التفسير التربويالجزء 1 · ص 605 - 612

الآية 5

الآية 5

قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين﴾ (المائدة: 5)

(1) قوله تعالى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَات). هذه العبارة مذكورة في الآية السابقة وقد كررت هنا لأمرين: (الأول) التأكيد على أنّ الطيبات ليست في الصيد والمطاعم فقط بل كذلك في المطاعم والمناكح, فالله تعالى قد أحل الطيبات للمسلمين في سائر الشؤون. (الثاني) لما قال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم) (المائدة: 3)، فأتم النعمة في مجال الدين بيّن في هاتين الآيتين أنه أيضا أتم النعمة فيما يتعلق بشؤون الدنيا.

(2) قوله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُم). المدلول التربوي لهذا النص هو بيان سماحة الإسلام مع غير المسلمين الذين يعيشون في دار الإسلام وتربطهم بالمسلمين روابط الذمة والعهد، فلم يكتف الإسلام بأن ترك لهم حريتهم الدينية في العقيدة والعبادة والشريعة بل شملهم بالروابط الاجتماعية فأحل طعامهم للمسلمين وأحل طعام المسلمين لهم, وهذا يسمح بهامش عريض من المؤاكلة والمشاربة والتزاور والتضايف والمخالطة والمجاملة, وكذلك أحل للمسلم الزواج من الكتابية, وقرن المحصنات من الكتابيات بالمحصنات من المؤمنات, وهذا يسمح بهامش أعرض من الخلطة والروابط الاجتماعية, وفي حين يتحرج الكتابي من الزواج من الكتابية في حال اختلاف المذهب وربما اعتبر هذا الزواج تحللا من الدين وخروجا من العقيدة, فإنّ الإسلام قد رفع الحرج عن أتباعه في الزواج من الكتابيات أيا كان مذهبهم, ومن هنا نقول: إنّ سماحة الإسلام تجاه أتباع الديانات لم يوجد لها ما يقابلها من السماحة منهم تجاه المسلمين, ولذلك يربي الإسلام أتباعه على السماحة ولا يعامل الطرف الآخر بالمثل.

605

(3) قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُم). أحل الإسلام للمسلمين الزواج من الكتابيات , وقد شرط هذا النص في الكتابية الإحصان, والإحصان هنا بمعنيين: الحرية والعفة, فلا يحل لمسلم الزواج من الأمة الكتابية, كما لا يحل له الزواج من الكتابية المتهمة في أخلاقها بالمعنى الجنسي. وقد شرط ابن عمر رضي الله عنه في الزواج من الكتابية أن تكون موحّدة أي تقر بأنه لا إله إلا الله, وكان يحتج بقوله تعالى: (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِن) (البقرة: 221)، وكان يقول: «لا أعلم شركا أكبر من أن تقول: ربها عيسى». وشرط ابن عباس رضي الله عنه في الزواج من الكتابية أن تكون ذمية لا حربية، أي أن يكون قومها داخلون في عقد ذمة مع المسلمين, وكان يحتج بقوله تعالى: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون) (التوبة: 29)، وكان يقول: «من أعطى الجزية حل لنا, ومن لم يعط لم يحل». وأيا كان فإننا نقول: إنّ في الزواج من الكتابية خطرا هو نفسه الخطر الموجود في المسلمة المتفلتة من دينها, وذلك أنه عند حصول الزوجية ربما قويت المحبة وصار ذلك سببا للزوج كي يميل إلى دين الزوجة ومنهجها, وفي حال الإنجاب ربما مال الأولاد إلى دين الزوجة ومنهجها, وكل ذلك تعريض للأسرة المسلمة للضرر وربما للتحطيم, ولذلك فإنّ الحذر في هذه الزيجات مطلوب وخاصة أنّ الجو العام ليس في صالح المسلم والمنهج الإسلامي, فلا نستطيع أن نقول: إنّ ما قصرت في بنائه الأسرة بناه المجتمع, لأنّ العكس ربما يحصل, أي ما بنته الأسرة ربما هدمه المجتمع المحيط بالأسرة, فالتربية السليمة أصبحت الآن مفقودة وفي حكم النادر سواء في الأسرة أم في المجتمع أم في المدرسة أم في المسجد, والله أعلم.

