنبيه على عظيم نعمته تعالى على آدم وحواء وذريتهما، وهذه هي النعمة السابعة من النعم العامة على بني الإنسان وهي نعمة الهداية، ومعنى هذا الكلام أنّ الله تعالى وإن كان أهبط آدم وحواء من الجنة فقد تكفل لهم بنعمة الهداية، التي إن اتبعوها بعد أن تأتيهم من الله كان ذلك طريقا لعودتهم إلى الجنة والخلود غيها خلودا أبديا لا ينقطع.

(2) قوله تعالى: (فمن تبع هُداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) تعليم للناس أنّ الطريق إلى الجنة يكون بالاتباع (فمن تبع هُداي) وليس بالتقليد، أي: بالعمل والطاعة وليس بمجرد الانتساب إلى الهدى أو ادعائه.

(3) لما كان الحديث عن الترغيب بقوله تعالى: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون)، حسن التعقيب عليه بالترهيب بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون).

(4) من رحمته تعالى بالناس ورأفته بهم أنه لم يتركهم كي يتوصلوا إلى الهدى بمجرد إعمال العقول في ذلك بل تكفل بإرسال الهدى إليهم، وما عليهم إلا أن يتبعوه، فانظر إلى رحمته تعالى بالإنسان.

إلى هنا ينتهي الكلام عن النعم العامة على جميع بني آدم، واعتبارا من الآية القادمة يبدأ الكلام عن النعم الخاصة على بني إسرائيل. وقد ذكر الله تعالى في الآيات السابقة من النعم العامة على الناس: (1) نعمة الحياة. (2) نعمة التسخير. (3) نعمة الاستخلاف. (4) نعمة التعليم. (5) نعمة التكريم والتفضيل على الملائكة وسائر ما خلق الله. (6) نعمة التوبة. (7) نعمة الهداية.

48

الآية 40

قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (البقرة: 40)

(1) قوله تعالى: (يَا بَنِي إِسْرائيل). يخاطب الله تعالى اليهود بصفتهم أبناء إسرائيل، وهو يعقوب عليه السلام، وهذا من قبيل التحريض على الطاعة والتشجيع على الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وتقديره: يا بني العبد الصالح المطيع، كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق والثبات عليه، كما يقال: يا بن الكريم أنفق في سبيل الله، ويا بن الشجاع قاتل قتال الأبطال، ويا بن العالم كن مثل أبيك في طلب العلم.

(2) قوله تعالى: (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُم). ليس المقصود نعمة محددة، وإنما مجموع النعم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل، وسيرد بعضها في الآيات القادمة.

والتذكير بالنعم له مدلولات تربوية كثيرة: (1) الدلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنّ في جملة النعم التوراة والإنجيل، وكلاهما يشهد بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصفته ونعته. (2) إنّ كثرة النعم توجب عظم معصية المنعم، فالتذكير بالنعم هو من قبيل التحذير من المخالفة والمعصية. (3) التذكير بالنعم يوجب الحياء من المنعم، ويوجب الحياء من معصيته ومخالفته. (4) التذكير بالنعم يعني الاستمرار بها وإتمامها، فيطمع المنعم عليه بمزيد من النعم، وهذا الطمع مانع من فعل المخالفة والمعصية. يقول الإمام الرازي في تفسيره: ((فإن قيل: هذه النعم ما كانت على المخاطبين بل كانت على آبائهم، فكيف تكون نعما عليهم وسببا لعظم معصيتهم؟. والجواب من وجوه: (أحدها) لولا هذه النعم على آبائهم لما بقوا وما كان يحصل هذا النسل، فصارت النعم على الآباء كأنها نعم على الأبناء. (وثانيها) أنّ الانتساب إلى الآباء ــ وقد خصهم الله بنعم الدين والدنيا ــ نعمة عظيمة في حق الأبناء. (وثالثها) الأولاد متى سمعوا أنّ الله تعالى خصّ آباءهم هذه النعم لمكان طاعتهم وإعراضهم عن الكفر والجحود، رغب الولد في هذه الطريقة، لأنّ الولد مجبول على الاقتداء بالأب في أفعال الخير، فيصير هذا التذكير داعيا إلى الاشتغال بالخيرات والإعراض عن الشرور)).

