التفسير التربويالجزء 1 · ص 460 - 469

الآية 31

الآية 31

قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيما﴾ (النساء: 31)

(1) تكفل الله تعالى في هذه لمن اجتنب الكبائر أن يدخله الجنة ويكفر عنه الذنوب الصغار, وهذه الآية من أكثر الآيات القرآنية دلالة على رحمته تعالى بالمؤمنين ومحبته لهم وقيامه بإصلاح شؤونهم ورعاية مصالحهم الدنيوية والأخروية، وذلك لعلمه تعالى بضعفهم وبشريتهم, كما إنّ هذه الآية من أكثر الآيات حثا على الطاعة وإبعادا عن المعصية لما تحمله من الترغيب الشديد والوعد الكبير, وذلك من أهم وسائل القرآن في التربية.

(2) وقد كان لهذه الآية أثرها التربوي في إيجاد الطمأنينة في نفوس المؤمنين وإلقاء السكينة في قلوبهم وإنشاء الراحة في ضمائرهم وجوارحهم، ونجد ذلك في الآثار المروية عن بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال أنس بن مالك رضي الله عنه: «لم نر مثل الذي بلغنا عن ربنا, ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال ــ ثم سكت هنيهة ــ ثم قال: والله لقد كلفنا ربنا أهون من ذلك! لقد تجاوز لنا عما دون الكبائر! فما لنا ولها؟ ثم تلا هذه الآية» (الطبري)، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «خمس آيات من سورة النساء , لهن أحب إلي من الدنيا جميعا، فذكر منها هذه الآية» (الطبري)، وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: «ثمان آيات نزلت في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، فذكر منها هذه الآية» (الطبري).

460

الآية 32

قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيما﴾ (النساء: 32)

التمني هنا بمعنى الحسد وهو يعني زوال النعمة عن الغير وحصولها للنفس, وروى الترمذي وأحمد في سبب نزول هذه الآية أنّ أم سلمة رضي الله عنها قالت: «يا رسول الله يغزوا الرجال ولا نغزوا، ولنا نصف الميراث» (الترمذي).

(1) الوقفة التربوية الأولى في هذه الآية هي أنه تعالى لما نهى في الآيات السابقة عن أكل الأموال بالباطل وعن قتل النفس أمر هنا بما يسهل ذلك وهو الرضا، وفي هذه الآية تربية على الرضا بما قسم الله للناس، فإنّ من لم يرض وقع في التمني والحسد، ومن وقع في الحسد جره ذلك إلى أكل مال الغير بالباطل وربما إلى قتل النفس, فإذا رضي الإنسان بما قسم الله له كان ذلك الرضا كالوقاية من الوقوع في الظلم والعدوان بأكل المال الحرام وربما قتل النفس المحرمة.

(2) والوقفة التربوية الثانية في هذه الآية هي أنه تعالى لما دعا في الآيات المتقدمة إلى تطهير الظاهر والجوارح بترك الأفعال القبيحة كأكل مال الغير بالباطل وقتل النفس المحرمة، دعا في هذه الآية إلى تطهير الباطن بالرضا بما قسم الله وترك التمني والحسد, فحصل من مجموع هذه الآيات تطهير الظاهر وتطهير الباطن وصولا إلى الطهارة الكاملة حيث الظاهر كالباطن في الطهارة.

(3) قوله تعالى: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْن). فيه تربية على أنّ طبيعة العلاقة بين الرجال والنساء هي علاقة تكامل ومساواة وليست علاقة صراع وتناقض كما تذهب إلى ذلك بعض الناهج الأرضية, وفيه تربية على إعطاء المرأة حقوقها كما هو الحال عند الرجل، فمن يعمل خيرا يلق خيرا ومن يعمل شرا يلقى شرا سواء كان العامل ذكرا أم أنثى, وفيه تربية على ضرورة التوازن بين الحقوق والواجبات سواء عند الرجل أم عند المرأة, فلا حقوق من غير واجبات ولا واجبات من غير حقوق لأنّ ذلك ظلم.

