الآيات 42-43
قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِين﴾ (المائدة: 42-43)
(1) قوله تعالى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِب). كرر هذه الصفة من صفات اليهود لأهميتها, ولأنها أصبحت سمة ثابتة عندهم, وسمة دائمة يمتازون بها عن غيرهم. وقوله (سَمَّاعُونَ) صيغة مبالغة تدل على التكرار وهي تختلف عن: سامعون, والمدلول التربوي لذلك هو أنّ تكرار أي أمر يصبح ديدنا وعادة عند صاحبه, فالنفوس لا تفسد بمجرد سماع الكذب لمرة واحدة ولكنها تفسد بتكرار هذا السماع, والعلاج التربوي لذلك هو تجنب سماع الكذب والبعد عنه, فإن حصل مرة أو أكثر وبشكل عابر لم يكن له تأثير في النفس البشرية خاصة النفس التي تدرك أنّ السماع للكذب حرام وتبادر إلى التوبة منه. ولعل هذا التحليل يكشف لنا عن طبيعة وخطة بعض الأنظمة الإعلامية التي تسعى لإفساد ضمائر الناس وتخريب قلوبهم وعقولهم تمهيدا للسيطرة عليهم, وهو يكشف لنا أيضا عن سبيل السلامة من هذا الكيد والمكر. وفي تأكيدنا لهذا التحليل نذكر بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الصدق يهدي إلى البر، وإنّ البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقا, وإنّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنّ الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذّابا» (البخاري). والنفوس التي اعتادت سماع الكذب ما من شيء أصعب عليها من سماع الحق, وما من شيء أحب إليها من سماع الباطل, وهذه مقدمة ضرورية لكل داعية مسلم يحب أن يقول الحق ويجهر به في مجتمعات لم تعتاد على سماع الحق وإنما اعتادت على سماع الباطل والكذب والزور.
(2) قوله تعالى: (أَكَّالُونَ لِلسُّحْت). المراد بالسحت هنا الحرام بوجه عام, ولتسميته تعالى للحرام بالسحت دلالات تربوية, فالسحت يعني الاستئصال ومنه قوله تعالى: (قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَاب) (طه: 61), وسُمّي الحرام سحتا لأنه يستأصل صاحبه بالعذاب يوم القيامة، ولأنه يستأصل البركة من صاحبه كقوله تعالى: (يَمْحَقُ اللَّه) (البقرة:276). والسحت يعني شدة الجوع, يقال فلان مسحوت المعدة إذا كان لا يشبع مهما أكل, وسُمّي الحرام سحتا لأنّ صاحبه لا يشبع منه فهو يولد فيه الشره وشدة الشهوة إليه. والسحت يعني العار, وسُمّي الحرام سحتا لأنه يسبب العار لصاحبه فهو يستأصل منه الفضيلة. وأيا كان معنى السحت فإنّ في تسميته تعالى للحرام سحتا ترهيب منه ووعيد على فعله وترغيب في تركه والبعد عنه لما يورّث للإنسان من المساوئ في الدنيا ومن العقوبات يوم القيامة.