التفسير التربويالجزء 1 · ص 512 - 520

الآية 87

الآية 87

قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثا﴾ (النساء: 87)

(1) قوله تعالى: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيه). في هذه الآية بيان وتربية على أنّ التوحيد والعدل متلازمان, فقوله تعالى: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُو) إشارة إلى التوحيد, وقوله تعالى: (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيه) إشارة إلى العدل, ومثل هذه الآية قوله تعالى: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْري) (طـه: 14)، إشارة إلى التوحيد، وبعدها قوله تعالى: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى) (طـه: 15) إشارة إلى العدل, ومثال قوله تعالى مشيرا إلى التوحيد والعدل: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْط) (آل عمران: 18)، وملازمة العدل للتوحيد فيه ترغيب على الإيمان والطاعة وترهيب من الكفر والمعصية.

(2) قوله تعالى: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثا). استفهام ومعناه الإنكار أي لا أحد أصدق من الله, والاستفهام الإنكاري أبلغ أثرا من الناحية التربوية من الإنكار العادي. والتأكيد على صدق كلام الله واستحالة الكذب على الله له أثره الإيماني والتربوي في نفي الشك الذي هو أساس دمار الشخصية الفردية والشخصية الجماعية, وفي هذا المجال يقول الإمام الطبري: ((وذلك أنّ الكاذب إنما يكذب ليجتلب بكذبه إلى نفسه نفعا, أو يدفع به عنها ضرا , والله تعالى ذكره خالق الضر والنفع, فغير جائز أن يكون منه كذب, لأنه لا يدعوه إلى اجتلاب نفع إلى نفسه, أو دفع ضر عنها داعي، وما من أحد لا يدعوه داع إلى اجتلاب نفع إلى نفسه, أو دفع ضر عنها, سواه تعالى ذكره, فيجوز أن يكون له في استحالة الكذب منه نظيرا, فقال: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثا)).

512

الآيات 88-91

قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُبِينا﴾ (النساء: 88-91)

(1) قال ابن عباس: «نزلت في قوم كانوا قد تكلموا بالإسلام, وكانوا يظاهرون المشركين, فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا من بأس ... وإنّ المؤمنين لما أخبروا أنهم خرجوا من مكة, قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الجبناء فاقتلوهم, فإنهم يظاهرون عدوكم، وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله، أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به؟ من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم, نستحل دمائهم وأموالهم؟ فكانوا كذلك فئتين, والرسول عندهم لا ينهى واحدا من الفريقين عن شيء, فنزلت هذه الآيات» (ابن كثير).

(2) قوله تعالى: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْن). استفهام إنكاري وهو أبلغ أثرا في النفوس من الإنكار العادي, وفيه ينكر الله تعالى على المؤمنين أشد الإنكار أن يختلفوا في غيرهم فيصيروا فئتين بسبب هذا الخلاف على الآخرين, وفيه تربية للمسلمين على أنّ الخلاف في الآخرين وحكمهم ما ينبغي أن يسبب الفرقة في الصف الإسلامي فيجعل الفئة المسلمة منقسمة إلى فئتين، ولأنّ المسلمين الآن لم يتعلموا هذه المبادئ القرآنية التربوية ويعملوا بما فيها فإنّ معظم خلافاتهم ومعظم انقساماتهم متعلقة بخلاف حول الآخرين, لقد بلغ خلاف المسلمين الآن بسبب الموقف من غيرهم حدا جعل المسلمين فرقا وأحزابا متشرذمة لا وزن لها ولا قيمة لها من الناحية العملية, فما أحوجنا إلى هذه القاعدة التربوية القرآنية!.

(3) قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا). فيه تربية على أنّ عمل الإنسان سبب في ضلاله, وبالتالي مسؤولية الإنسان عن ضلاله, فالكسب السيئ يزيد في ضلال الإنسان والكسب الحسن يزيد في هداية الإنسان, وهذه الآية كقوله تعالى: (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون) (المطففين: 14)، في مجال الضلال والركس, والمفهوم المعاكس لهذه الآية قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (العنكبوت: 69) في مجال الهداية.

