التفسير التربويالجزء 1 · ص 503 - 511

الآيات 78-79

الآيات 78-79

قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدا﴾ (النساء: 78-79)

(1) قوله تعالى: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَة). معناه: إنّ الموت حاصل لكل إنسان في أي مكان وبأي شيء تحصن, وإذا كان الموت لابد حاصل فبأن يعقبه السعادة في الآخرة خير من أن يعقبه العذاب في الآخرة، وذلك لا يكون إلا بطاعة الله وترك معصيته ومنها الجهاد في سبيل الله, وعلى هذا فالمدلول التربوي لهذه الآية هي الترغيب في الطاعة والجهاد من خلال نزع الخوف من الموت من نفوس المؤمنين. وقد أورد الإمام الطبري في تفسير قصة فيها دلالة على أنّ الحذر لا يدفع القدر وإن كان الحذر واجبا، وفيها شيء من عبرة الموت, قال مجاهد: «كان فيمن كان قبلكم امرأة, وكان لها أجير, فولدت جارية. فقالت لأجيرها: اقتبس لنا نارا, فخرج فوجد بالباب رجلا, فقال له الرجل: ما ولدت هذه المرأة؟ قال: جارية، قال: أما إنّ هذه الجارية لا تموت حتى تبغي بمائة, ويتزوجها أجيرها, ويكون موتها بالعنكبوت. قال: فقال الأجير في نفسه: فأنا أريد هذه بعد أن تفجر بمائة!! فأخذ شفرة فدخل فشق بطن الصبية, وعولجت فبرئت, فشبّت, وكانت تبغي. فأتت ساحلا من سواحل البحر, فأقامت عليه تبغي. ولبث الرجل ما شاء الله, ثم قدم ذلك الساحل ومعه مال كثير, فقال لامرأة من أهل الساحل: أبغيني امرأة من أجمل النساء في القرية أتزوجها, فقالت: هنا امرأة من أجمل الناس, ولكنها تبغي. قال: ائتيني بها. فأتتها فقالت: قد قدم رجل له مال كثير, وقد قال لي كذا, فقلت له كذا، فقالت: إني قد تركت البغاء, ولكن إن أراد تزوجته. قال: فتزوجها, فوقعت منه موقعا. فبينا هو يوما عندها إذ أخبرها بأمره, فقالت: أنا تلك الجارية, وأرته الشق في بطنها, وقد كنت أبغي, فما أدري بمائة أو أقل أو أكثر, قال: فإنه قال لي: يكون موتها بعنكبوت. قال: فبنى لها برجا في الصحراء وشيده. فبينما هو يوما في ذلك البرج, إذا عنكبوت في السقف, فقالت: هذا يقتلني؟ لا يقتله أحد غيري, فحركته فسقط, فأتت فوضعت إبهام رجلها عليه فشدخته, وساح سمه بين ظفرها واللحم, فاسودّت رجلها فماتت».

503

(2) قوله تعالى: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّه). جرت سنة لله في كل قوم يبعث فيهم نبي فلا يستجيبون له أن يأخذهم بالقحط والجدب فقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُون) (الأعراف: 94)، كما جرت سنته بأن ينسب المعارضون للأنبياء القحط والجدب إلى الأنبياء ودعوتهم، فقال تعالى عن قوم محمد صلى الله عليه وسلم: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِك)، وقال تعالى عن قوم موسى عليه السلام: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَه) (الأعراف: 131)، وقال تعالى عن قوم صالح عليه السلام: (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَك) (النمل: 47)، وقال عن أصحاب القرية في سورة يس: (قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُم) (يـس: 18)، وقد يحصل هذا لكل دعوة إسلامية صحيحة في أي مكان من الأرض, ولذلك علّم الله المؤمنين كيف يردّون على هذه الشكوك بقوله: (قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّه).

(3) قوله تعالى: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِك) لا يتعارض مع قوله: (قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّه). وإنما نلحظ هنا مسألة تربوية هامة وهي رعاية الأدب مع الله بأن ننسب إليه الخير ولا ننسب الشر إليه وإن كان الكل من عنده وبإرادته وقضائه وقدره, ومثل هذه الآية قوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِين) (الشعراء: 80)، فنسب إبراهيم المرض إلى نفسه ونسب الشفاء إلى الله, ومثل هذه الآية قوله تعالى على لسان الجن المتأدبين مع الله حيث قالوا: (وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدا) (الجـن: 10)، فنسبوا الشر إلى المجهول ونسبوا الخير إلى الله، وبهذا الأدب تأدب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقد سئل عن الكلالة: «أقول فيها برأيي, فإن يكن صوابا فمن الله, وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه» (ابن كثير)، وقد رُوي مثل هذا القول عن عدد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في العديد من المسائل.

