التفسير التربويالجزء 1 · ص 648 - 655

الآيات 42-43

الآيات 42-43

قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِين﴾ (المائدة: 42-43)

(1) قوله تعالى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِب). كرر هذه الصفة من صفات اليهود لأهميتها, ولأنها أصبحت سمة ثابتة عندهم, وسمة دائمة يمتازون بها عن غيرهم. وقوله (سَمَّاعُونَ) صيغة مبالغة تدل على التكرار وهي تختلف عن: سامعون, والمدلول التربوي لذلك هو أنّ تكرار أي أمر يصبح ديدنا وعادة عند صاحبه, فالنفوس لا تفسد بمجرد سماع الكذب لمرة واحدة ولكنها تفسد بتكرار هذا السماع, والعلاج التربوي لذلك هو تجنب سماع الكذب والبعد عنه, فإن حصل مرة أو أكثر وبشكل عابر لم يكن له تأثير في النفس البشرية خاصة النفس التي تدرك أنّ السماع للكذب حرام وتبادر إلى التوبة منه. ولعل هذا التحليل يكشف لنا عن طبيعة وخطة بعض الأنظمة الإعلامية التي تسعى لإفساد ضمائر الناس وتخريب قلوبهم وعقولهم تمهيدا للسيطرة عليهم, وهو يكشف لنا أيضا عن سبيل السلامة من هذا الكيد والمكر. وفي تأكيدنا لهذا التحليل نذكر بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الصدق يهدي إلى البر، وإنّ البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقا, وإنّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنّ الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذّابا» (البخاري). والنفوس التي اعتادت سماع الكذب ما من شيء أصعب عليها من سماع الحق, وما من شيء أحب إليها من سماع الباطل, وهذه مقدمة ضرورية لكل داعية مسلم يحب أن يقول الحق ويجهر به في مجتمعات لم تعتاد على سماع الحق وإنما اعتادت على سماع الباطل والكذب والزور.

(2) قوله تعالى: (أَكَّالُونَ لِلسُّحْت). المراد بالسحت هنا الحرام بوجه عام, ولتسميته تعالى للحرام بالسحت دلالات تربوية, فالسحت يعني الاستئصال ومنه قوله تعالى: (قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَاب) (طه: 61), وسُمّي الحرام سحتا لأنه يستأصل صاحبه بالعذاب يوم القيامة، ولأنه يستأصل البركة من صاحبه كقوله تعالى: (يَمْحَقُ اللَّه) (البقرة:276). والسحت يعني شدة الجوع, يقال فلان مسحوت المعدة إذا كان لا يشبع مهما أكل, وسُمّي الحرام سحتا لأنّ صاحبه لا يشبع منه فهو يولد فيه الشره وشدة الشهوة إليه. والسحت يعني العار, وسُمّي الحرام سحتا لأنه يسبب العار لصاحبه فهو يستأصل منه الفضيلة. وأيا كان معنى السحت فإنّ في تسميته تعالى للحرام سحتا ترهيب منه ووعيد على فعله وترغيب في تركه والبعد عنه لما يورّث للإنسان من المساوئ في الدنيا ومن العقوبات يوم القيامة.

648

(3) قوله تعالى: (أَكَّالُونَ لِلسُّحْت). قلنا: إنّ السحت هو الحرام بشكل عام, وقد ذكر كثير من المفسرين أنّ المراد بالسحت الرشوة بشكل خاص. وقد حرم الإسلام الرشوة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الراشي والمرتشي» (أحمد)، لأنّ في الرشوة إبطالا للحق وإحقاقا للباطل, فالرشوة مال يدفعه صاحبه ليأخذ ما ليس حقا له. وقد تشدد الفقهاء في الرشوة, فنقل القرطبي عن أبي حنيفة أنه قال: «إذا ارتشى الحاكم انعزل في الوقت وإن لم يعزل, وبطل كل حُكم حَكم به بعد ذلك» (القرطبي). واعلم أنّ الرشوة الحرام هي أن ترشي لتأخذ ما ليس لك أو لتدفع ما لزمك, أما الرشوة للدفاع عن النفس أو المال أو العرض أو الدين فجائزة، «قيل لوهب بن منبّه: الرشوة حرام في كل شيء؟ فقال: لا, إنما يكره من الرشوة أن ترشي لتعطى ما ليس لك, أو تدفع حقا قد لزمك, فأما أن ترشي لتدفع عن دينك ودمك ومالك فليس بحرام. وقال أبو الليث السمرقندي الفقيه: وبهذا نأخذ, لا بأس بأن يدفع الرجل عن نفسه وماله بالرشوة. وهذا كما رُوي عن عبد الله بن مسعود أنه كان بالحبشة فرشا دينارين وقال: إنما الإثم على القابض دون الدافع» (القرطبي).

