التفسير التربويالجزء 1 · ص 570 - 578

الآيات 154-158

الآيات 154-158

قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيما﴾ (النساء: 154-158)

يعرض هذا النص مجموعة من سمات بني إسرائيل من خلال مجموعة من الوقائع:

(1) السمة الأولى: (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِم). قيل في تفسيرها: إنّ الله تعالى رفع جبل الطور فوق بني إسرائيل كأنه ظلة حتى وافقوا على العمل بما في التوراة أو حتى وافقوا على عدم ترك العمل بما في التوراة، وهذه السمة تدل على بعدهم عن الدين وكراهيتهم له مع كونهم متبجحين أنهم أهل كتاب وأهل علم بما في الكتب الأولى، والمدلول التربوي لهذه السمة هي التهوين على المسلمين في مصابهم بكفر اليهود بمحمد صلى الله عليه وسلم وتعزية لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك, فإنّ من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من اليهود هم قلة لا يتجاوزون أصابع اليد, وربما أوقع ذلك شيئا في نفوس المسلمين لأنهم كانوا ينظرون إلى اليهود كأهل كتاب ويتوقعون منهم أن يكونوا أول من يبادر إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وخاصة أنهم كانوا يستفتحون على الأنصار ببعثة نبي, ويقولون لهم: نؤمن به ونقتلكم معه قتلة عاد وثمود.

(2) السمة الثانية: (وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدا). أي: على سبيل الطاعة والشكر لله على دخول الأرض المقدسة, والمعلوم من التفاسير أنهم دخلوا يزحفون على مقاعدهم, وقيل لهم قولوا حطة أثناء الدخول أي أن تحط عنا خطايانا, فكانوا يقولون: حنطة، وقيل كانوا يقولون: حبة في شعرة, استهزاء منهم بدين الله وتلاعبا منهم بأوامر الله، ومن كان هذا فعله مع الله فلا يستغرب منه الكفر بأنبياء الله وخاصة محمد صلى الله عليه وسلم, فذلك ديدنهم وتلك جبلتهم.

(3) السمة الثالثة: (وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْت). أي نهوا عن العمل والصيد يوم السبت، ولكنهم خالفوا النهي وبطريقة حقيقتها هي التحايل على أوامر الله في الصيد والعمل, فالأمر ليس مجرد معصية عادية تدل على غلبة النفس واتباع الشهوة, فالتحايل على الله يعني أولا سوء الظن بالله، إضافة إلى كونه معصية لله , فالإنسان يتحايل على الآخرين حين يظن بهم الجهل والغباء وقلة الحيلة, ولا شك أنهم كانوا حاملين لهذا التصور, وهذا من أسوأ أنواع الكفر، ولذلك كانت عقوبتهم هي المسخ حيث مسخوا قردة وخنازير, والمدلول التربوي لهذه السمة هو تحذير المسلمين من التحايل على شريعة الله والبيان لهم بأنّ ذلك ليس مجرد معصية عادية بل هو من أسوأ أنواع الكفر حتى إنه استلزم المسخ.

570

(4) السمة الرابعة: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُم). والمراد بذلك نقضهم للعهود والمواثيق التي أمرهم الله بها بالعمل بما في التوراة من التعاليم الإلهية, حيث إنهم تركوا العمل بها، والمدلول التربوي لذلك هو تحذير المسلمين من أن ينقض اليهود العهود والمواثيق التي أبرموها مع المسلمين حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة, لأنه من لا ميثاق له مع الله فلا ميثاق له مع الناس, ومن نقض العهد مع الله فهو ناقض للعهد مع الناس وإن تأخر في ذلك, وهذا ما حصل لليهود حيث نقضوا العهود مرات ومرات, فقد نقض بنو قينقاع العهود مع المسلمين فاعتدوا على عرض مسلمة بأن كشفوا عورتها وقتلوا المسلم الذي دافع عنها, ونقض بنو النضير عهدهم مع المسلمين حين هموا بقتل محمد صلى الله عليه وسلم, ونقض بنو قريظة العهد مع المسلمين حين تآمروا مع الأحزاب على إدخالهم إلى المدينة ومساعدتهم في القضاء على المسلمين, والمتتبع لتاريخ اليهود يجد أن نقض العهود ونبذ المواثيق سمة أصيلة في هذه الأمة الملعونة.