(2) قوله تعالى: (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ). هذا انتقال من الترغيب إلى الترهيب، واستعمال للترغيب والترهيب معا، وهذا أفضل من الناحية التربوية، وأقوى في إثارة كوامن النفس البشرية ودواخلها.

49

الآية 41

قوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ (البقرة: 41)

سئل الحسن البصري في قوله تعالى: (ثمنا قليلا) فقال: «الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها». ومع أنّ قوله تعالى: (ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا) موجه إلى اليهود وخاصة أحبارهم، فإنه يدخل في الخطاب كل من فعل فعلهم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وغيرهم من أتباع الأديان. ومع أنّ المقصود من شرائهم بآيات الله ثمنا قليلا هو كتمانهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم المذكورة عندهم في التوراة، وتغيير هذه الصفة مقابل ما كان الأحبار يأخذونه من الرشى والأجور من أتباعهم وعامتهم، فإنه يدخل في الشراء بآيات الله ثمنا قليلا أخذ الرشى على الحكم وكتما الحق أمام من يزعجه بيان الحق لخروجه عنه، فالنص على عمومه ولا داعي للتخصيص. قال الإمام القرطبي في تفسيره: «وهذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول من فعل فعلهم. فمن أخذ رشوة على تغيير حق أو إبطاله، أو امتنع من تعليم ما وجب عليه، أو أداء ما علمه وقد تعين عليه حتى يأخذ عليه أجرا، فقد دخل في مقتضى الآية». وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يمنعنّ أحدَكم هيبة أحد أن يقول أو يقوم بالحق حيث كان» (الترمذي وابن ماجة). ويقول أيضا: «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» (الترمذي وابن ماجة). هكذا أراد الله تعالى أن يربي المسلمين على أنّ أيّ شيء يأخذه المسلم مقابل كتمان آيات الله أو تبديلها أو تحريفها فهو ثمن زهيد، لأنه لو أخذ الدنيا كلها مقابل ذلك فهي ثمن زهيد، فكيف الحال بمن يقبل بأقلّ من ذلك بكثير؟!.

50

الآية 42

قوله تعالى: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 42)

(1) هذه الآية نزلت في بني إسرائيل، ومعناها أنّ اليهود كانوا يمارسون خلط الحق بالباطل أحيانا وكتمان الحق في أحيان أخر، وقيل: (ولا تلبسوا الحق بالباطل) هو قولهم: إنّ محمدا نبي مبعوث إلى غير اليهود، (وتكتموا الحق) هو قواهم: إنّ محمدا ليس نبيا. إنّ النهي عن الفعل هو تحذير منه، والتحذير أحد الأساليب التربوية في القرآن، وفي هذا النص يحذر الله اليهود من بعض الأعمال التي كانوا يمارسونها بقصد إثارة البلبلة في المجتمع المسلم، وبقصد إثارة الشك والاضطراب، وبقصد إضلال الناس ولإبعادهم عن الإسلام، ومن هذه الأعمال لبس الحق بالباطل تارة وكتمان الحق تارة أخرى. وهذا الخطاب وإن نزل في اليهود فإنه عام فيمن يحمل تلك الصفات، وفيه تنبيه لسائر الناس وتحذير من ممارسة هذه الأساليب الضالة المضلة، ويدخل في هذا الخطاب المسلمون وخاصة العلماء منهم، إذ الأولى بهم قول الحق واضحا صريحا، لا يخافون في الله لومة لائم، حيث قال تعالى في صفة القوم الذين يحبهم ويحبونه: (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِم) (المائدة: 54).

