التفسير التربويالجزء 1 · ص 487 - 494

الآيات 56-57

الآيات 56-57

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلا﴾ (النساء: 56-57)

(1) وجه نظم هذه الآيات بما قبلها أنه تعالى لما ذكر في الآية السابقة وعيد طائفة خاصة من أهل الكتاب فقال: (ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا) انتقل إلى الكلام على الوعيد العام لسائر الكفار فقال: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارا) حتى لا يظن ظان أن الوعيد خاص بأهل الكتاب.

(2) قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيما). قال الإمام الرازي في تفسيره: «ويقع في القلب أنه كريم رحيم, فكيف يليق برحمته تعذيب هذا الشخص الضعيف إلى هذا الحد العظيم؟ فقيل: كما إنه رحيم فهو أيضا حكيم والحكمة تقتضي ذلك، فإنّ نظام العالم لا يبقى إلا بتهديد العصاة, والتهديد الصادر منه لابد وأن يكون مقرونا بالتحقيق صونا لكلامه من الكذب, فثبت أنّ ذكر هاتين الكلمتين ــ عزيزا حكيما ــ هنا في غاية الحسن».

(3) قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات) بعد قوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا). ذكر الوعد بعد الوعيد وقرن الترغيب بالترهيب كما هي عادة القرآن التربوية في استخدام هذين الأسلوبين في التربية، أسلوب الترغيب أو الوعد وأسلوب الوعيد أو الترهيب.

(4) في هذه الآيات أجمل تعالى في الوعيد والترهيب وفصّل في الوعد والترغيب، حيث وعد المؤمنين بأربعة أمور: (الأول) دخول الجنة والاستمتاع بأنهارها، فقال: (سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار). (والثاني) الخلود في الجنة وبالتالي دوام النعيم وعدم انقطاعه, فقال: (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدا). (والثالث) الزوجات المطهرة من القذارات المادية والمعنوية، فقال: (لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَة). (والرابع) الظل الظليل لأنّ نهار الجنة لا شمس فيه, فقال: (وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلا). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير الظل الظليل: «إنّ في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها» (البخاري)، وهذا التفصيل في الوعد والترغيب فيه ترجيح لجانب الترغيب على الترهيب ولجانب الوعد على الوعيد.

487

الآيات 58-59

قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ (النساء: 58-59)

(1) قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا). عظم الله تعالى أمر الأمانة في كتابه فقال: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولا) (الأحزاب: 72)، وقال أيضا في صفة المؤمنين: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُون) (المؤمنون: 8)، وعظّم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الأمانة فقال: «أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» (الترمذي)، وقال أيضا: «لا إيمان لمن لا أمانة له» (أحمد)، وقال ميمون بن مهران: «ثلاثة يؤدين إلى البر و والفاجر: الأمانة، والعهد، وصلة الرحم» (الرازي). ويدخل في هذه الآية أداء جميع الأمانات حيث إنّ أداء الأمانة مطلوب في سائر المعاملات مع الناس ومع الله ومع النفس. قال الإمام الرازي: «واعلم أنّ معاملة الإنسان إما أن تكون مع ربه أو مع سائر العباد أو مع نفسه, ولابد من رعاية الأمانة في جميع هذه الأقسام. أما رعاية الأمانة مع الرب فهي فعل المأمورات وترك المنهيات, وهذا بحر لا ساحل له, قال ابن مسعود: الأمانة في كل شيء لازمة, في الوضوء والجنابة والصلاة والزكاة والصوم، وقال ابن عمر: إنه تعالى خلق فرج الإنسان وقال هذا أمانة خبأتها عندك فاحفظها إلا بحقها, واعلم أنّ هذا باب واسع, فأمانة اللسان أن لا يستعمله في الكذب والغيبة والنميمة والكفر والبدعة والغش وغيرها, وأمانة العين أن لا يستعملها في النظر إلى الحرام, وأمانة السمع أن لا يستعملها في سماع الملاهي والمناهي, وسماع الفحش والأكاذيب وغيرها, وكذا القول في سائر الأعضاء. وأما القسم الثاني: وهو رعاية الأمانة مع سائر الخلق فيدخل فيها رد الودائع ويدخل فيه ترك التطفيف في الكيل والوزن, ويدخل فيه أن لا يفشي على الناس عيوبهم, ويدخل فيه عدل الأمراء مع رعيتهم وعدل العلماء مع العوام بأن لا يحملوهم على التعصبات الباطلة بل يرشدوهم إلى اعتقادات وأعمال تنفعهم في دنياهم و أخراهم. وأما القسم الثالث: وهو أمانة الإنسان مع نفسه فهو أن لا يختار لنفسه إلا ما هو الأنفع والأصلح له في الدين والدنيا, وأن لا يقدم بسبب الشهوة والغضب على ما يضره في الآخرة, ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».