649

(4) قوله تعالى: (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُم). هذا التخيير في الحكم بين أهل الكتاب أو غير المسلمين ثابت ولم ينسخ, وقوله تعالى: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه) (المائدة: 48) معناه: إن شئت. والحكمة التربوية في هذا التخيير هو أنهم كانوا يتحاكمون إليه طلبا للأسهل والأخف والأرخص, كالجلد مكان الرجم, والدية بدل القصاص، والنصوص الواردة في نزول هذه الآيات تؤكد ما ذكرناه. قال ابن عباس: «هم اليهود, زنت امرأة, وكان الله قد حكم في التوراة في الزنا بالرجم, فنفسوا أن يرجموها, وقالوا: انطلقوا إلى محمد, فعسى أن يكون عنده رخصة فاقبلوها, فأتوه, فقالوا: يا أبا القاسم, إنّ امرأة منا زنت, فما تقول فيها؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: كيف حكم الله في التوراة في الزاني؟ فقالوا: دعنا من التوراة, ولكن ما عندك في ذلك؟ فقال: ائتوني بأعلمكم في التوراة التي أنزلت على موسى, فقال لهم: بالذي نجاكم من آل فرعون, وبالذي فلق لكم البحر فأنجاكم وأغرق آل فرعون, إلا أخبرتموني ما حكم الله في التوراة في الزاني؟ قالوا: حكمه الرجم. فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرُجمت» (الطبري). وقال قتادة: «ذكر لنا أنّ هذا كان في قتيل من بني قريظة, قتلته النضير, فكانت النضير إذا قتلت من بني قريظة لم يقيدوهم, إنما يعطونهم الدية لفضلهم عليهم, وكانت قريظة إذا قتلت من النضير قتيلا لم يرضوا إلا بالقود لفضلهم عليهم في أنفسهم, تعززا. فقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة على حين قتيلهم هذا، فأرادوا أن يرفعوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم رجل من المنافقين: إنّ قتيلكم هذا قتيل عمد, متى ما ترفعونه إلى محمد صلى الله عليه وسلم أخشى عليكم القود، فإن قبل منكم الدية فخذوه, وإلا فكونوا منه على حذر» (الطبري). والحكمة من هذه النصوص, فللمفتي أن يمتنع عن الإفتاء إذا علم من المستفتي طلب التحلل من حق لزمه أو حرام وجب عليه تركه أو أراد الحصول على الفتوى للإساءة إلى الإسلام أو لمعارضة أقوال العلماء مع بعضهم وإظهار التناقض بينهم.

(5) قوله تعالى: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْط). الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته, أي: القضاة والعلماء منهم, وفيه تربية للقضاة على الحكم بين الناس لأنّ به قيام السماوات والأرض و به قيام أمر الناس, فإما أن يقضي القاضي بالعدل وإما أن يعتزل القضاء. وفيه تربية للعلماء على قول الحق وهو القول بالعدل, فإما أن يقول قولا عادلا أو لا يتكلم, وبهذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» (البخاري).

650

(6) قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين). فيه تربية للحكام المسلمين والقضاة المسلمين على أنّ العدل في القضاء هو علاقة بينهم وبين الله قبل أن يكون علاقة بينهم وبين الناس, فالقيام بالقسط لله واجب مهما كان الناس, وفيه ترغيب بالعدل من خلال التصريح بأنّ الله يحب ذلك, والمسلم من يسعى لأن يكون موضعا لمحبة الله وفي الموضع الذي يحبه الله كي يصل إلى حب الله له, فمن أراد أن يصل إلى محبة الله له فعليه أن يفعل ما يحبه الله وأن يترك ما يحب الله للناس تركه. ومن هنا يجب على المسلم أن يتنبّه أثناء قراءة كتاب الله إلى هذا العبارات: إنّ الله يحب كذا, إنّ الله لا يحب كذا, كي يفعل ما يحبه الله وكي يترك ما لا يحبه الله.