(4) قوله تعالى: (إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُن). قيّد تحليل الزواج من المؤمنات والكتابيات بإيتاء الأجور, وهذا يدل على وجوب إيتاء الأجر وهو المهر, والمدلول التربوي لذلك أنّ المسلم لو تزوج مسلمة أو كتابية وعزم في نفسه أن لا يعطيها مهرها كان في الحكم الشرعي كالزاني, وكذلك من يأكل مهر المرأة فلا يعطيها إياه ولا هي تسامحه به، وفي تسمية المهر بالأجر ما يدل على أنّ أقل المهر لا يتقدر، لأنّ أقل الأجر لا يتقدر, والله أعلم.

606

(5) قوله تعالى: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَان). هذه الكلمات كمثيلاتها في سورة النساء: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِين) (النساء: 24)، (مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَان) (النساء: 25)، فيها تربية للمسلم والمسلمة على الهدف من الزواج وهو الإحصان, أي: طلب العفة من خلال الزواج, فالمسلم يتزوج لأنّ الزواج يكون له حصن من الوقوع في الحرام, فهو أغضّ للبصر وأحفظ للفرج, وهو ستر ووقاية من الوقوع في الزنا بشكليه: المعلن وهو السفاح, والخفي وهو اتخاذ الخليلة للزنا سرا, والتعبير القرآني عن الزواج بالإحصان وعن الزنا بالسفاح هو تعبير تربوي دقيق, فالإحصان مأخوذ من الحصن وكذلك الزواج بالنسبة للمسلم يحصنه عن الحرام, والسفاح مأخوذ من السفح وهو الصب والسكب فكأنّ الزاني لا همّ له من العلاقة الجنسية إلا سفح السائل المنوي، وهو تعبير يذري بعلاقة الزنا ويصورها كأنها عملية تبويل لا همّ لصاحبها إلا التخلص من البول المحتبس في البدن.

(6) قوله تعالى: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين). ولنا مع هذا النص وقفات تربوية: (أولها) المقصود منه الترغيب في أحكام الله وشرائعه سواء المذكورة في هذه الآية أم المذكورة في غيرها, فمن يكفر بأحكام الله وشرائعه كان كمن يكفر بالله تعالى وقد خسر الدنيا والآخرة. (والثاني) إنّ أهل الكتاب وإن حصلت لهم فضيلة النكاح وإباحة الذبائح في الدنيا فإنهم خاسرون لسعادة الدنيا وسعادة الآخرة. (الثالث) التعبير عن الأحكام والشرائع بالإيمان يدل على أنها جزء من الإيمان وإن كانت نتيجة له, وهذا يدل على أنّ العمل جزء من الإيمان, وأنّ لإيمان كل لا يتجزأ، ومن كفر بجزء منه فهو كافر به جميعه لا محالة في حكم الله. (الرابع) الحبوط مأخوذ من انتفاخ الدابة وموتها إذا أكلت نباتات سامة, وفي تشبيه العمل الباطل وزواله بالدابة التي تأكل نباتا ساما وتموت بيان وبلاغة من خلال التربية بالتشبيه وضرب المثل. ولا شك أنّ لهذا التشبيه أثره في شخصية المستمع.

(الخامس) هذا الترهيب الشديد والتهديد المخيف في التعقيب على حكم شرعي يتعلق بالمطاعم والمناكح يدل على أنّ الدين كل متكامل ولا مجال للتسامح بأي جزء منه مهما قلّ ومهما صغر, ورفض الجزء كرفض الكل, فلا هوادة ولا تميع ولا مساومة في قبول أحكام الله تعالى وتشريعاته.