504

الآيات 80-82

قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيرا﴾ (النساء: 80-82)

(1) قوله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه). فيه تربية وتعليم لكل مسلم على أنّ طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله، وأنّ السنة كالقرآن في إنشاء الأحكام، وهي شارحة ومتممة لما في القرآن، ومع ذلك نجد أنّ بعض المسلمين راح يغض من السنة وانحرف عن هذا التعليم الإلهي, وبمعنى الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله, ومن أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني» وفي رواية «ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني» (البخاري ومسلم). قال الإمام الرازي: ((قال الشافعي رحمه الله في كتاب الرسالة في باب فرض الطاعة للرسول: إنّ قوله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه) يدل على أنّ كل تكليف كلف الله به عباده في باب الوضوء والصلاة والزكاة والصوم والحج وسائر الأبواب في القرآن, ولم يكن ذلك التكليف مبيّنا في القرآن, فحينئذ لا سبيل لنا إلى القيام بتلك التكاليف إلا ببيان الرسول, وإذا كان الأمر كذلك لزم القول بأنّ طاعة الرسول عين طاعة الله)).

(2) قوله تعالى: (وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظا). هذا من قبيل التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع الحزن والغم عن قلبه، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يغتم ويحزن حين يرى بعض الناس يتولون عن الإسلام ويتابعون في معصية الله, ومعنى الكلام إنما أنت رسول عليك البلاغ وعليهم الطاعة, وما أرسلناك لتحفظ الناس عن المعاصي، وفي هذا الكلام عزاء لكل مسلم حين يبذل جهده في إصلاح الناس ويرى الناس أو بعضهم يتولون عن دعوة الإسلام ويعرضون عن شريعة الله.

(3) قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ طَاعَة). فيه تربية على أنه لا قيمة لقول بلا عمل, إنّ العمل هو المعتبر في الطاعة وليس مجرد الكلام, فلا يكون الإنسان مطيعا لله إذا وعد بالطاعة أو قال أطعت ولم يقرن القول بالعمل لأنّ الله تعالى لم يحكم لهم بالطاعة بمجرد القول, فثبت أنّ الإنسان لا يكون مطيعا ما لم توجد فيه الطاعة.

(4) قوله تعالى: (فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُون). هذا إعلام من الله لرسوله بما يدبره هؤلاء المنافقون ليلا من أمر المعصية, وفيه تهديد لهؤلاء المبيتين بأنّ الله تعالى يعلم ما يبيتون وبالتالي سيحاسبهم عليه أشد الحساب ويعاقبهم عليه أشد العقاب, وفيه تطمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين بأنّ الله يحفظهم ويرعاهم ويتولى أمر عدوهم بالرقابة والحساب.

(5) قوله تعالى: (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه). خطة الإعراض سواء مع المنافقين أو مع المشركين أو مع أي من أعداء الدعوة الإسلامية خطة قاتلة لهم، لأنهم لا يحققون أهدافهم إلا بتفاعل المسلمين مع أعمالهم والانخراط في مجابهتها, أما الإعراض فإنه يضعفهم ويفوت عليهم تصعيد المعركة مع المؤمنين وتحقيق أهدافهم من خلالها، ومن ثم فإنّ هذه الخطة تدمر البنية النفسية لأعداء الإسلام وتسبب لهم الموت البطيء.

