التفسير التربويالجزء 1 · ص 562 - 569

الآية 143

الآية 143

قوله تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ (النساء: 143)

(1) هذه هي الصفة الثامنة من صفات المنافقين، وهي صفة التردد والحيرة وعدم الاستقرار والثبات في أحد الصفين المؤمن والكافر، وهي صفة تثير الاشمئزاز والاحتقار في نفوس المؤمنين تجاه هذه الفئة من الناس, كما إنها توحي بضعف المنافقين ضعفا يجعلهم غير قادرين على اتخاذ موقف حاسم, وهذا ما يثير القوة والحسم في نفوس المؤمنين تجاه الصف الذي اختاروه، وهو صف الإيمان .

(2) وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين ثلاثة أمثال في صفة الذبذبة عند المنافقين، وهي من أروع الأمثلة التربوية والتعليمية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين, تعير إلى هذا مرة وإلى هذا مرة, لا تدري أيهما تتبع» (مسلم)، وقال قتادة: «ذكر لنا أنّ نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: مثل المنافق كمثل ثاغية بين غنمين, رأت غنما على نشز فأتتها فلم تعرف, ثم رأت غنما على نشز فأتتها وشامتها فلم تعرف» (الطبري)، وقال قتادة: ((وذكر لنا أنّ نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يضرب مثلا للمؤمن والمنافق الكافر, كمثل رهط ثلاثة دفعوا إلى نهر, فوقع المؤمن فقطع, ثم وقع المنافق حتى إذا كاد يصل إلى المؤمن ناداه الكافر: أن هلم إلي, فإني أخشى عليك! وناداه المؤمن: أن هلم إلي, فإنّ عندي وعندي! يحصي له ما عنده، فما زال المنافق يتردد بينهما حتى أتى عليه آذيٌ (الموج الشديد) فغرّقه، وإنّ المنافق لم يزل في شك وشبهة حتى أتى عليه الموت وهو كذلك)) (الطبري).

(3) يقول الإمام الرازي في التحليل النفسي التربوي للذبذبة التي يعيشها المنافق: ((واعلم أنّ السبب في ذلك أنّ الفعل يتوقف على الداعي, فإذا كان الداعي إلى الفعل هو الأغراض المتعلقة بأحوال هذا العالم كثر التذبذب والاضطراب, لأنّ منافع هذا العالم وأسبابه متغيرة سريعة التبدل, وإذا كان الفعل تبعا للداعي والداعي تبعا للمقصود, ثم إنّ المقصود سريع التبدل والتغير لزم وقوع التغير في الميل والرغبة, وربما تعارضت الدواعي والصوارف فيبقى الإنسان في الحيرة والتردد. أما من كان مطلوبه في فعله إنشاء الخيرات الباقية, واكتساب السعادات الروحانية, وعلم أنّ تلك المطالب أمور باقية بريئة عن التبدل والتغير لا جرم كان هذا الإنسان ثابتا راسخا, فلهذا المعنى وصف الله تعالى أهل الإيمان بالثبات فقال: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة) (إبراهيم: 27)، وقال: (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب) (الرعد: 28)، وقال: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة) (الفجر: 27)).

562

الآيات 144-146

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيما﴾ (النساء: 144-146)

(1) قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِينا). ينهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة الكافرين بعد أنّ بين لهم أنّ موالاة الكافرين هي من أخلاق الكافرين، والمؤمن من يتخلق بأخلاق الله تعالى التي أمر بها المؤمنين, ولهذا النهي عن موالاة الكافرين مدلوله الواقعي حيث كان هناك تحالفات بين الخزرج وبين يهود بني قينقاع والنضير، وكذلك بين الأوس وبين بني قريظة، وكذلك بين غطفان ويهود خيبر، فنزلت هذه الآية لتؤكد على الأنصار قطع ما تبقى من هذه التحالفات وحصر الولاء بينهم وبين المهاجرين. وقد قرن الله هذا النهي بوعيدين: (الأول) قوله: (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِينا) والمؤمن يفرق قلبه من أن يتصور نفسه بين يدي الله, ولله عليه حجة واضحة, والمنافق لا يهمه هذا الموقف الأدبي والمعنوي ولذلك يجيء الوعيد (الثاني) (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّار) وهذا أشد وعيد في القرآن، وقد جاء في حق المنافقين, وفي حق من يتصف بصفاتهم من المؤمنين.

