التفسير التربويالجزء 1 · ص 613 - 620

الآية 7

الآية 7

قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾ (المائدة: 7)

(1) يذكر الله تعالى المؤمنين بثلاثة أمور: (الأول) نعمة الله عليهم بالإيمان. (والثاني) ميثاق السمع والطاعة الذي واثقوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم. (والثالث) تقوى الله التي أمروا بها. ولهذا التعقيب على الأحكام السابقة في الطهارة والمطاعم والمناكح بالتذكير بنعمة الإيمان وميثاق الطاعة وتقوى الله دلالته التربوية, فالنعمة توجب على المنعم عليه الاشتغال بطاعة المنعم والانقياد والامتثال لأوامره ونواهيه, والميثاق وهو البيعة التي كان يبايعها المسلمون لرسول الله على السمع والطاعة في المنشط والمكره وفي العسر واليسر يوجب الانقياد لله تعالى ولرسوله, فهم حين بايعوا رسول الله كأنهم بايعوا الله, قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِم) (الفتح: 10), والتقوى توجب الخوف والحذر من مخالفة أحكام الله في تشريعه للناس، ولهذا التذكير أثره التربوي أيضا من حيث كون نعمة الإيمان حديثة عهد على المؤمنين لم تبل, ومن حيث كون الميثاق قريب عهد لم يفن, ومن حيث كون الأمر بالتقوى ملازم لنزول الكتاب, فلا ينزل منه مقدار صفحتين إلا وتذكر التقوى أمرا بها ومدحا لها وثناء عليها.

(2) قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور). يقول الإمام الطبري في المدلول التربوي لهذه الخاتمة للآية: ((فإنه وعيد من الله جل اسمه للمؤمنين برسوله صلى الله عليه وسلم من أصحابه, وتهديد لهم أن ينقضوا ميثاق الله الذي واثقهم به في رسوله, وعهدهم الذي عاهدهم فيه, بأن يضمروا له خلاف ما أبدوا له بأنفسهم.

(3) وعلى هذا نقول: جمعت هذه الآية الترغيب والترهيب, فنصفها الأول ترغيب في العمل بأحكام الله الواردة في كتابه خاصة ما ذكر منها في هذه السورة, ونصفها الثاني ترهيب من ترك العمل بهذه الأحكام من خلال التذكير بعلم الله تعالى المطلق الذي لا يخفى عليه ما أكنته الصدور.

613

الآية 8

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون﴾ (المائدة: 8)

(1) في الترتيب التربوي لهذه الآية نقول: لما ذكر الله بالميثاق في الآية السابقة يبين هنا أنّ القيام بأمر الله والعدل في الناس من الميثاق، والتكاليف عامة محصورة في نوعين: التعظيم لأمر الله وإليه الإشارة بقوله: (كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّه), والشفقة على خلق الله وإليه الإشارة بقوله: (شُهَدَاءَ بِالْقِسْط)، والله تعالى نهى أولا عن ترك العدل بسبب البغض فقال تعالى: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا), ثم أمر بشكل صريح ومؤكد ومن غير قيود بالعدل فقال تعالى: (اعْدِلُوا), وللترغيب بالعدل المطلق ذكر العلة فيه على سبيل الترغيب فقال تعالى: (هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)، ولما كان القيام بالعدل صعبا وشاقا رغب فيه في بداية الآية فاستنهض الهمم بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا), وحذر من تركه ونوعد على هذا الترك فقال في خاتمة الآية: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون).

(2) وفي هذه الآية تربية للأمة المسلمة على القوامة على البشرية من خلال القيام بأمر الله فيها وهو العدل, والعدل مع كل أحد مسلما كان أم كافرا، وقريبا كان أم بعيدا, وعادلا كان أم ظالما, عدلا دائما ومستمرا, يدل عليه قوله: (قَوَّامِين) فهي تعني القيام بالشيء مرة بعد مرة لأنها صيغة مبالغة من القيام, والعدل مع من نحب سهل ولا مشقة فيه, أما العدل مع من نكره ونبغض ففيه صعوبة ومشقة, ولذلك صرح بذكره فقال: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا), والعدل أقرب للتقوى: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) لأنّ من كان عدلا كان لله مطيعا وكان من أهل التقوى أي: الخوف من الله, ومن كان عاصيا ظالما كان لله عاصيا وكان من أهل الفجور الذين لا يخافون الله.