(2) قوله تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْل) بعد قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا). نلمح الترتيب التربوي في هذه الآيات وذلك بأن يبدأ الإنسان بنفسه ثم ينتقل إلى غيره, لأنّ الأمانة أداء حق للغير تمتلكه النفس، أما الحكم بالعدل فهو أمر لآخر بأداء حق غيره, ومن هنا ذكر الأمانة أولا ثم ذكر الحكم ثانيا.

488

(3) قوله تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْل). قال الإمام الشافعي رحمه الله: «ينبغي للقاضي أن يسوي بين الخصمين في خمسة أشياء: في الدخول عليه, والجلوس بين يديه, والإقبال عليهما, والاستماع منهما, والحكم عليهما. ثم قال: والمأخوذ عليه التسوية بينهما في الأفعال دون القلب, فإن كان يميل قلبه إلى أحدهما ويحب أن يغلب بحجته على الآخر فلا شيء عليه لأنه لا يمكنه التحرز منه. ثم قال: ولا ينبغي أن يلقن واحدا منهما حجته, ولا شاهدا شهادته لأنّ ذلك يضر بأحد الخصمين, ولا يلقن المدعي الدعوى والاستحلاف, ولا يلقن المدعى عليه الإنكار والإقرار, ولا يلقن الشهود أن يشهدوا أو لا يشهدوا, ولا ينبغي أن يضيف أحد الخصمين دون الآخر, لأن ذلك يكسر قلب الآخر, ولا يجيب هو إلى ضيافة أحدهما, ولا إلى ضيافتهما معا ما داما متخاصمين» (الرازي).

(4) قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ به). سمى الأوامر السابقة في أداء الأمانة والحكم بالعدل موعظة، لأنّ الموعظة أبلغ إلى القلب وأقرب إلى الوجدان وأحثّ على الطاعة والعمل والتنفيذ.

(5) قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيرا). هذا التعقيب والختام للآية هو الأساس في التربية الإسلامية، لأنّ الأساس في التربية الإسلامية هي الرقابة الدائمة بين العبد وبين الله، وذلك من خلال إحساس العبد الدائم بأنه تعالى يسمعه ويراه, وقد سمى الشارع هذه الرقابة بالإحسان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما سأله جبريل رضي الله عنه: أخبرني عن الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (البخاري)، ومثل هذه الآية قوله تعالى لموسى وهارون: (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (طـه: 46).

(6) قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا). قال الإمام علي رضي الله عنه في المدلول التربوي لهذه الآية بعد الآية السابقة: «حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة, فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا»، ونلمح في هذه الوقفة التربية على التوازن بين الحقوق والواجبات، ففي الآية الأولى أوجب على الحاكم أداء الأمانة والحكم بما أنزل الله وفي هذه الآية أوجب على الرعية السمع والطاعة وجعل هذه الواجبات مقرونة ببعضها, فإذا أدى الحاكم ما عليه كان له أن يطالب بما هو له.

489

(7) قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا). نلمح في هذه الآية أحد أهم الأساليب التربوية وهو ربط الطاعة بالإيمان بالله, أي: ربط الشريعة بالعقيدة, والترغيب في الطاعة على أساس من الإيمان بالعقيدة، وهذا ما نجده في ثلاثة مواقع من هذه الآية: (الأول) قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول) فربط طاعة الله وطاعة الرسول بالإيمان, (والثاني) قوله تعالى: (وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم) يعني من المؤمنين وهذا أيضا ربط للطاعة بالإيمان، (والثالث) قوله تعالى: (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر) وهو ربط للتحاكم إلى الشريعة وما يترتب عليه من عمل بالإيمان بالله واليوم الآخر.