(5) السمة الخامسة: (وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّه). والمراد بذلك كفرهم بالأدلة التي جاء بها موسى من عند الله دليلا على نبوته وهي تسع آيات: كالعصا واليد والجبل والحجر والقمل والضفادع والدم والمن والسلوى، والمدلول التربوي لذلك هو تذكير المسلمين أنّ كفر اليهود بمحمد صلى الله عليه وسلم ليس لأنه لم يأتهم بآية من الله، وإنما ذلك ديدنهم، ومن عُرف منه ذلك هانت مصيبته على الناس.

(6) السمة السادسة: (وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَق). ولعل هذه السمة من أشد السمات جرأة على الله, فقتل النفس بحد ذاته جريمة فكيف إذا كان المقتول نبي مرسل من الله؟! وفي هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا» (أحمد)، والمدلول التربوي لهذه السمة هو تحذير المسلمين من محاولة اليهود قتل محمد صلى الله عليه وسلم من خلال تذكيرهم بأنّ قتل الأنبياء سمة من سمات بني إسرائيل, وبالفعل حاول اليهود قتل محمد صلى الله عليه وسلم مرتين: (الأولى) حين هم أحد بني النضير بإلقاء صخرة على رسول الله وهو جالس في ظل حائط عندهم، وباءت بالفشل لأنّ الله أخبره بها قبل أن تتم. (والثانية) حينما أهدت إحدى اليهوديات شاة مسمومة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وباءت المحاولة بالفشل لأنّ الشاة أخبرته بأنها مسمومة وذلك بقدرته تعالى.

(7) السمة السابعة: (وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْف). أي: الإدعاء بأن قلوبهم مملوءة علما فهي ليست بحاجة إلى علم محمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره، أو أنها مغطاة بأغلفة فلا يؤثر بها كلام محمد صلى الله عليه وسلم, ومرادهم من ذلك تبرير كفرهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعدم الإيمان برسالته, ولكن الله تعالى يخبر أنّ الحقيقة ليست كما يقولون بل طبع الله على قلوبهم بسبب أعمالهم في الكفر والمعاصي, فلا يؤمن منهم إلا القليل: (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلا).

571

(8) السمة الثامنة: (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيما). والمراد من ذلك قولهم: إنّ مريم زنت فجاءت بعيسى من غير أب، وذلك القول جاء نتيجة لإنكارهم قدرة الله على خلق الولد من غير أب، فهذا البهتان على مريم عليها السلام أوقعهم في الكفر، والمدلول التربوي لهذه السمة هو تحذير المسلمين من بهتان اليهود فهم قوم بهت, فإن حصل منهم ذلك كان أقل وطأة على المسلمين وكان مفسرا لهم لأنهم علموا أنّ هذه السمة ملازمة لليهود, فمن بهت أم نبي واتهمها بالزنا فقد يبهت أي إنسان بأي تهمة، فليس بعد الكفر ذنب.

(9) والسمة التاسعة: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّه). وهذه السمة يعجب المرء من جرأة صاحبها، فهم يدّعون قتل المسيح عليه السلام، ومن ادعى هذا الفعل كان كفاعله ولو لم يحصل منه ذلك، لأنّ الرضا بالقتل قتل, والرضا بالمعصية معصية, والرضا بالكفر كفر, وهم يسخرون من كونه رسولا لله فيقولون: قتلنا رسول الله, فإن كان إقرارا برسالته وإن كان استهزاء بها فالأمر سيان في حكم الله. وقوله تعالى: (فبما نقضهم) إلى قوله: (رسول الله) متعلق الباء محذوف تقديره: لعناهم أو سخطنا عليهم, والحذف أفخم تربويا من الذكر, لأنّ الحذف يثير التساؤل عن الجواب ويذهب بالفكر كل مذهب, وهذا أسلوب تربوي بلاغي.

(10) قوله تعالى: (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْه). حقيقة أنّ عيسى عليه السلام لم يقتل ولم يصلب وإنما رفعه الله إليه حقيقة قرآنية ثابتة بنص هذه الآية وبنص الآية الأخرى في سورة آل عمران: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) (آل عمران: 55)، والمدلول التربوي لهذه الحقيقة هو ما قرره الإمام الرازي في تفسيره حيث قال: «واعلم أنه تعالى لما ذكر عقيب ما شرح أنه وصل إلى عيسى أنواع كثيرة من البلاء والمحنة، أنه رفعه إليه, دل ذلك على أنّ رفعه إليه أعظم في باب الثواب من الجنة ومن كل ما فيها من اللذات الجسمانية, وهذه الآية تفتح عليك باب معرفة السعادات الروحانية».

