التفسير التربويالجزء 1 · ص 621 - 631

الآية 14

الآية 14

قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُون﴾ (المائدة: 14)

(1) قوله تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى). ولم يقل: ومن النصارى, لأنهم ادعوا ذلك إدعاء ولم يحققوه في واقع حياتهم, فادعى المسيحيون أنهم أنصار الله تعالى, وهم الذين قالوا: (نحن أنصار الله) (آل عمران: 52)، وتحقيق النصرة يكون بالطاعة والمتابعة وهم قد تركوا نصيبا من دينهم فلم يعملوا به, وصفة النصرانية صفة مديح والله تعالى بين أنهم ادعوا هذه الصفة ولكنهم لم يتصفوا بها.

(2) قوله تعالى: (أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا به). هذا تحذير لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من الاتصاف بهذه الصفة وهي صفة نقض الميثاق وترك العمل بجزء من الدين, فاحذروا أن تتشبهوا بهم أو تتبعوا سبيلهم فتكونوا مثلهم في العقوبة عند الله.

(3) قوله تعالى: (فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة). فيه تربية بالعقوبة الدنيوية وذلك من خلال البيان بأنّ النصارى لما نقضوا الميثاق وتركوا العمل ببعض الدين, كانت عقوبتهم بأن ألصق الله بينهم العداوة والبغضاء وأذاق بعضهم بأس بعض, وهي عقوبة قائمة إلى يوم القيامة, فاحذروا أيها المسلمين أن تعملوا مثلهم وتصنعوا صنيعهم فتعاقبوا بعقوبتهم, ومن قرأ تاريخ النصارى وجد تصديق كلام الله في تاريخهم, فقد حصل بينهم من الحروب ما لم يحصل بين غيرهم, وسالت بينهم من الدماء ما لم تسل بين غيرهم, وأوضح مثال على ذلك محاكم التفتيش التي أنشأها النصارى أساسا لمحاربة بعضهم ولاضطهاد مخالفيهم من أهل دينهم, والتاريخ يعجب من وحشية هذه المحاكم ودمويتها وسحقها للناس حتى صارت حديث كل مؤرخ وأثارت دهشة كل من قرأ التاريخ.

(4) قوله تعالى: (وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُون). ترهيب ووعيد من الله للنصارى على أفعالهم السيئة ونقضهم لميثاق الله وتركهم لبعض دينهم, وهذا من قبيل التربية بالعقوبة الأخروية.

621

الآيات 15-16

قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾ (المائدة: 15-16)

(1) قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ. المراد: اليهود, وهم أهل التوراة, والنصارى وهم أهل الإنجيل, وهذا خطاب لأهل الكتابين بالصفة المحببة إلى قلوبهم وهي كونهم أهل كتاب, كما يقال: يا حافظ كتاب الله, ويا مفسر كتاب الله، ويا مطيعا لكتاب الله, والنداء بالصفة المحببة إلى القلب له مدلوله التربوي, فهو سبيل في الدعوة إلى دين الله, وهو محاولة لكسب محبة المخاطب وكسب ثقته كي يفتح قلبه لمضمون الخطاب, والدعاة محتاجون دائما إلى هذه اللفتة التربوية, فعليهم أن يجيدوا الخطاب وأن يخاطبوا الناس بالصفات المحببة إلى قلوبهم كمدخل إلى هذه القلوب يحقق الثقة ويحقق المحبة ويفتح قلب المخاطب.

(2) قوله تعالى: (قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير). التبيين وسيلة دعوية ووسيلة تربوية في نفس الوقت، وسيلة دعوية لإحقاق الحق وإبطال الباطل, ووسيلة تربوية بأن يكون البيان بقدر والعفو بقدر, فالبيان يكون بالقدر الذي يزيل اللبس ويظهر الصحيح, والعفو عند القدر الذي قد يكون فيه نفور للمخاطب وإثارة للمخزون العدواني في قلبه, والموازنة بين البيان والعفو مسألة حساسة جدا ودقيقة جدا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بيّن لليهود ما كانوا يخفونه الرجم, وبين للنصارى ما كانوا يخفونه من أمر التوحيد, وبين للطرفين ما كانوا يخفونه من صفته صلى الله عليه وسلم الموجودة في كتبهم, وكان هذا البيان إعجازا لأنه إخبار عن الغيب, وعفا عن أشياء لم يبينها لعدم الحاجة إليها, وهذه الأشياء إن كان المراد منها الإعجاز فقد حصل, وإن كان المراد منها بعض الشرائع المنسوخة فلا حاجة إليها, وإن كانت مسائل فيها إظهار للحق ولما هو صحيح فقد أبانه بأسلوب آخر دون التعرض لهم.