490

الآيات 60-63

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغا﴾ (النساء: 60-63)

(1) ذكر القرطبي في سبب نزول هذه الآيات عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: «كان بين رجل من المنافقين يقال له: بشر, وبين يهودي خصومة, فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد, وقال المنافق: بل إلى كعب بن أشرف, فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلما رأى ذلك المنافق أتى معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودي, فلما خرجا قال المنافق: لا أرضى, انطلق بنا إلى أبي بكر, فحكم لليهودي , فلم يرض المنافق وقال: انطلق بنا إلى عمر, فأقبلا على عمر, فقال اليهودي: إنا صرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إلى أبي بكر فلم يرض, فقال عمر للمنافق: أكذاك هو؟ قال: نعم. قال: رويدكما حتى أخرج إليكما. فدخل وأخذ السيف ثم ضرب به المنافق حتى برد، يعني مات، وقال: هكذا أقضي على من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله, وهرب اليهودي, ونزلت الآية, وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: أنت الفاروق, ونزل جبريل وقال: إنّ عمر فرق بين الحق والباطل فسمّي الفاروق». والذي يظهر أنّ اليهودي أراد التحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم لأنه علم أنّ محمدا لا يأخذ الرشوة في الحكم, وعكسه المنافق الذي لم يكن صاحب حق في الخصومة وأراد التحاكم إلى كعب بن أشرف لأنه علم أنّ كعب بن أشرف يأخذ الرشوة في الحكم، والله أعلم.

(2) قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِه). فيه وقفتان تربويتان: (الأولى) الربط الواضح بين الإيمان بالشريعة والتحاكم إليها, فمن كان مؤمنا بالقرآن وجب عليه التحاكم إلى القرآن, وترك التحاكم إلى القرآن يعني عدم الإيمان به, وعلى هذا فالنص فيه ترهيب من التحاكم إلى غير شريعة الإسلام وفيه وعيد بحرمانه من الإيمان في حال التحاكم إلى حكام الجاهلية. (والثانية) الترهيب والتحذير هنا يبدأ بالإرادة، وذلك قبل الفعل، فمن أراد التحاكم إلى حكام الجاهلية دخل في هذا التحذير والوعيد وهذا ظاهر من قوله تعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوت).

(3) قوله تعالى: (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدا). ترهيب للمسلم من التحاكم إلى حكام الجاهلية وترك التحاكم إلى شريعة الإسلام من خلال البيان بأنّ ذلك المسلك هو من مسالك الشيطان الذي أبان عن عداوته لآدم وذريته منذ بداية الخليقة. وتحاكم المسلم إلى غير شريعة الإسلام له أثر تربوي خطير، وذلك أنّ هذا الموقف يحمل الناس على التشكيك في أمر شريعة الإسلام ويجعلهم يرددون في أنفسهم أنه لا صلاح في هذه الشريعة ولو كان فيها صلاح لما تحاكم أصحابها إلى غيرها, وهنا تبدو خطورة التحاكم إلى غير شريعة الإسلام على الشريعة نفسها قبل خطورة هذا الموقف على صاحبه من حيث إيمانه أو عدم إيمانه.

491

(4) قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودا). بيّن الله في هذه الآية نفور المنافقين من التحاكم إلى الله ورسوله بعد أن بيّن في الآية السابقة رغبتهم في التحاكم إلى الطواغيت حكام الجاهلية, والعلة في ذلك كما أسلفنا أنّ المنافقين كانوا غير محقين في خصومتهم مع غيرهم, وكانوا يبحثون عن الحكام الذين يأخذون الرشوة في الحكم كي يحكموا لهم, وهذا يدل على أنه لا عيب في شريعة الله فهي شريعة عادلة ومحقة، وإنما العيب في المنافقين الذين يريدون أكل حقوق الناس دون وازع من الإيمان بالله واليوم الآخر حيث العدالة الإلهية المطلقة.

