التفسير التربويالجزء 1 · ص 479 - 486

الآيات 44-46

الآيات 44-46

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلا﴾ (النساء: 44-46)

(1) التربية هدم وبناء, ومن بداية هذه السورة سورة النساء إلى هذه الآية كان منهج القرآن في التربية قائم على بناء المجتمع المسلم من خلال التشريعات التي تعالج مشاكله الداخلية, واعتبارا من هذه الآية أصبح منهج القرآن في التربية قائم على هدم المجتمعات المناوئة للمجتمع المسلم، وهم ثلاثة قوى: اليهودية العالمية والصليبية العالمية والشرك العالمي, فتنبه!.

(2) قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيل). تعجيب من أمر أهل الكتاب وخاصة اليهود ــ والتعجيب والتقبيح والذم أساليب تربوية ــ وتقبيح لشأنهم، حيث إنهم جمعوا بين صفتين وهما الضلال والإضلال، وتحذير للمؤمنين من أهداف اليهود وعلى رأسها إضلال المسلمين وتحويلهم من الإيمان إلى الكفر، فالله تعالى يكشف للمسلمين عن حقيقة خصومهم وعن خبايا صدورهم.

(3) قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُم). أي: أعلم منكم أيها المسلمون بأعدائكم فلا تغتروا بالظاهر فإنّ الله مطلع على السرائر وهو يكشف لكم عما يكنه هؤلاء الأعداء, فمن قال الله عنه أنه عدو فهو كذلك، وليس للمسلم أن يتشكك بكلام الله إذا كان ظاهر العدو هو الصداقة.

(4) قوله تعالى: (وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرا). تطمين للمؤمنين من أن عداوة اليهود لا تضر بالمسلمين إذا كان المسلمون على ولائهم لله ونصرتهم لدينه، لأنّ الله يوالي من والاه وينصر من نصره, وكرر (وكفى بالله) ولم يقل: وكفى بالله وليا ونصيرا, للتأكيد, حيث إنّ التكرار في هذا المقام أشد تأثيرا في القلب وأكثر مبالغة.

479

(5) قوله تعالى: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلا). وصف الله تعالى اليهود بمجموعة من الصفات وهي: (أولا) (يحرفون الكلام عن مواضعه) أي: يتأولون التوراة على غير تأويلها وهو التحريف المعنوي, ويبدلون في الألفاظ أو يحذفون من الآيات وهو التحريف المادي. (وثانيا) (ويقولون سمعنا وعصينا) أي: سمعنا قولك وعصينا أمرك. (وثالثا) (واسمع غير مسمع) أي: اسمع لا أسمعك الله، يريدون هذا المعنى ويظهرون أنهم يريدون غير مسمع مكروها. (رابعا) (وراعنا ليّا بألسنتهم وطعنا في الدين) أي يميلون ألسنتهم بكلمة راعنا فتصبح راعينا يريدون من ذلك الاستهزاء بمحمد صلى الله عليه وسلم ويطعنون في نبوته بأن يقولوا لأتباعهم: «لو كان نبيا لعلم ما نريد». والمدلول التربوي لهذا التوصيف هو: (أولا) كشف حقيقة اليهود وسوء أدبهم مع الله ورسوله، وإظهار ما يخبؤونه للمسلمين ليكون ذلك دلالة لهم على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. (ثانيا) تحذير المؤمنين من التخلق بأخلاقهم أو الاتصاف بصفاتهم عن طريق تعرية الشر وتعليم الأدب بالكلام على قليل الأدب. (ثالثا) تحذير المؤمنين من موالاتهم والاطمئنان إلى التحالف معهم وخاصة أنه كان هناك تحالفات بين الأوس وبني قريظة، والخزرج وبني النضير، حيث إنه من أشد الناس عدوة للمؤمنين والتواءً في حربهم مع المسلمين. (رابعا) تقرير النهج اللائق بأهل الكتاب والأدب الذي يجب أن يتصف به هؤلاء الذين يدّعون أنهم حملة كتاب الله تعالى أي: التوراة، ودعوة لهم إلى الهداية والاستقامة حيث قال: (ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا) بدل قولهم: (سمعنا وعصينا), (واسمع وانظرنا) بدل قولهم: (واسمع غير مسمع) وفي هذا تقرير لمنهج صحيح في مواجه منهج خاطئ، وتقرير لقول صواب في مواجهة قول أعوج, وهذا من الله تعالى تعليم وتربية للمسلمين ولخصومهم.