505

(6) قوله تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآن). إن كان المخاطب بهذا الكلام هم المنافقون، وصلا للآية بالآية التي قبلها، ففيه تربية على إعجاز القرآن وأنه من عند الله وليس من عند محمد صلى الله عليه وسلم, لأنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بقضية لا يعلمونها ويعلمها المنافقون وهي: (فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُول)، وفي هذا دليل وعبرة للمنافقين على أنّ محمدا رسول الله يأتيه الوحي من السماء، وإلا فمن أين له أن يعلم ما يدبرونه ليلا ويبيتونه. وإن كان المخاطب بهذا الكلام هم المؤمنون، استئنافا للكلام، ففيه تربية على التدبر وإمعان النظر والاستدلال, ومن ثم تحريم التقليد احتراما للعقل البشري وتشغيلا له, وكذلك في هذه الآية تربية على طريقة التعامل مع كتاب الله, فما ينبغي لمسلم أن يتولوا هذا الكتاب من غير تفكير فيه، لأنّ الفائدة منه ككتاب علم وعمل لا تحصل بمجرد القراءة والاستظهار.

(7) قوله تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيرا). يدل على أمرين تربويين: (الأول) إعجاز القرآن، ومنه التربية على الإعجاز, يقول الإمام القرطبي: «إنه ليس من متكلم يتكلم كلاما كثيرا إلا وُجد في كلامه اختلاف كثير, إما في الوصف واللفظ , وإما في جودة المعنى, وإما في التناقض, وإما في الكذب. فأنزل الله عز وجل القرآن وأمرهم بتدبره, لأنهم لا يجدون فيه اختلافا في وصف ولا ردا له في معنى, ولا تناقضا ولا كذبا فيما يخبرون به من الغيوب وما يسرون». (والثاني) الأدب التربوي في التعامل مع القرآن, قال ابن زيد: «إنّ القرآن لا يكّذب بعضه بعضا, ولا ينقض بعضه بعضا, ما جهل الناس من أمر فإنما هو من تقصير عقولهم وجهالتهم» (الطبري)، وبهذا المعنى روى الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «لقد جلست أنا وأخي مجلسا ما أحب أنّ لي به حمر النعم, أقبلت أنا وأخي وإذا مشيخة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على باب من أبوابه, فكرهنا أن نفرق بينهم, فجلسنا حجزة إذ ذكروا آية من القرآن, فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم, فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبا حتى احمر وجهه يرميهم بالتراب ويقول: مهلا يا قوم بهذا أهلكت الأمم من قبلكم, باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض, إنّ القرآن لم ينزل يكّذب بعضه بعضا, إنما نزل يصدق بعضه بعضا, فما عرفتم منه فاعملوا به, وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه» (أحمد).

506

الآية 83

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلا﴾ (النساء: 83)

(1) تعرض هذه الآية ظاهرة مرضية وجدت في مجتمع الصحابة وقد توجد في كل مجتمع، وهي ظاهرة نشر الأخبار وإنشائها ونقلها بمجرد سماعها, كما تعرض هذه الآية علاج هذه الظاهرة وهو التحقق من صحة الأخبار والتثبت من دقتها قبل نقلها، وذلك بالبحث عن مصدرها أو سؤال من يقوم بهذا التحري والبحث والتنقيب. وفي سياق تربية الله تعالى لهذه الأمة المسلمة ذكر هذه الظاهرة مشيرا إلى فسادها فقال في صفة المنافقين الذين هم غالب من يمارس هذه الظاهرة: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا به)، وذكر العلاج لها فقال: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم)، وبهذا المعنى مجموعة من الأحاديث حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء كذبا أن يحدّث بكل ما سمع» (مسلم)، وقال: «بئس مطية الرجل زعموا» (أبو داود)، وقال: «من حدّث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين» (أحمد), وعن المغير بن شعبة صلى الله عليه وسلم: «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن قيل وقال» (البخاري)، والمقصود من ذلك الذي يكثر الحديث عما يقوله الناس من غير تثبت ولا تدبر ولا تبيّن.

(2) وهذه الآية تعرض ظاهرة من أهم الظواهر في الحروب الحديثة وهي ظاهرة الإشاعة وكيفية التعامل معها, لما في الإشاعة من خلخلة للمعسكر المسلم, والغالب فيمن يمارس هذه الظاهرة هم المنافقون أي: الطابور الخامس بالعرف الحديث, وهذه المناقشة لا تفرق بين خبر يفيد الأمن وخبر يفيد الخوف فلكل منها نتائجه السيئة على المعسكر الإسلامي, لأنّ إشاعة الأمن في معسكر متأهب متيقظ قد تسبب التراخي والإهمال ومنه خسارة المعركة, وإشاعة الخوف في معسكر مطمئن قد تسبب التردد والارتباك ومنه خسارة المعركة, ومن هنا يجب الحذر من الإشاعة، ومهمة المسلم في حال سماعها هو نقلها لأولي الأمر كي يتعاملوا معها التعامل السليم ببيان مدى صحتها أو كذبها.

