التفسير التربويالجزء 1 · ص 640 - 647

الآية 35

الآية 35

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ (المائدة: 35)

(1) في الوجه التربوي لنظم هذه الآية بما قبلها قولان: (الأول) لما أخبر الله عن اليهود بأنهم هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم والغدر به وبأصحابه, وأخبر عن شدة عتيّهم على الأنبياء وإيذائهم لهم, رجع هنا إلى المقصود الأول فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة) فكأنه تعالى يقول للمؤمنين: قد عرفتم جرأة اليهود على المعاصي وبعدهم عن الطاعات فكونوا عكسهم مبتعدين عن المعاصي متقربين إلى الله بالطاعات. (والثاني) لما أخبر الله عن أهل الكتاب أنهم يفتخرون بأعمال آبائهم من الأنبياء بقولهم (نحن أبناء الله وأحباؤه) أعلم المؤمنين هنا أنّ المغامرة تكون بعمل الإنسان نفسه في تقوى الله والتقرب إليه بالطاعات.

(2) في هذه الآية تربية للمؤمنين على أن يكونوا من المفلحين الفائزين بالجنة, وقد ذكر الله هنا عناصر الفلاح وحث المؤمن على فعلها والتحلي بها وهي ثلاثة عناصر: الخوف من الله, والتقرب إليه بالعمل الصالح, والجهاد في سبيله.

(3) يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لقوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة): ((اعلم أنّ مجامع التكليف محصورة في نوعين لا ثالث لهما: (أحدهما) ترك المنهيات, وإليه الإشارة بقوله (اتَّقُوا اللَّه) (وثانيهما) فعل المأمورات وإليه الإشارة بقوله (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ), ولما كان ترك المنهيات مقدما على فعل المأمورات بالذات لا جرم قدمه تعالى عليه في الذكر. وإنما قلنا أنّ الترك مقدم على الفعل لأنّ الترك عبارة عن بقاء الشيء على عدمه الأصلي, والفعل هو الإيقاع والتحصيل, ولا شك أنّ عدم جميع المحدثات سابق على وجودها, فكان الترك قبل الفعل لا محالة. إذا عرفت هذه فنقول: إنّ الترك والفعل أمران معتبران في ظاهر الأفعال, فالذي يجب تركه هو المحرمات والذي يجب فعله هو الواجبات، ومعتبران أيضا في الأخلاق, فالذي يجب حصوله هو الأخلاق الفاضلة والذي يجب تركه هو الأخلاق الذميمة، ومعتبران أيضا في الأفكار, فالذي يجب فعله هو التفكر في الدلائل الدالة على التوحيد والنبوة والمعاد والذي يجب تركه هو الالتفات إلى الشبهات، ومعتبران أيضا في مقام التجلي, فالفعل هو الاستغراق في الله تعالى والترك هو الالتفات إلى غير الله تعالى، وأهل الرياضة يسمون الفعل والترك بالتحلية والتخلية, وبالمحو والصحو, وبالنفي والإثبات, وبالفناء والبقاء, وفي جميع المقامات النفي مقدم على الإثبات, ولذلك كان قولنا (لا إله إلا الله) النفي مقدم فيه على الإثبات)).

640

(4) قوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّه). فيه تربية على أنّ الخوف يجب أن يكون من الله لا من سواه, وأنّ هذا الخوف هو اللائق بكرامة الإنسان, وأنّ قلب المؤمن ما ينبغي أن يجتمع فيه الخوف من الله مع الخوف من سواه, واعلم أنّ الخوف من الله أساس في صلاح المجتمع, وأنّ القانون والسلطان لا يصلان إلا إلى ظواهر الأعمال, أما بواطن الأعمال فلا سبيل إليها إلا بغرس التقوى في القلوب, وما أسهل أن يتحايل الإنسان على القانون والسلطان ولكن لا سبيل له إلى التحايل على الله, واعلم أنّ نجاح التطبيق للشريعة الإسلامية يقوم على هذا الركن وهذا الأساس وهو الخوف من الله. ومن راقب الأنظمة التي لم تصل إلى قلوب الناس وضمائرهم رأى كيف انهارت بسرعة وبطريقة لم يكن أحد يتصورها, وما ذلك إلا لأنّ سلطان هذه الأنظمة كان على ظاهر الناس ولم يكن لها علاقة بقلوب الناس وميولهم الفطرية.