(3) قوله تعالى: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِين). أصل النور نوران: نور ظاهر يتقوى به البصر على إدراك الأشياء الظاهرة, ونور باطن تتقوى به البصيرة في إدراك حقائق الأشياء, والقرآن نور, ومحمد صلى الله عليه وسلم نور, والإسلام نور, ويدرك حقيقة هذا الأمر كل من استقر نور الله في قلبه فآمن بعد كفر, وأضاء قلبه بعد ظلام, وانشرح صدره بعد ضيق وحرج, نور يحيا به القلب المؤمن ويعيشه المؤمن في واقعه, وينعكس ذلك النور على علاقته مع الناس والكون من حوله, وفي وصف الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم والقرآن والإسلام بأنه نور ترغيب في الإيمان من خلال الوصف الذي يفيد المدح والثناء والترغيب.

622

(4) قوله تعالى: (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلام). هذا ترغيب للناس عامة في دخول الإسلام من خلال بيان النتيجة التي يؤول إليها حال الناس وهي: السلام, السلام مع النفس والسلام مع الجماعة والسلام مع العالم, سلام الفرد وسلام المجتمع وسلام البشرية, السلام مع الناس والسلام مع الكون من حول الناس والسلام مع الله رب الكون والناس, ولقد ذاق العرب هذه النتيجة حينما تحولوا إلى الإسلام من واقع لا أمن فيه ولا سلام, فلم يكن العربي يحس بالأمن لا على نفسه ولا على ماله ولا على أهله وعرضه في واقع يقوم على الغزو والسلب والنهب, وما أحوج البشرية الآن إلى هذا السلام وهي تعيش صراع القوى والدول العظمى, وصراع المادة والاقتصاد, وصراع الأهواء والشهوات, ما أحوج البشرية إلى الأمن المفقود والسلام المنشود في ظل النظام العالمي الجديد حيث عولمة الشر والأخلاق الهابطة وقيم الاستعباد والاستبداد, ولا سبيل لها إلى السلام إلا بالإسلام.

(5) قوله تعالى: (وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِه). الظلمات: الكفر والباطل, والنور: الإيمان والحق, ورسالة الإسلام جاءت لتخرج الناس من الظلمات إلى النور أي: من الكفر والشك والباطل إلى الإيمان واليقين والحق, وفي التعبير عن الكفر بالظلمات وعن النور بالحق ترغيب للناس في الإيمان من خلال بيان حقيقته بأنه نور وترهيب للناس من الكفر من خلال البيان بأنه ظلمات.

(6) قوله تعالى: (وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم). وصف الله تعالى الإسلام بأنه طريق قويم وسبيل مستقيم وهو في الحقيقة كذلك, فهو مستقيم مع الناموس البشري والفطرة الإنسانية لأنّ الإنسان بجانبه الفطري اللاإرادي مستسلم لله, فالقلب يعمل بنظام أودعه الله فيه, وكذا التنفس والهضم وغير ذلك, فإذا استسلم الإنسان بجانبه الإرادي لله تعالى فقد استقام مع نفسه فلم تعد نفسه موزعة بين الله والشيطان. وهو مستقيم مع الناموس الكوني لأنّ الكون مستسلم لله يعمل وفق قوانينه, فإذا استسلم الإنسان لله كان في استقامة ووئام مع الكون من حوله. والإسلام دين مستقيم في العلاقة بين الإنسان وبين ربه تبارك وتعالى, فلا وسطاء بين العبد وبين الله في الإسلام كما هو الحال في غيره من الأديان, الإيمان مباشر بالله, والإسلام مباشر لله, والتوبة مباشرة مع الله, ولا حاجز ولا مانع ولا وسيط ولا شفيع في هذه العلاقة, والرسل ما هم إلا مبلغين ومبينين لطبيعة هذه العلاقة ومذكرين بها ومرغبين بها, فإذا استسلم الإنسان لله كان في وئام مع نفسه ومع الكون من حوله ومع الله رب الناس ورب الكون.