(7) قوله تعالى: (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّه). يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لهذه الآية: ((هذا تعجيب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بتحكيم اليهود إياه بعد علمهم بما في التوراة من حد الزاني, ثم تركهم قبول ذلك الحكم, فعدلوا عما يعتقدونه حكما حقا إلى ما يعتقدونه باطلا طلبا للرخصة, فلا جرم ظهر جهلهم وعنادهم في هذه الواقعة من وجوه: (أحدها) عدولهم عن حكم كتابهم. (والثاني) رجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدون فيه أنه مبطل. (والثالث) إعراضهم عن حكمه بعد أن حكموه. فبيّن الله تعالى حال جهلهم وعنادهم لئلا يغتر بهم مغتر أنهم أهل كتاب الله ومن المحافظين على أمر الله)). وفيها مدلول تربوي آخر ذكره الإمام الطبري في تفسيره فقال: «وهذا, وإن كان من الله تعالى ذكره خطابا لنبيه صلى الله عليه وسلم, فإنه تقريع منه لليهود الذين نزلت فيهم هذه الآية. يقول لهم: كيف تقرون أيها اليهود, بحكم نبيي محمد صلى الله عليه وسلم مع جحودكم نبوته وتكذيبكم إياه, وأنتم تتركون حكمي الذي تقرون به أنه حق عليكم واجب جاءكم به موسى من عند الله؟ يقول: فإذا كنتم تتركون حكمي الذي جاءكم به موسى الذي تقرون بنبوته في كتابي, فأنتم بترك حكمي الذي يخبركم به نبيي محمد أنه حكمي أحرى, مع جحودكم نبوته».

(8) قوله تعالى: (وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِين). فيه تربية للمسلمين على أنّ الإيمان لا يجتمع مع عدم تحكيم شريعة الله أو عدم الرضى بحكم الله, وأنّ تحكيم شريعة الله والرضى بحكم الله هو الدليل العملي على صدق الإيمان، وأنّ الإيمان باللسان هو مجرد دعوى يصدقها العمل بشريعة الله أو يكذبها ترك العمل بشريعة الله والعمل بغيرها, فلا فصل بين الإيمان والعمل.

651

الآيات 44-45

قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون﴾ (المائدة: 44-45)

(1) هذه الآيات فيها تربية للناس على أنّ الإسلام ليس مجرد عقيدة يحملها الإنسان بين جنبيه, وليس مجرد عبادة يؤديها الناس في البيوت أو المساجد، بل هو نظام شامل للحياة فيه العقيدة والعبادة وفيه الشريعة والأخلاق. وفيها تربية للناس على أنه لا خلاص لهم ما لم يأخذوا الإسلام على أنه كذلك عقيدة وعبادة وشريعة وأخلاق, ومن ثم عليهم توحيد المصدر الذين يدينون به سواء في العقيدة أم في الشريعة, واعلم أنه لا سعادة للإنسان في هذه الحياة ما دام ممزقا بين العقيدة والشريعة, وما دام يدين في العقيدة لله وفي الشريعة لغير الله, لا بد له من توحيد مصدر التلقي ومصدر الدينونة. وفي هذه الآيات تربية للناس على أنّ الأديان السماوية كلها كذلك أديان شاملة، ولذلك يعرض في هذا النص الديانة اليهودية على أنها ديانة شاملة وتعرض النصوص التي بعده الديانة النصرانية على أنها كذلك, ومن هنا ندرك أنّ الفصل بين العقيدة والشريعة في أي من هذه الديانات ذات الأصل السماوي هو فصل بشري من صنع البشر ولأهداف يريدها أولئك البشر. ومن سماحة الإسلام أنه حمل للناس اليهودية بيد والنصرانية باليد الأخرى وعرضها على الناس حتى إنّ كثيرا من الناس وخاصة المسلمين منهم قد تعرفوا إلى اليهودية والنصرانية من خلال الإسلام.

(2) قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُور). فيه تربية للناس على أنّ الدين الذي أنزله الله لهم إنما أنزله كي يهديهم إلى الطريق السليم في الدنيا وإلى جزائه في الآخرة وهو الجنة, وأنه نور بالمعنى الحقيقي وبالمعنى المجازي فهو ينير البصيرة والقلب كما ينير الحياة والواقع. وفيه تربية على ما سبق وقررناه من أنّ اليهودية كسائر الأديان شاملة للحياة فيها العقيدة وفيها الشريعة ولا فصل بينهما, يقول الإمام الرازي في التفسير: «العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه, فوجب حصول الفرق بين الهدى والنور, فالهدى محمول على بيان الأحكام والشرائع والتكاليف, والنور بيان للتوحيد والنبوة والمعاد».