(5) قوله تعالى: (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة). الوسيلة هي القربة إلى الله بالطاعة والعمل الصالح, وهي تعبير عن حاجة الإنسان إلى الله, وحقيقة العبودية لله هي شعور بالحاجة إلى الله, وطلب للحاجة من الله, بعد التقرب إليه بما يرضيه, وحين يكون المؤمن كذلك يكون في سبيله إلى الفلاح عند الله بالفوز بالجنة والنجاة من النار.

(6) قوله تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون). اعلم أنّ ترك المنهيات المشار إليه بقوله: (اتَّقُوا اللَّه) وفعل الواجبات المشار إليه بقوله: (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة) شاقّان على النفس, وهما من مكاره النفس، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حُفت الجنة بالمكاره، وحُفت النار بالشهوات» (مسلم), وعلى ذلك فلا سبيل إلى تحقيق ترك المنهيات وفعل الواجبات إلا برياضة النفس على ذلك وبمجاهدتها عليه, ولذلك أردف فقال: (وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِه)، وسواء كان الجهاد بجهاد النفس أم بجهاد الغير فكلاهما جهاد للنفس.

(7) يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لهذه الآية: ((وهذه الآية آية شريفة مشتملة على أسرار روحانية, ونحن نشير هنا إلى واحد منها, وهو أنّ من يعبد الله تعالى فريقان: منهم من يعبد الله لا لغرض سوى الله, ومنهم من يعبده لغرض آخر. والمقام الأول هو المقام الشريف العالي, وإليه الإشارة بقوله: (وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِه) أي في سبيل عبوديته وطريق الإخلاص في معرفته وخدمته. والمقام الثاني دون الأول, وإليه الإشارة بقوله: (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون) والفلاح اسم جامع للخلاص من المكروه والفوز بالمحبوب)).

641

الآيات 36-37

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيم﴾ (المائدة: 36-37)

(1) لما ذكر الله تعالى في الآية السابقة أحوال المؤمنين وما يحصل لهم من السعادات في الآخرة ذكر هنا أحوال الكافرين وما يحصل لهم من العذابات في الآخرة, وهذه عادة القرآن في الجمع بين الترغيب والترهيب والوعد والوعيد والثواب والعقاب.

(2) والمقصود من الوعيد في هاتين الآيتين هو تحذير الكافرين من كفرهم في الدنيا لأنهم إن علموا ما ينتظرهم في الآخرة ربما كفوا عن كفرهم وتركوا الطريق الذي يوصلهم إلى تلك النهاية التعيسة وسلكوا الطريق الذي يحقق لهم السعادات.

(3) وفي هاتين الآيتين إعلام من الله لرسوله وللمؤمنين بأنّ اليهود كالمشركين في العذاب الأليم والعقاب العظيم يوم القيامة ولا ينفعهم ما كانوا يقولونه من أنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودة, فذلك منهم خداع لأنفسهم في دينهم وسوء الظن بالله.

642

الآيات 38-40

قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ (المائدة: 38-40)

(1) إنّ تطبيق الشريعة مرهون بقيام المجتمع المسلم أولا, ثم تفتح أبواب الخير وتغلق أبواب الشر وتسد حاجات الناس ثانيا, ثم تطبق الحدود الإسلامية على المخالفين لمنهج الله وشرعه, وهذا الذي نقوله شرط لابد منه في تطبيق الحدود الإسلامية, فلا معنى لمعاقبة الزاني مع وجود المهيجات على الزنا من تبرج وسفور وغيره, ولا معنى لقطع يد السارق مع وجود الحاجة إلى الطعام, فكل ذلك شبهات في إقامة الحدود, والقاعدة في ذلك معروفة وهي «ادرؤوا الحدود بالشبهات», وفي ذلك يقول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لأن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات», ومعلوم أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يقطع في السرقة في عام الرمادة وهو عام مجاعة عامة, ولم يقطع في حادثة خاصة وهي عندما سرق غلمان ابن حاطب بن أبي بلتعة ناقة رجل من مزينة, حيث تبين له أنّ سيدهم يجيعهم, فدرأ عنهم الحد, وغرم سيدهم ضعف ثمن الناقة.