(11) قوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيما). عزيزا: أي منتقما من أعدائه, كانتقامه ممن أخذتهم الصاعقة, وكلعنه من قصّ قصتهم، حكيما: أي ذا حكمة في تدبيره وتصريفه لأمور خلقه، والمدلول التربوي لهذا التعقيب هو ما قاله الإمام الطبري في تفسيره: «يقول: فاحذروا أيها السائلون محمدا أن ينزل عليكم كتابا من السماء, من حلول عقوبتي بكم, كما حل بأولئك الذين فعلوا فعلكم, في تكذيبهم رسلي وافترائهم على أوليائي».

572

الآية 159

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدا﴾ (النساء: 159)

(1) قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِه). في تأويل هذه الآية قولان، ولكل منهما مدلول تربوي: (الأول) معنى الآية: ما من كتابي يهودي أو نصراني إلا ويؤمن بعيسى قبل موت عيسى، والمدلول التربوي لذلك هو البشرى للمؤمنين بنزول عيسى وحكمه بشريعة الإسلام وانتصار المسلمين على أعدائهم وقيام العدل والأمن بين الناس, وفي الحديث الشريف تصديق لهذا القول, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأنبياء أخوة لعلَّات, أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم, لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل, فإذا رأيتموه فاعرفوه, فإنه رجل مربوع الخلق, إلى الحمرة والبياض, سبط الشعر, كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل, بين ممصرتين, فيدق الصليب, ويقتل الخنزير, ويضع الجزية, ويفيض المال, ويقاتل الناس على الإسلام حتى يُهلك الله في زمانه الملل كلها غير الإسلام, ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الدجال الكذاب, وتقع الآمنة في الأرض في زمانه, حتى ترتع الأسود مع الإبل, والنمور مع البقر, والذئاب مع الغنم, وتلعب الغلمان بالحيات, لا يضر بعضهم بعضا، ثم يلبث في الأرض ما شاء الله, وبما قال: أربعين سنة, ثم يُتوفى, ويصلي عليه المسلمون ويدفنوه» (أحمد). (والثاني) معنى الآية: ما من كتاب يهودي أو نصراني إلا ويؤمن بعيسى قبل موت الكتابي، والفائدة التربوية في إخباره تعالى لأهل الكتاب بذلك هو أنه متى علموا أنّ إيمانهم حاصل منهم لا محالة كان ذلك كالمحرض لهم على الإيمان في الحال التي ينفعهم فيها الإيمان، وهذا أولى لهم من الإيمان في تلك الحال التي لا ينفعهم فيها إيمان , فالله تعالى يقبل إيمان العبد وتوبته ما لم يغرغر، أي يحشرج بالروح حين الموت.

(2) قوله تعالى: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدا). أي: يشهد عيسى يوم القيامة على اليهود بأنهم كذبوه, وعلى النصارى بأنهم أشركوا مع الله، وهذا ترهيب من الله تعالى لليهود والنصارى من ذلك الموقف, وترغيب لهم بالتوبة والإيمان بعيسى ومحمد قبل أن يأتي ذلك اليوم حين لا ينفعهم شيء.

573

الآيات 160-161

قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيما﴾ (النساء: 160-161)

(1) نلمح في هذه الآيات أسلوبا تربويا قرآنيا متميزا وهو التربية بالعقوبة الدنيوية والأخروية, فقد ذكر القرآن هنا ذنوبا أربعة أقدم عليها اليهود وهي: الظلم, والصد عن سبيل الله, وأكل الربا, وأكل أموال الناس بالباطل, وقد ذكر عقوبتهم الدنيوية على ذلك وهي تحريم مآكل كانت محللة لهم, وهذا التحريم هو من قبيل التشديد في العقوبة, لأنّ المآكل التي حرمت عليهم ليست محرمة لذاتها, ولو كانت محرمة لذاتها لما أحلت لهم قبل التحريم, وذكر عقوبتهم الأخروية على هذه الذنوب وهي العذاب الأليم يوم القيامة فقال: (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيما).