(4) قوله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاء). يبيّن الله تعالى في هذه الآية حقيقة خصوم الإسلام والخارجين عليه من المسلمين كي لا يغتر المسلم بهم ولا ينخدع بظاهرهم إن كان باطنهم عكس ذلك، وهذه الحقيقة هي أنّ الكافر يتمنى أن يكون المسلمون كفارا مثله فلا يكون لهم امتياز عليه, وكذلك الفاسق يتمنى لو كان المسلمون كلهم فساقا مثله فلا تظهر فضيلتهم عليه, وهي حقيقة كل عاص وكل خبيث، وهي حقيقة توقع الخوف في نفس المسلم كما توقع الحذر, وهو خوف وحذر لا بد منه لمن أراد السلامة.

513

(5) قوله تعالى: (فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّه). تحذير للمؤمن من موالاة ومحبة من لا يهاجر في سبيل الله، وترغيب لمن يريد الإسلام في الهجرة، وفي إخلاص الهجرة لله لا لعرض من الدنيا، قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: ((والهجرة أنواع: منها الهجرة إلى المدينة لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم وكانت هذه واجبة أول الإسلام حتى قال: «لا هجرة بعد الفتح» (البخاري)، وكذلك هجرة المنافقين مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغزوات، وهجرة من أسلم في دار الحرب فإنها واجبة، وهجرة المسلم ما حرم الله كما قال صلى الله عليه وسلم: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (البخاري)، وهاتان الهجرتان ثابتتان الآن، وهجرة أهل العاصي حتى يرجعوا تأديبا لهم, فلا يكلمون ولا يخالطون حتى يتوبوا, كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع كعب وصاحبيه)). وقال الإمام الرازي في المدلولات التربوية للهجرة: ((اعلم أنّ الهجرة تارة تحصل بالانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان, وأخرى تحصل بالانتقال من أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين, قال صلى الله عليه وسلم: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (البخاري), وقال المحققون: الهجرة في سبيل الله عبارة عن الهجرة عن ترك مأموراته وفعل منهياته, ولما كان كل هذه الأمور معتبرا لا جرم ذكر الله تعالى لفظا عاما يتناول الكل فقال: (حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّه) فإنه تعالى لم يقل حتى يهاجروا عن الكفر, بل قال: (حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّه)، وذلك يدخل فيه مهاجرة دار الكفر ومهاجرة شعار الكفر, ثم لم يقتصر تعالى على ذكر الهجرة, بل قيده بكونه (فِي سَبِيلِ اللَّه)، فإنه ربما كانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ومن شعار الكفر إلى شعار الإسلام لغرض من أغراض الدنيا, إنما المعتبر وقوع تلك الهجرة لأجل أمر الله تعالى)).

(6) قوله تعالى: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً * إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاق). في هذه الآية ترغيب في محبة الله ومحبة رسوله والمعاهدة على ذلك, وفيها بشارة لأهل الإيمان, لأنه تعالى رفع القتل والسيف والعذاب عمن التجأ إلى المسلمين, فبأن يرفع العذاب في الآخرة عمن التجأ إلى محبته تعالى ومحبة رسوله من قبيل الأولى، والله أعلم.

514

(7) قوله تعالى: (أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا). في هذه الآية يرفع الله تعالى السيف عن الفئة المحايدة من غير المسلمين وينهي عن قتل هذه الفئة ليدل على أنّ الأصل في منهج الإسلام هو السلام والدعوة إليه والعمل لتحقيقه، وإنما شرع القتال لرفع الظلم لا لإدخال الناس في الإسلام: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين) (البقرة: 256)، وفي هذه الآية يمنّ الله على المسلمين بحياد هذه الفئة وغيرها من فئات المشركين التي تلتزم الحياد, لأنها لو لم تلتزم الحياد وقاتلت المسلمين لكان في ذلك مشقة, وهذا تهدئة للنفوس الإسلامية المتحمسة التي قد لا تقبل الحياد من المشركين بل تصر على الإسلام أو القتال.