(3) قوله تعالى: (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلا). يدل على أنه من رحمته تعالى بالمؤمنين ورأفته بهم وعنايته بأمرهم إنزال القرآن يحدد الأخطاء ويبين الفئة التي تتعامل بها ويوجه المسلمين إلى العمل الصحيح في هذا المجال, ولو تركهم من غير ذلك لكانت خسارتهم مؤكدة وضياعهم محتم والقضاء على جماعتهم لا بد واقع، وهذا هو المراد بقوله تعالى: (لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلا).

507

الآية 84

قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلا﴾ (النساء: 84)

(1) في هذه الآية ترغيب في الجهاد من خلال الأمر به (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّه)، والتحريض عليه (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِين)، والوعد بنصر الله (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا)، ويُجمع المفسرون على أنّ (عسى) من الله واجبة, لأنها تفيد الإطماع, والإطماع من الله واجب.

(2) وفي هذه الآية ترهيب من ترك الجهاد من خلال التلويح ببأس الله وتنكيله, وذلك أنّ الذي يجعل المسلم يتردد في القتال هو الخوف من بأس العدو, فذكر الله المسلمين في حال ترك القتال في سبيل الله ببأسه وتنكيله فقال: (وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلا)، والمعنى: إن خفتم بأس عدوكم فخافوا بأسي لأنه أشد.

(3) قوله تعالى: (لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَك). يدل على فردية المسؤولية وفردية التبعة, وهذه قاعدة قرآنية في النفس البشرية كقوله تعالى: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَت) (البقرة: 286)، وقوله تعالى: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الإسراء: 15)، وقوله تعالى: (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدا) (مريم: 95)، والمعنى: النهي عن ترك فعل الخير لأنّ الغير لا يفعله بل واجب على المسلم فعله ولو تركه كل المسلمون, وهذا المعنى هو مدخل للجماعة إلى فعل الخير.

508

الآية 85

قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتا﴾ (النساء: 85)

(1) قوله تعالى: (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا). إذا اعتبرنا هذه الآية كلام مستأنف فالمراد منها الترغيب في فعل الخير ومساعدة الناس على حصول الخير لهم, والترهيب من فعل الشر أو مساعدة الناس على حصول الشر لهم, أما إذا اعتبرنا هذه الآية موصولة بما قبلها فالمراد منها الترغيب في التحريض على الجهاد, والترهيب من تثبيط المؤمنين عن الجهاد.

(2) قوله تعالى في الشفاعة الحسنة: (يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا)، وقوله تعالى في الشفاعة السيئة: (يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا)، نلمح الترغيب والترهيب من خلال الألفاظ ومعانيها, لأنّ كلمة (كفل) تحمل معنى النصيب السيئ وهو الوزر, وأسلوب التربية باستخدام الألفاظ ذات المعاني الدقيقة أسلوب معهود في القرآن.

(3) قوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتا). معناه: قديرا، والتذكير بقدر الله في مجال الشفاعة الحسنة يفيد الترغيب، كما إنّ التذكير بقدرة الله في مجال الشفاعة السيئة يفيد الترهيب, وعلى ذلك فقوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتا) يحمل الترغيب والترهيب والوعد والوعيد في نفس الوقت.

509

الآية 86

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبا﴾ (النساء: 86)

(1) للسلام آداب تربوية:

(الأول) البدء بالسلام مندوب، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم» (مسلم)، وردّ السلام فريضة، والزيادة في الرد مندوبة، لقوله تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا).

(الثاني) من السنة أن يسلم الراكب على الماشي، والقائم على القاعد، والصغير على الكبير، والقليل على الكثير، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير» (البخاري).

(الثالث) للسلام ثلاث صيغ هي: السلام عليكم, السلام عليكم ورحمة الله, السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, والثالثة أكثر ثوابا من الثانية, والثانية أكثر ثوابا من الأولى, لما رُوي عن عمران بن حصين: «أنّ رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم يا رسول الله, فرد عليه, ثم جلس, فقال: عشر, ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله يا رسول الله, فرد عليه, ثم جلس, فقال: عشرون, ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته رسول الله، فرد عليه, ثم جلس, فقال: ثلاثون» (أبو داود).