623

(7) في هاتين الآيتين نلمح أسلوبا قرآنيا فريدا في التربية وهو التربية من خلال استخدام المفردات والكلمات التي تعبر عن حقائق الأشياء وتحمل الترغيب أو الترهيب، وهذه المفردات (نور), (سبل السلام), (الظلمات), (النور), (صراط مستقيم), وهذا الأسلوب له شواهده الكثيرة, وبعضها مرّ معنا في هذه السورة كقوله (محصنين), (غير مسافحين)، وهذا الأسلوب يحسن بالداعية والمربي إتقانه في خطابه مع الناس, فالكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء, والكلمة الخبيثة كالشجرة الخبيثة ما لها من قرار, وللكلمة أهميتها في الإسلام حتى أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا النار ولو بشق تمرة, فمن لم يجد فبكلمة طيبة» (البخاري), وقال: «رب كلمة يقولها المرء لا يلقي لها بالا تهوي به في النار سبعين خريفا» (البخاري), وقد قالت السيدة عائشة مرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن زوجته صفية بنت حيي: «حسبك من صفية أنها هكذا»، وأشارت بيدها تعني أنها قصيرة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة، لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته» (أبو داود).

624

الآيات 17-18

قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِير﴾ (المائدة: 17-18)

(1) تدخل هذه الآيات في إطار التربية العقلية في الإسلام, وفيها تعليم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه رضوان الله عليهم وللمسلمين من بعدهم أسلوبا من أساليب الحوار وهو نقض الرفض أو برهان الخلف, وهذا الأسلوب يقوم على افتراض صحة دعوى الخصم, ثم النظر فيما تؤدي إليه هذه الدعوى, وإثبات أنّ مؤداها يتعارض مع الصحيح والثابت, وبالتالي الحكم ببطلان الدعوى لتعارضها مع الصحيح والثابت. وفي الآية الأولى دعوى ادعاها بعض النصارى وهي قولهم: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَم) وذلك لأنه كان يحيي الموتى, وقد رد عليها القرآن بأنه قال: نفرض بأنّ دعواكم صحيحة بأنّ المسيح هو الله لأنه كان يحيي الموتى، فإنّ مؤدى هذه الدعوى قدرة المسيح على دفع الموت عن الأحياء لأنّ من يحيي الموتى يسهل عليه دفع الموت عن الحي، ولما لم يكن المسيح قادرا على دفع الموت عن نفسه لقولكم إنه صلب فمات, وعن أمه لأنها ماتت كسائر الناس, فإنّ دعواكم بإلهية المسيح باطلة وغير صحيحة. وفي الآية الثانية دعوى ادعاها اليهود والنصارى معا فقال كل واحد منهم نحن أبناء الله وأحباؤه وقد رد القرآن عليهم بأن قال: نفرض أنّ دعواكم صحيحة في أنكم أبناء الله وأحباؤه فإنّ مؤدى هذه الدعوى أن لا يعذبكم بذنوبكم لأنّ الحبيب لا يعذب حبيبه والله لا يعذب من كان له حبيبا, ولكنكم تقرون بأن الله يعذبكم وذلك موجود في كتبكم, فأنتم بشر كسائر البشر لا فضل لكم على غيركم, والله يغفر لمن شاء له الطاعة والتوبة ويعذب من يشاء له الكفر والمعصية منكم ومن غيركم, وبالتالي فدعواكم باطلة وليست صحيحة.