(8) قوله تعالى: (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُبِينا). قال مجاهد: «نزلت في قوم من أهل مكة, كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء, ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان, يبتغون بذلك أن يأمنوا ها هنا, وها هنا، فأمر بقتلهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا» (الطبري). وهنا نجد الأمر بقتال الفئة الشريرة التي تظهر الإسلام للمسلمين وتظهر الكفر للكافرين, فلا هي فئة مسلمة, ولاهي فئة كافرة محايدة، ولا هي فئة كافرة محاربة, فهي فئة متميعة لا يصلحها إلا السيف, ومن هنا أمر الإسلام بقتلها حتى تتحول عن هذا التميع إلى الإيمان أو إلى الحياد. وفي هذه الآية تأكيد للقاعدة التي ذكرناها أكثر من مرة وهي حرص الإسلام على السلام وأنّ الغاية من القتال هي رفع الظلم والتخلية بين الناس والإسلام فلهم أن يختاروه فيسلموا ولهم أن لا يختاروه فيكونون على شركهم، ولكن بشرط الحياد فلا يحاربون الإسلام ولا يسلبون الناس حرية الاختيار وحرية العمل.

515

الآية 92

قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيما﴾ (النساء: 92)

(1) قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأ). المعنى: ما ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمنا عن قصد أو عمد ولكن ذلك قد يحصل خطأ, فقوله: (ما كان) المراد منه النهي وإن جاء بصيغة النفي، وهذا كقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّه) (الأحزاب: 53)، ولو كان المعنى النفي لما وجد مؤمن يقتل مؤمنا أبدا, فما نفاه الله لا يجوز وجوده، كقوله تعالى: (مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا) (النمل: 60)، وجاء النهي وهو إنشاء بصيغة النفي وهو إخبار للتأكيد والمبالغة حتى كأنّ المنهي عنه صار حقيقة واقعة وخبرا موجودا, والمراد من ذلك بيان حرمة دم المسلم وأنّ هذه الحرمة قديمة في علم الله، فما ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمنا لأنّ وجود المؤمن نعمة عظيمة بجوار أخيه, فما يقدم على إزالة هذه النعمة إلا الكافر بها والجاحد لأمرها وهذه السمة ليست من سمات المؤمن الذي ذاق طعم الإيمان وعرف حقيقة الإيمان في قرارة نفسه وأدرك معنى الأخوة في دين الله، ومجيء النهي بصيغة النفي للتأكيد والمبالغة أسلوب تربوي معهود في القرآن كقوله تعالى: (أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِين) (البقرة: 114)، وكقوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّة) (التوبة: 122)، وكقوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِين) (التوبة: 113)، وكقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِم) (الأحزاب: 36).

(2) قوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا). إذا قتل المؤمن مؤمنا خطأ وجب عليه أمران: (الأول) تحرير رقبة مؤمنة، وهو حق للمجتمع لأنه أتلف نفسا مؤمنة عابدة لله فوجب عليه تعويض المجتمع بغيرها، وذلك باستحياء نفس مؤمنة. (والثاني) دية يعطيها لأهل المقتول، وهي تعويض لهم عن بعض ما فقدوا من منفعة المقتول، فإذا أراد أهل المقتول التصدق على القاتل وإعفاءه فلهم أن يعفوه من الدية التي هي حق لهم وليس لهم أن يعفوه من تحرير الرقبة المؤمنة لأنها حق للمجتمع.

