التفسير التربويالجزء 1 · ص 664 - 671

الآيات 55-56

الآيات 55-56

قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُون﴾ (المائدة: 55-56)

(1) يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لتعلق هذه الآيات بما قبلها: ((وجه النظم أنه تعالى لما نهى في الآيات المتقدمة عن موالاة الكفار أمر في هذه الآيات بموالاة من يجب موالاته وقال (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) أي: المؤمنون الموصوفون بالصفات المذكورة)), ويستفاد من هذا الكلام أنّ القرآن قد اعتمد في التربية قاعدة إيجاد البدائل, فلما حرم موالاة الكافرين أمر بموالاة المؤمنين, ولما حرم الزنا أباح الزواج, ولما حرم الكسب الحرام أحل الكسب الحلال, ولما حرم بعض الأطعمة أحل البعض الآخر, وذلك مراعاة للميول الفطرية في الاجتماع والجنس والكسب الحلال والطعام وغير ذلك.

(2) قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُم). ولم يقل: أولياؤكم مع أنّ المذكور بعده الله والرسول والمؤمنون, فدل ذلك على أنّ الولاء للرسول لأنه رسول الله، والولاء للمؤمنين لأنهم مؤمنون بالله.

(3) قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة). عرّف الله المؤمنين بأنهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة, وفي ذلك تربية للناس على أنّ الإيمان ليس مجرد اعتقاد في القلب, وليس مجرد ادعاء باللسان، وإنما هو عمل وطاعة واتباع, فإقامة الصلاة إشارة إلى العبادات البدنية كافة, وإيتاء الزكاة رمز للعبادات المالية كافة, والعبادة كلها ليست إلا عبادة بدنية أو مالية أو كليهما. ولما عرّف المؤمنين بأنهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة فرّقهم بذلك عن المنافقين الذين يفعلون الصلاة وليس ذلك على سبيل الإقامة, ويدفعون الزكاة وليس ذلك على سبيل الإيتاء, قال الله تعالى في صفة صلاتهم وصفة زكاتهم: (وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُون) (التوبة: 54)، وقال تعالى في صفة عبادتهم: (يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلا) (النساء: 142).

(4) قوله تعالى: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاة). وصف الله المؤمنين بأنهم يقيمون الصلاة, وإقامة الصلاة ليست مجرد أدائها, إنما هي أداؤها بأركانها وسننها وهيئاتها مع الخشوع والتفكر فيها، وما ينشأ عنها من آثار تربوية وأهمها قوله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر) (العنكبوت: 45)، فالحكمة الأولى من الصلاة هي حكمة تربوية أي: تهذيب النفس بإبعادها عن المعاصي, ومن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فهو مؤد للصلاة وليس مقيما لها.

(5) قوله تعالى: (وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة). وإيتاء الزكاة ليس مجرد دفع للمال, وإنما للزكاة مدلول تربوي وحكمة أولى وهي طهارة النفس لقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) (التوبة: 103)، ومن لم تطهر نفسه بهذه الطريقة فهو دافع للزكاة وليس مؤتيا لها.

(6) قوله تعالى: (وَهُمْ رَاكِعُون). ليس المراد منه ركوع الصلاة لأنه معطوف على الصلاة والعطف يقتضي المغايرة, وإنما المراد منه الخضوع والخشوع والتذلل لله, فهي صفة للمؤمنين امتدحها الله فيهم ترغيبا فيها وحضا عليها, لأنّ الخضوع والخشوع والتذلل والانقياد لله هو جوهر العبودية فهي هيئة تلازم المؤمن في سائر شؤون حياته وفي كل حركاته وسكناته, فهو في كل ذلك يكون مع الله.