(3) قوله تعالى: (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار). يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لذلك: «اعلم أنّ هذا تنبيه من الله تعالى لليهود المنكرين لوجوب الرجم, وترغيب لهم في أن يكونوا كمتقدميهم من مسلمي أحبارهم والأنبياء المبعوثين إليهم. والغرض منه التنبيه على قبح طريقة هؤلاء اليهود المتأخرين, فإنّ غرضهم من ادعاء الحكم بالتوراة أخذ الرشوة واستتباع العوام».

(4) قوله تعالى: (وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار). المدلول التربوي لذلك هو التفريق بين الربانيين والأحبار, أما الأحبار فهم العلماء, وأما الربانيون فهم العلماء الحكماء البصراء بسياسة الناس وتدبير أمورهم والقيام بمصالحهم, ومعنى ذلك أنه لا يكفي أن يكون بين الناس علماء بالدين يدعون الناس إليه ويبينونه لهم ويبلغونهم إياه, بل لابد لفئة من العلماء أن يتعهدوا الناس المقبلين على الدين بالتربية والرعاية وتدبير شؤونهم والقيام بأمرهم وسياستهم بما يحقق لهم الصلاح في الدنيا والفوز بالجنة يوم القيامة، وهؤلاء هم الربانيون.

652

(5) قوله تعالى: (وَالْأَحْبَار). قال الإمام القرطبي: «الحِبر والحَبر الرجل العالم، وهو مأخوذ من التحبير وهو التحسين, فهم يحبرون العلم أي: يبينونه, وهو محبر في صدورهم». قلت: هذا الذي قاله القرطبي صحيح, ويؤكده ما رُوي في الحديث أنّ أبا موسى الأشعري رضي الله عنه كان يقرأ القرآن, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع إليه دون أن يعلم, فلما انتهى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد أوتيت مزمارا من مزامير داود» فقال أبو موسى: «لو علمت أنك تسمع لحبّرته لك تحبيرا» (تفسير ابن كثير). والمدلول التربوي لذلك هو أنّ واجب العالم ليس مجرد البلاغ بل عليه أن يحسّن ويبيّن ويزين هذا البلاغ الديني للناس, وفعله ذلك عدا أنه واجب فإنّ فيه ترغيب للناس على قبول الدين واتباعه, فالتحبير هو بلاغ مع ترغيب.

(6) قوله تعالى: (بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء). فيه تربية للعلماء على واجبهم تجاه العلم الذي يحملونه, فعليهم أن يحفظوه فلا ينسوه لأنّ النسيان يكون بعدم التذكر, وعليهم أن يحفظوه فلا يتركوا العمل به, لأنّ النسيان يكون بالترك مع التذكر, وعليهم أن يعلموه للناس كي يحفظ فلا ينسى, فإن سئلوا عنه كان واجبا عليهم أن لا يكتموه عن الناس لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم توعد من يفعل ذلك فقال: «من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة» (الترمذي)، فهذه الآية هي دستور للعلماء.

(7) قوله تعالى: (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلا). ومن رعايته تعالى للناس ورحمته بهم، وخاصة القضاة منهم, أن بيّن لهم الأسباب التي قد تدفعهم لترك الحكم بما أنزل الله والحكم بغيره, فذكر هنا سببين: (الأول) الخوف والرهبة من الناس, وحذر من ذلك ونهى عنه فقال: (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ). (والثاني) الطمع والرغبة بما عند الناس من المال والجاه, فنهى عن ذلك مبينا أنّ الدنيا بحذافيرها هي ثمن قليل للحكم بغير ما أنزل الله فقال: (وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً). وقد قدم الأهم من هذين السببين على الأقل أهمية, فالخوف والرهبة أهم من الطمع والرغبة، وهناك سبب (ثالث) ذكره الله في آية أخرى وهو اتباع الهوى فقال: (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه) (ص: 26)، وقد جمع الحسن البصري رحمه الله هذه الأسباب الثلاثة بقوله: «أخذ الله عز وجل على الحكام ثلاثة أشياء: ألا يتبعوا الهوى, وألا يخشوا الناس ويخشوه, وألا يشتروا بآياته ثمنا قليلا» (الطبري).

