التفسير التربويالجزء 1 · ص 451 - 459

الآية 25

الآية 25

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيم﴾ (النساء: 25)

(1) إنّ اللمسة التربوية الأولى التي نلمحها في هذه الآية هي رحمته تعالى بالمؤمنين حين رخص لهم في نكاح الإماء المؤمنات وذلك تمشيا مع منهج الإسلام القائم على محاربة الزنا من خلال الزواج, حيث إنّ الأصل في المؤمن أن يتزوج الحرة ولا يتزوج الأمة, وقد رخّص الله تعالى في هذه الآية في نكاح الأمة ولكن بشرطين: (الأول) أن لا يستطيع المؤمن نكاح الحرة لقلة المال والسعة والغنى وذلك قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَات), (والثاني) أن يخاف المؤمن على نفسه الوقوع في الزنا وذلك قوله تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُم) أي: خاف على نفسه مشقة الوقوع في الزنا، وبقية الشروط هي نفسها شروط نكاح الحرة، ومنها الإيمان لقوله تعالى: (مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَات)، ومنها إذن الولي لقوله تعالى: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِن)، ومنها المهر أو الصداق لقوله تعالى: (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوف).

(2) واللمسة التربوية الثانية في هذه الآية هي تكريم الإسلام للإماء العبيد, ونلمح هذا التكريم من خلال قوله تعالى واصفا الجواري والإماء بالفتيات حيث قال تعالى: (فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَات)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقل أحدكم عبدي وعبدتي وليقل فتاتي وفتاي» (البخاري)، والأصل في كلمة فتى وفتلة أنها تطلق على الشاب الحر والشابة الحرة ثم أوجب الإسلام إطلاقها على كل عبد وعبدة. كما نلمح التكريم من خلال قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم) ومعناه: أنّ المسلم يتعامل مع المؤمنين على ظواهرهم ويكل سرائرهم إلى الله تعالى, ومدلوله: أنه ربما كانت الأمة المؤمنة أفضل إيمانا من الحرة المؤمنة, فمن هنا لا يستنكف المؤمن عن نكاح الأمة المؤمنة ظنا منه أنها أقل إيمانا من الحرة المؤمنة. ونلمح هذا التكريم من خلال قوله تعالى: (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْض) ومعناه: أنّ المؤمنين الأحرار مثل المؤمنات الإماء، فهم متساوون في الإنسانية وهم متساوون في الإيمان, والظروف الاجتماعية التي تميز بعضهم عن بعض لا تلغي صفة المساواة في الأصل الإنساني وفي الأصل الإيماني، وهذا كله كان قبل أن يشرع الإسلام بتحرير العبيد، والآن لا عبودية في الإسلام.

(3) قوله تعالى: (مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَان)، في وصف المرأة المسلمة, وقد تقدم مثله في الآية السابقة في وصف الرجل المسلم حيث قال: (محصنين غير مسافحين) ونذكّر هنا أنّ هذه الكلمات تصور طبيعة العلاقة الجنسية القائمة على الزواج وطبيعة العلاقة الجنسية القائمة على الزنا, فالعلاقة الجنسية في الزواج تقوم على الإحصان وهو المنع, حيث إنّ الزواج يمنع صاحبته هنا من الزنا والفواحش، وهو أغض للبصر وأحصن للفرج ويساعد على حفظ اللسان من الكلام الفاحش وحفظ النظر عن الزنا بالعين وحفظ السمع عن الزنا بالأذن وحفظ اليد من الزنا باللمس، والعلاقة الجنسية في الزنا تقوم على السفاح وهو الصب حيث إنه لا هم للمرأة هنا من الزنا إلا صب وسكب السائل المنوي وهي صورة قبيحة تشبه التبول، وقد استخدم القرآن هذه الألفاظ كطريقة تربوية للترغيب في الزواج والترهيب من الزنا.