(5) قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِم). ترهيب للمنافقين من خلال إعلامه تعالى لهم وتذكيرهم بأنه مطلع على ضمائرهم، ولو شاء لهتك سترهم ورفع عنهم عصمة المسلمين, وفيه ترغيب لهم في التوبة وتغيير ما في قلوبهم من النفاق لأنه تعالى لم يهتك سترهم ولم يكشف ما في قلوبهم بل أمهلهم وتوعدهم.

(6) قوله تعالى: (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغا). أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أمور في علاج هذه المشكلة، وهي مشكلة منافقين يريدون التحاكم إلى غير شريعة الله, وهذه الأمور هي: (الأول) (فَأَعْرِضْ عَنْهُم) والإعراض يعني عدم الالتفات إلى أعذارهم وعدم هتك أسرارهم, لأنّ من هتك ستر عدوه ربما جرّأه على إظهار الشر والتمادي فيه، وبالعكس الحفاظ على السر هنا وعدم إشاعته ربما ساعد العدو في سلوك طريق التوبة, وهذه القاعدة التربوية ما أحوج الدعاة إليها الآن. (والثاني) (وَعِظْهُم) والمراد منه الزجر عن الشر، والتخويف من عقاب الشر في الدنيا وفي الآخرة. (والثالث) (وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغا) والقول البليغ هو القول الحسن الألفاظ الحسن المعاني الذي يشتمل على الترغيب والترهيب والوعد والوعيد والثواب والعقاب، وهو القول الذي يبلغ القلوب ويقع في النفوس ويؤثر فيهما.

(7) ظهر لنا من خلال هذه الآية سبب إعراض بعض الناس عن شريعة الإسلام وترك التحاكم إليها، وهذا السبب هو الرغبة في الفساد لكون هذا الفساد يحقق مصالح أصحابه, فهؤلاء المعرضون عن الشريعة فئة تعيش على الفساد وتنتفع من وجوده, وهذه الحقيقة لن يعلنها أصحابها بل سيدّعون أنّ شريعة الإسلام لا تناسب الناس أو يعلنون أنهم غير مقتنعين بأحكام شريعة الإسلام، وفي كلا الحالتين على المسلم أن لا يغتر بهذه الادعاءات بعد أن ظهر له السبب الحقيقي في إعراض بعض الناس عن شريعة الله.

492

الآيات 64-65

قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيما﴾ (النساء: 64-65)

(1) قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّه). فيه ترغيب في طاعة الرسول, وفيه ترغيب في التحاكم إليه في حياته وإلى شريعته وسنته بعد مماته, وفيه توبيخ لأولئك المعرضين عن طاعة الرسول والمعرضين عن التحاكم إلى سنته، وفيه بيان صريح بأنه صلى الله عليه وسلم ليس مجرد واعظ وإنما هو مربي، ولم يكن سلوكه صلى الله عليه وسلم مجرد واعظ يقول كلمته ويمشي كمن يبذر البذار ويتركها لتقلب المناخ بل كان سلوكه قائم على ربط العلم بالعمل، وهذا معنى الطاعة، وهذا أيضا معنى التربية.

(2) قوله تعالى: (لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيما). ترغيب في التوبة مهما كبر الذنب ومهما تكرر الذنب، لأنّ (التوّاب) صيغة مبالغة من التوبة وهي تفيد أنه تعالى يقبل توبة عبده إذا تاب واستغفر مهما عظم ذنبه ومهما تكرر منه الذنب, ومن رحمته تعالى بالناس أنه توّاب, وفي هذه الآية ترغيب للمؤمنين في تذوق رحمة الله والعيش في كنفها من خلال التوبة.

(3) قوله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُون). أقسم الله تعالى بنفسه فدلّ ذلك على أهمية المقسم عليه وعِظم أمره، لأنه تعالى في مواضع أخرى أقسم ببعض مخلوقاته, والمقسم عليه في هذه الآية هو التحاكم إلى شريعة الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو عند الله عظيم, وما كان عند الله عظيم فهو عند المؤمنين عظيم, وفي هذا القسم تحذير للمؤمنين من التهاون في مسألة تحكيم الشريعة الإسلامية، والله أعلم.