(6) هذه الآيات تدل على عناية الله تعالى بالمسلمين وتعهده لهم بالإصلاح والتربية والتعليم من خلال كشف ما يخبؤه لهم اليهود, فكأنه تعالى يقول للمسلم: أنت لا تقف وحدك في مواجهة أعدائك فأنا أقف معك, وعدوك هو عدو لي, ومن كان الله معه فلا حاجة له بغيره، ومن كان الله ضده فهو خاسر وإن وقف معه أهل الأرض جميعا.

480

الآيات 47-48

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيما﴾ (النساء: 47-48)

(1) قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُم). نداء لليهود والنصارى بالصفة المحببة إلى قلوبهم وهي صفة (الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب) وهي صفة لا يزال اليهود والنصارى يحبون أن يوصفوا بها, وهو نداء بالصفة التي تفترض فيهم أن يكونوا أول المؤمنين بالإسلام وخاصة أنّ الذي آتاهم بالكتاب هو الذي يدعوهم إلى الإيمان, وخاصة أنّ القرآن الذي يدعوهم الله للإيمان به يصدق ما معهم من التوراة والإنجيل، وهذا النداء بهذه الصفة يدل على أدب تربوي قرآني في استئلاف القلوب وإمالتها للإيمان من خلال مخاطبتها بالصفات المحببة إليها, وهذا الأسلوب يجب أن لا يغيب عن بال الدعاة إلى الله تعالى في خطابهم للناس.

(2) قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا). فيه ترهيب شديد ووعيد أكيد لمن لا يؤمن من أهل الكتاب بالإسلام، وهو كما يظهر من أشد الترهيبات القرآنية وذلك كي يناسب تلك القلوب القاسية التي اتصف بها اليهود, ومن قسوتها تنامي عاطفة الخوف فيها واضمحلال عاطفة الرجاء. وقد ذكر ابن جرير الطبري بإسناده قصة في إسلام كعب الأحبار فيها عبرة، حيث روى عن عيسى بن المغيرة قال: ((تذاكرنا عند إبراهيم قصة إسلام كعب, فقال: أسلم كعب في زمان عمر, أقبل وهو يريد بيت المقدس, فمر على المدينة, فخرج إليه عمر فقال: يا كعب, أسلم! قال كعب: ألستم تقرؤون في كتابكم: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارا) (الجمعة: 5)، وأنا قد حملت التوراة! قال: فتركه. ثم خرج كعب حتى انتهى إلى حمص, قال: فسمع رجلا من أهلها حزينا وهو يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا), فقال كعب: يا رب آمنت, يا رب أسلمت! مخافة أن تصيبه هذه الآية, ثم رجع فأتى أهله باليمن, ثم جاء بهم مسلمين)). وذكر في إسلام عبد الله بن سلام قصة مشابهة, قال القرطبي: «قال مالك رحمه الله: كان أول إسلام كعب الأحبار أنه مر برجل من الليل وهو يقرأ هذه الآية, فوضع كفيه على وجهه ورجع القهقرى إلى بيته فأسلم مكانه, وقال: والله لقد خفت ألا أبلغ بيتي حتى يطمس وجهي. وكذلك فعل عبد الله بن سلام, ما كنت أدري أن أصل إليك حتى يحول وجهي في قفاي».

481

(3) قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيما). قال الرازي: «اعلم أنّ الله تعالى لما هدد اليهود على الكفر وبين أنّ ذلك التهديد لا بد من وقوعه لا محالة, بيّن أن مثل هذا التهديد من خواص الكفر, فأما سائر الذنوب التي هي مغايرة للكفر فليست حالها كذلك, بل هو سبحانه قد يعفو عنها»، وقد كان لهذه الآية وقعها التربوي في نفوس صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فيها من الرجاء ومن الأمل, حيث أبانت أنّ كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله, إن شاء عفا عنه, وإن شاء عاقبه, ما لم تكن كبيرته شركا بالله حيث لا مغفرة له، حتى إنّ عليا بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «ما في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية» (الترمذي), وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه : «كنا معشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نشك في قاتل النفس, وآكل مال اليتيم, وشاهد الزور, وقاطع الرحم, حتى نزلت هذه الآية، فأمسكنا عن الشهادة» (الطبري).

(4) قوله تعالى: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيما). وعيد شديد على الشرك بالله, وبيان لحقيقة الشرك أنه كذب وافتراء, حيث إنّ المشرك يقول زورا ويشهد كذبا حينما يجحد وحدانية الله تعالى, والله تعالى لا يغفر لمن مات على ذلك.