451

(4) قوله تعالى: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَاب). هذه الآية تقرر أنّ عقوبة الأمة في حال الزنا هي نصف عقوبة الحرة، أي تجلد خمسين جلدة سواء كانت بكرا أم كانت ثيبا لأنّ الرجم لا يتنصّف، وهنا نلمح واقعية التشريع الإسلامي حيث إنّ ظروف حياة الأمة وخضوعها لأوامر السيد الذي يرسلها لقضاء الحوائج ورعاية الغنم وغير ذلك يجعلها أقرب إلى التعرض للرجال والوقوع في الحرام, والواقعية هنا أنّ الإسلام لم يرفع عنها الحد والعقوبة فيصير ذلك بمثابة التشجيع على الفاحشة, ولم يجعل عقوبتها كعقوبة الحرة مع وجود الظروف المخففة فيصير ذلك ظلما لها، وقد ذكر القرطبي في تفسيره: «أنّ عمر بن الخطاب سئل عن حد الأمة؟ فقال: إنّ الأمة ألقت فروة رأسها من وراء الدار. قال أبو عبيد: وهو لم يرد الفروة بعينها, ولكن هذا مثل! إنما أراد بالفروة القناع, يقول: ليس عليها قناع ولا حجاب, وأنها تخرج إلى كل موضع يرسلها أهلها إليه, لا تقدر على الامتناع من ذلك, فتصير حيث لا تقدر عن الامتناع من الفجور, مثل رعاية الغنم وأداء الضريبة وغير ذلك».

ويستفاد من هذه الواقعية في عقوبة الأمة الزانية كلمة صغيرة نقولها في إقامة الحدود الشرعية: فالأصل في إقامة الحدود الشرعية هي الظروف الشرعية, فلا تقام الحدود الشرعية ما لم نمهد لذلك بفتح أبواب الخير وإغلاق أبواب الشر في المجتمع وذلك من قبيل المساعدة على عدم الوقوع في المخالفات, فلا يقام حد الزنا مثلا في مجتمع يبيح التبرج والسفور، كما لا يقام حد السرقة في مجتمع يعيش حالة من الفقر الشديد كما حصل في عام الرمادة في زمن عمر بن الخطاب, وباختصار لا يعاقب عقوبة كاملة من يعيش في ظروف تغري في المعصية وتشجع عليها, ولو سمحنا بإقامة الحد الشرعي على المسلم ونحن نشجعه على المخالفات ونغريه بها لكان ذلك ظلما وإساءة للشريعة الإسلامية, لأنّ الأصل في العقوبات الشرعية هي الردع عن المعصية والله تعالى ليس بحاجة إلى رؤوس مقطوعة وأيدي وأرجل مقطّعة, فالدين لخدمة الإنسان وليس الإنسان لخدمة الدين, وقد قامت إحدى الدول الحالية بتطبيق قطع الأيدي والأرجل عقوبة على السرقة والفساد فأدى ذلك إلى كم هائل من العجزة والعاطلين عن العمل الذين ابتلي المجتمع بهم وذلك أنّ هذه الدولة لم تطبق الشريعة من خلال واقعية الشريعة, وكان من نتائج تلك التجربة أن أقيم حد الردة وهو القتل على شخصية إسلامية بارزة لها أنصارها وأتباعها والمؤمنين بها, فاعتبروا يا أولي الألباب!.

452

(5) قوله تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُم). أصل العنت في اللغة هو المشقة، والمراد به هنا مشقة الوقوع في الزنا في حال عدم نكاح الحرة لعدم القدرة على ذلك النكاح. ونقف هنا أمام أسلوب تربوي فريد يستخدمه القرآن هو أسلوب الكلمة والدلالة التعبيرية لهذه الكلمة, فالله تعالى يسمي الزنا هنا بالعنت وهو كذلك بالنسبة للمسلم ويجب أن يكون كذلك, لأنّ نظرة المسلم إلى الزنا على أنه ذنب كبير، من يفعله فهو يخالف الله ويعرّض نفسه للعقوبة الدنيوية والعقوبة الأخروية, أما العقوبة الدنيوية فهي الجلد أو الرجم والفضيحة والعار أمام الناس، وأما العقوبة الأخروية فهي العذاب في نار جهنم, وكل هذا من قبيل العنت والمشقة بالنسبة للمؤمن، أما غير المؤمن فهو ينظر إلى الزنا على أنه متعة وشهوة يقضيها وربما يستمتع بسرقتها.