607

الآية 6

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ (المائدة: 6)

(1) يقول الإمام الرازي في الترتيب التربوي للمعاني الواردة في هذه السورة من مطلعها إلى الآن: ((اعلم أنه تعالى افتتح السورة بقوله: (أوفوا بالعقود) وذلك لأنه حصل بين الرب وبين العبد عهد الربوبية وعهد العبودية, فقوله: (أوفوا بالعقود) طلب تعالى من عباده أن يفوا بعهد العبودية, فكأنه قيل: إلهنا, العهد نوعان: عهد الربوبية منك, وعهد العبودية منا, فأنت أولى بأن تقدم الوفاء بعهد الربوبية والإحسان, فقال تعالى: نعم, أنا أوفي أولا بعهد الربوبية والكرم. ومعلوم أنّ منافع الدنيا محصورة في نوعين: لذات المطعم, ولذات المنكح, فاستقصى سبحانه في بيان ما يحل وما يحرم من المطاعم والمناكح, ولما كانت الحاجة إلى المطعوم فوق الحاجة إلى المنكوح, لا جرم قدّم بيان المطعوم على المنكوح. وعند تمام هذا البيان كأنه يقول: قد وفيت بعهد الربوبية فيما يطلب في الدنيا من المنافع واللذات, فاشتغل أنت في الدنيا في عهد العبودية. ولما كان أعظم الطاعات بعد الإيمان الصلاة, وكانت الصلاة لا يمكن إقامتها إلا بالطهارة, بدأ بذكر شرائط الوضوء فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا).

(2) وفي هذه الآية ذكر نوعا ثالثا من الطيبات بعد طيبات الطعام والنساء وهي طيبات الروح في الصلاة التي هي صلة مع الله تعالى ولقاء معه سبحانه, في جو من الخشوع والتفكر والطهارة, وهذه متعة معنوية لا تعادلها كل المتع الحسية, وهي تسد حاجة في داخل الإنسان فالإنسان ليس جسدا خالصا إنما هو جسد وروح، وإذا كان للجسد غذاؤه فإنّ للروح غذاءها.

(3) إنّ أحكام الوضوء والصلاة كأحكام الطعام والنكاح كلها عبادة, تذكر في كتاب الله متجانبة, تبدأ بالنداء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) وتُربط بالتقوى والخشية من الله، فلا فصل بين عبادات ومعاملات كما هو في كتب الفقه, وما حصل في كتب الفقه هو نوع من التصنيف والتبويب, ولكن هناك من بنى على هذا التصنيف فراح يشطر الإسلام إلى شطرين: عبادات ومعاملات، ويصور الدين للناس على أنه عبادات أو يصور الدين للناس على أنه معاملات, فاتخذ التصنيف والتبويب التعليمي مطية للتحلل من الدين من خلال التحلل من بعض أجزائه. ولذلك نؤكد هنا أنه لا فرق في دين الله بين عبادة ومعاملة فكل ذلك عبادة لله ما دام المؤمن قد نوى من العمل الطاعة لله والاتباع لدينه والامتثال لأمره ونهيه.

(4) قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاة). الصلاة صلة ولقاء بين العبد وربه، يقف فيها المؤمن بين يدي الله مخاطبا ومناجيا ومستلهما ومسترشدا من الله، ولا بد لهذا اللقاء وهذه الصلة من استعداد وتهيؤ، ومن هنا كان الوضوء استعدادا للقاء الله بما يتضمنه من طهارة الثياب وطهارة الجسد وطهارة الروح وصفاء النفس.