(2) قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَة). قدّم السارق في السرقة على السارقة, وفي قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة) (النور: 2)، قدّم الزانية على الزاني, فما الحكمة في ذلك؟ الحكمة في ذلك هي التربية بتقديم الأهم, وذلك أنّ حب المال عند الرجال أغلب, وشهوة الاستمتاع عند النساء أغلب.

(3) قوله تعالى في عقوبة السرقة: (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)، و قوله تعالى في عقوبة الزنا: (فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة) (النور: 2)، فما الحكمة في عدم قطع الذكر في الزنا مع وجود قطع اليد في السرقة؟ الجواب على ذلك أنّ قطع اليد ظاهر ففيه زجر للناس عن السرقة, أما قطع الذكر فباطن لا أثر له في الناس لجهلهم به, وكذلك إذا قطعت اليد نزجر بها وكانت الثانية عوضا له عن الأولى أما إذا قطع الذكر فلا عوض له بغيره لو انزجر عن الزنا, وكذلك في قطع الذكر إبطال للنسل وليس في قطع اليد إبطال لشيء، ونستنتج من ذلك أنّ للعقوبة دورها التربوي, فإن زيد فيها فقد تفقد دورها, وإن أنقص فيها فقد تفقد دورها.

643

(4) ومن الملاحظ أن في عقوبة السرقة وهي قطع اليد شدة, ولهذه الشدة موجباتها: (أولا) علمه تعالى بأنه لا يردع الناس عن السرقة إلا القطع وإن كان فيه شدة, ولو كان هناك عقوبة أخف تردع عن السرقة لشرعها الله لنا, والله أعلم بمن خلق. (ثانيا) أصبح من الثابت بالاستقراء أنّ كل العقوبات التي شرعتها الدول لمعاقبة اللصوص لم تؤت مفعولها في ردع الناس عن السرقة, وهذا يؤكد ضرورة التشديد في العقوبة وجعلها قطع اليد كما شرع الله لعباده. (ثالثا) ما من مجتمع يأمن فيه الناس على أموالهم كما هو في المجتمع المسلم, وما ذلك إلا لأنّ العقوبات التي شرعت غير مجدية في ردع الناس عن السرقة, وحق لكل إنسان أن يأمن على ماله وعلى نفسه لأنّ من يمارس السرقة قد يقع في القتل. (رابعا) المراد من التشديد في عقوبة السرقة هو حسم خاطر السرقة من كل نفس سوية وتعويدها على الكسب الحلال, فلا تقوم الملكية إلا من حلال.

(5) واليد تقطع في ربع دينار ذهب إذا سرق صاحبها في حين أنّ دية اليد في القطع الخطأ هي خمسمائة دينار ذهب, فما هي الحكمة في ذلك؟ الجواب: إنّ الجزاء من جنس العمل, فاليد حين كانت أمينة كانت ثمينة فلما خانت هانت, فالسرقة إذلال للنفس من خلال اليد, والعقوبة تقليل لقيمة النفس من خلال تقليل قيمة اليد. يُروى أنّ أحدهم أثار هذا الإشكال شعرا فقال: يد بخمس مئين عسجد وُديت * ما بالها قطعت في ربع دينار. فأجابه العلماء شعرا فقالوا: عز الأمانة أغلاها وأرخصها * ذل الخيانة فافهم حكمة الباري.

(6) قوله تعالى: (وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم). يقول الإمام الطبري في المدلول التربوي لهذه الخاتمة: ((يقول الله جل ثناؤه (والله عزيز) في انتقامه من هذا السارق والسارقة وغيرهما من أهل معاصيه, (حكيم) في حكمه فيهم وقضائه عليهم. يقول: فلا تفرطوا أيها المؤمنون, في إقامة حكمي على السرّاق وغيرهم من أهل الجرائم الذين أوجبت عليهم حدودا في الدنيا عقوبة لهم, فإني بحكمتي قضيت ذلك عليهم, وعلمي بصلاح ذلك لهم ولكم)).