(6) قوله تعالى: (وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُم). معناه: الصبر على العزوبة خير من نكاح الأمة, وهذا ليس تقليلا من قيمة الأمة وإنما هو واقعية في التعامل مع الواقع، حيث إنّ نكاح الأمة يوجب رق الولد الذي تنجبه الأمة لسيدها, فالذي يتزوج الأمة إنما يحكم على ذريته بالعبودية سلفا وهذه هي علة التفضيل وهي علة تحريم نكاح الأمة الكافرة مهما كانت الظروف، لأنّ ذرية المؤمن ستكون مستعبدة لغير المؤمن وهو سيد الأمة الكافرة, والله تعالى لم يجعل للكافر ولاية على مؤمن.

453

الآيات 26-28

قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفا﴾ (النساء: 26-28)

(1) هذه الآيات تصور طبيعة العلاقة بين الله والإنسان، فهي ليست علاقة صراع وتناقض ومطاردة وإنما هي علاقة رحمة ومحبة وتربية، لأنّ الله هو رب كل شيء وبالتالي فهو رب للإنسان يتعهده بالرعاية والعناية والإصلاح والتربية والبيان والهداية.

(2) قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُم). والمقصود منه بيان الحلال والحرام والحق والباطل والصحيح والخاطئ وما يُصلح وما يُفسد, والمقصود منه كذلك بيان الحكمة من التشريعات لما في ذلك من التشجيع على فعلها وترك مخالفتها, فكلمة (ليبين لكم) كلمة عامة في كل بيان شرعه الله للإنسان في كتابه وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم, وإنه لتكريم للإنسان أن يخاطبه الله قائلا (أريد أن أبيّن لك) ولهذا الخطاب أثره التربوي في نفسية الإنسان، يجعله أكثر ارتباطا بالله وأكثر محبة لله وأكثر تشجيعا على فعل ما يؤمر به وترك ما ينهى عنه.

(3) قوله تعالى: (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم). له وقع خاص في نفسية المؤمن، وله أثره التربوي الذي ينبثق عن هذا الإيقاع الخاص, حيث يحس المسلم بوحدة المؤمنين بغض النظر عن الزمان وبغض النظر عن المكان, فأمة محمد مع أمة آدم مع أمة نوح مع أمة كل نبي شيء واحد ووحدة متكاملة ولا قيمة للزمان أو المكان الذي يفصلهم، لأنّ الله واحد، ومنهجه وتشريعه للناس واحد، وسننه التي أنزلها على الأنبياء وأممهم واحدة, فالمسلم ليس نبتة منقطع الجذور كما هو حال الشرك والكفر والإلحاد, والإسلام نبتة متغلغلة الجذور حيث تعود جذور هذا الدين إلى الإنسان الأول على هذه الأرض آدم عليه السلام.

(4) قوله تعالى: (وَيَتُوبَ عَلَيْكُم). يدل على طبيعة العلاقة بين المؤمن وربه في مجال الذنوب والسيئات، فالله تعالى بعث أنبياءه وأنزل كتبه ليتوب على الكافر بأن يتوب الكافر من كفره ويتوجه إلى الله, والله تعالى أنزل الشرائع وبين الحلال من الحرام ليتوب المؤمن الذنب الذي يقع في الحرام كي يتوب الله عليه, فالله تعالى (توّاب) يريد من المذنب أن يتوب كي يتوب عليه ويدخله الجنة، ولا يريد له التمادي في المعصية فيدخل النار ويستحق العقاب, وهو تعالى أرحم من الأم بولدها، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولا يهلك على الله إلا هالك» (مسلم).

