الآيات 154-158
قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيما﴾ (النساء: 154-158)
يعرض هذا النص مجموعة من سمات بني إسرائيل من خلال مجموعة من الوقائع:
(1) السمة الأولى: (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِم). قيل في تفسيرها: إنّ الله تعالى رفع جبل الطور فوق بني إسرائيل كأنه ظلة حتى وافقوا على العمل بما في التوراة أو حتى وافقوا على عدم ترك العمل بما في التوراة، وهذه السمة تدل على بعدهم عن الدين وكراهيتهم له مع كونهم متبجحين أنهم أهل كتاب وأهل علم بما في الكتب الأولى، والمدلول التربوي لهذه السمة هي التهوين على المسلمين في مصابهم بكفر اليهود بمحمد صلى الله عليه وسلم وتعزية لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك, فإنّ من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من اليهود هم قلة لا يتجاوزون أصابع اليد, وربما أوقع ذلك شيئا في نفوس المسلمين لأنهم كانوا ينظرون إلى اليهود كأهل كتاب ويتوقعون منهم أن يكونوا أول من يبادر إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وخاصة أنهم كانوا يستفتحون على الأنصار ببعثة نبي, ويقولون لهم: نؤمن به ونقتلكم معه قتلة عاد وثمود.
(2) السمة الثانية: (وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدا). أي: على سبيل الطاعة والشكر لله على دخول الأرض المقدسة, والمعلوم من التفاسير أنهم دخلوا يزحفون على مقاعدهم, وقيل لهم قولوا حطة أثناء الدخول أي أن تحط عنا خطايانا, فكانوا يقولون: حنطة، وقيل كانوا يقولون: حبة في شعرة, استهزاء منهم بدين الله وتلاعبا منهم بأوامر الله، ومن كان هذا فعله مع الله فلا يستغرب منه الكفر بأنبياء الله وخاصة محمد صلى الله عليه وسلم, فذلك ديدنهم وتلك جبلتهم.
(3) السمة الثالثة: (وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْت). أي نهوا عن العمل والصيد يوم السبت، ولكنهم خالفوا النهي وبطريقة حقيقتها هي التحايل على أوامر الله في الصيد والعمل, فالأمر ليس مجرد معصية عادية تدل على غلبة النفس واتباع الشهوة, فالتحايل على الله يعني أولا سوء الظن بالله، إضافة إلى كونه معصية لله , فالإنسان يتحايل على الآخرين حين يظن بهم الجهل والغباء وقلة الحيلة, ولا شك أنهم كانوا حاملين لهذا التصور, وهذا من أسوأ أنواع الكفر، ولذلك كانت عقوبتهم هي المسخ حيث مسخوا قردة وخنازير, والمدلول التربوي لهذه السمة هو تحذير المسلمين من التحايل على شريعة الله والبيان لهم بأنّ ذلك ليس مجرد معصية عادية بل هو من أسوأ أنواع الكفر حتى إنه استلزم المسخ.