الآية 35
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ (المائدة: 35)
(1) في الوجه التربوي لنظم هذه الآية بما قبلها قولان: (الأول) لما أخبر الله عن اليهود بأنهم هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم والغدر به وبأصحابه, وأخبر عن شدة عتيّهم على الأنبياء وإيذائهم لهم, رجع هنا إلى المقصود الأول فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة) فكأنه تعالى يقول للمؤمنين: قد عرفتم جرأة اليهود على المعاصي وبعدهم عن الطاعات فكونوا عكسهم مبتعدين عن المعاصي متقربين إلى الله بالطاعات. (والثاني) لما أخبر الله عن أهل الكتاب أنهم يفتخرون بأعمال آبائهم من الأنبياء بقولهم (نحن أبناء الله وأحباؤه) أعلم المؤمنين هنا أنّ المغامرة تكون بعمل الإنسان نفسه في تقوى الله والتقرب إليه بالطاعات.
(2) في هذه الآية تربية للمؤمنين على أن يكونوا من المفلحين الفائزين بالجنة, وقد ذكر الله هنا عناصر الفلاح وحث المؤمن على فعلها والتحلي بها وهي ثلاثة عناصر: الخوف من الله, والتقرب إليه بالعمل الصالح, والجهاد في سبيله.
(3) يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لقوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة): ((اعلم أنّ مجامع التكليف محصورة في نوعين لا ثالث لهما: (أحدهما) ترك المنهيات, وإليه الإشارة بقوله (اتَّقُوا اللَّه) (وثانيهما) فعل المأمورات وإليه الإشارة بقوله (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ), ولما كان ترك المنهيات مقدما على فعل المأمورات بالذات لا جرم قدمه تعالى عليه في الذكر. وإنما قلنا أنّ الترك مقدم على الفعل لأنّ الترك عبارة عن بقاء الشيء على عدمه الأصلي, والفعل هو الإيقاع والتحصيل, ولا شك أنّ عدم جميع المحدثات سابق على وجودها, فكان الترك قبل الفعل لا محالة. إذا عرفت هذه فنقول: إنّ الترك والفعل أمران معتبران في ظاهر الأفعال, فالذي يجب تركه هو المحرمات والذي يجب فعله هو الواجبات، ومعتبران أيضا في الأخلاق, فالذي يجب حصوله هو الأخلاق الفاضلة والذي يجب تركه هو الأخلاق الذميمة، ومعتبران أيضا في الأفكار, فالذي يجب فعله هو التفكر في الدلائل الدالة على التوحيد والنبوة والمعاد والذي يجب تركه هو الالتفات إلى الشبهات، ومعتبران أيضا في مقام التجلي, فالفعل هو الاستغراق في الله تعالى والترك هو الالتفات إلى غير الله تعالى، وأهل الرياضة يسمون الفعل والترك بالتحلية والتخلية, وبالمحو والصحو, وبالنفي والإثبات, وبالفناء والبقاء, وفي جميع المقامات النفي مقدم على الإثبات, ولذلك كان قولنا (لا إله إلا الله) النفي مقدم فيه على الإثبات)).