(2) قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا). في الآيتين, تذكير بأنّ ملكية الله لما سواه مطلقة ولا ينقص منها شيء, والمسيح كغيره مملوك لله، ومن كان ملكا لله لا يكون إلها بل يكون عبدا, فمن أقر بإلهية المسيح فعليه أن لا يقر بملكية الله المطلقة والكاملة لما سواه, والقول بأنّ لأمة من الناس فضلا ومكانة عند الله من دون عمل يتعارض مع ملكية الله المطلقة والكاملة للناس, لأنّ الله جعل الفضل لصاحب العمل الصالح ولم يجعله للمنتسبين إلى العرق أو الأرض أو اللسان.

(3) وفي الآية الأولى تربية على التوحيد الخالص لله تعالى توحيدا لا لبس فيه ولا غموض, وفي الآية الثانية تربية على العمل, وتبيان بأنّ العمل الصالح سبب في حصول المغفرة ودخول الجنة والنجاة من عذاب النار, وأنّ العمل السيئ سبب في حصول العذاب ودخول النار, وأنّ من قصّر به عمله لم ينجه حسبه ونسبه, ولا أرضه ولا لسانه, والكيّس من كان عصاميا ولم يكن عظاميا.

(4) قوله تعالى: يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ. قدم المغفرة على العذاب ليذكر الناس بأنّ رحمته سبقت غضبه, وأنه يريد للناس المغفرة والرحمة ولا يحرم من ذلك إلا من أصر على الحرمان.

(5) قوله تعالى: (وَإِلَيْهِ الْمَصِير). ترغيب في الطاعة من خلال التذكير بيوم القيامة حيث الحساب والجزاء والعقاب وتحذير من المعصية.

625

(6) دلت هاتان الآيتان على رحمته تعالى بالضالين والكافرين في الدنيا، فمن رحمته أن بعث لهم رسولا وجعل له أتباعا ومؤمنين, وعلمهم كيف يبينون للناس ضلالهم بالحجة والمنطق والبرهان, وهذا الاهتمام بالناس والحرص على هدايتهم ورعاية مصلحتهم في الدنيا والآخرة هو من معاني كونه تعالى ربا للناس.

626

الآية 19

قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ (المائدة: 19)

(1) قوله تعالى: (أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِير). أي: كراهة أن تقولوا ذلك, ولئلا تقولوا ذلك, يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لهذه الآية: ((الفائدة من بعثة محمد صلى الله عليه وسلم عند فترة من الرسل هي أنّ التغيير والتحريف قد تطرق إلى الشرائع المتقدة لتقادم عهدها وطول زمانها, وبسبب ذلك اختلط الحق بالباطل, والصدق بالكذب, وصار ذلك عذرا ظاهرا في إعراض الخلق عن العبادات, لأنّ لهم أن يقولوا: يا إلهنا عرفنا أنه لابد من عبادتك ولكن ما عرفنا كيف نعبد, فبعث الله تعالى في هذا الوقت محمدا صلى الله عليه وسلم إزالة لهذا العذر, وهو (أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِير) يعني: إنما بعثنا إليكم الرسول في وقت كراهة أن تقولوا: ما جاءنا في هذا الوقت من بشير ولا نذير)), فبعثة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت قطعا للحجة على الناس, والمدلول التربوي لذلك هو احترام الله تعالى لعقل الإنسان حيث قبل منه الحجة وأوجد الفعل الذي يزيل هذه الحجة, ومع أنّ الله قد احترم عقل الإنسان فإنّ كثيرا من الناس لا يحترمون عقل الإنسان ولا يسمحون له بالتعبير عن نفسه قولا وعملا.

(2) قوله تعالى: (فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِير). ونعيد هنا ما سبق وقررناه من أنّ مهمة الرسل كانت تربية الناس لأنّ الرسل كانوا مبشرين ومنذرين, والتبشير إعلام مع تطمين, والإنذار إعلام مع تخويف, فالتبشير والإنذار كالترغيب والترهيب وسيلتان تربويتان وهما صميم مهمات الرسل.

(3) قوله تعالى: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير). ترغيب في طاعة الرسل وترهيب من مخالفتهم من خلال التذكير بقدرة الله المطلقة على إثابة المطيعين ومعاقبة العصاة الرافضين.