(3) وفي آية سابقة قال: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا) (المائدة: 2)، فأمر بترك الظلم مع من كان ظالما واعتبر ذلك اعتداء, أما هنا فأمر أمرا مطلقا بالعدل فقال تعالى: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا)، وهذه قمة أعلى من السابقة لأنّ المطلوب فيها عام بكل الناس وليس خاصا في فئة منهم, وهذا من التدرج التربوي الذي ربّى الله به هذه الأمة فحملهم من حالة الخير الخاصة إلى حالة الخير العامة.

(4) وجمعت هذه الآية بين الترغيب في العدل والترهيب من تركه, فقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) كله ترغيبات في العدل, وقوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون) ترهيب من ترك العدل, وهذه عادة القرآن في التعامل مع النفس البشرية بالقرن بين الترغيب والترهيب خطابا لعاطفة الرجاء وعاطفة الخوف الكامنتين في كل نفس بشرية, فالترغيب يحرك الرجاء, والترهيب يحرك الخوف.

614

الآيات 9-10

قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيم﴾ (المائدة: 9-10)

لنا مع هاتين الآيتين الوقفات التربوية التالية:

(1) قرن الله تعالى في هاتين الآيتين بين الترغيب والترهيب, فالآية الأولى ترغيب في الإيمان والعمل الصالح من خلال الوعد بالمغفرة للذنوب والأجر العظيم للطاعات, والآية الثانية ترهيب من الكفر بالله والتكذيب بآياته من خلال الوعيد لمن يفعل ذلك بالخلود في النار فيصبح من أصحابها الملازمين لها.

(2) قدم الله الترغيب على الترهيب كما هو غالب في النصوص القرآنية ليذكر الناس بأنّ رحمته سبقت غضبه, ومغفرته سبقت عقوبته, وأنّ الله يحب للناس أن يكونوا من أصحاب الرحمة والمغفرة, وفي الحديث فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولا يهلك على الله إلا هالك» (مسلم) أي: مريد للهلاك مصر عليه.

(3) صدّر الله آية الترغيب بقوله: (وَعَدَ اللَّه) ولم يُصدّر آية الترهيب بأن يقول: أوعد الله, فدلّ ذلك على التأكيد في الترغيب والتشديد عليه حين أضافه تعالى إلى نفسه ولم يتركه مبهما.

(4) ذكر الله العمل الصالح بعد الإيمان ولم يذكر العمل السيئ بعد الكفر ليؤكد على أنّ العمل الصالح جزء هام من الإيمان وأنه لا يدخل أحد الجنة من دون عمل صالح, أما في دخول النار فيكفي الكفر لدخولها فإن وجد العمل السيئ كان ذلك أوكد في الدخول وأحط في الدرك.

(5) وعد الله على الإيمان والعمل الصالح بالأجر العظيم, ونقول هنا: إنّ الأجر العظيم بالنسبة لله، ولذلك فهو غير محدود المقدار ولا يعرف منتهاه إلا الله, فالعظيم بالنسبة لله ليس كالعظيم بالنسبة لنا, وهذا أبلغ في الترغيب, ويقال مثل ذلك في الأجر الكريم والأجر الكبير المذكورين في القرآن, فلا أحد من الناس يستطيع تقدير هذه الأنواع من الأجر ولا تستطيع أفهام الخلق إدراك كنهه.

(6) نذكر هنا بأنّ الترغيب والترهيب أسلوبان تربويان قرآنيان, استعملهما القرآن كل بمفرده ومزج بينهما في مواضيع كثيرة وهما من المعاني التي أنزل الله القرآن عليها, فقد أنزل الله القرآن على سبعة أوجه من المعاني: الأمر والنهي (التشريع), والوعد والوعيد (الترغيب والترهيب)، والقصص والأمثال والجدل (الحوار), والترغيب والترهيب يقومان على أنّ في الإنسان عاطفتين: عاطفة الرجاء ويفيد فيها الترغيب, وعاطفة الخوف ويفيد فيها الترهيب, وبعض النفوس يغلب عليها الرجاء فيفيد فيها الترغيب أكثر، وبعض النفوس يغلب عليها الخوف فيفيد فيها الترهيب أكثر، ولعل النفوس السوية هي التي يتساوى فيها الرجاء مع الخوف، فقد ذكر عن بعض السلف أنه قال: «لو وُزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا».

