الآية 143
قوله تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ (النساء: 143)
(1) هذه هي الصفة الثامنة من صفات المنافقين، وهي صفة التردد والحيرة وعدم الاستقرار والثبات في أحد الصفين المؤمن والكافر، وهي صفة تثير الاشمئزاز والاحتقار في نفوس المؤمنين تجاه هذه الفئة من الناس, كما إنها توحي بضعف المنافقين ضعفا يجعلهم غير قادرين على اتخاذ موقف حاسم, وهذا ما يثير القوة والحسم في نفوس المؤمنين تجاه الصف الذي اختاروه، وهو صف الإيمان .
(2) وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين ثلاثة أمثال في صفة الذبذبة عند المنافقين، وهي من أروع الأمثلة التربوية والتعليمية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين, تعير إلى هذا مرة وإلى هذا مرة, لا تدري أيهما تتبع» (مسلم)، وقال قتادة: «ذكر لنا أنّ نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: مثل المنافق كمثل ثاغية بين غنمين, رأت غنما على نشز فأتتها فلم تعرف, ثم رأت غنما على نشز فأتتها وشامتها فلم تعرف» (الطبري)، وقال قتادة: ((وذكر لنا أنّ نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يضرب مثلا للمؤمن والمنافق الكافر, كمثل رهط ثلاثة دفعوا إلى نهر, فوقع المؤمن فقطع, ثم وقع المنافق حتى إذا كاد يصل إلى المؤمن ناداه الكافر: أن هلم إلي, فإني أخشى عليك! وناداه المؤمن: أن هلم إلي, فإنّ عندي وعندي! يحصي له ما عنده، فما زال المنافق يتردد بينهما حتى أتى عليه آذيٌ (الموج الشديد) فغرّقه، وإنّ المنافق لم يزل في شك وشبهة حتى أتى عليه الموت وهو كذلك)) (الطبري).
(3) يقول الإمام الرازي في التحليل النفسي التربوي للذبذبة التي يعيشها المنافق: ((واعلم أنّ السبب في ذلك أنّ الفعل يتوقف على الداعي, فإذا كان الداعي إلى الفعل هو الأغراض المتعلقة بأحوال هذا العالم كثر التذبذب والاضطراب, لأنّ منافع هذا العالم وأسبابه متغيرة سريعة التبدل, وإذا كان الفعل تبعا للداعي والداعي تبعا للمقصود, ثم إنّ المقصود سريع التبدل والتغير لزم وقوع التغير في الميل والرغبة, وربما تعارضت الدواعي والصوارف فيبقى الإنسان في الحيرة والتردد. أما من كان مطلوبه في فعله إنشاء الخيرات الباقية, واكتساب السعادات الروحانية, وعلم أنّ تلك المطالب أمور باقية بريئة عن التبدل والتغير لا جرم كان هذا الإنسان ثابتا راسخا, فلهذا المعنى وصف الله تعالى أهل الإيمان بالثبات فقال: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة) (إبراهيم: 27)، وقال: (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب) (الرعد: 28)، وقال: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة) (الفجر: 27)).