(4) قوله تعالى: (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِه). فيه العلاج لمشكلة التمني والحسد, فإنه تعالى لما ذكر مشكلة التمني والحسد ذكر هنا العلاج، وهو ما يسمى عند الفقهاء الغبطة وهي تمني حصول النعمة للنفس دون تمني زوالها عن الغير, فلا يتمنى المسلم أن يكون له ما عند فلان وإنما يتمنى أن يكون عنده مثل ما عند فلان, وهذا معنى قوله: (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِه)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سلوا الله من فضله , فإن الله يحب أن يُسأل, وإنّ أفضل العبادة انتظار الفرج» (الترمذي)، كما إنّ في عموم قوله تعالى: (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِه) تنبيه على أنّ الإنسان لا يعيّن شيئا في الطلب والدعاء والمسألة، فربما كان ما يعيّنه شر له وليس خيرا له، وإنما يطلب من الله ما يكون سببا لصلاح آخرته ودنياه على الإطلاق.

461

(5) قوله تعالى: (إِن َّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيما). تأكيد على الرضا والقناعة بما قسم الله للناس من خلال التذكير بعلم الله المطلق الذي لا يخفى عليه شيء وجهل الإنسان بمواضع المصالح والمضار, فرب أمر ظنه الإنسان خيرا له فكان شرا له، ورب أمر ظنه الإنسان شرا له فكان خيرا له, وقد يُعطى الإنسان الدنيا فتكون خيرا له بأن يستعين بها على آخرته, وقد يُعطى الإنسان الدنيا فتكون شرا له بأن يُفتن عن دينه. وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: ((أي: هو يعلم بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها, وبمن يستحق الفقر فيفقره, وعليم بمن يستحق الآخرة فيقيّضه لأعمالها, وبمن يستحق الخذلان فيخذله عن تعاطي الخير وأسبابه, ولهذا قال: (إِن َّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيما))، وقال الإمام الرازي: «والمعنى أنه تعالى هو العالم بما يكون صالحا للسائلين , فليقتصر السائل على المجمل, وليحترز في دعائه عن التعيين, فربما كان ذلك محض المفسدة والضرر والله أعلم».

462

الآية 33

قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدا﴾ (النساء: 33)

(1) قوله تعالى: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُون). في هذه الآية تأكيد على سابقتها من حيث الرضا بما قسم الله تعالى للناس وعدم التمني والحسد حيث بين هنا أنه جعل لكل إنسان ورثة وموالي أي: عصبة يرثونه، وبالتالي فهو يرث غيره وغيره يرثه والأولى به الرضا والقناعة.

(2) قوله تعالى: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُم). جاء الإسلام بنظام الميراث على أساس الرحم والقرابة في الرحمة, وعندما جاء الإسلام بهذا النظام كان في المجتمع المسلم حينذاك أنواع من العقود، منها: عقد ولاء العتق حيث يصبح الرقيق بعد عتقه واحد من أسرة المعتِق في الميراث وغير ذلك كالديات, ومنها: عقد الموالاة وهو يسمح لغير العربي بالانتساب إلى أسرة عربية ويصبح واحدا منها في الميراث والديات وغير ذلك, ومنها: عقد المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار الذي أنشأه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة فكان المهاجر يرث الأنصاري والعكس, ومنها: عقد الجاهلية حيث يتعاقد رجلان مع بعضهما فيصبحان كالأخوة في الميراث والديات, فكيف سار الإسلام في تصفية هذه العقود بعد نزول آيات الميراث على أساس الرحم؟. هذه الآية تجيب على ذلك, قال تعالى: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُم)، وفي الحديث: «لا حلف في الإسلام, وأيّما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة» (مسلم)، قال صاحب الظلال: «وقد سار الإسلام في تصفية هذه العقود سيرته في كل ما يتعلق بالأنظمة المالية في علاجه لها بدون أثر رجعي, فهكذا صنع في الربا حين أبطله. أبطله منذ نزول النص وترك لهم ما سلف منه ولم يأمر برد الفوائد الربوية، فأما هنا فقد احترم تلك العقود على ألا ينشأ منها جديد, فترك هذه العقود قائمة تنفذ, وشدد في الفوائد بها, وقطع الطريق على الجديد منها, قبل أن يترتب عليه آثار تحتاج إلى علاج». ومن خلال هذا النهج في التعامل مع الواقع المالي نلمح التدرج في تغيير الظواهر وإنشاء الظواهر الجديدة, وهو منهج تربوي يدل على يسر الشريعة الإسلامية كما يدل على الحكمة في التعامل مع الواقع، تلك الحكمة القائمة على الإحاطة والشمول في علاج الأمور .