615

الآية 11

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون﴾ (المائدة: 11)

(1) في سبب نزول هذه الآية أقوال: (الأول) قيل: إنها نزلت في بني النضير حين هموا في قتل النبي صلى الله عليه وسلم وهو مستظل بحائط ، بأن ندبوا أحدهم لإلقاء صخرة عليه. (الثاني) وقيل: إنها نزلت في يهود خيبر حين أهدوا إليه شاة مسمومة يريدون قتله فعصمه الله. (الثالث) وقيل: إنها نزلت في عسفان حيث كان المسلمون يصلون الظهر, فلما صلوا ندم المشركون أنهم لم يأخذوهم على حين غرة وهم في صلاتهم, ثم قال بعضهم: نأخذهم في الصلاة القادمة وهي صلاة العصر فأنزل الله صلاة الخوف.

(2) وأيا ما كان سبب النزول فإنّ لهذا التذكير بنعمة حفظ الله لرسوله وللمؤمنين وعصمتهم من أعدائهم مدلولات تربوية: (أولها) إيجاد السكينة والطمأنينة في نفوس المسلمين من خلال تذكيرهم بحفظ الله لهم. (والثاني) تيئيس الكافرين من ظنهم أنّ في قدرتهم القضاء على هذا الدين بالقضاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه. (والثالث) تحريض المؤمنين على الوفاء بالعهود والمواثيق مع الله ومع رسوله ومع بعضهم من خلال تذكيرهم بالنعمة, فالنعمة توجب الشكر للمنعم, وكلما كانت النعمة أعظم كان الشكر المطلوب أكبر, وكذلك تحريض المؤمنين على تقوى الله: (وَاتَّقُوا اللَّه) من خلال التذكير بنعمة العصمة والمنعة. (والرابع) خلق التوكل في قلوب المؤمنين, فإذا كان الله هو الناصر وهو الحافظ وهو المعين فعلى المؤمن أن يفوض أموره لله, ويستسلم بكليته إليه, ويسلم بقضائه, ويظهر عجزه وحاجته وفقره إلى الله وذلك من تمام التوكل وكمال الدين.

616

الآية 12

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيل﴾ (المائدة: 12)

(1) الدلالات التربوية لاتصال هذه الآية بما قبلها: (أولا) لما أمر الله المؤمنين في الآيات السابقة بالوفاء بالعهود والمواثيق ذكر هنا أنه أخذ العهود والمواثيق من بني إسرائيل ولكنهم نقضوها ولم يفوا بها, فكأنه تعالى يقول للمؤمنين: لا تكونوا كبني إسرائيل في نقض العهود والمواثيق ولا تتصفوا بهذا الخلق الذميم فيحل بكم من لعنة الله وغضبه ما حل بهم. (ثانيا) لما ذكر في الآية السابقة محاولة اليهود قتل النبي صلى الله عليه وسلم, ذكر هنا نقضهم للعهود والمواثيق مع الله فكأنه يقول للمؤمنين: لا تستعظموا فعلهم في محاولة قتل النبي صلى الله عليه وسلم فهم قد نقضوا عهدهم مع الله ومن نقض عهده مع الله فلا عهد له مع أحد, وفي هذا تسلية وعزاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين معه. (ثالثا) وفي هذه الآية ترغيب للمؤمنين في قبول التكاليف التي كلفهم بها, ومنها التكاليف المذكورة في هذه السورة, ووجه الترغيب هو ما ذكره من أنه كلف بني إسرائيل بتلك التكاليف كما كلف غيرهم فهي عادة جارية وسنة ماضية بين الله وبين عباده.

(2) قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيل). إن العلاقة بين الله وبين المؤمنين هي علاقة الإله بعبيده, فمنه الأمر والنهي وعليهم السمع والطاعة, وفي تسمية هذه العلاقة بالميثاق, أي: عهدا بين طرفين فيه شرط وفيه جزاء وله ملابسات, توكيد لطبيعة هذه العلاقة وتحريض على الإتيان بالشرط لكي يحصل الجزاء, وتحذير من ترك الشرط كي لا يحصل العقاب.