(5) قوله تعالى: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم). قال الإمام الطبري في تفسيره: ((والله ذو علم بما يُصلح عباده في أديانهم ودنياهم, وغير ذلك من أمورهم, وبما يأتون ويذرون مما أحلّ أو حرّم عليهم, حافظ كل ذلك عليهم, (حكيم) بتدبيره فيهم, في تصريفهم فيما صرفهم إليه)), فقوله تعالى: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم) يحمل معاني الترغيب ولترهيب معا, الترغيب في طاعة الله وإتباع تشريعه، والترهيب من معصية الله ومخالفة تشريعه.

454

(6) قوله تعالى: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيما). لما قرر الله تعالى في الآية السابقة منهجه بأنه يريد أن يتوب على الناس بأن يتوبوا إليه فيتوب عليهم, أكد في هذه الآية نفس النهج ولكن بطريقة أخرى وهي طريقة المقارنة مع منهج أعداء الإنسان وهم الذين يتبعون الشهوات لأنّ الشيء لا يظهر جيدا إلا بمقارنته مع ضده، فاعتمد في الآية السابقة طريقة التقرير واعتمد في هذه الآية طريقة المقارنة. فالله تعالى يريد صلاح الإنسان بأن بين له ما يحل وما يحرم وما يصح وما لا يصح، ودعاه إلى اتباع هذه التشريعات والالتزام بها كي يفوز بسعادة الدنيا وسعادة الآخرة, وأما الذين يتبعون الشهوات فيريدون للإنسان أن ينطلق من كل عقال وأن يحطم كل قيد, سواء كان هذا العقال دينيا أم أخلاقيا أم اجتماعيا أم عرفيا, ويريدون له أن يسلك طريق السعار الجنسي بلا حدود ولا قيد ولا نظام، فيتحول الناس إلى قطعان من البهائم لا هم لها إلا أن تنزو على بعضها، ومع أنّ (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَات) ينطبق على كل فئة تحمل هذا الوصف وهذه السمة إلا أننا نجد الآن هذه الصفة واضحة في اليهود حيث عبّروا عنها في برتوكولاتهم، حيث إنّ فوضى العلاقات الجنسية كانت ولا تزال المعول الهدام لكل الحضارات.

(7) قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُم). قال الإمام الرازي في تفسيره: ((في التخفيف قولان: (الأول) إباحة نكاح الأمة عند الضرورة وهو قول مجاهد ومقاتل, والباقون قالوا: هذا عام في كل أحكام الشرع, وفي جميع ما يسّره لنا وسهّله علينا, إحسانا منه إلينا, ولم يثقل التكليف علينا كما ثقل على بني إسرائيل, ونظيره قوله تعالى: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِم) (الأعراف: 157)، وقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر) (البقرة: 185)، وقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) (الحج: 78)). قلت: وهذه سمة عامة من سمات الشريعة الإسلامية وهي التخفيف واليسر والسهولة والسماحة, وما أحوج الدعاة إلى تربية المؤمنين على هذه السمة في جو يسوده التشدد والغلو في مواجهة التفلت والتسيب من الدين، وفي الأحاديث الشريفة تأكيد على هذه السمة حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت بالحنيفية السهلة السمحة» (أحمد)، وقال أيضا: «يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا» (البخاري)، وقال أيضا: «إنّ هذا الدين يسر ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه» (النسائي)، وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها تصف رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما» (البخاري)، طبعا هذا في المباحات أما إذا كان أحد الأمرين محرما فلا مجال للتخيير. فما أحوج المسلمين الآن إلى تعلم هذه السمة ــ سمة السماحة واليسر والتخفيف ــ وإلى تطبيق هذه السمة ودعوة المسلمين إليها, ففيها تأليف للقلوب وبيان لسمة الرحمة في الإسلام والوجه الإنساني للشريعة الإسلامية.