(4) قوله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيما). يدل على أنّ الإيمان منفي ما لم تحصل ثلاثة شروط: (الأول) قوله تعالى: (حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم) التحاكم إلى الشريعة في كل خلاف وفي كل خصومة وفي كل نزاع كبيرا كان أم صغيرا, (والثاني) قوله تعالى: (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْت) أي: الرضا بالقضاء وعدم التضايق منه وهذا كناية عن الانقياد الباطن, (والثالث) قوله تعالى: (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيما) أي: العمل بالتحكيم وهو كناية عن الانقياد الظاهر. وفي هذه الآية عبرة لمن يظن أنّ الإسلام مجرد كلمة تقال باللسان أو مجرد الولادة في بيت مسلم أو مجرد التسمي بأسماء المسلمين والتشبه بهم في الظاهر, حيث إنّ هذه الآية تدل على أنّ الإسلام قول وعمل, وسمع وطاعة, واستسلام كامل لله في الباطن والظاهر, والقول لا قيمة له ما لم يصدقه العمل, والادعاء لا دلالة فيه ما لم يدل عليه العمل.

493

الآيات 66-68

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيما﴾ (النساء: 66-68)

(1) قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتا). قال الإمام القرطبي في المدلول التربوي لهذه الآية: «أخبر الله سبحانه أنه لم يكتب ذلك علينا رفقا بنا لئلا تظهر معصيتنا, فكم من أمر قصّرنا عنه مع خفته, فكيف بهذا الأمر مع ثقله». وقال الإمام ابن كثير في المدلول التربوي لهذه الآية: «يخبر تعالى عن أكثر الناس أنهم لو أمروا بما هم مرتكبونه من المناهي لما فعلوه, لأنّ طباعهم الرديئة مجبولة على مخالفة الأمر, وهذا من علمه تبارك وتعالى بما لم يكن لو كان فكيف كان يكون».

(2) قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِه). سمى التكاليف السابقة وعظا لأنّ التكاليف الإلهية مقرونة بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد والثواب والعقاب, فدل هذا على أنّ الموعظة هي التكليف المقرون بالترغيب والترهيب سواء كان التكليف أمرا أو نهيا, ولا شك أنّ التكليف إذا قرن بالترغيب والترهيب كان أبلغ أثرا في القلوب وأكثر ثباتا في الوجدان وأحثّ وأرغب على الفعل والنهي.

(3) قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (66) وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيما). وعد الله على الطاعة أربعة أنواع من المنافع وهي: (الأول) الخير (لَكَانَ خَيْراً لَهُم), (والثاني) التثبيت (وَأَشَدَّ تَثْبِيتا), (والثالث) الأجر العظيم يوم القيامة (وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيما), (والرابع) الهداية في الدنيا (وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيما), فدل هذا الوعد على أنّ مجرد البدء بفعل الطاعة يجر هذه الأنواع من المنافع، وهذا من قبيل الترغيب على الطاعة, ودلّ هذا الوعد على أنّ الطاعة تجر الخير والمعصية تجر الشر، وهذا أيضا ترغيب في الطاعة.

(4) قوله تعالى: (وَأَشَدَّ تَثْبِيتا). قال الإمام الرازي في المدلول التربوي لهذه الآية: ((وفيه وجوه: (الأول) أنّ المراد أنّ هذا أقرب إلى ثباتهم عليه واستمرارهم, لأنّ الطاعة تدعو إلى أمثالها, والواقع منها في وقت يدعو إلى المواظبة عليه. (الثاني) أن يكون أثبت وأبقى لأنه حق, والحق ثابت وباق والباطل زائل. (الثالث) أنّ الإنسان يطلب أولا تحصيل الخير, فإذا حصله فإنه يطلب أن يصير ذلك الحاصل باقيا ثابتا, فقوله: (لَكَانَ خَيْراً لَهُم) إشارة إلى الحالة الأولى, وقوله: (وَأَشَدَّ تَثْبِيتا) إشارة إلى الحالة الثانية)).

(5) قوله تعالى: (وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيما). الأجر العظيم في الآخرة والهداية في الدنيا, وقدّم الأجر على الهداية ليدل على أنّ الهداية هي بمثابة الوسيلة إلى الآجر.

494