608

(5) قوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن). هذه شرائط الوضوء, وهي وإن كانت أفعال حسية إلا أنّ لها مدلولها المعنوي, فغسل الوجه فيه النظافة الحسية للوجه والعينين والأذنين والفم والأسنان, والمدلول المعنوي لغسل الوجه هو أن لا يتجه المؤمن بوجهه إلى الحرام, ولا ينظر بعينيه إلى الحرام, ولا يستمع بأذنيه إلى الحرام, ولا يأكل بفمه المال الحرام, ولا يعمل لسانه بالحرام كالغيبة والنميمة والكذب وغير ذلك. وغسل اليدين مدلوله المادي هو نظافة الأيدي من الأوساخ ومن الجراثيم المعدية التي قد تنتقل بين الناس بالمصافحة, أما مدلوله المعنوي فهو ترك عمل الحرام باليدين سواء كان ذلك بالكسب الحرام أم كان ذلك بلمس المرأة الأجنبية أم كان بالبطش بالناس. ومسح الرأس وإن كان مدلوله المادي هو نظافة الرأس مما علق به من الأوساخ والأدران, فإنّ مدلوله المعنوي هو مسح الخطايا التي عملها الإنسان فالرأس كناية عن الذات. وغسل الرجلين إلى الكعبين وإن كان مدلوله المادي هو نظافة الرجلين فإنّ مدلوله المعنوي أن لا يمشي المؤمن برجليه إلى الحرام. وبهذا المعنى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من رجل يتوضأ فيغسل يديه أو ذراعيه إلا خرجت خطاياه منهما، فإذا غسل وجهه خرجت خطاياه من وجهه, فإذا مسح رأسه خرجت خطاياه من رأسه, وإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من رجليه» (الطبري بإسناده), و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الوضوء يكفر ما قبله, ثم تصير الصلاة نافلة» (الطبري بإسناده)، وقال أيضا: «من توضأ وضوئي هذا كان من ذنوبه كيوم ولدته أمه, وكانت خطاه إلى المساجد نافلة» (الطبري بإسناده).

609

(6) قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء). إنّ معنى قوله: (كنتم جنبا) أي: كنت مستلقين على جنوبكم, وهي هنا كناية عن الجماع بين الرجل وزوجته. والجنابة كما في السنة تحصل بخروج المني من الرجل أو المرأة: «الماء من الماء» (مسلم)، وتحصل بالتقاء الختانين: «إذا التقى الختانان وجب الغسل» (الترمذي). وقوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِط), الأصل في الغائط هو المكان المنخفض, وهو كناية عن الحدث الأصغر, لأنّ الناس حينما كانوا يريدون التبول أو التبرز يذهبون إلى الأماكن المنخفضة فهي أكثر سترا. وقوله تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء), الأصل في اللمس هو أن تمس البشرة البشرة, وهو هنا كناية عن الجماع لأنّ فيه ملامسة بشرة الرجل لبشرة المرأة، قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: «اللمس والمس والغشيان الجماع, ولكنه عز وجل يكني» (القرطبي), وقال مجاهد في قوله عز وجل: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاما) (الفرقان: 72)، قال: «إذا ذكروا النكاح كنوا عنه» (القرطبي). وفي هذه النصوص أدب تربوي وهو عدم ذكر الجماع أو ما يُستحى من ذكره صريحا بل الكناية عنه بشيء من صفاته, والله تعالى كريم يكني, وعلى المسلم أن يتخلق بأخلاق الله في الكرم فيكني أيضا, وعلى هذا يجب تربية الناشئة المسلمة, فلا يذكر الجماع صريحا أو بالألفاظ العامية البذيئة كما هو الحال عند كثير من الناس بل يُكنى عنه وتستخدم الألفاظ العلمية التي لا تجرح أذن السامع ولا تحرك في نفسه الشهوات ولا تلهب مشاعره وخياله, والله أعلم.

610

(7) قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج). أي: ليس المراد من تشريع الوضوء والغسل بالماء هو إيجاد الضيق والعنت عند الناس وإنما المراد من ذلك طهارة الجسم وطهارة الروح, وذلك رخص الله للناس في حال عدم وجود الماء أو في حال وجوده مع كونه يكفي للشرب ولا يكفي للوضوء والغسل, أو في حال الضرر الجسمي من استخدام الماء, نقول: رخص في التيمم وهو طهارة للروح وإن لم يكن فيه طهارة للجسد, وهذا يدل على رحمته تعالى بالناس ورأفته بهم في هذا الترخيص وغيره من الترخيصات التي تخرج الناس من الحرج والضيق والعنت. وهذه الآية تدل على أنّ المضار غير مشروعة في الدين وهذا أصل معتبر في الشريعة الإسلامية, ومثل ذلك قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر) (البقرة: 185)، وقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) (الحج: 78)، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» (ابن ماجة). كما إنّ الأصل في المنافع هو الإباحة, وهذه قاعدة مهمة من قواعد الشريعة يدل عليها هذا النص, ويدل عليها قوله تعالى: (قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَات) (المائدة: 4), ومن خلال هاتين القاعدتين نقول: إنّ أي حادثة تقع ولا حكم مفصّل لها في الكتاب والسنة, فينظر إلى منافعها ومضارها, فإن كانت من قبيل المنافع فهي مباحة, وإن كانت من قبيل المضار فهي محرمة, وإن اشتركت فيها المنفعة مع الضرر كان الحكم للأغلب.