455

(8) قوله تعالى: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفا). قال الإمام الرازي: «والمعنى: أنه تعالى لضعف الإنسان خفف تكليفه ولم يثقل, والأقرب أن يُحمل الضعف في هذا الموضع لا على ضعف الخلقة, بل يحمل على كثرة الدواعي إلى اتباع الشهوة واللذة, فيصير ذلك كالوجه في أن يضعف عن احتمال خلافه». وقد حمل بعض المفسرين الضعف هنا على أنه في أمر النساء، وهذا صحيح ولا ينافي المعنى العام الذي ذكره الإمام الرازي, قال ابن عباس رضي الله عنه في تفسير هذه الآية: «أي لا يصبر عن النساء» (القرطبي)، وقال طاووس: «ذلك في أمر النساء خاصة» (الطبري)، وقال وكيع: «يذهب عقله عندهن» (ابن كثير)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما رأيت ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم منكن» (البخاري)، وقال سعيد بن المسيب: «لقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عيني, وأنا أعشو بالأخرى, وصاحبي أعمى أصم ـ يعني ذكره ـ وإني أخاف من فتنة النساء» (القرطبي)، وقال عبادة بن الصامت: «ألا تروني لا أقوم إلا رفدا ـ يعني: يُعان على القيام ـ ولا آكل إلا ما لوق لي ـ يعني لبن و سخن ـ وقد مات صاحبي منذ زمان ـ يعني ذكره ـ وما يسرني أني خلوت بامرأة لا تحل لي, وأنّ لي ما تطلع عليه الشمس مخافة أن يأتيني الشيطان فيحركه علي, إنه لا سمع له ولا بصر» (القرطبي).

(9) وبيانا لأهمية هذه الآيات الثلاثة قال ابن عباس رضي الله عنه: ((ثماني آيات نزلت في سورة النساء خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت: (أولهن) قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم) (النساء: 26)، (والثانية) قوله تعالى: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيما) (النساء: 27)،

(والثالثة) قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفا) (النساء: 28)، (والرابعة) قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيما) (النساء: 40)، (والخامسة) قوله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيما) (النساء: 31)، (والسادسة) قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيما) (النساء: 48)، (والسابعة) قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيما) (النساء: 64)، (والثامنة) قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيما) (النساء: 110)) (تفسير ابن كثير).

456

الآيات 29-30

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرا﴾ (النساء: 29-30)

(1) قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا). خطاب للمؤمنين بالصفة المحببة إلى قلوبهم وهي صفة الإيمان, واستجاشة لضمائر المؤمنين لتنفيذ الأحكام الشرعية, ونلمح هنا أحد أساليب التربية القرآنية وهي ربط التشريع بالإيمان وطلب تنفيذ التشريع على أساس من الإيمان, ويستفاد من هذا الأسلوب في الخطاب ضرورة بناء الإيمان القوي والسليم بالله وبدينه كمرحلة أولى في تطبيق الشريعة، ومن ثم حث المؤمن على تطبيق الشريعة على أساس من إيمانه بالله صاحب الشريعة وبدين الله الذي ارتضاه للناس وهو الإسلام, واعلم أيها الداعية إلى الله أنّ كل خلل أو تلكؤ أو تقاعس أو إهمال في تطبيق الشريعة ناتج عن خلل أو تلكؤ أو تقاعس في حقيقة الإيمان، وربما عن تقليد في الإيمان لا يسمن ولا يغني من جوع, إذ إنّ كل بعد عن الشريعة الإسلامية لابد وأن يكون منبثقا من خلل أو ضعف في حقيقة الإيمان, ومن هنا ضرورة البدء بإصلاح الخلل في الإيمان قبل المباشرة في تصحيح الخلل في تطبيق الشريعة.