482

الآيات 49-50

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِينا﴾ (النساء: 49-50)

(1) نزلت هذه الآيات في اليهود حيث قالوا: (لنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَة) (البقرة: 80)، وقالوا: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى) (البقرة: 111)، وقالوا: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُه) (المائدة: 18)، وهذا كله افتراء على الله، لأنّ أحدا لا يعلم مكانه يوم القيمة هل هو في الجنة أم في النار وإن كان كل أحد يتمنى من الله أن يكون من أصحاب الجنة, ولأن لا أحد يعلم هل يحبه الله أم لا وإن كان كل أحد يتمنى أن يحبه الله, وإنما أكدنا على سبب النزول لاتفاقه مع السياق القرآني ولاختلافه مع الاستشهاد الشائع بهذه الآية حيث توضع في وجه كل من يزكي نفسه، وهذا ليس بصحيح, لأنّ من زكى نفسه بما فيها فلا يدخل في إطار هذا الذم، ودليلنا على ذلك قول يوسف عليه السلام لعزيز مصر: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيم) (يوسف: 55)، وإنما يدخل في إطارها من زكى نفسه بما ليس فيها لأنّ ذلك افتراء وكذب.

(2) ويدخل في إطار هذه الآية من وصف نفسه بالإسلام وهو ليس كذلك، بمعنى قال: إني مسلم وهو لم يستسلم لله تعالى في أمره ونهيه بل هو مستسلم لأهوائه وشهواته، كما هو حال فئة واسعة من المسلمين الذين يدعون الإسلام بالاسم ولا يحتكمون إلى الإسلام في شؤون حياتهم.

(3) نلمح في هاتين الآيتين أسلوب قرآني معهود في التربية القرآنية وهو أسلوب التعجيب حيث قال في الآية الأولى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُم) وقال في الآية الثانية: (انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِب)، وكلاهما تعجيب من هذا الفعل وهو تزكية النفس بما ليس لها أو ما ليس فيها, والتعجيب يحمل معاني الذم والتوبيخ والتقريع والردع عن الفعل، وهو أبلغ أثرا من الذم المباشر على الفعل أو النهي المباشر عن الفعل.

(4) ويدخل في إطار هذه الآيات النهي عن التمادح والتزكية لأنه يؤدي إلى العُجب والخُيلاء ويؤدي إلى التقاعس عن العمل, والمقصود من التمادح هو أن يصف الإنسان غيره بما ليس فيه، لأنّ ذلك من قبيل الكذب، عدا عما يؤدي إليه من الأمراض النفسية التي ذكرناها وهي العجب والخيلاء والتقاعس عن العمل, ففي صحيح مسلم عن المقداد بن أسود قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحثو في وجه المدّاحين التراب» (مسلم)، وفي الصحيحين أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يثني على رجل، فقال: «ويحك قطعت عنق صاحبك» ثم قال: «إن كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة، فليقل: أحسبه كذا ولا يزكي على الله أحدا» (البخاري ومسلم)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والتمادح فإنه الذبح» (أحمد وابن ماجة).

483

(5) قوله تعالى: (وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا). ذكر الله تعالى في التمثيل عن الشيء الزهيد القليل في هذه الآية (الفتيل)، وذكر في آية لاحقة (النقير)، وذكر بعدها (القطمير)، قال ابن السكيت: «الفتيل: ما كان في شق التمرة، والنقير: النقطة التي في ظهر النواة، والقطمير: القشرة الرقيقة على النواة، وهذه الأشياء كلها تضرب مثالا على الشيء التافه الحقير» (الرازي).

484

الآيات 51-52

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرا﴾ (النساء: 51-52)

(1) قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا). قال ابن عباس: «لما قدم كعب بن أشرف مكة, قالت قريش: ألا ترى هذا الصنوبر المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا, ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية, قال: أنتم خير منه, فنزلت الآية» (أحمد). ولهذه الآية مدلولان تربويان: (الأول) كشف طبيعة المكر اليهودي القائم على قاعدة الغاية تبرر الوسيلة، حيث فضل اليهود المشركين على المسلمين مع أنّ المسلمين أقرب إلى اليهود من المشركين من حيث الديانة, ولأنّ هذا الموقف مستهجن من اليهود وهم أهل كتاب فإنّ الله تعالى عبر عنه بأسلوب التعجيب فقال: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَاب). (والثاني) تحذير المسلمين من الوقوع في مثل هذا الموقف، لأنّ هذا الموقف لا يأتي إلا من العناد والمكابرة واللجاج في الخصومة، فيكون لصالح الحسابات الدنيوية الزائلة على حساب المبادئ الخالدة.