(2) وفي الآيات السابقة وما قبلها قاد القرآن حملة ضد اليهود كشفت طبيعتهم وتاريخهم، ونبشت عن فضائحهم وخروجهم على دين الله المنزل إليهم، وكانت الغاية من هذه الحملة تربويا: (أولا) تعريف المسلمين ما ينبغي أن يعرفوه عن طبيعة اليهود ووسائلهم ومدى عدوانهم للحق المنزل من الله تعالى فلا يغتروا بهم يعرفونهم بأقوالهم وأعمالهم. (ثانيا) إسقاط دسائس اليهود في الصف المسلم بالكشف عن كيدهم ومكرهم ومحاولاتهم في القضاء على الرسالة الجديدة واستئصال أهلها. (ثالثا) وهذه الغايات لا تزال قائمة إلى الآن, والمسلمون الآن أحوج إليها من ذي قبل, فالأمة المسلمة الآن رغم كثرتها تعاني الويلات من اليهود رغم قلتهم, ولن ينجح المسلمون في القضاء على الشر اليهودي والخطر اليهودي ما لم يعودوا إلى كتابهم.

574

الآية 162

قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيما﴾ (النساء: 162)

لنا مع هذه الآيات الوقفات التربوية التالية:

(1) لما ذكر الله تعالى في الآيات السابقة طريق الكفار من بني إسرائيل وبيّن عقوبتهم في الآخرة, ذكر في هذه الآية طريق المؤمنين من بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وغيره وبيّن ثوابهم في الآخرة, وهذه عادة القرآن في قرن الترهيب بالترغيب والوعيد بالوعد والعقاب بالثواب, والكلام عن الشيء مع الكلام عن ضده.

(2) قوله تعالى: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم). لما استثنى الراسخين في العلم من غيرهم دلّ ذلك على فضيلة العلم وفضيلة الرسوخ فيه، وهذا ترغيب في العلم وفي الرسوخ فيه. وفي قوله تعالى: (الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم) نلمح تفريق القرآن بين العلم الراسخ والعلم السطحي, فالعلم السطحي لا يذكر بوصفه مدخلا إلى الإيمان, بل إنّ كثيرا ممن تعلموا العلم بقوا على سطحه وتمسكوا بقشوره فتحولوا من إيمان مقلد إلى كفر جاحد, أما الذين تعمقوا في العلم وأخذوا منه بنصيب وافر فقد قادهم ذلك إلى الإيمان, على الأقل الإيمان بأنّ لهذا الكون خالقا واحدا مدبرا ومتصرفا, وأنّ الإنسان لا يقوم وحده في هذا الكون بل الله يحفظه ويراعاه ويكلؤه ويُصرّف أموره من حال إلى حال. ومن هنا نجد أنّ العلم السطحي قد اتخذ كوسيلة للكفر ومحاربة الإيمان, في حين اتخذ العلم الراسخ كمدخل للإيمان بالله.

(3) قوله تعالى: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاة). وجهها الإعرابي أن تكون مرفوعة: والمقيمون الصلاة لأنها معطوفة على مرفوع: الراسخون في العلم, وقد أخذت وضعا إعرابيا مختلفا عن وصفها المعطوف, فنصبت على المدح، كما يقول علماء العربية, وتقديرها: وأخصّ المقيمين الصلاة أو وأمدح المقيمين الصلاة, ولها نظائر في اللغة العربية وفي القرآن الكريم, والمدلول التربوي لذلك هو إبراز قيمة الصلاة والحضّ عليها والترغيب فيها من خلال تمييزها على المدح. وفي الحقيقة, فإنّ الصلاة أهم فريضة في هذا الدين وأعظم ركن من أركان الإسلام وهي السمة الظاهرة التي تفرق المسلم عن غيره, وقد اعتمدها المسلمون كذلك, وفي الحديث: «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة» (مسلم), وفي الحديث: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» (أحمد), وفي الحديث: «من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة, ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف» (الطبراني).

(4) الراسخون في العلم هم العلماء العاملون بعلمهم وهم المربون، لأنّ التربية تقوم على ركنين: العلم والعمل وربط العمل بالعلم هو جوهر التربية, قال الإمام الرازي في التفسير: ((إنه تعالى وصفهم بكونهم راسخين في العلم, ثم شرح ذلك فبيّن أولا كونهم عالمين بأحكام الله تعالى وعاملين بتلك الأحكام, فأما علمهم بأحكام الله فهو المراد من قوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِك), وأما عملهم بتلك الأحكام فهو المراد من قوله: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاة), وخصهما بالذكر لكونهما أشرف الطاعات، فالصلاة أشرف الطاعات البدنية, والزكاة أشرف الطاعات المالية)).

