الآيات 78-79
قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدا﴾ (النساء: 78-79)
(1) قوله تعالى: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَة). معناه: إنّ الموت حاصل لكل إنسان في أي مكان وبأي شيء تحصن, وإذا كان الموت لابد حاصل فبأن يعقبه السعادة في الآخرة خير من أن يعقبه العذاب في الآخرة، وذلك لا يكون إلا بطاعة الله وترك معصيته ومنها الجهاد في سبيل الله, وعلى هذا فالمدلول التربوي لهذه الآية هي الترغيب في الطاعة والجهاد من خلال نزع الخوف من الموت من نفوس المؤمنين. وقد أورد الإمام الطبري في تفسير قصة فيها دلالة على أنّ الحذر لا يدفع القدر وإن كان الحذر واجبا، وفيها شيء من عبرة الموت, قال مجاهد: «كان فيمن كان قبلكم امرأة, وكان لها أجير, فولدت جارية. فقالت لأجيرها: اقتبس لنا نارا, فخرج فوجد بالباب رجلا, فقال له الرجل: ما ولدت هذه المرأة؟ قال: جارية، قال: أما إنّ هذه الجارية لا تموت حتى تبغي بمائة, ويتزوجها أجيرها, ويكون موتها بالعنكبوت. قال: فقال الأجير في نفسه: فأنا أريد هذه بعد أن تفجر بمائة!! فأخذ شفرة فدخل فشق بطن الصبية, وعولجت فبرئت, فشبّت, وكانت تبغي. فأتت ساحلا من سواحل البحر, فأقامت عليه تبغي. ولبث الرجل ما شاء الله, ثم قدم ذلك الساحل ومعه مال كثير, فقال لامرأة من أهل الساحل: أبغيني امرأة من أجمل النساء في القرية أتزوجها, فقالت: هنا امرأة من أجمل الناس, ولكنها تبغي. قال: ائتيني بها. فأتتها فقالت: قد قدم رجل له مال كثير, وقد قال لي كذا, فقلت له كذا، فقالت: إني قد تركت البغاء, ولكن إن أراد تزوجته. قال: فتزوجها, فوقعت منه موقعا. فبينا هو يوما عندها إذ أخبرها بأمره, فقالت: أنا تلك الجارية, وأرته الشق في بطنها, وقد كنت أبغي, فما أدري بمائة أو أقل أو أكثر, قال: فإنه قال لي: يكون موتها بعنكبوت. قال: فبنى لها برجا في الصحراء وشيده. فبينما هو يوما في ذلك البرج, إذا عنكبوت في السقف, فقالت: هذا يقتلني؟ لا يقتله أحد غيري, فحركته فسقط, فأتت فوضعت إبهام رجلها عليه فشدخته, وساح سمه بين ظفرها واللحم, فاسودّت رجلها فماتت».