(7) ذكر الأصمعي قصة لطيفة في العلاقة التربوية بين نص آية السرقة: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّه) وبين خاتمتها: (وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم), فقال الأصمعي: ((كنت أقرأ سورة المائدة ومعي أعرابي, فقرأت هذه الآية فقلت: والله غفور رحيم, سهوا, فقال الأعرابي: كلام من هذا؟ فقلت: كلام الله, قال: أعد, فأعدت: والله غفور رحيم, ثم تنبهت فقلت: (والله عزيز حكيم), فقال: الآن أصبت, فقلت: كيف عرفت؟ قال: يا هذا عزيز حكيم فأمر بالقطع, فلو غفر ورحم لما أمر بالقطع)) (الرازي).

(8) قوله تعالى: (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَح). فيه تربية على أنّ التوبة وحدها لا تكفي بل لا بد من الإصلاح وهو رد الحق إلى أصحابه, لأنّ في السرقة حق للعباد وهذا الحق لا يسقط بالعقوبة وهي قطع اليد، بل لابد من رد الحق إلى أصحابه.

644

(9) قوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْه). فيه تربية على رحمته تعالى ورأفته بالناس حين يقبل توبتهم ويتوب عليهم, ولو شاء لم يتب على أحد وإن تاب, فليس للناس عند الله حق واجب في قبول توبتهم وإنما تفضل بكرمه وإحسانه فقبل التوبة ممن تاب.

(10) قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم). يقول الإمام الطبري في المدلول التربوي لهذه الخاتمة: ((وقوله (إنّ الله غفور) يقول: إنّ الله عزّ ذكره ساتر على من تاب وأناب عن معاصيه إلى طاعته ذنوبه, بالعفو عن عقوبته عليها يوم القيامة, وتركه فضيحته بها على رؤوس الأشهاد, (رحيم) به وبعباده التائبين إليه من ذنوبهم)).

(11) قوله تعالى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض) بعد قوله: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) يدل على الترابط بين الملك والتشريع, وفيه تربية للناس بأن المالك هو المشرع, وليس لأحد أن يشرع للناس لأنه ليس مالكا للناس, والشرك في التشريع كالشرك في الملك سواء بسواء, وفيه تحذير لأولئك الذين يفصلون بين الإلهية والتشريع.

(12) قوله تعالى: (يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاء). قدّم العذاب على المغفرة مع أنّ الغالب في السياق القرآني هو تقديم المغفرة على العذاب, وذلك لأنه تعالى قدم السرقة على التوبة في الآيتين السابقتين.

645

الآية 41

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم﴾ (المائدة: 41)

(1) يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لعلاقة هذه الآية بما قبلها من الآيات: ((اعلم أنه تعالى لما بيّن بعض التكاليف والشرائع, وكان قد علم من بعض الناس كونهم متسارعين إلى الكفر, لا جرم صبّر رسوله على تحمل ذلك, وأمره بأن لا يحزن من أجل ذلك فقال (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ)).

(2) قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُول). خاطب الله محمدا صلى الله عليه وسلم في مواضع كثيرة في القرآن بقوله: يا أيها النبي, ولم يخاطبه بالرسالة (يا أيها الرسول) إلا في موضعين, وهما موجودان في سورة المائدة (الأول) هذه الآية. (والثاني) قوله: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّك) (المائدة: 67). والخطاب بالرسالة كما الخطاب بالنبوة خطاب تشريف وتعظيم, والنبوة علاقة بين النبي وبين الله, أما الرسالة فهي علاقة بين النبي وبين القوم الذي أرسل إليهم, وإنما خاطبه بالرسالة في هذين الموضعين لأنّ مضمون الآيات كان عن العلاقة بينه وبين قومه في مجال البلاغ, فاحتاج الخطاب إلى التأكيد على صفة الرسالة, ففي هذه الآية كان الكلام عن مسارعة المنافقين واليهود في الكفر تكذيبا لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم من حيث العمل وتحذيرا من هذه الرسالة من حيث القول, وفي الآية الأخرى (المائدة: 67) كان الحديث عن تبليغ محمد صلى الله عليه وسلم الإسلام إلى كافة الناس وتعهده تعالى له بالحماية والرعاية والعصمة.