(3) قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدا). دلت هذه الآية كغيرها على أنّ منهج التربية القرآنية قائم على الرقابة الإلهية تلك الرقابة التي يعبر عنها أحيانا بالسمع والبصر وأحيانا بالعلم وأحيانا بالقدرة وأحيانا بالشهادة والحفظ ، ويتلخص هذا المنهج وتلك الرقابة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (البخاري)، مع التذكير بأنّ العبادة بمعناها العام والشامل وهو الطاعة والاتباع في كل ما أمر الله به وفي كل ما نهى الله عنه وفي سائر أمور الحياة.

463

الآيات 34-35

قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيرا﴾ (النساء: 34-35)

(1) هذه الآيات من كتاب الله تعني بالأسرة كغيرها من الآيات, وهذه العناية بالأسرة لا نجدها في المناهج الأخرى كما نجدها في المنهج الإسلامي وذلك لأنّ الإسلام اعتنى بالأسرة وبين حقوق وواجبات ودور كل فرد من أفرادها، كما اعتنى بمشاكلها العامة بحثا وتمحيصا وعلاجا كل ذلك في إطار من الإيمان بالله والحرص على محبته ورضاه، وتأتي أهمية الأسرة في الإسلام باعتبارها إحدى المؤسسات التربوية إضافة إلى غيرها من المؤسسات التربوية كمؤسسة المدرسة ومؤسسة المسجد ومؤسسة المجتمع بشكل عام في شوارعه ومحلاته وأماكن عمله وأماكن راحته، ومؤسسة الأسرة هي المؤسسة الأهم لسببين: (الأول) أنها المؤسسة الأولى التي يولد فيها الإنسان ويتلقى فيها تربيته وإعداده في مراحل الطفولة الأولى وهي مراحل حساسة في تاريخ الإنسان. (والثاني) أنّ الإنسان يقضي في هذه المؤسسة معظم حياته, ففي مرحلة الطفولة حتى سن المدرسة يتربى الإنسان في مؤسسة الأسرة لا يشارك في تربيته سوى هذه المؤسسة، وفي المراحل الأخرى يظل على اتصال بهذه المؤسسة مهما انتمى لغيرها من المؤسسات وخاصة في المجتمعات الريفية حيث يبقى الفرد على اتصال بهذه المؤسسة حتى بعد الزواج والإنجاب.

464

(2) قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِم). وفي هذه المؤسسة، مؤسسة الأسرة، كغيرها من المؤسسات لابد لها من أمير وحاكم ورئيس وإلا كان مآلها إلى الفشل في أداء دورها التربوي, والإسلام يجعل هذا الأمير للمؤسسة هو الزوج. وهذا الذي نفهمه من قوله تعالى: (قَوَّامُون) فهي لفظة مشتقة من القيام بالأمر لإصلاحه وتدبيره، وهي تعني كما قال المفسرون: أمراء، قال ابن عباس: «يعني: أمراء, عليها أن تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته, وطاعته أن تكون محسنة إلى أهله حافظة لماله» (الطبري)، والقوامة هنا شبيهة بالربوبية ومنه يقال للزوج: رب الأسرة، ولهذا نقول: إنّ القوامة تحمل معنى التربية، وهذا ما ذهب إليه المفسرون حيث قال السُدّي: «يأخذون على أيديهن ويؤدبوهن» (الطبري)، وقال الطبري: «الرجال أهل قيام على نسائهم في تأديبهن والأخذ على أيديهن، فيما يجب عليهن لله ولأنفسهم»، وقال القرطبي: «دلت هذه الآية على تأديب الرجال لنسائهم, فإذا حفظن حقوق الرجال فلا ينبغي أن يسيء الرجل عشرتها, وقوام: فقال للمبالغة من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد, فقيام الرجال على النساء هو على هذا الحد, وهو أن يقوم بتدبيرها وتأديبها وإمساكها في بيتها ومنعها من البروز, وأنّ عليها طاعته وقبول أمره ما لم تكن معصية». وقد علل القرآن هذه القوامة للرجل على المرأة في الأسرة بأمرين: (الأول) خصائص الرجال ومزاياهم: (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض). (والثاني) النفقة: (وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِم). وإذا كان المراد من النفقة المهر والإنفاق على الأسرة في مجال الطعام والشراب واللباس والسكن وغير ذلك، فإنّ المراد من الخصائص والمزايا هي السمة العامة في الرجال من حيث الخشونة والصلابة، وبطء الانفعال والاستجابة، واستخدام الوعي والتفكير قبل الإقدام على الحركة , بينما السمة العامة للإناث الرقة والعطف وسرعة الانفعال والاستجابة وقلة الوعي والتفكير, ولهذين السببين كان الرجال أولى بالقوامة من المرأة في أمر الأسرة.