(8) قوله تعالى: (وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلا). قال الحسن البصري: «الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها» (ابن كثير)، وهذا تعظيم لأمر الحكم بما أنزل الله، لأنّ الله قد اعتبر القاضي بغير شرعه خاسر وإن أخذ على قضائه الدنيا كلها, فكيف يكون الحال من يأخذ البعض القليل منها فيقضي بغير ما أنزل الله؟.

653

(9) قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون). ترهيب شديد من الحكم بغير ما أنزل الله، ولعله أشد ترهيب في كتاب الله على فعل يفعله الناس, لأنّ الوصم بالكفر يعني الخلود في النار، وقد ظن البعض بأنّ هذه الآية لبني إسرائيل خاصة دون المسلمين, فسأل رجل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن ذلك فقال: ذلك في بني إسرائيل؟ فقال حذيفة: «نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل, إن كانت لهم كل مرة, ولكم كل حلوة؟ كلا والله لتسلكن طريقهم قِذى الشراك» (الطبري)، وحقيقة هذه الآية في عمومها وظاهرها، ولعن الله من يتأولها على غير ذلك ليدافع عنهم.

(10) قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاص). دلت هذه الآية على القصاص في الجنايات والأحكام, أي: المماثلة بين الفعل والجزاء حيث إنّ الجزاء مماثل للفعل. ولنا مع القصاص الوقفات التربوية التالية: (أولا) القصاص يعني المساواة بين الناس في الدماء وفي الأعضاء وفي العقوبة، فهو ميلاد للإنسان أعلنه الإسلام منذ قرون, وفي الحديث: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم, يسعى بذمتهم أدناهم» (أبو داود). (ثانيا) القصاص يعني الردع عن العقوبة, فمن أراد قتل آخر أو الاعتداء عليه بالجرح والضرب وبتر الأعضاء فإنه سوف يفكر قبل ذلك ألف مرة, واعلم أنّ السجن ليس عقوبة رادعة عن القتل والجرح والكسر, والواقع الذي تعيشه البشرية الآن يصدق ذلك. (ثالثا) وفي القصاص مراعاة للميول الفطرية عند الناس, فالنفس البشرية التي أصيبت بالأذى لا ترتاح ما لم تعاقب النفس المؤذية بنفس العقوبة وبنفس الإيذاء, فلا سكون للنفوس إلا بشريعة القصاص, والله أعلم بمن خلق حين شرع القصاص.

(11) قوله تعالى: (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَه). فيه ترغيب بالإحسان والعفو عن المسيء من خلال الوعد بتكفير الذنوب لمن يفعل ذلك, والمقدار الذي وعد الله بتكفيره من ذنوب المتصدق بالنسبة لذنوبه عامة هو بمقدار الأذية في جسده بالنسبة للجسد عامة, قدرا بقدر. وهنا نذكر بمرونة التشريع الإسلامي حين شرع العدل وهو إعطاء كل ذي حق حقه, ورغب بالإحسان وهو التنازل عن بعض الحق أو كله ابتغاء مرضاة الله, واعتبر الإحسان حالة أرقى من العدل لأنها تعبر عن السماحة والعفو فوعد فاعلها بتكفير الذنوب. والنفس البشرية ترتاح لذلك فإن دعيت إلى الإحسان فعلته ولكن بشرط أن تقدر على العدل, أي: ترتاح النفس البشرية إلى العفو ولكن عند المقدرة, روى الإمام أحمد عن أبي السفر قال: «كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار, فاستعدى عليه معاوية، فقال معاوية: سنرضيه، فألح الأنصاري، فقال معاوية: شأنك بصاحبك! وأبو الدرداء جالس, فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من مسلم يصاب بشيء من جسده, فيتصدق به, إلا رفعه الله به درجة, أو حط به عنه خطيئة، فقال الأنصاري: فإني قد عفوت» (أحمد).

654

(12) قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون). وعيد آخر لمن يحكم بغير ما أنزل الله يضاف إلى الوعيد السابق: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون). والتشديد في الوعيد يعني عظم الذنب, فكلما كان الذنب أعظم كان الوعيد أعظم، فالذي يحكم بغير ما أنزل الله يجحد نعمة الله على الناس في النبوة والرسالة وما فيهما من التشريع, ويظلم نفسه ويظلم الناس حين يحملها ويحملهم على غير شريعة الله, كأنه يقول لله: لا حاجة بنا إلى تشريعك, فنحن نشرع أحسن منه, والعياذ بالله من ذلك.

655