(3) قوله تعالى: (وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبا). أصل العلاقة بين الله وبين عباده هي عن طريق الرسول, ولوجود النقباء كطرف في هذه العلاقة مدلول تربوي, فالنقيب هو الكفيل والشاهد والضامن للتنفيذ, وهو الذي ينقب عن أحوال رعيته ويرعى مصالحهم, فالمدلول التربوي لوجود النقباء هو توكيد الميثاق والحرص العملي على تطبيقه وذلك لأنّ النقيب يحث المؤمنين على الالتزام ويبحث في شؤونهم عن العقبات التي تمنع التطبيق ويحاول حلها, ويرعى هذا التطبيق.

(4) قوله تعالى: (وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبا). دلت هذه الآية على أمرين: (الأول) قبول خبر الواحد فيما يحتاجه الإنسان في شؤونه الدينية والدنيوية, والعمل بهذا الخبر فترتب عليه الأحكام في الحلال والحرام, لأنّ النقيب هنا هو واحد في الصلة بين الرسول وبين قومه يبلغهم الأخبار عن رسوله وينقل إليه أخبارهم, وفي الحديث ما يؤكد ذلك حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهوازن: «ارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم» (البخاري). (الثاني) جواز اتخاذ الجاسوس, ومعنى التجسس: التبحث, فهو الذي يبحث لقومه عن أخبار عدوهم, وذلك أنّ النقباء كلفوا بالبحث عن أخبار أعداء بني إسرائيل, وفي السنة ما يؤيد ذلك, فقد «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بُسيسة عينا له لتقصي أخبار عير أبي سفيان في غزوة بدر» (مسلم).

617

(5) قوله تعالى: (وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَنا). فقوله: (إِنِّي مَعَكُم) أي: بعلمي وقدرتي ونصرتي, وهذه المقدمة معتبرة جدا في الترغيب, فهي وعد عظيم وترغيب شديد, لأنه من كان الله معه فلا عبرة لمن كان ضده, ومن كان الله معه فهو في هداية من الله, وفي اطمئنان وسعادة, وفي ضمان للوصول إلى الهدف، ولهذه المعية شروطها, ومن شروطها: (أولا) إقامة الصلاة بأركانها وسننها وهيئاتها والخشوع فيها والتفكر بها, فهي إقامة حقيقية لا مجرد أداء لها, ومن الإقامة أن تكون صلة بين العبد وبين ربه, وأن تنهى عن الفحشاء والمنكر. (ثانيا) ومن شروط المعية إيتاء الزكاة, اعترافا بنعمة الله وملكيته للمال, وطاعة له في الفعل, وتحقيقا للتكافل الاجتماعي بين الناس في المجتمع الواحد, وفيها تهذيب للمعطي وترضية للآخذ وتندية للعلاقة بينهما. (ثالثا) ومن شروط المعية: الإيمان بالرسل كلهم وبكل واحد منهم دون تفريق بينهم. (رابعا) ومن شروط المعية تعزيز الرسل أي نصرتهم وتوقيرهم ولا يكفي مجرد الإيمان السلبي بالرسل من خلال الإقرار برسالتهم فقط بل لابد من التعظيم والنصرة والمتابعة في القول والعمل وفي سائر شؤون الحياة. (خامسا) ومن شروط المعية الإنفاق في سبيل الله وهي نفقة التطوع وذكرت بعد الزكاة للتفريق بينهما، فالزكاة واجبة يستوي المؤمنون في أدائها لأنّ مقدارها محدد أما نفقة التطوع فهي غير محددة، ومن هنا يظهر إيمان الناس ومدى طاعتهم لله ومدى إخلاصهم لدين الله بقدر ما ينفقون تطوعا وتبرعا، وقد سمى نفقة التطوع قرضا ترغيبا بها وتوكيدا على أجرها فكأنها دين يدفعها المسلم إلى ربه ويوم القيامة يسترد دينه ثوابا وأجرا ومنزلة في الجنة. وهذه الشروط الخمسة للمعية, وإن ذكرت إخبارا عن بني إسرائيل, فإنها مطلوبة من المسلمين, وفي ذكرها ترغيب للمسلمين على فعلها وعدم التشبه ببني إسرائيل في نقضها وتركها, لأنّ هذه الشروط هي من التشريعات الثابتة في الأديان والتي لم تنسخ في دين الإسلام, فالصلاة والزكاة والإيمان بالرسل وتعزير الرسل والإنفاق في سبيل الله كل ذلك مشروع في الإسلام وله أدلته في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(6) قوله تعالى: (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار). هذا جزاء للشرط السابق, وفيه ترغيب على أداء الشرط من خلال ذكر جزائه, و قوله تعالى: (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُم) إشارة إلى زوال العقاب, وقوله تعالى: (وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار) إشارة إلى حصول الثواب, والمؤمن يخاف العقاب ويتمنى زواله, ويرجو الثواب ويتمنى حصوله.

