الآية 5
قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين﴾ (المائدة: 5)
(1) قوله تعالى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَات). هذه العبارة مذكورة في الآية السابقة وقد كررت هنا لأمرين: (الأول) التأكيد على أنّ الطيبات ليست في الصيد والمطاعم فقط بل كذلك في المطاعم والمناكح, فالله تعالى قد أحل الطيبات للمسلمين في سائر الشؤون. (الثاني) لما قال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم) (المائدة: 3)، فأتم النعمة في مجال الدين بيّن في هاتين الآيتين أنه أيضا أتم النعمة فيما يتعلق بشؤون الدنيا.
(2) قوله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُم). المدلول التربوي لهذا النص هو بيان سماحة الإسلام مع غير المسلمين الذين يعيشون في دار الإسلام وتربطهم بالمسلمين روابط الذمة والعهد، فلم يكتف الإسلام بأن ترك لهم حريتهم الدينية في العقيدة والعبادة والشريعة بل شملهم بالروابط الاجتماعية فأحل طعامهم للمسلمين وأحل طعام المسلمين لهم, وهذا يسمح بهامش عريض من المؤاكلة والمشاربة والتزاور والتضايف والمخالطة والمجاملة, وكذلك أحل للمسلم الزواج من الكتابية, وقرن المحصنات من الكتابيات بالمحصنات من المؤمنات, وهذا يسمح بهامش أعرض من الخلطة والروابط الاجتماعية, وفي حين يتحرج الكتابي من الزواج من الكتابية في حال اختلاف المذهب وربما اعتبر هذا الزواج تحللا من الدين وخروجا من العقيدة, فإنّ الإسلام قد رفع الحرج عن أتباعه في الزواج من الكتابيات أيا كان مذهبهم, ومن هنا نقول: إنّ سماحة الإسلام تجاه أتباع الديانات لم يوجد لها ما يقابلها من السماحة منهم تجاه المسلمين, ولذلك يربي الإسلام أتباعه على السماحة ولا يعامل الطرف الآخر بالمثل.