(2) قوله تعالى: (وأنتم تعلمون). قيّد اللبس والكتمان بالعلم، لأنّ هذا هو الغالب فيمن يمارس لبس الحق بالباطل وكتمان الحق، وهذا النهي وإن قيّد بالعلم فلا يدل على جواز اللبس والكتمان في حال الجهل، وإنما قيّد اللبس والكتمان بالعلم لأنّ الإقدام على اللبس والكتمان مع العلم أقبح وأفحش من اللبس والكتمان مع الجهل، وبذلك تكون هذه الآية دالة على عظمة العلم ومسؤولية العالم، وأنّ العالم ليس كالجاهل في الحساب والجزاء والعقاب عند الله تعالى، والله أعلم.

51

الآية 43

قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (البقرة: 43)

(1) قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة). الصلاة في اللغة معناها: الدعاء، وسميت الصلاة بهذا الاسم من قبيل تسمية الكل باسم الجزء لأنّ غالب الصلاة الأدعية. وقيل: إنّ الصلاة مأخوذة من قولهم: صليت العود بالنار، إذا قوّمته وليّنته، فكأنّ المصلي يقوّم نفسه بالمعاناة فيها ويلين ويخشع، وهذا المعنى التربوي هو من الأهداف التربوية للصلاة ومن حكمها وفوائدها.

(2) قوله تعالى: (وآتوا الزكاة). الزكاة في اللغة مأخوذة من قولهم: زكا الشيء إذا نما وزاد، ويقال: زكا المال والزرع إذا نما وزاد، وسُمي الإخراج من المال زكاة، وهو نقص منه في الصورة، لأنّ المال ينمو ويزداد بالبركة وبالأجر الذي يُثاب عليه المزكي. وقيل: الزكاة مأخوذة من التطهير، يقال: زكا فلان أي طهر من الدنس، وسُمي الإخراج من المال زكاة لأنّ ما يخرج من المال هو تطهير للمال مما قد يكون لحقه من الحرام والمشتبه به، وهو تطهير لصاحب المال من الذنوب حيث قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) (التوبة: 103). وقيل: أصل الزكاة الثناء الجميل، ومن زكّى فلانٌ فلانا أي: أثنى عليه، وسمي الإخراج من المال زكاة لأنّ من أخرج المال يحصل له الثناء الجميل من الله ومن الناس. وعلى ذلك فإنّ للزكاة، أيا كان اشتقاقها اللغوي، معان ومدلولات تربوية.

(3) قوله تعالى: (واركعوا مع الراكعين) بعد قوله (وأقيموا الصلاة). يفيد أنّ المقصود بالركوع ليس ركوع الصلاة، وإلا كان تكرارا لا فائدة منه، وإنما معنى قوله تعالى: (واركعوا مع الراكعين) هو: واخضعوا مع الخاضعين، لأنّ الركوع في اللغة معناه: الخضوع، فيكون الكلام نهيا عن الاستكبار وأمرا بالتذلل، فكأنه تعالى بعد أن أمرهم بالصلاة والزكاة أمرهم بالانقياد وترك التمرد، وهذا المعنى التربوي هو من أهداف العبادة بشكل عام ومن الصلاة والزكاة بشكل خاص. وقد استدل كثير من العلماء بقوله تعالى: (واركعوا مع الراكعين) على الصلاة مع الجماعة، وقالوا: إنّ معنى قوله تعالى: (واركعوا مع الراكعين) هو: كونوا مع المصلين، كما استدل آخرون على وجوب الجماعة في الإسلام من هذه الآية وقالوا: إنّ معنى قوله تعالى (واركعوا مع الراكعين) هو: كونوا مع المؤمنين.

(4) قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِين). خطاب موجه إلى اليهود الذين عُرفوا بالعزلة والتقوقع والتعصب الذميم، ومعناه: دعوة إلى الاندماج في موكب المؤمنين والدخول في الصف الإسلامي وترك تلك الحالة التي يعيشونها والتي لا يرضى الله عنها.