611

(8) قوله تعالى: (وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُم). أي: المراد من الوضوء والغسل هو طهارة الجسد وطهارة الروح, طهارة الجسد والثياب بالماء من الأوساخ والنجاسات, وطهارة الروح من الخطايا والذنوب, فعند تعذر الماء يكفي التيمم وهو طهارة للروح, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من توضأ وضوئي هذا كان من ذنوبه كيوم ولدته أمه» (الطبري بإسناده)، وفي هذا البيان رد على من يدعي النظافة ويقول لا حاجة بي إلى الوضوء فأنا أستحم كل يوم, لأنّ استحمامه لا يطهره من الخطايا, والجانب الروحي في الطهارة أقوى لأنه عندما تعذر الجانب المادي قام الروحي مقامه, يقول الإمام الرازي في تفسيره: ((الوجه الثاني في تفسير هذا التطهير: أن يكون المراد منه طهارة القلب عن صفة التمرد عن طاعة الله تعالى, لأنّ الكفر والمعاصي نجاسة للأرواح, فإنّ النجاسة إنما كانت نجاسة لأنها شيء يراد نفيه وإزالته وإبعاده, والكفر والمعاصي كذلك كانت نجاسات روحانية, وكما إنّ إزالة النجاسات الجسمانية تسمى طهارة, فكذلك إزالة هذه العقائد الفاسدة والأخلاق الباطلة تسمى طهارة, ولهذا التأويل قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَس) (التوبة: 28)، فجعل رأيهم نجاسة, وقال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا) (الأحزاب: 33)، فجعل براءتهم عن المعاصي طهارة لهم ... وإذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى لما أمر العبد بإيصال الماء إلى هذه الأعضاء المخصوصة, وكانت هذه الأعضاء طاهرة, لم يعرف العبد في هذا التكليف فائدة معقولة, فلما انقاد لهذا التكليف كان ذلك الانقياد لمحض إظهار العبودية والانقياد للربوبية, فكأنّ هذه الانقياد قد أزال عن قلبه آثار التمرد, فكان ذلك طهارة, فهذا هو الوجه الصحيح في تسمية هذه الأعمال طهارة, وتأكد هذا بالأخبار الكثيرة الواردة في أنّ المؤمن إذا غسل وجهه خرجت خطاياه من وجهه, وكذا القول في يديه ورأسه ورجليه)).

(9) قوله تعالى: (وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُم). وذلك في أمرين: (الأول) تشريع نعم الدين في الضوء والصلاة كما شرع في الآيات السابقة نعم الدنيا من الطعام والنساء, فالدين نعمة هو أكبر نعمة في الحياة. (الثاني) تشريع التيمم والترخيص به في بعض الحالات كالمرض والسفر وفقد الماء أو التأذي منه. وهذه الآية تفتح باب الرجاء للمؤمن لأنه من تمام النعمة دخول الجنة والنجاة من النار, نرجو من الله ذلك.

(10) قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون). إنّ تشريع التيمم في حال تعذر الطهارة بالوضوء أو الغسل, وتشريع صلاة الخوف, وتشريع صلاة الجلوس أو الاستلقاء في حال تعذر القيام, والترخيص في صلاة النافلة جلوسا أو ركوبا على الدابة مع إلغاء شرط التوجه إلى القبلة, وغير ذلك من التشريعات ... تدل على حرص الإسلام البالغ في إقامة الصلاة حتى أنه لا عذر في ترك الصلاة، وهذا الحرص لأنّ الصلاة هي لقاء مع الله وهي صلة بالله. وللصلاة آثارها التربوية في نفوس المؤمنين وفي واقع المؤمنين, وقد تكلمنا عن ذلك في مطلع سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: (وَيُقِيمُونَ الصَّلاة) (البقرة: 3).

612