618

(7) قوله تعالى: (فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيل). ترهيب من ترك العهود والمواثيق جحودا بها أو إهمالا لها, فكل ذلك كفر بنعمة الله في العهود والمواثيق, ووجه الترهيب هو تحقير الكافر بالعهود والمواثيق من خلال وصمه بالضلال عن دين الله ووصف الدين بأنه السبيل السوي القويم، وقوله: (بَعْدَ ذَلِك) لا يعني أنّ الكفر قبل ذلك ليس ضلالا بل هو تشديد وتعظيم لأمر الكفر بعد العلم, فالكفر يعظم قبحه بعظم النعم المذكورة, فإذا زادت النعم زاد قبح الكفر, وفي هذا بيان لنعمة العلم وفضيلة العالم وأنه ليس كالجاهل في الثواب أو العقاب عند الله.

619

الآية 13

قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين﴾ (المائدة: 13)

(1) قوله تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُم). فيه تسلية وعزاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين معه, فاليهود قد نقضوا العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهموا بقتله, والله تعالى يخفف عنه وعن المؤمنين من هول هذه الصدمة فيذكره بأنهم نقضوا عهدهم مع الله, ومن نقض عهده مع الله كان طبيعيا منه أن ينقض عهده مع رسوله، وأما همهم بقتله صلى الله عليه وسلم فذلك ديدنهم في قتل الأنبياء قبله, ومن تذكر مصاب غيره هانت عليه مصيبته خاصة إذا كانت مصيبته أصغر من مصيبة غيره.

(2) قوله تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا به). هذا الكلام وإن كان وضعا لليهود ففيه تحذير للمسلمين من نقض العهود والمواثيق مع الناس عامة ومع الله بشكل خاص, وذلك من خلال التذكير بنتائج نقض المواثيق فهي تؤدي إلى: (أولا) (لَعَنَّاهُم) واللعن من الله هو الطرد والإبعاد من رحمته.

(ثانيا) (وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَة) وقسوة القلب سمة سيئة في الإنسان, فالقلب القاسي لا يعرف حقا ولا ينكر باطلا, ولا يأتمر بمعروف ولا ينتهي عن منكر, وبالجملة فهو أبعد القلوب عن الإيمان.

(ثالثا) (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِه) وتحريف الكلم عن مواضعه ديدن اليهود وعادتهم وذلك إما بالزيادة في النص أو بالحذف منه أو بتأويله على غير تأويله أو بالتلاعب بالترجمة.

(رابعا) (وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا به) أي: تركوا نصيبا من دينهم الذي أمرهم الله به, فالنسيان هنا بمعنى الترك وهو كقوله تعالى: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم) (التوبة: 67).

(3) قوله تعالى: (وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُم). فالخيانة سمة أصيلة في اليهود, وكلمة (خائنة) كلمة مبهمة فهي تفيد الفعلة الخائنة, والكلمة الخائنة, والنية الخائنة, وهذا تحذير لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين من أنّ الخيانة ديدن اليهود فكن على حذر منهم, وإن عقدت معهم ميثاقا فكن على حذر من خيانتهم ونقضهم للميثاق, ومن يراجع السيرة النبوية يجد لليهود مواقف خيانة متواترة حتى أجلاهم المسلمون عن الجزيرة العربية كلها, فبنو قينقاع نقضوا العهد وكان ذلك سببا في غزوهم, ثم نقض بنو النضير العهد بعدهم، ثم نقض بنو قريظة العهد بعدهم, ثم تجمع اليهود في خيبر وأعدوا العدة لحرب المسلمين وجمعوا الأسلحة في حصونهم ولكن الله أمكن رسوله منهم. ولا يزال اليهود إلى الآن يخونون الناس وينقضون عهودهم ويكيدون لهم المكائد.

(4) قوله تعالى: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين). أي: إذا عفوت وصفحت فأنت محسن وإذا كنت محسنا أحبك الله, فالطريق إلى محبة الله يبدأ بالعفو والصفح, ولما كانت محبة الله أمنية كل مؤمن, كان ذلك ترغيبا في العفو والصفح.

620