(2) قوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا). هذه أشد آية في الوعيد في القرآن وأسباب ذلك: (أولا) إنّ طريقة المنافقين أخبث من طريقة الكافرين، ولذلك نجد أنه تعالى في مطلع سورة البقرة ذم الكفار في آيتين من كتابه وذم المنافقين في بضع عشرة آية. (ثانيا) إنّ المنافق مثل الكافر في الكفر لكنه ضمّ إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله والاستهزاء بالله حينما يحاول خداع الله والمؤمنين. (ثالثا) إنّ المنافقين لما أظهروا الإسلام أمكنهم ذلك من الاطلاع على أسرار المؤمنين ونقلها إلى الكافرين، وهذا الفعل يضاف إلى كفرهم فيكونون أخطر من الكافرين. (رابعا) خطورة الكفر على الإسلام ظاهرة أما خطورة النفاق على الإسلام فباطنة، وهي أشد لأنهم عدو داخلي ينخر كالسوس في جسد المجتمع المسلم ولا ينتبه له المسلمون.

(3) قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيما). تفتح هذه الآية باب التوبة للمنافقين ولكنها لا تكتفي بذكر التوبة والإصلاح كما هو وارد في كثير من آيات التوبة، وإنما تفصّل في التوبة وتشدد في الشروط بذكر الاعتصام بالله وإخلاص الدين لله, وذلك لأنها تواجه نفوسا متذبذبة متحيرة مضطربة, والتشدد منهج تربوي يناسب التميع, فلا علاج للتميع إلا بالتشدد والحسم والقوة والجد.

563

الآية 147

قوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيما﴾ (النساء: 147)

لنا مع هذه الآيات الوقفات التربوية التالية:

(1) قوله تعالى: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُم). اعلم أن الله تعالى لا حاجة له بتعذيب وعقاب المنافقين والكافرين, لأنّ التعذيب يكون للتشفي ويكون لطلب النفع ويكون لدفع الضرر, وكل ذلك على الله محال, لأنّ الله منزه عن الحاجات, ومنزه عن التشفي وجلب المنافع ودفع المضار، والمقصود من عقاب المكلفين هو أنه تعالى علم أنّ مصالح الخلق لا تقوم ولا تنتظم إلا بالترهيب والوعيد بالعقوبات يوم القيامة, ولذلك وعد على فعل الحسن وأوعد على فعل القبيح, ثم إنّ هذا الوعيد إن لم يكن واقعا تحول إلى كلام لا يردع الناس عن القبيح وفقد تأثيره عند الناس، فكان لابد من إيقاعه.

(2) قوله تعالى: (إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُم). قيل: إنّ الإيمان يكون قبل الشكر؟ والجواب على ذلك هو ما قاله الإمام الرازي في تفسيره: «إنّ الإنسان إذا نظر في نفسه رأى النعمة العظيمة حاصلة في تخليقها وترتيبها فيشكر شكرا مجملا, ثم إذا تمم النظر في معرفة المنعم آمن به ثم شكر شكرا مفصلا, فكان ذلك الشكر المجمل مقدم على الإيمان, فلهذا قدمه عليه في الذكر».

(3) قوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيما). وصف الله تعالى نفسه بالشكر بقوله (شاكرا), ورغّب عباده بالشكر بقوله (شكرتم), وأصل الشكر في اللغة الظهور, يقال: دابة شكور إذا أظهرت من السِمَن فوق ما تُعطي من العلف, ويقال في المثل: أشكر من بروَقة, وهي نبات قيل إنه يخضرّ وينضر بظل السحاب دون المطر، والشكر من العبد لله معناه الطاعة, والشكر من الله للعبد معناه الثواب, فمعنى (شاكرا) أي: يشكر عباده على طاعتهم بأن يثيبهم عليها.

564

الآية 148

قوله تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيما﴾ (النساء: 148)

(1) الراجح في تفسير هذه الآية هو ما قاله ابن عباس: «لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد, إلا أن يكون مظلوما, فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه» (الطبري)، وهذا تربية للمسلمين على عدم الجهر بالقول السيئ أيا كان ذلك القول وحتى لو كان دعاء على الآخرين، ويدخل في ذلك النهي عن الشتم والقذف والبذاءة والفحش والتفحش, ولا معاملة بالمثل في هذه المسائل, قال الإمام الرازي في سبب نزول هذه الآية: «قيل: نزلت الآية في أبي بكر رضي الله عنه, فإنّ رجلا شتمه مرارا فسكت, ثم رد عليه فقام النبي صلى الله عليه وسلم, فقال أبو بكر: شتمني وأنت جالس فلما رددت عليه قمت, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنّ ملكا كان يجيب عنك, فلما رددت عليه ذهب ذلك الملك وجاء شيطان, فلم أجلس عند مجيء الشيطان, فنزلت هذه الآية».