627

الآيات 20-26

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِين﴾ (المائدة: 20-26)

(1) في هذه السورة كما في غيرها من السور نجد حديثا مفصلا عن بني إسرائيل, مع أنّ اليهود هم قلة, والموجودون في الجزيرة العربية حين نزول القرآن قلة قليلة, ولعل سائلا يسأل عن الحكمة من هذا التوسع في الشرح والتفصيل مع القلة في العدد, ونقول: (أولا) إنّ اليهود أول من واجه الدعوة الإسلامية بالكيد والمكر, وهم الذين حرّضوا مشركي العرب على قتال المسلمين, وهم الذين احتضنوا حركة النفاق الناشئة في المجتمع الإسلامي, فهم وإن كانوا قلة إلا أنهم قلة ذات نوعية معينة. (ثانيا) كان لحربهم على الإسلام والمسلمين أثر كبير, فقد كان مشركو العرب ينظرون إليهم كأهل علم بالكتاب الأول, وأهل علم بصفة نبي آخر الزمان, ومن هنا كان لحربهم على الإسلام أثر كبير في صد المشركين عن دين الله وإضلالهم. (ثالثا) علم الله تعالى أنهم سيكونون أعداء لأمة الإسلام في التاريخ كله, وأنّ حربهم لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست إلا صفحة واحدة من هذا العداء الذي لا ينقضي حتى يكون آخر الزمان, ومن هنا فحاجة المسلمين لمعرفة أهدافهم وأساليبهم ووسائلهم في عداوة الإسلام حاجة مستمرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. (رابعا) الديانة اليهودية من الديانات الطويلة الأمد فقد مضى عليها حين بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم حوالي ألفي عام, وكذلك ديانة الإسلام ديانة طويلة الأمد لأنّ رسالة محمد صلى الله عليه وسلم آخر الرسالات, ومن هنا تشابه التجربة بين المسلمين واليهود, وحاجة المسلمين إلى معرفة الأخطاء التي وقع فيها اليهود كي لا يقعوا فيها, ويستفيدوا من تجربة بني إسرائيل.

(2) قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِه). يقول الإمام الطبري في المدلول التربوي العام لهذه القصة: «وهذا أيضا من الله تعريف لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم, قديم تمادي هؤلاء اليهود في الغي, وبعدهم عن الحق, وسوء اختيارهم لأنفسهم, وشدة خلافهم لأنبيائهم, وبطء إنابتهم إلى الرشاد. مع كثرة نعم الله عندهم, وتتابع أياديه وآلائه عليهم, مسليا بذلك نبيه محمد صلى الله عليه وسلم عما يحل به من علاجهم, وينزل به من مقاساتهم في ذات الله. يقول الله له صلى الله عليه وسلم: لا تأس على ما أصابك منهم, فإنّ الذهاب عن الله, والبعد من الحق, وما فيه لهم الحظ في الدنيا والآخرة, من عاداتهم وعادات أسلافهم وأوائلهم, وتعزّ بما لاقى منهم أخوك موسى عليه السلام».

628

(3) قوله تعالى: (يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُم). ذكر موسى عليه السلام لقومه وذكّرهم بنعم الله عليهم ثم طلب منهم مجاهدة عدوهم ودخول الأرض المقدسة, وهذا أسلوب تربوي لطيف, لأنّ النعمة توجب الشكر على المنعم عليه, وكلما كانت النعمة عظيمة كلما كان الشكر أشد وجوبا, ومن هنا فإنّ ذكر النعم قبل الطلب هو بمثابة التحريض على تنفيذ الطلب وتوطئة النفوس لتلقي هذا الطلب تلقيا إيجابيا. وقد ذكر من هذه النعم ثلاثا: (أولها) قوله: (إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء) وما من أمة بُعث فيها من الأنبياء كما بعث في بني إسرائيل فمنهم يعقوب وأولاده من الأنبياء, ومنهم موسى والسبعون المختارون للقاء الله, وفيهم النبوة باقية في ذرية اسحق دون إسماعيل. (وثانيها) قوله: (وَجَعَلَكُمْ مُلُوكا) أي: يملكون نفوسهم وأهليهم وأموالهم ولهم خدم يخدمونهم, بعد أن كانوا مستعبدين لقوم فرعون فلا يملكون أنفسهم ولا أهلهم ولا مالهم وهم خدم لا خادم لهم، وهذه النعمة لا يحس بها الناس الآن ولذلك منهم يجحدونها, فقد أخرج مسلم في صحيحه «أنّ رجلا سأل عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ فقال الرجل: نعم, فقال عبد الله:ألك منزل تسكنه؟ فقال الرجل: نعم، فقال عبد الله: فأنت من الأغنياء، فقال الرجل: فإنّ لي خادما, فقال عبد الله: فأنت من الملوك» (مسلم). (وثالثها) قوله: (وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِين) فخصهم بأنواع عظيمة من الإكرام كالتحرر من العبودية لفرعون وقومه, وفلق البحر, والمن والسلوى, وإخراج الماء من الحجر, وأظل فوقهم الغمام، وغير ذلك.