(الرابع) لرد السلام ثلاث صيغ هي: وعليكم السلام, وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته, وعليكم, كما رُوي عن سلمان الفارسي أنه قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم يا رسول الله, فقال: وعليكم السلام ورحمة الله, ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله يا رسول الله, فقال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ثم جاء رجل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا رسول الله, فقال: وعليك, فقال له الرجل: بأبي أنت وأمي يا نبي الله, أتاك فلان وفلان فسلما عليك, فرددت عليهما أكثر مما رددت علي! فقال: إنك لم تدع لنا شيئا» (الطبري).

(الخامس) أما غير المسلمين فلا يُبدؤون بالسلام، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام» (مسلم)، ويُرد عليهم إن سلموا, قال ابن عباس: «من سلّم عليك من خلق الدنيا فاردد عليه وإن كان مجوسيا» (الطبري)، وقال قتادة: «فحيوا بأحسن منها: للمسلمين، أو ردوها: على أهل الكتاب» (الطبري).

(2) وللسلام دلالات وأثار تربوية في المجتمع المسلم نذكرها فيما يلي:

(الأول) إنّ لإفشاء السلام أثره الكبير في إيجاد المحبة بين المسلمين، وفي توثيق عرى الأخوة، وفي تصفية القلوب، لأنّ النفوس جبلت على حب من أحسن إليها, والإحسان قد يكون بالكلام, وإفشاء السلام من إحسان الكلام، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا, ولا تؤمنوا حتى تحابوا, أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (مسلم), وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل خير؟ قال: «تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» (البخاري).

510

(والثاني) إفشاء السلام سمة من سمات المجتمع المسلم, وقد حرص الإسلام على إيجاد هذه السمة مع غيرها من السمات وتعميقها لما فيها من تمييز للشخصية الإسلامية, وهي تدخل في إطار الصبغة الإلهية التي أراد الله صبغ المجتمع المسلم بها: (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُون) (البقرة: 138)، وعندما قرر الإسلام تحيته الخاصة كان للمجتمع الذي نشأ فيه الإسلام تحية أخرى, فقد كانوا يقولون في الجاهلية: «عمت صباحا, وعمت مساء»، ولكل مجتمع عبر التاريخ تحيته الخاصة به.

(الثالث) السلام اسم من أسماء الله تعالى, وتداول هذا الاسم بهذه الصيغة «السلام عليكم, وعليكم السلام» له أثره في المجتمع بإيجاد الأمن والسلام في المجتمع, حتى إنّ غير المسلم لو قال للمسلم «السلام عليكم» يكني بها عن أنه مسلم وجب عدم قتله وحقن دمه بهذا اللفظ ، وهذا معنى قوله تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنا) (النساء: 94)، وبهذا المعنى، معنى الأمان الذي يفيده إلقاء السلام, رُوي عن الحجاج أنه دخل عليه رجل من الخارجين والمطلوبين له بصفته واليا للمسلمين على العراق, والحجاج لا يعرفه بالشكل وإنما بالاسم, فقال الرجل: أيها الوالي، ما جواب السلام عليكم؟ فقال الحجاج من غير تفكير: وعليكم السلام, فقال الرجل: أنا فلان! فقال الحجاج: ما أخبثك, وعفا عنه.

(الرابع) آية التحية «السلام» هنا تخللت بين آيات القتال قبلها وبعدها, وهذا يفيد أنّ الإسلام دين السلام, وأنّ الأصل في علاقة المسلمين مع غيرهم هي علاقة السلام, وهو عندما يقاتل فإنما يقاتل لإيجاد السلام ولإقرار السلام، ولا يلجأ إلى القتال في تحقيق الأهداف إلا إذا تعذر تحقيق الأهداف بوسائل السلام.

(3) قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبا). والمدلول التربوي لهذه الخاتمة للآية هو الوعيد لمن يخالف الآداب الشرعية والأحكام التكليفية في مسألة السلام, قال الإمام الرازي: «أي هو محاسبكم على أعمالكم وكافي في إيصال جزاء أعمالكم إليكم, فكونوا على حذر من مخالفة التكاليف»، قلت: وخاصة المتعلقة بحقن دم من يلقي السلام على المؤمنين.

511