(2) قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُم). المدلول التربوي لهذه الآية هو الترغيب في العمل لكسب القوت والرزق وعدم التواكل على الله, قال الإمام الطبري في تفسيره: ((ففي هذه الآية إبانة من الله تعالى ذكره عن تكذيب قول الجهلة من المتصوفة المنكرين طلب الأقوات بالتجارة والصناعات, والله تعالى يقول: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُم) اكتسابا منا ذلك بها))، وقال الإمام القرطبي في تفسيره: «وفي هذه الآية مع الأحاديث التي ذكرناها ما يرد قول من ينكر طلب الأقوات بالتجارات والصناعات من المتصوفة الجهلة, لأنّ الله تعالى حرم أكلها بالباطل وأحلها بالتجارة وهذا بين». وللتاجر الصادق المسلم دور اجتماعي في الدعوة إلى الله أهم من دور العالم والداعية، وذلك لأنّ التاجر يتعامل مع الناس بالمال وهو عصب الحياة أما العالم والداعية فهو يتعامل مع الناس بالكلام، والنفوس جُبلت على حب من أحسن إليها, ولا شك أنّ الإحسان بالمال أهم من الإحسان بالكلام وفي كل خير, وإلى هذا المعنى أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث روى الدارقطني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «التاجر الصدوق الأمين المسلم مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة» (الدارقطني), وقال قتادة بن دعامة السدوسي: «كنا نحدث أنّ التاجر الأمين الصدوق مع السبعة في ظل العرش يوم القيامة» (الطبري).

457

(3) قوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم). أي: لا يقتل بعضكم بعضا, قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: «ولا يقتل بعضكم بعضا, وأنتم أهل ملة واحدة ودين واحد, فجعل جلّ ثناؤه أهل الإسلام كلهم بعضهم من بعض, وجعل القاتل منهم قتيلا, في قتله إياه منهم, بمنزلة قتله نفسه, إذ القاتل والمقتول أهل يد واحدة على من خالف ملتهم». قلت: وقد حمل بعض المفسرين هذه الآية على قتل النفس بمعنى الذات, وهذا لا يتنافى مع المعنى السابق, وإلى هذا المعنى أشار الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: «من قتل نفسه بشيء عُذب به يوم القيامة» (البخاري)، وبقوله: «من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا, ومن قتل نفسه بسمّ فسُمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا, ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو متردد في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا» (الترمذي)، وروى أبو داود عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال: ((لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم عام ذات السلاسل, قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد, فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح, قال: فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له, فقال: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قال: قلت: يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فذكرت قول الله عزّ وجل: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيما) فتيممت ثم صليت, فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا)) (أبو داود).

(4) قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيما). الرحمة من خصائص التربية, ولأنّ الله هو الرب فهو رحيم بالناس, قال الإمام الطبري في المدلول التربوي لهذه الآية: «إنّ الله تعالى لم يزل رحيما بخلقه, ومن رحمته بكم, أيها المؤمنون, كف بعضكم عن قتل بعض بتحريم دماء بعضكم على بعض إلا بحقها, وحظّر أكل مال بعضكم على بعض بالباطل, إلا عن تجارة يملك بها عليه برضاه وطيب نفسه، لولا ذلك هلكتم وأهلك بعضكم بعضا قتلا وسلبا وغصبا».

458

(5) قوله تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرا). قال الطبري: ((ذلك) عائد على ما نهى عنه من آخر وعيد, وذلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْها) (النساء: 19)، لأنّ كل ما نهى عنه من أول السورة قرن به وعيد إلا من قوله: (لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْها) فإنه لا وعيد بعده إلا قوله: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارا)), وهذا القول يدل على أهمية الوعيد والترهيب في التربية والردع عن مخافة التشريعات, كما يدل على منهج القرآن في القرن بين النهي عن الشيء والوعيد على فعله كقاعدة مطردة من قواعد التربية القرآنية, ويقال في العكس مثل ذلك, حيث يقرن القرآن بين الأمر والوعد، أي بين الحض على الفعل والترغيب في هذا الفعل.

459