(4) قوله تعالى: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُم). معناه: ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله عليكم دخولها, فاستبدل عليكم بقوله (لكم) ولهذا مدلول تربوي, فإنّ عليكم تفيد الأمر وهو إنشاء قد يحصل وقد لا يحصل, أما (لكم) فتفيد الإخبار وهو من الله حاصل, وقد استخدم الإخبار مكان الإنشاء للتأكيد على الطلب حتى كأنه قد حصل. والمدلول الثاني هو البشارة لقوم موسى بدخول الأرض المقدسة, فإنه وإن كان فيها قوم جبارون ظاهرهم لا يغلبون, فهم دخلوها بوعد الله لهم. والمدلول الثالث أنّ الدخول وإن لم يحصل في ذلك الجيل من بني إسرائيل فإنه حصل للجيل الذي بعدهم ودخلوا الأرض المقدسة بوعد الله وبشراه لهم في دخولها.

(5) قوله تعالى: (وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِين). معناه: (وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُم) في الدنيا (فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِين) في الآخرة, وهذا من قبيل التربية بالعقوبة الأخروية, لأنه تعالى هددهم وتوعدهم بالخسارة في الآخرة إن هم لم يدخلوا الأرض المقدسة ولم يقاتلوا القوم الجبارين فيها.

629

(6) قوله تعالى: (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُون). في هذه الآية معادلة غريبة عجيبة, فالله تعالى يأمر بني إسرائيل بدخول الأرض المقدسة, و بنو إسرائيل يرفضون الدخول حتى يخرج القوم الجبارون منها, والقوم الجبارون لا يخرجون إلا بالقتال, و بنو إسرائيل يرفضون القتال. أقول: لعلهم ينتظرون أن يرسل الله ملائكة يقاتلون الجبارين ويخرجونهم من الأرض المقدسة وعندها يدخل بنو إسرائيل الأرض المقدسة. أليس هذا حال المسلمين الآن في مواجهة بني إسرائيل؟ وأقول: نعم, بعض المؤمنين يتساءلون: ألسنا على الحق؟ فنقول: نعم, فيقولون: أليس اليهود على باطل؟ فنقول: نعم, فيقولون: فلماذا هم غالبون علينا مغتصبون لأرضنا؟ فنقول: لأنكم لا تقاتلون حق القتال, أم أنكم تريدون من الله أن يرسل الملائكة لتحرير فلسطين؟!! هنا مسألة تربوية هامة تتعلق بسنة الله في هذا الدين, فهو دين يقوم على الجهد البشري ولا يقوم على المعجزات والكرامات, فبقدر ما يبذل المسلمون من الجهد بقدر ما يحققون وجودهم ويحرزون نصرهم, وهذه سنة الله في هذا الدين وقد غفل عنها الكثير من المؤمنين, يقول الله تعالى: (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُون) (النساء: 104)، فإذا تساوى المسلمون في القوة مع عدوهم كانت الغلبة لهم لأنهم لا يخافون الموت ويرجون من الله دخول الجنة بالشهادة, فهم يقاتلون كي يموتوا وعدوهم يقاتل كي يحيا, والعقيدة هنا عامل مهم في حسم المعركة إذا تساوت القوى المادية بينهم وبين عدوهم.

