الآيات 35-36
قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ (البقرة: 35-36)
(1) قوله تعالى: (وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَة). اعلم أنّ الله تعالى ما حرّم طعاما إلا وأحلّ طعاما آخر، وما حرّم شرابا إلا وأحلّ شرابا آخر، وما حرّم نكاحا إلا وأحلّ نكاحا آخر، وهذا من رحمته تعالى بالناس ورأفته بهم، وهذا أيضا من اليسر في الابتلاء والامتحان، لأنّ الغاية من الابتلاء ليس إسقاط الإنسان في المعصية وإنما إظهار الإرادة الكامنة عند الإنسان، وذلك لإعداده لمهمة إعمار الأرض والخلافة فيها. وهنا نجد أنّ الله تعالى عندما حرم على آدم وزوجته شجرة بعينها أحل لهم كل أشجار الجنة ما عدا هذه الشجرة، وهذا المنهج في التربية يحتاجه الدعاة، فإذا نهوا الناس عن الحرام شجعوهم على الحلال، وإذا حرموا عليهم أشياء مما حرمه الله عليهم فعليهم أن يوجدوا لهم البدائل مما أحله الله، فلا يكفي أن يقول الدعاة للناس: هذا حرام ... وهذا حرام، بل عليهم مساعدتهم على ترك الحرام وذلك بإيجاد البدائل. واعلم أنّ في هذه الآيات تحذيرا شديدا من المعاصي، وذلك أنّ المعصية التي وقع فيها آدم وزوجته كانت سببا في الخروج من الجنة والهبوط إلى الأرض، وكذلك كانت المعصية سببا في طرد إبليس من الجنة، وهذه قاعدة يجب زرعها في أذهان المسلمين وهي: إنّ المعصية تحط من درجة الإنسان، وربما نقلته من حالة الرغد والعيش الهنيء إلى حياة المشقة والضنك. وهذه التجربة التي مرّ بها آدم، تجربة الغواية والأكل من الشجرة التي نهاه الله عنها وتذوق العاقبة وتجرع الندامة وممارسة التوبة، ما هي إلا تربية وإعداد لآدم كي يواجه الحياة الدنيا، حيث إنّ الحياة الدنيا تختلف عن تلك الحياة القائمة في الجنة اختلافا كبيرا، فزوّده الله تعالى بهذه التجربة لأنه سيواجه وكذلك ذريته مثلها في الحياة الدنيا، فكانت هذه التجربة إعدادا له لمهمة الخلافة في الأرض.
(2) قوله تعالى: (بعضكم لبعض عدو). تنبيه للإنسان إلى طبيعة العلاقة مع الشيطان، فهي علاقة تقوم على العداوة الدائمة والمستمرة، وتوجيه له أن يكون على يقظة وعلى حذر، من أمر الشيطان الذي أخرج آدم من الجنة، وأقسم أنه سيمنع ذرية آدم من دخول الجنة ما استطاع إلى ذلك سبيلا.