465

(3) قوله تعالى: (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّه). المراد من وصف المرأة بهذه الصفات هو الترغيب والحض لكل مسلمة على أن تتصف بها فكأنه يقول: عليهن أن يكن كذلك, وإنما جاء الطلب هنا في صيغة الخبر تأكيدا له وترغيبا فيه حتى كأنه قد حصل، وهذه الصفات هي صفات المرأة المسلمة المؤهلة لأن تكون زوجة وأن تكون أمّا وأن تمارس دورها في تربية الأطفال وبناء المجتمع, ومعنى (الصالحات) يعني: المستقيمات في الدين والعاملات للخير والعاملات بطاعة الله, (قانتات) يعني: مطيعات لله ومطيعات للأزواج في غير معصية الله, (حافظات للغيب بما حفظ الله) يعني: حافظات لأنفسهنّ وأموال أزواجهن في غيبة أزواجهن وذلك مقابل حفظ الله لهن, أي: من أرادت أن تشكر الله على حفظه لها فعليها أن تحفظ مال زوجها ونفسها في غيبة زوجها. وفي الحديث الشريف ما يدل على الترغيب للمرأة بأن تتصف بهذه الصفات، والترغيب للرجل بالبحث عن المرأة التي تتصف بهذه الصفات والمحافظة عليها فهي كنز من كنوز الدنيا, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك, وإذا أمرتها أطاعتك, وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك، ثم تلا هذه الآية» (الطبري)، وقال أيضا: «إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فلاجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أيّ أبوابها شئت» (أحمد).

(4) قوله تعالى: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُن). أصل النشور في اللغة الاستعلاء، ومنه يقال للأرض المرتفعة ناشز, والمراد به هنا استعلاء المرأة على زوجها ومعصيتها له سواء بالقول أم بالفعل, والإسلام لا ينتظر النشوز حتى يظهر ويكتمل وإنما يبادر إلى علاج النشوز حين تظهر أماراته والدلالات عليه، ومن هنا خاطب الأزواج بأن قال: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُن) يعني: إذا ظهرت علامات النشوز فبادر إلى العلاج، لأنّ العلاج نادرا ما يكون نافعا ومفيدا حين يقع النشوز بشكل واضح وكامل.

(5) قوله تعالى: (فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُن). ذكر القرآن هنا ثلاثة أساليب تربوية لعلاج النشوز من قبل الزوجة وهي: الوعظ , والهجر في المضاجع, والضرب, والبدء في معالجة النشوز يكون أولا بالوعظ, وفي حال عدم الجدوى ننتقل إلى الهجران في المضاجع, وفي حال عدم الجدوى ننتقل إلى الضرب, قال الإمام الرازي: «وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما حصل الغرض بالطريقة الأخف وجب الاكتفاء به, ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق والله أعلم».

466

(أولا) الوعظ يعني تذكير المرأة بالله وتخويفها من وعيده تعالى على معصيتها لزوجها, وترغيبها في طاعة الزوج بناء على ما أمر الله به المرأة من طاعتها لزوجها وحسن صحبته وجميل معاشرته, ومن الوعظ تذكيرها بقوله تعالى في صفة المرأة المسلمة: (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَات) أي: مطيعات, وتذكيرها بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوب طاعة المرأة لزوجها كقوله صلى الله عليه وسلم : «خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك, وإذا أمرتها أطاعتك, وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك» (الطبري)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فلاجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أيّ أبوابها شئت» (أحمد)، وقوله: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها, لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها» (ابن ماجة)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتى تصبح» (البخاري)، وفي رواية: «إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح» (مسلم).

(ثانيا) والهجران في المضاجع يعني أن ينام معها في نفس الفراش ولا يجامعها ويوليها ظهره ولا يكلمها, قال ابن عباس: «يعني بالهجران: أن يكون الرجل وامرأته في فراش واحد ولا يجامعها» (الطبري), وليس الهجران في المضاجع أن ينام الرجل في فراش وامرأته في فراش لأنه لو أراد ذلك لقال: واهجروا مضاجعتهن، ولكنه تعالى قال: (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِع) أي: ينام معها في نفس الفراش ولا يجامعها, لأنّ المراد من الهجران في المضاجع هو العقوبة والتأديب والتربية وذلك يحصل بشكل أفضل بالطريقة التي ذكرناها، وهذه الطريقة في التأديب والتربية تحتاج إلى فهم دقيق لطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، ولدقة شديدة في التطبيق حتى تؤتي أكلها, والخطأ في التطبيق ربما أدى إلى نتيجة معاكسة.