(7) قوله تعالى: (قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا). معناه: (يخافون) الله, (أنعم الله عليهما) بالإيمان والطاعة. يبرز هنا أثر الإيمان الحقيقي بالله, فالقلب المؤمن لا يخاف إلا الله، ولا يجتمع في قلب المؤمن خوف من الله مع خوف من الناس, والأمر التربوي الذي ينشئه الإيمان بالله والخوف من الله هو الشجاعة وعدم الخوف وعدم الجبن خاصة في مواطن اللقاء مع الأعداء. فهذان الرجلان يخافان الله فهما لا يخافان من الجبارين ولذلك فهما يحرّضان قومهم على بدء المعركة والهجوم على الجبارين.

(8) قوله تعالى: (ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُون). قاعدة في علم الحروب, إذا أردت النصر فابدأ المعركة, والهجوم خير وسيلة في الدفاع, وما غزي قوم في عُقر دارهم إلا ذلوا.

(9) قوله تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين). هذا هو التوكل الحقيقي الذي يكون بإظهار العجز والحاجة والفقر إلى الله ولكن بعد الأخذ بالأسباب كقوله صلى الله عليه وسلم: «اعقلها وتوكل» (الترمذي).

630

(10) قوله تعالى نقلا عن بني إسرائيل وهم يخاطبون موسى: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون). هذا من سوء أدب بني إسرائيل مع الله ومع نبيهم حيث يقولون: (أنت وربك) كأنّ الله ليس ربهم, وكأنّ الله رب لموسى وليس ربا لبني إسرائيل، ولقد كان لهذه القصة أثرها في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استشارهم في غزوة بدر, فقال المقداد بن عمرو: ((إذن لا نقول لك يا رسول الله ما قاله بنو إسرائيل لنبيهم: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون)، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون)) (أحمد)، فأيّ فرق بين أصحاب موسى عليه السلام وبين أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟!.

(11) قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِين). فيه تربية للمسلمين على أنّ أساس المفاصلة في الإسلام هو العقيدة والطاعة لله, فإذا انقطع رباط العقيدة وانفصمت أوامر الطاعة كان موقف البراءة التامة من أعداء الله المخالفين لأمره الخارجين على قانونه, ولا قيمة لأيّ رابط من جنس أو نسب أو لغة أو تاريخ أو أرض إذا انفصم الرباط في الإيمان بالله والطاعة له. وهنا يجب أن نؤكد على أمر وهو أنّ رسالات الأنبياء لم تبدأ بالمفاصلة وإنما لهذه الرسالات منهج, فهي تبدأ بالدعوة إلى الله, وتمر بالمفاصلة والتبرؤ من المخالفين له, وتنتهي بالفصل من الله, ومن راجع رسالات الأنبياء في القرآن وجد ما قررناه, إلا أنّ الفصل في شرعة موسى عليه السلام وشرعة محمد صلى الله عليه وسلم أصبح فصلا بشريا بأن شرع الله القتال للمؤمنين وكلفهم بالفصل بعد الدعوة والمفاصلة.

(12) قوله تعالى: (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِم). فيه تربية على أنّ الجزاء من جنس العمل, وهذه قاعدة قرآنية مذكورة في عدد من نصوص القرآن, وهنا لما رفض بنو إسرائيل دخول الأرض المقدسة حرّم الله عليهم دخولها فكان جزاؤهم من جنس عملهم.

(13) قوله تعالى: (أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْض). المدلول التربوي لهذه المدة هو نشوء جيل آخر غير الجيل الذي رفض القتال ورفض الدخول, جيل يعتبر بالدرس الذي عاشه الآباء فيستفيد منه, وتعركه الصحراء بخشونتها فينشأ على صلابة العود وقوة القالب, ولا يتعرض لما تعرض له الآباء من العبودية لفرعون وقومه وما أورثته فيهم هذه العبودية من الذل والخوف وفساد الفطرة.

(14) قوله تعالى: (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِين). فيها تربية بالعقوبة الدنيوية, فقد عاقب الله هذا الجيل من بني إسرائيل بأمرين (أحدهما) الحرمان من دخول الأرض المقدسة. (والثاني) التيه في صحراء سيناء.

631