664

(7) قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَل). الولي معناه: الناصر والمحب كما في قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض) (التوبة: 71), والولي بمعنى المتصرف كما في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي» (الترمذي)، وأصل الولاء هو التبعية والمتابعة, يقال: والى فلان فلانا أي تابعه, وعلى هذا ليس الولاء مجرد كلمة تقال باللسان إنما هو واقع حركي يحياه الإنسان, فليس كل من قال أنا موال لله صادق في قوله, كما إنه ليس كل من تبرأ من الشيطان بلسانه هو كذلك بل ربما وجدنا الكثير ممن يتبرؤون من الشيطان بألسنتهم وهم متبعون للشيطان بعملهم, فلسان الحال أصدق من لسان المقال.

(8) قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُون). المدلول التربوي لهذه الآية هو الترغيب في موالاة الله والرسول والمؤمنين من خلال الوعد بالغلبة والظفر والفلاح في الدنيا والآخرة, بعد بيان صفة المؤمنين وقاعدة الإيمان. واعلم أنّ الترغيب في الإيمان من خلال الوعد بالغلبة ليس هو الأساس في الإيمان وإنما هو ثمرة من ثمرات الإيمان، فالإيمان مطلوب من الإنسان لأنه خير له في ذاته بغض النظر عن ثمراته الدنيوية. يقول صاحب الظلال: «وهنا لفتة قرآنية مطردة، فالله سبحانه يريد المسلم أن يسلم لمجرد أنّ الإسلام خير! لا لأنه سيغلب, أو سيمكن له في الأرض, فهذه ثمرات تأتي في حينها, وتأتي لتحقيق قدر الله في التمكين لهذا الدين, لا لتكون هي بذاتها الإغراء على الدخول في هذا الدين. والغلب للمسلمين لا شيء منه لهم, لا شيء لذواتهم وأشخاصهم, وإنما هو قدر الله يجريه على أيديهم, ويرزقهم إياه لحساب عقيدتهم لا لحسابهم! فيكون لهم ثواب الجهد فيه, وثواب النتائج التي تترتب عليه من التمكين لدين الله في الأرض, وصلاح الأرض بهذا التمكين».

665

الآيات 57-58

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُون﴾ (المائدة: 57-58)

(1) يسلك القرآن في هذه الآيات أسلوب التنفير من موالاة الكافرين من خلال استجاشة القلوب وتحريك الحميّة في النفوس حينما يخبر بحقيقة الكافرين في استهزائهم بالدين الإسلامي عامة وبالأذان الذي هو شعار هذا الدين خاصة, وفي اتخاذهم للدين والأذان مادة للهو واللعب. وذلك بعد أن سلك أسلوب النهي المباشر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا) (المائدة: 51), وأسلوب التحذير من الردة بموالاة الكافرين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِه) (المائدة: 54), وأسلوب تقرير المولاة لمن تكون: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) (المائدة: 55), وأسلوب الترغيب في موالاة الله والرسول والمؤمنين من خلال الوعد بالغلبة: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُون) (المائدة: 56).

(2) قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين). أي: اتقوا الله بترك موالاة الكافرين إن كنتم مؤمنين بالله, وهذا ربط لقضية الولاء بقضية الإيمان, فمن لم يقطع ولاءه مع الكافرين ويحصر ولاءه بالمؤمنين مشكوك في إيمانه ومشكوك في خوفه من الله.

(3) قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُون). يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لذلك: «أي: لو كان لهم عقل كامل لعلموا أنّ تعظيم الخالق المنعم وخدمته مقرونة بغاية التعظيم لا يكون هزوا ولعبا, بل هو أحسن أعمال العباد وأشرف أفعالهم, ولذلك قال بعض الحكماء: أشرف الحركات الصلاة, وأنفع السكنات الصيام».