575

الآيات 163-165

قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيما﴾ (النساء: 163-165)

لنا مع هذه الآيات الوقفات التربوية التالية:

(1) قال الإمام الطبري في سبب نزول هذه الآية: ((ذكر أنّ هذه الآيات نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم, لأنّ بعض اليهود لمّا فضحهم الله بالآيات التي أنزلها على رسوله صلى الله عليه وسلم, وذلك من قوله: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاء) (النساء: 153), فتلا ذلك عليهم, فقالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء بعد موسى، فأنزل الله هذه الآيات)). ومن المعلوم أنّ الله قد بعث الكثير بعد موسى ومنهم داود وسليمان وزكريا، ومنهم عيسى ومحمد, ولكن غلو اليهود في دينهم كرد فعل على المسلمين وعلى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قد دفعهم إلى إنكار نبوة الأنبياء المذكورين في كتبهم داود وسليمان وزكريا، ومن المعلوم في كتبهم أنّ داود قد آتاه الله كتابا وهو الزبور. والمدلول التربوي لهذه الحادثة هو تحذير المسلمين من الغلو في الدين خاصة ذلك الغلو الذي ينتج عن الصراعات مع أتباع الأديان الأخرى, ففي ذلك الغلو خروج عن الدين نفسه, وهو من قبيل الرد على الخطأ بخطأ, والأولى بأتباع المنهج الصحيح هو الرد على الخطأ بالصحيح وتجنب الدخول في ردود الأفعال المشوهة للدين الصحيح.

(2) قوله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْك). قدم ذكر محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء مع أنه آخرهم بعثة للتنبيه على قدره وشرفه, وهذا من قبيل تقديم الأهم. وقوله تعالى: (كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِه) يتناول جميع الأنبياء, ولكنه تعالى خصّ بالذكر أقواما منهم تشريفا لهم وتدليلا على أهميتهم, وهناك سبب آخر لهذه الخصوصية وهو كونهم بُعثوا في نفس المنطقة التي بعث فيها محمد صلى الله عليه وسلم أي الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق ومصر وهي منطقة واحدة بالمعنى الجغرافي.

576

(3) قوله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورا). تدخل هذه الآية في إطار التربية العقلية في القرآن, والمراد من ذكرها الرد على الشبهة التي أوردها اليهود على المسلمين بضرورة إنزال القرآن دفعة واحدة كما حصل لموسى عليه السلام، وهذا الرد يتضمن ثلاث حجج: (الأولى) قال الرازي: ((معنى الآية: أنا توافقنا على نبوة نوح وإبراهيم وإسماعيل وجميع المذكورين في هذه الآية, وعلى أنّ الله أوحى إليهم, ولا طريق إلى العلم بكونهم أنبياء الله ورسله إلا ظهور المعجزات عليهم, ولكل واحد منهم نوع آخر من المعجزات على التعيين, وما أنزل الله على كل واحد من هؤلاء المذكورين كتابا بتمامه مثل ما أنزل على موسى, فلما لم يكن إنزال الكتاب على هؤلاء دفعة واحدة قادحا في نبوتهم, بل كفى في إثبات نبوتهم ظهور نوع واحد من أنواع المعجزات عليهم, علمنا أنّ هذه الشبهة زائلة, وإنّ إصرار اليهود على طلب المعجزة باطل. وتحقيق القول فيه أنّ إثبات المدلول يتوقف على ثبوت الدليل, ثم إذا حصل الدليل وتم فالمطالبة بدليل آخر تكون طلبا للزيادة، وإظهارا للتعنت واللجاج, والله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد, فلا اعتراض عليه لأحد بأنه لم أعطى هذا الرسول هذه المعجزة وذلك الرسول الآخر معجزا آخر, وهذا الجواب المذكور هنا هو الجواب المذكور في قوله تعالى: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعا) (الإسراء:90)، إلى قوله: (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولا) (الإسراء: 93)، يعني أنك إنما ادعيت الرسالة, والرسول لابد له من معجزة تدل على صدقه, وذلك قد حصل, وأما أن تأتي بكل ما يُطلب منك فذلك ليس من شرط الرسالة, فهذا جواب معتمد عن الشبهة التي أوردها اليهود, وهو المقصود الأصلي من الآية)). (والثانية) قال الرازي: «واعلم أنّ الأنبياء المذكورين في هذه الآية سوى موسى عليه السلام اثنا عشر, ولم يذكر موسى معهم, وذلك لأنّ اليهود قالوا: إن كنت يا محمد نبيا فأتنا بكتاب من السماء دفعة واحدة كما أتي موسى عليه السلام بالتوراة دفعة واحدة, فالله تعالى أجاب عن هذه الشبهة بأنّ هؤلاء الأنبياء الاثني عشر كلهم كانوا أنبياء ورسلا مع أنّ واحدا منهم ما أتي بكتاب مثل التوراة دفعة واحدة, وإذا كان المقصود من تعديد هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هذا المعنى, لم يجر ذكر موسى معهم». (والثالثة) قال الرازي: ((ثم ختم ذكر الأنبياء بقوله: (وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورا) يعني أنكم اعترفتم بأنّ الزبور من عند الله, ثم إنه ما نزل دفعة واحدة في ألواح مثل ما نزلت التوراة دفعة واحدة على موسى في ألواح, فدلّ هذا على أنّ نزول الكتاب لا على الوجه الذي نزلت التوراة لا يقدح في كونه من عند الله)).