(3) قوله تعالى: (فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَة). في هذه الآية تربية على أمرين: (الأول) إثبات الإيمان للمؤمن وإن كان مقيما بين أظهر الكافرين، وذلك قوله: (مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِن) ومعنى ذلك أن لا يتسرع المؤمنون في دار الإيمان بإطلاق لفظ الكفر على المؤمنين المقيمين في دار الكفر. (والثاني) لم يثبت الدية لأهل المؤمن المقيم في دار الكفر لأنّ في ذلك مساعدة لهم على قتال المسلمين، وأثبت تحرير الرقبة المؤمنة لأنّ فيها تقوية للمجتمع المسلم.

516

(4) في هذه الآية تربية من الله وتعليم للمؤمنين على تقديم الأهم، ففي قوله: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِه) قدم الأهم وهو تحرير الرقبة المؤمنة، لأنّ التحرير حق للمجتمع والدية حق لجزء من المجتمع والحق العام مقدم على الحق الخاص, وفي قوله: (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَة) قدم الدية على التحرير لأنّ الدية حق لغير المسلم فهي أهم بالنسبة لهم من التحرير الذي هو حق للمجتمع المسلم.

(5) قوله تعالى: (تَوْبَةً مِنَ اللَّه). قيل: إنه عائد على كفارة قتل المؤمن خطأ, ومدلوله التربوي هو أنّ الله أوجد للمؤمنين التوبة كي يتوبوا فهو ترغيب منه لهم في التوبة, ولو شاء لم يشرع لهذا الذنب توبة وترك أصحابه معلقين بذنوبهم من غير توبة. وقيل: إنه عائد على الصيام مقام الإعتاق في حال عدم القدرة على الإعتاق أو في حال عدم وجود الرقاب, والمدلول التربوي هو أنّ الله سمّى التخفيف توبة منه لأنّ التخفيف يسهل التوبة فهو من لوازمها, والتخفيف رحمة من الله بالناس وترغيب لهم في سلوك سبيل الطاعة.

517

الآية 93

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيما﴾ (النساء: 93)

نلمح في هذه الآية الترهيب بالعقوبة الأخروية لمن يقتل مؤمنا متعمدا, والترهيب هنا شديد والوعيد كبير حيث تضمن دخول النار والخلود فيها والغضب من الله واللعن والعذاب العظيم يوم القيامة, لأنّ عِظم الوعيد يتناسب مع عظم الذنب, وقتل المؤمن عمدا فيه جراءة على الإيمان وعلى رابطة الأخوة في الله حتى أنّ الله قرن قتل النفس المؤمنة بالشرك به فقال: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَق) (الفرقان: 68)، وإضافة إلى الترهيب بالعقوبة الأخروية لقتل النفس المؤمنة نجد في الأحاديث ترهيبا بالعقوبة الدنيوية حيث نصّ الحديث على قتل القاتل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث» ذكر منها ﴿النفس بالنفس﴾ (البخاري).

518

الآية 94

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا﴾ (النساء: 94)

(1) في سبب نزول هذه الآية مجموعة من الروايات خلاصتها أنّ سرية من سرايا المسلمين لقيت رجلا فقال لهم: «السلام عليكم» وفي رواية قال لهم: «إني مسلم» وفي رواية قال لهم: ﴿أشهد أن لا إله إلا الله﴾ فاعتبره بعضهم يقولها متعوذا أي خائفا من القتل فقتله, إما طمعا في ماله أو ثأرا لإحنة كانت بينهم في الجاهلية، فنزلت هذه الآية لتعالج هذه القضية وتربي المسلمين على قاعدة من أهم قواعد القتال وهي أنه لا يحل لمسلم أن يقتل كافرا إذا أظهر الكافر أيّ قول يحتمل الإسلام أو هو كناية عن الإسلام, سواء شهد شهادة الحق وهي ﴿لا إله إلا الله محمد رسول الله﴾ أو قال السلام عليكم أو قال إني مسلم أو قال إني مستسلم أو صلى، لأنه إن كان الدخول في الإسلام بشهادة الحق. فإنّ أي قول من هذه الأقوال مشكل يجب التأكد من صاحبه عما يعنيه به, حتى إنّ سرية من سرايا المسلمين يقودها خالد بن الوليد لقوا قوما فقال القوم: صبأنا ... صبأنا، فأمر خالد بن الوليد بقتلهم, فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم برء إلى الله من فعلهم، وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد» (البخاري), لأنّ المطلوب من المسلمين في هذه الحالة التأكد مما يعنيه القوم بقولهم (صبأنا), فربما كانوا يريدون الإسلام ولكنهم أخطؤوا في التعبير أو لم يعرفوا التعبير الصحيح عن هذه الحالة، والله أعلم.