666

الآية 59

قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُون﴾ (المائدة: 59)

(1) قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّه). هذا كقوله تعالى: (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيد) (البروج: 8)، وفيه تربية للمسلمين وتوعية على حقيقة المعركة بينهم وبين أعدائهم, فهي معركة على الإيمان وحرب من أجل العقيدة, فالكافرون لا يكرهون ولا يسخطون ولا ينقمون من المؤمنين إلا إيمانهم بالله إيمانا صحيحا يختلف عن إيمان أهل الكتاب الذي يشوبه الشرك بتأليه البشر وعبادة البشر مع الله أو من دونه. ولكن أعداء الإسلام لا يظهرون ذلك, يل يظهرون أنّ الحروب من أجل المواد الخام والأسواق التجارية والمصالح الدنيوية والأرض واللغة وغير ذلك تمويها على المسلمين وخداعا لهم, كي يبقى الإسلام نائما في قلوبهم وكي تبقى العقيدة هادئة وساكنة, ومن ثم يحققون النصر على ذراري المسلمين. والله تعالى ينبّه المسلمين إلى حقيقة النقمة من خلال الاستفهام (هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا) وهو استفهام تقريري, فيه تقرير لحقيقة النقمة وتثبيت لواقعها وبواعثها, وهو كذلك استفهام إنكاري ينكر الله تعالى من خلاله على أهل الكتاب أن ينقموا على المؤمنين إيمانهم.

(2) قوله تعالى: (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُون). أي: السبب في نقمة الكافرين على المؤمنين هو أنّ الكافرين فاسقون خارجون عن طاعة الله. وفي هذه الآية تربية للمسلمين على حقيقة نفسية طالما يغفل عنها المؤمنون, وهي أنّ الكافر ينقم على المؤمنين بسبب كفره فهو يريد للناس أن يكونوا مثله كفارا ولا يرضى بأن يبقى معابا وحده بصفة الكفر, وكذلك الفاسق يتمنى لو كان الناس كلهم فساقا فلا فضل لأحد على أحد, وهذه حالة كل منحرف خبيث، وفي القرآن تصديق لذلك: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِم) (البقرة: 109)، وقال تعالى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاء) (النساء: 89).

667

الآيات 60-63

قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُون﴾ (المائدة: 60-63)

(1) قوله تعالى: (بِشَرٍّ مِنْ ذَلِك)، وقوله تعالى: (أولَئِكَ شَرٌّ مَكَانا)، وقوله تعالى: (وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيل). ننبّه هنا إلى مسألة تفسيرية هامة وهي أنّ هذه العبارات هي من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشاركة، وذلك كقوله تعالى: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلا) (الفرقان: 24)، وهذا باب من أبواب اللغة.

(2) لما ذكر الله في الآيات السابقة استهزاء أهل الكتاب بدين الإسلام وبأذان المسلمين بسبب الإيمان الصحيح، شرع في هذه الآيات في تعرية الشر وبيان حقيقة اليهود والتدليل على فساد طريقتهم في الدين, والغاية من هذا الأسلوب التربوي القرآني وهو تعرية الشر لضعاف أصحاب الشر وتقوية أصحاب الخير عليهم حسما للمعركة لصالح الخير وزجرا لأصحاب الشر عن شرورهم, فبيّن كثيرا من الصفات التي يخفيها اليهود عن غيرهم وهي صفات سيئة: (أولها) أنهم مطرودون من رحمة الله (مَنْ لَعَنَهُ اللَّه). (وثانيها) أنهم مغضوب عليهم من الله (وَغَضِبَ عَلَيْه). (وثالثها) أنّ منهم من عبد الطواغيت وترك عبادة الله مثل أولئك الذين عبدوا العجل أو أولئك الذين يعبدون رجال الدين فيطيعونهم في التشريع بما لم يأذن به الله (وَعَبَدَ الطَّاغُوت). (ورابعها) أنّ من اليهود منافقين يظهرون الإيمان للمؤمنين حين يدخلون المدينة ويعودون إلى حالهم من الكفر بعد الخروج منها (وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا به). (وخامسها) أنهم يسارعون في معصية الله والاعتداء على الناس وأكل الحرام (وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْت). (وسادسها) أنّ رجال الدين منهم لا ينهونهم عن الحرام (لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْت). ومع كل هذه الصفات وغيرها يتبجحون أنهم أهل كتاب وأهل علم وأهل إيمان وأنهم شعب الله المختار وأنهم أبناء الله وأحباؤه وأنّ النار لن تمسهم إلا أياما معدودة وغير ذلك كثير.