(2) وفي الباب أحاديث كثيرة في النهي عن الجهر بالسيئ من القول منها قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء» (الترمذي)، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله لا يحب الفحش والتفحش» (مسلم). والحكمة التربوية في النهي عن الجهر بالسوء من القول هي أنّ الجهر بالسوء من القول يبدأ سبا وشتما ودعاء بالتهلكة والانتقام وينتهي بانحلال المجتمع والفوضى الأخلاقية وانعدام الثقة بين المؤمنين في المجتمع الإيماني، لأنّ القذف والشتم وإن كان كاذبا فإنه يترك أثرا في نفوس السامعين، أقل ذلك الأثر ما يقال في المثل: لا دخان من غير نار، ولذلك شدد الله في الرقابة على هذا الترخيص بقوله: (وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيما) أي: سميعا لما يقال, عليما بما يُضمر في النفوس, وهذا تحذير لمن أخذ بالترخيص أن يكون دقيقا في كلامه, يزن الكلام بميزان, ولا يلقي الكلام على عواهله.

565

الآية 149

قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيرا﴾ (النساء: 149)

يضع النص القرآني المظلوم أمام ثلاثة احتمالات:

(الأول) الترخيص له بأن يدعو على ظالمه، وهو قوله تعالى: (إِنْ تُبْدُوا خَيْرا). (والثاني) السكوت وعدم الكلام، وهو قوله تعالى: (أَوْ تُخْفُوه). (والثالث) العفو عن الظالم مع القدرة على ذلك، بأن يقول له سامحك الله أو عفا الله عنك أو غير ذلك وهو قوله: (أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوء).

ثم يدعو الله تعالى المؤمنين إلى التخلق بأخلاقه, وخُلقه تعالى هو العفو مع المقدرة: (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيرا)، وهذا تربية من الله للمؤمنين على التخلق بأحسن الأخلاق والأخذ بالإحسان أي التنازل عن بعض الحق أو كله, وهو أرقى من العدل أي إعطاء كل ذي حق حقه، قال القرطبي: ((قال الحسن البصري: إذا جثت الأمم بين يدي رب العالمين يوم القيامة, نودي ليقم من أجره على الله, فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا, يصدّق هذا الحديث قوله تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه) (الشورى: 40)). والحكمة التربوية في إشاعة العفو بين الناس وفي إشاعة الإحسان بين الناس هو بناء المحبة والثقة بين المؤمنين في المجتمع المسلم, فالمحبة أساس في لحمة المجتمع وإلفه وتكافله وتضامنه، والنفوس جُبلت على من أحسن إليها.

566

الآيات 150-152

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيما﴾ (النساء: 150-152)

لنا مع هذه الآيات الوقفات التربوية التالية:

(1) الهدف التربوي لهذه الآيات هو تربية المسلمين على وحدة الدين, فالله واحد, والأنبياء أخوة, والإسلام هو دين كل الأنبياء, والإيمان يجب أن يكون بالكل دون تفريق, فمن كفر بنبي فقد كفر بسائر الأنبياء، ومن كفر بنبي فقد كفر بالله وذلك هو الكفر. والسبب في نزول هذه الآيات هو أنّ اليهود كانوا يؤمنون بسائر الأنبياء ويكفرون بمحمد وعيسى صلى الله عليه وسلم، والنصارى كانوا يؤمنون بسائر الأنبياء ويكفرون بمحمد صلى الله عليه وسلم، ومن كفر بنبي لزمه الكفر بسائر الأنبياء والحجة في ذلك: أنّ الدليل على نبوة أيّ نبي إنما هو المعجز, وحيث حصل المعجز لزم الإيمان بالنبوة, فمن جوّز عدم الإيمان بالنبوة مع وجود المعجز لزمه الكفر بجميع الأنبياء, ومن آمن بنبوة نبي لوجود المعجز ولم يؤمن بنبي آخر مع وجود المعجز وقع في التناقض ووقع في الكفر, وهذا هو حال من يكفر بعيسى صلى الله عليه وسلم أو من يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم.

(2) الوسيلة التربوية في هذه الآيات لتحقيق الهدف الذي ذكرناه هي قرن الوعد مع الوعيد والترغيب مع الترهيب. فقوله تعالى: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِينا) ترهيب ووعيد لمن لا يؤمن بوحدة الدين, وقوله تعالى: (أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيما) ترغيب ووعد بالثواب لمن يؤمن بوحدة الدين ولا يفرق بين الأنبياء في الإيمان بهم.

(3) دلت هذه الآيات على أنّ الإيمان لا يتجزأ, وأنّ من كفر بشيء من الإيمان فقد كفر بكل الإيمان، ومن ترك شيئا من الإيمان فكأنما ترك كل الإيمان، فمن آمن ببعض وكفر ببعض لم ينتفع بإيمانه بالبعض مع عدم إيمانه بالبعض الآخر, وهذه مسألة مهمة ربما غفل عنها كثير من الناس.

