الآيات 56-57
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلا﴾ (النساء: 56-57)
(1) وجه نظم هذه الآيات بما قبلها أنه تعالى لما ذكر في الآية السابقة وعيد طائفة خاصة من أهل الكتاب فقال: (ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا) انتقل إلى الكلام على الوعيد العام لسائر الكفار فقال: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارا) حتى لا يظن ظان أن الوعيد خاص بأهل الكتاب.
(2) قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيما). قال الإمام الرازي في تفسيره: «ويقع في القلب أنه كريم رحيم, فكيف يليق برحمته تعذيب هذا الشخص الضعيف إلى هذا الحد العظيم؟ فقيل: كما إنه رحيم فهو أيضا حكيم والحكمة تقتضي ذلك، فإنّ نظام العالم لا يبقى إلا بتهديد العصاة, والتهديد الصادر منه لابد وأن يكون مقرونا بالتحقيق صونا لكلامه من الكذب, فثبت أنّ ذكر هاتين الكلمتين ــ عزيزا حكيما ــ هنا في غاية الحسن».
(3) قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات) بعد قوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا). ذكر الوعد بعد الوعيد وقرن الترغيب بالترهيب كما هي عادة القرآن التربوية في استخدام هذين الأسلوبين في التربية، أسلوب الترغيب أو الوعد وأسلوب الوعيد أو الترهيب.
(4) في هذه الآيات أجمل تعالى في الوعيد والترهيب وفصّل في الوعد والترغيب، حيث وعد المؤمنين بأربعة أمور: (الأول) دخول الجنة والاستمتاع بأنهارها، فقال: (سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار). (والثاني) الخلود في الجنة وبالتالي دوام النعيم وعدم انقطاعه, فقال: (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدا). (والثالث) الزوجات المطهرة من القذارات المادية والمعنوية، فقال: (لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَة). (والرابع) الظل الظليل لأنّ نهار الجنة لا شمس فيه, فقال: (وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلا). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير الظل الظليل: «إنّ في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها» (البخاري)، وهذا التفصيل في الوعد والترغيب فيه ترجيح لجانب الترغيب على الترهيب ولجانب الوعد على الوعيد.