(2) قوله تعالى: (أولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرا). قال الإمام الرازي: «واعلم أنّ القوم إنما استحقوا هذا اللعن الشديد لأنّ الذي ذكروه من تفضيل عبدة الأوثان على الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم يجري مجرى المكابرة, فمن يعبد غير الله كيف يكون أفضل حالا ممن لا يرضى بمعبود غير الله! ومن كان دينه الإقبال بالكلية على خدمة الخالق والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة, كيف يكون أقل حالا ممن كان بالضد في كل هذه الأحوال والله أعلم».

485

الآيات 53-55

قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرا﴾ (النساء: 53-55)

(1) قال الإمام الرازي في التفسير: «اعلم أنّ الله تعالى وصف اليهود بالآية المتقدمة بالجهل الشديد, وهو اعتقادهم أنّ عبادة الأوثان أفضل من عبادة الله تعالى, ووصفهم في هذه الآيات بالبخل والحسد, فالبخل أن لا يدفع لأحد شيئا مما آتاه الله من النعمة, والحسد هو أن يتمنى أن لا يعطي أحدا غيره شيئا من النعم, فالبخل والحسد يشتركان في أنّ صاحبه يريد منع النعمة عن الغير, فأما البخل فيمنع نعمة نفسه عن الغير, وأما الحسد فيريد أن يمنع نعمة الله عن عباده». قلت: وإنما قدم ذكر الجهل على ذكر البخل والحسد لسببين: (الأول) لأنّ الجهل له علاقة بالعلم، والبخل والحسد من العمل، والعلم مقدم على العمل. (والثاني) لأنّ الجهل سبب البخل والحسد، والسبب مقدم على النتيجة، أما أنّ الجهل سبب البخل فلأنّ بذل المال سبب لطهارة النفس في الدنيا وسعادتها في الآخرة، ومنع المال سبب لتدنيس النفس في الدنيا وشقائها في الآخرة، والبخيل يرجح الدنيا على الآخرة وهذا الترجيح لا يكون إلا من الجهل، وأما أنّ الجهل سبب في الحسد فلأنّ الحسد تمني زوال النعمة عن الغير والنعمة حصلت للغير من الله لحكمة يعلمها فالحاسد يعترض على حكمة الله وإرادته بتمني زوال النعمة عن الغير، وهذا لا يكون إلا من الجهل في الله وحكمته.

(2) قوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرا). يدل على أنّ الملك والبخل لا يجتمعان، لأنّ البخل سبب لزوال الملك, حيث إنّ النفوس جبلت على حب من أحسن إليها، وهذا الحب من المحسن إليه إلى المحسن يتبعه الانقياد والطاعة, فالإحسان سبب لحصول الملك والبخل سبب لزواله, وقيل في الأمثال: بالبر يستعبد الحر، والملك على ثلاثة أقسام: ملك الملوك وملك العلماء وملك الأنبياء, والجود بالمال سبب لملك الملوك, والجود بالعلم والكلمة الطيبة سبب لملك العلماء, والجود بكليهما سبب لملك الأنبياء.

(3) قوله تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه). المراد بالناس هنا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، والمراد بالفضل النبوة والإيمان، وقد سمى النص القرآني فئة من الناس وهم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالناس لأنّ المطلوب من الخلق هو العبادة: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56)، وهذا المقصود لما قام به محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه صاروا هم الناس من حيث المطلوب والمقصود، وهذا الإطلاق فيه ترغيب بالعبادة وحض الناس على القيام بأمر الله تعالى في خلقه.

(4) قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْه). فيه تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه من خلال التذكير بما حصل للأنبياء مع أقوامهم، حيث آمن بهم قوم وكفر بهم قوم, والمعنى: إنّ حال قومك يا محمد كحال أقوام الأنبياء منهم من يؤمن ومنهم من يكفر, فلا تعجب من كفر الكافرين, وهذا من قبيل تعميم المعصية, فالمعصية إذا عمت هانت, ومن تذكر مصيبة غيره المشابهة لمصيبته هانت عليه مصيبته, وهذا الأسلوب التربوي أسلوب معهود في القرآن وله أمثلة كثيرة.

486