467

(ثالثا) وأما الضرب فهو الوسيلة الأشد والأقصى من هذه الوسائل التربوية, وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة هذا الضرب أنه غير مُبرّح: «فاضربوهن ضربا غير مبرح» (مسلم)، وقد فسر المفسرون والفقهاء هذا الضرب غير المُبرّح بأنه الضرب الذي لا يكسر عظما ولا يخدش لحما, فهو ضرب تربوي المراد منه التخويف والردع والزجر عن النشوز وليس المراد منه الإيذاء أو إنفاذ الغضب، وترك الضرب أولى, قال الرازي: «قال الشافعي رحمه الله: والضرب مباح وتركه أفضل»، وفي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تضربوا إماء الله»، فجاء عمر رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ذئرت النساء على أزواجهن»، فرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضربهن, فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشتكين أزواجهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشتكين من أزواجهن, ليس أولئك بخياركم» (أبو داود)، فدل هذا الحديث على أن الضرب وإن كان مباحا فإنّ تركه أفضل وأولى. ومهما كانت أساليب القرآن في تربية المرأة في حال النشور فإنّ وصية الإسلام في المرأة أنها أمانة عند الرجل عليه أن يحسن معاشرتها ويتق الله فيها، فليست المرأة ندا له يحاول إهانتها وتكسير رأسها كما يقول بعض الجهلة من المسلمين, وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: «واتقوا الله في النساء, فإنهنّ عندكم عوان, ولكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه, فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح, ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (مسلم), وفي السنن عن معاوية بن حيدة القشيري أنه قال: يا رسول الله, ما حق امرأة أحدنا علينا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن تطعمها إذا طعمت, وأن تكسوها إذا اكتسيت, وأن لا تضرب الوجه, ولا تقبّح, ولا تهجر إلا في البيت» (أبو داود).

(6) قوله تعالى: (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا). أي: إذا أطاعت المرأة زوجها فليس له أن يهجرها في المضجع وليس له أن يضربها, وهذا يدل على أنّ الهجران والضرب ليسا مرادين لذاتهما وإنما هما بمثابة وسائل تربوية تستخدم حين النشوز ولا سبيل إلى استخدامها في حال الطاعة.

(7) قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيرا). المدلول التربوي لهذه الآية هو تهديد الأزواج وتخويفهم من البغي على الزوجات بأن يضرب الرجل امرأته من دون نشوز منها، ويتعلل عليها العلل لممارسة هذا الضرب, وفيه تذكير بأنّ الله الذي أقدر الزوج على ضرب زوجته قادر على معاقبة الزوج في حال ظلمه أو بغيه.

468

(8) قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا). هذه هي الوسيلة الرابعة والأخيرة لعلاج حالة الشقاق بين الزوج والزوجة، وهي التحكيم أي: هي الوسيلة الأخيرة حين لا تجدي الوسائل السابقة، وقيل: هي حالة أخرى وهي حالة النفور والنشوز من الزوجين, وأيا كان يلاحظ حرص الإسلام على عدم المسارعة إلى فصم عقدة النكاح لما في ذلك من تحطيم لتلك المؤسسة حيث ينعكس هذا التحطيم على الأولاد الذين لا ذنب لهم، وينعكس على المجتمع لأنّ الأولاد هم لبنات في هذا المجتمع يفسد بفسادهم ويصلح بصلاحهم.

(9) قوله تعالى: (إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا). ترغيب في إرادة الصلاح من وسيلة التحكيم وذلك من خلال الوعد بتوفيق الله, وهذا خطاب للزوجين كما إنه خطاب للحكمين.

(10) قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيرا). فيه وعيد للزوجين والحكمين في محاولتهم التحكيم، والسعي للإصلاح من خلال التذكير بعلمه تعالى لما في الضمائر وخبرته بالناس فلا يخفى عليه خافيه ويجازي كلا بعمله, الإحسان بالإحسان, والإساءة بالعقاب أو الغفران.

469