52

الآية 44

قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 44)

قوله تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُم) استفهام ومعناه التوبيخ، وقوله تعالى: (وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَاب) توبيخ عظيم لمن فهمه، وقوله: (أَفَلا تَعْقِلُون) تعجيب للعقلاء ممن كان أمره على شاكلة هؤلاء القوم الذين يأمرون الناس بأفعال الخير ولا يفعلونها، وينهونهم عن أفعال الشر ويفعلونها. وكل هذه الأساليب البيانية يستخدمها القرآن كأساليب تربوية لترسيخ هذه الحقيقة التربوية التي تهم كل مسلم وخاصة العلماء والدعاة منهم، وهي حقيقة الانسجام بين القول والفعل، والتوافق بين العقيدة والسلوك. ومع أنّ هذا النص هو خطاب لبني إسرائيل فإنه عام لكل الناس وخاصة المسلمين منهم، لأنّ المشكلة التي يحذر منها والحقيقة التي يدعو إليها تهم كل مسلم، وهذا النص يواجه حالة مرضية، وآفة تصيب رجال الدين عندما يتحول الدين إلى مجرد حرفة وصنعة، حيث يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يقولون، وهم بذلك يشككون الناس في حقيقة الدين الذي ينتمي إليه رجال الدين، وفي أسس الدعوات التي ينتمي إليها هؤلاء الدعاة. وليس المراد من هذا النص الذم على الأمر بالبر وإنما الذم على تركه، لأنّ الأمر بالبر واجب وفعل البر واجب، ولا يسقط أحدهما بترك الآخر.

(1) رُوي عن ابن عباس رضي الله عنه: ((أنه جاءه رجل فقال: يا بن عباس، إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، قال ابن عباس: أبلغت ذلك؟ قال: أرجو، قال ابن عباس: إن لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات من كتاب الله فافعل، قال: وما هنّ؟ قال ابن عباس: قوله تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُم) (البقرة: 44)، أحكمت هذه؟ قال: لا، قال: فالحرف الثاني قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُون) (الصف: 2ــ 3)، أحكمت هذه؟ قال: لا، قال ابن عباس: فالحرف الثالث قول العبد الصالح شعيب عليه السلام: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْت) (هود: 88)، أحكمت هذه؟ قال: لا، قال ابن عباس: فابدأ بنفسك)) (تفسير ابن كثير).

(2) وقال إبراهيم النخعي: ((إني لأكره القصص لثلاث آيات: قوله تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُم) (البقرة: 44)، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُون) (الصف: 2ــ 3)، وقوله تعالى إخبارا عن شعيب عليه السلام: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْت) (هود: 88)) (القرطبي).

(3) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: خطباء أمتك من أهل الدنيا، ممن يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم» (أحمد وابن حبان).

53

(4) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق به أقتابه، يعني: أمعاؤه، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه، فيقولون: يا فلان، ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه» (البخاري ومسلم).

(5) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه» (ابن ماجة).

(6) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ أناسا من أهل الجنة يطلعون على أناس من أهل النار، فيقولون: بم دخلتم النار؟ فوالله ما دخلنا الجنة إلا بما تعلمنا منكم؟ فيقولون: إنا كنا نقول ولا نفعل» (ابن عساكر وابن جرير الطبري).

(7) وقال الإمام الرازي في تفسيره: «قيل: عما رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل، وأما من وعظ واتعظ فمحله عند الله عظيم».

(8) وقال أبو الأسود الدؤلي:

لا تنه عن خُلق وتأتيَ مثله * عار عليك إذا فعلت عظيمُ

وابدأ بنفسك فانهها عن غيّها * فإن انتهت عنه فأنت حكيمُ

فهناك يُقبل إن وعظت ويُقتدى * بالقول منك وينفع التعليمُ

(9) وقال الشاعر:

يا واعظ الناس قد أصبحت متهما * إذ عبت منهم أمورا أنت تأتيها

أصبحت تنصحهم بالوعظ مجتهدا * والموبقات لعمري أنت جانيها

تعيب دنيا وناسا راغبين لها * وأنت أكثر الناس رغبة فيها

54