(3) قوله تعالى: (لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا). فيه تعزية ومواساة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتهوين عليه مما يلقى من المنافقين واليهود مسارعة في الكفر وتكذيبا له واحتيالا على الرسالة في البحث عن الرخص وعما يوافق الأهواء والأمزجة وعما يقر العادات والتقاليد, ولا شك أنّ للتعزية والمواساة أثرها التربوي في نفسية رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي نفسية أصحابه من حوله, خاصة وأنّ هذه التعزية والمواساة من الله رب العالمين, حيث تعهد الله رسوله وأصحابه المؤمنين بالعناية والرعاية, وكشف له خطة أعدائه في الكيد للرسالة, وحقيقة هؤلاء الأعداء في بعدهم عن طهارة الإيمان ونقاوة الإسلام.

(4) قوله تعالى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِب). المراد منه سماع القبول, أي: قابلون للكذب بعد سماعه, فعبّر عن القبول بالسماع وهذا تذكير وتربية للمسلمين على ما يقولون, فالمسلم يقول: (سمعنا وأطعنا) وليس المراد بسمعنا مجرد السماع بل معناه القبول, فهل هو يقبل حقيقة أم أنه يردد كلاما لا يدرك معناه؟!.

(5) قوله تعالى: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِه). المراد إما تحريف اللفظ أو تحريف المعنى, وقد حفظ الله كلامه من تحريف اللفظ فقال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون) (الحجر: 9)، وبقي تحريف المعنى موجودا, أي: تأويل الكلام على غير تأويله, والمدلول التربوي لهذا الكلام هو تحذير المسلمين من صفة اليهود في تحريف التوراة, فكأنه تعالى يقول: لا تفعلوا فعلهم فتكونوا مثلهم في حكم الله وفي ميزان الله.

646

(6) قوله تعالى: (يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا). كان اليهود قد اصطلحوا على حد الزنا فيما بينهم بالجلد والتحميم وتركوا حكم التوراة في رجم المحصن إذا زنا, وحينما جاءت الرسالة الجديدة أرسلوا أتباعهم يستفتون رسول الله صلى الله عليه وسلم في حكم الزاني المتزوج, وقالوا لهم: إن أفتاكم بالجلد فاقبلوا وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا. والله تعالى إذ يذكر لنا ذلك فإنما يربي المسلمين على الحذر من سلوك اليهود في البحث عن الفتاوى للتحلل من أحكام الدين, أي: البحث عن الفتاوى لا لتنفيذ ما يأمر به الشارع وإنما للتحايل عليه والتفلت من تطبيقه. ومع الأسف فإنّ بعض المسلمين الآن يفعلون ذلك, يستفتون أهل الدين قبل أن يقرروا التحاكم إلى الدين, فإن وجدوا الجواب مناسبا لأهوائهم تحاكموا إلى التشريع الإسلامي, وإن وجدوا غير ذلك تحاكموا إلى القوانين المدنية، وبعضهم يسأل عن أمر محرم ولا يقف عند جواب المفتي في حرمة ذلك الأمر, بل يتنقل بين المفتين حتى يحصل على فتوى تحل ذلك المحرم, فيستحله ويقول أفتاني به فلان, وهذا ليس سلوك من قرر أن يكون لله عبدا, فالعبودية لله تعني الالتزام بأحكامه تعالى وليس البحث عن الفتاوى للتحلل من هذه الأحكام والتفلت من تطبيقها والتحايل عليها.

(7) قوله تعالى: (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئا). يقول الإمام الطبري في المدلول التربوي لهذه الآية: «وهذا تسلية من الله تعالى ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم من حزنه على مسارعة الذين قصّ قصتهم من اليهود والمنافقين في هذه الآية. يقول له تعالى ذكره: لا يحزنك تسرعهم إلى جحود نبوتك, فإني قد حتمت عليهم أنهم لا يتوبون من ضلالهم, ولا يرجعون عن كفرهم, للسابق من غضبي عليهم. وغير نافعهم حزنك على ما ترى من تسرعهم إلى ما جعلته سببا لهلاكهم واستحقاقهم وعيدي».

(8) قوله تعالى: (لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم). فيه تربية بالعقوبة الدنيوية والأخروية من خلال الوعيد بالخزي في الدنيا وبالعذاب العظيم في الآخرة.

647