567

الآية 153

قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُبِينا﴾ (النساء: 153)

(1) قوله تعالى: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاء). قال السُدّي: «قالت اليهود إن كنت صادقا أنك رسول الله, فآتنا كتابا مكتوبا من السماء كما جاء به موسى» (الطبري)، وإنما طلب اليهود ذلك على سبيل التعنت والعناد واللجاج لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد أوتي من المعجزات ما على مثله آمن الناس, فلم يبق لهذا الطلب اليهودي من مدلول إلا التعنت.

(2) قوله تعالى: (فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَة). ولهذا القول مدلولات تربوية: (الأول) بيان ما جُبل عليه اليهود من التعنت, فإنهم لما أنزل الله كتابا على موسى عليه السلام لم يكتفوا بذلك بل طلبوا منه رؤية الله عيانا, وهذا يدل على أنّ طلب اليهود من محمد صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء هو كذلك لمحض العناد. (الثاني) توبيخ وتقريع اليهود في طلبهم ذلك من خلال بيان السبب في طلبهم وأنهم غير جادين في الإيمان ولهم سابقة في ذلك. (الثالث) عزاء وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتأسية له بأخيه موسى عليه السلام، فله بالصبر على طلبات اليهود وتحمل إيذائهم أسوة حسنة بغيره من الأنبياء. (الرابع) أسند السؤال إلى اليهود المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه كان من آبائهم لأنهم كانوا راضين بذلك منتسبين لآبائهم في أفعالهم غير متبرئين منهم، وهذا يدل على أنّ الراضي بالفعل كفاعله وإن كان غائبا, والمنكر للفعل كغائبه وإن كان حاضرا.

(3) قوله تعالى: (ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَات). أي اتخذ اليهود العجل إلها, وهذا بيان لتناقضهم فهم يطلبون رؤية الله معاينة ثم بعد مدة يقولون عن العجل أنه إله, رغم أنهم عاينوا الموت حين الطلب بالصاعقة من الله وهذا دليل لهم كالرؤية تماما، لأنهم وإن لم يروا الله فقد رأوا عمله في إماتتهم وبعثهم، والمقصود من بيان التناقض هو التدليل على عدم جديتهم في طلباتهم وأنهم لا يبحثون عن الحق وإنما هو قوم لاهون عابثون، وسمة اللهو في بني إسرائيل هي السمة الثانية التي تعرضها هذه الآية بعد سمة العناد والتعنت واللجاج.

هنا نقف لحظة فنقول: في هذه الآية وغيرها من الآيات التي تتكلم عن بني إسرائيل حتى إنّ السور الطوال لا تخلو سورة من الحديث عنهم , هذا ناهيك عن أنّ سورة بكاملها مسماة باسمهم وهي سورة الإسراء, ويقال لها سورة بني إسرائيل, كل هذا لعلمه تعالى أنّ اليهود عدو مهم للمسلمين, ولذلك انبرى السياق القرآني يفصّل في بيان طبيعتهم وطبيعة عدوانهم للمسلمين رغم كونهم قلة مقارنة مع الأديان الأخرى, نقول: كل ذلك لعلمه تعالى ما سيلاقيه المسلمون من العدوان من اليهود, وهو ما نعيشه في هذه البلاد منذ عقود، هذه مسألة.

568

ومسألة أخرى: هي تحذير المؤمنين من ترك الإسلام، فكأنه تعالى يقول للمسلمين إن تركتم الإسلام كنتم كاليهود في تركهم لدينهم الذي أنزل على موسى عليه السلام, وهذا أيضا لعلمه تعالى أنّ ناسا من هذه الأمة سيكونون كذلك، ولنا في حيث رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد على ذلك, يقول صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه، فقالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟» (البخاري)، وليس المراد من الحديث أنهم المسلمين سيتهودون أو يتنصرون وإنما يتركون كتابهم ويتركون دينهم كما ترك اليهود والنصارى دينهم.

ومسألة ثالثة أقولها: وهي أنه قيل للمؤدَّب: من أين تعلمت الأدب؟ قال: من قليل الأدب، فالمؤدب تعلم الأدب من مخالفة قليل الأدب، وهذا ما ينبغي على المسلمين أن يتعلموه من كلامه تعالى عن بني إسرائيل، لا أن يقولوا هذه الآيات لا تخصنا, ندرسها على سبيل المتعة التاريخية.

ومسألة رابعة أذكر بها إخواني المسلمين عامة فأقول لهم: تعالوا وادرسوا بني إسرائيل في القرآن بدلا من دراستهم في الكتب الوضعية, فإنه لا أحد أعلم ببني إسرائيل من خالقهم, وكفاكم حسن نية في التعامل معهم على أنهم فئة من الناس كسائر فئات الناس، وأمة من الأمم كسائر الأمم، ومن درس ذلك في كتاب الله وجده.

569