577

(4) قوله تعالى: (وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْك). قال أبو ذر الغفاري: قلت يا رسول الله, كم كانت الأنبياء وكم كان المرسلون؟ فقال: «كانت الأنبياء مائة ألف نبي وأربعة وعشرين ألف نبي, وكان المرسلون ثلاثمائة وثلاثة عشر» (القرطبي). والمدلول التربوي لذلك هو أنّ الله لم يترك الإنسان سدى ولم يخلقه هملا وإنما تعهده بالعناية والرعاية فأرسل إليه الرسل وبعث له الأنبياء كي يرشدوه إلى الطريق الصحيح الذي فيه سعادته في الدنيا والآخرة, والله تعالى لم يترك قرية إلا وأرسل فيها رسول: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِير) (فاطر: 24)، ومن رحمته تعالى وعدالته أنه قطع على نفسه أن لا يعذب إنسانا ما لم تبلغه الرسالة: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا) (الإسراء: 15)، وكل هذا مشتق من معنى كونه تعالى ربا للعالمين، فالرب هو المربي وهو المتعهد بالإصلاح وهو القائد والسائس.

(5) قوله تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِين). التبشير: إعلام مع تطمين, والإنذار: إعلام مع تخويف, والمدلول التربوي للتبشير هو الترغيب والوعد والمدلول التربوي للإنذار هو الترهيب والوعيد, والترغيب والترهيب أسلوبان تربويان, وهذا يدل على أنّ مضمون الرسالات السماوية هو التربية, وفي الحقيقة فإنّ جوهر الرسالات السماوية هو التربية, وقد ربى الله الرسل تربية إلهية وأرسلهم للناس كي يربونهم على الإسلام, ومن هذه الزاوية يجب على الدعاة التعامل مع الرسالة السماوية, رسالة الإسلام إلى الناس, فالإسلام ليس تبليغا فقط على مبدأ «قل كلمتك وامش», وليس مجرد إعلام للناس, لأنّ من يفعل ذلك يكون كمن يبذر البذار في غير موضعها ويهملها بلا عناية ولا رعاية, ومهمة الداعية المسلم هو البحث عن التربة الخصبة للبذار, وتعهد هذه البذار والنباتات بالسقاية والتشذيب حتى تثمر وتعطي أكلها.

(6) قوله تعالى: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل). نلمح في هذه الآية: (أولا) تكريم الله تعالى للإنسان، فمن هو هذا الإنسان حتى يحتج على الله إن لم تبلغه الرسالة أو إن لم يرسل الله رسولا, إنّ الإنسان لا شيء لولا أنّ الله أكرمه وأعطاه هذا الحق. (ثانيا) ونلمح أيضا تكريمه تعالى لعقل الإنسان حتى أنه أعطاه الحق في الاحتجاج إن لم يرسل له رسولا, وقبل منه هذا الاحتجاج, وما أكثر المذاهب التي لا تحترم عقل الإنسان, وظاهرة تمجيد العقل في الإسلام نجدها في كثير من نصوص القرآن.

(7) قوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيما). يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لهذا التعقيب القرآني في مناسبة الآيات السابقة: ((ثم ختم الآية بقوله: (وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيما) يعني هذا الذي يطلبونه من الرسول أمر هين في القدرة, ولكنكم، أيها اليهود، طلبتموه على سبيل اللجاج, وهو تعالى عزيز, وعزته تقتضي أن لا يجيب المتعنت إلى مطلوبه, فكذلك حكمته تقتضي هذا الامتناع, لعلمه تعالى بأنه لو فعل ذلك لبقوا مصرين على لجاجهم, وذلك لأنه تعالى أعطى موسى عليه السلام هذا التشريف ومع ذلك بقوا معه على المكابرة والإصرار واللجاج، والله أعلم)).

578