(2) قوله تعالى: (تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَة). فيه تربية للمسلمين على الإخلاص في القتال بأن يكون لله خالصا لله لا يشوبه شائبة من شوائب الدنيا، سواء كانت هذه الشائبة غنيمة أم كانت عداوة سابقة، وفيه تربية للمسلمين على الزهد في الغنائم والدنيا بأسرها من خلال تسمية المنافع الدنيوية بالعرض أي: العارض والزائل, قال الإمام الرازي في التفسير: ((قال أبو عبيدة: جميع متاع الدنيا عرض ـ بفتح الراء, يقال: إنّ الدنيا عرض حاضر يأخذ منها البر والفاجر, وإنما سمّى متاع الدنيا عرضا لأنه عارض زائل غير باق, ومنه يسمّي المتكلمون ما خالف الجوهر من الحوادث عرضا لقلة لبثه, فقوله: (فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَة) يعني ثوابا كثيرا, فنبّه تعالى بتسميته عرضا على كونه سريع الفناء قريب الانقضاء, وبقوله: (فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَة) على أنّ ثواب الله موصوف بالدوام والبقاء، كما قال: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلا) (الكهف: 46)).

519

(3) قوله تعالى: (كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا). تربية للمسلمين بتذكيرهم بأنهم حُقنت دماؤهم وأموالهم بقولهم ﴿أشهد أن لا إله إلا الله﴾ أو ما يفيد معنى الإسلام، وقُبل منهم ظاهرهم ولم يقتلوا على أنهم قالوا ذلك متعوذين خائفين, فواجب عليهم والحالة هذه أن يقبلوا من غيرهم ظاهرهم وأن يتعاملوا معهم بهذه النعمة, نعمة حق الدم والمال بلفظ الشهادة، وهذا الأسلوب في التربية يقوم على السبر الداخلي للنفس البشرية ووضعها في موضع المظلوم ليتبين لها قبح الظلم من الظالم, ويقال في الأمثال: «ضع يدك في عينك، فكما تؤلمك تؤلم غيرك»، وفي هذه الآية وجه تربوي آخر ذكره الإمام الرازي فقال: «والأقرب عندي أن يقال: إن من ينتقل من دين إلى دين ففي أول الأمر يحدث ميل قليل بسبب ضعيف, ثم لا يزال ذلك الميل يتأكد ويتقوى إلى أن يكمل ويستحكم ويحصل الانتقال, فكأنه قيل لهم: كنتم في أول الأمر إنما حدث فيكم ميل ضعيف بأسباب ضعيفة إلى الإسلام, ثم منّ الله عليكم بالإسلام بتقوية ذلك الميل وتأكيد النفرة عن الكفر, فكذلك هؤلاء, كما حدث فيهم ميل ضعيف إلى الإسلام بسبب هذا الخوف فاقبلوا منهم هذا الإيمان, فإنّ الله تعالى يؤكد حلاوة الإيمان في قلوبهم ويقوي تلك الرغبة في صدورهم, فهذا ما عندي فيه».

(4) قوله تعالى: (فَتَبَيَّنُوا). تأكيد الأمر بالتبيين وهذا يدل على أهميته, لأنّ التأكيد والتكرار لأمر ما يدل على أهميته, وكيف لا يكون مهما وفيه حقن لدم إنسان وماله.

(5) قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا). ترهيب وتحذير من العمل الخاطئ من خلال التذكير بعلم الله الذي لا يخفى عليه خافية.

520