(3) قوله تعالى: (بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّه). أصل الثواب أن يستعمل في الخير، واستعماله هنا في الشر هو من قبيل التهكم, والتهكم أسلوب تربوي معهود في القرآن, كقوله تعالى: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم) (التوبة: 34), وقوله تعالى: (فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيم) (الصافات: 23).

(4) قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُون). الغرض منه المبالغة والتحذير مما يضمره منافقو اليهود من الكيد والبغض والعداوة للمسلمين حينما يسلكون هذا السلوك الخبيث في إظهار الإيمان وإبطان الكفر.

(5) قوله تعالى: (وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْت). الأصل في أتباع كل دين هو المسارعة في الخيرات، وهؤلاء يسارعون في الشرور، ففي هذا تربية على أنّ أصحاب التدين الفاسد يسارعون في الشرور ظنا منهم أنّ ذلك من الخيرات، وهذه الفئة من أخطر الفئات على الخير وهم الذين وصفهم الله بأنهم: (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا) (الكهف: 104)، والغرض منه تنبيه المؤمنين إلى أنّ الذي يفعل المعصية وهو يعلم أنها معصية أهون في الإصلاح من الذي يفعل المعصية ويظن أنها طاعة، وهذه حقيقة واقعة يدركها كل خبير بأحوال الناس.

668

(6) قوله تعالى: (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون) وقوله تعالى: (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُون). المراد من ذلك النهي عن ألوان من المعاصي من خلال استخدام أسلوب الذم وهو أسلوب لغوي معروف.

(7) قوله تعالى: (وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُون). يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لهذه الآيات: ((والمعنى أنّ الله تعالى استبعد من علماء أهل الكتاب أنهم ما نهوا سفلتهم وعوامهم عن المعاصي، وذلك يدل على أنّ تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه، لأنه تعالى ذمّ الفريقين في هذه الآية على لفظ واحد، بل نقول: إنّ ذم تارك النهي عن المنكر أقوى، لأنه تعالى قال في المقدمين على الإثم والعدوان وأكل السحت (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون)، وقال في العلماء التاركين للنهي عن المنكر (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُون)، والصنع أقوى من العمل، لأنّ العمل إنما يسمى صناعة إذا صار مستقرا راسخا متمكنا، فجعل جرم العاملين ذنبا غير راسخ، وذنب التاركين للنهي عن المنكر ذنبا راسخا، والأمر في الحقيقة كذلك، لأنّ المعصية مرض الروح، وعلاجه العلم بالله وصفاته وأحكامه، فإذا حصل هذا العلم وما زالت المعصية كان مثل المرض الذي شرب صاحبه الدواء فما زال، فكما إنّ هناك يحصل العلم بأنّ المرض صعب شديد لا يكاد يزول، فكذلك العالم إذا أقدم على المعصية دل على أنّ مرض القلب في غاية القوة والشدة، قال ابن عباس: هذه أشد آية في القرآن، وقال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها، والله أعلم)).

669

الآية 64

قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِين﴾ (المائدة: 64)

(1) قوله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَة). المراد منه أنّ اليهود وصفوا الله تعالى بالبخل، وهذا كقولهم: (إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء) (آل عمران: 181)، وفي هذا القول تنبيه من الله تعالى على فساد معتقد اليهود وسوء ظنهم بالله، كما فيه تنبيه على سوء أدبهم مع الله تعالى حين يصرحون بأنه بخيل ويذكرون ذلك بعبارة أشد وقاحة فيصفونه بأنّ يده مغلولة. وفيه تسلية وعزاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم عمّا يلقاه منهم من التكذيب بنبوته ورسالته، فكأنه تعالى يقول له: لا تعجب يا محمد من تكذيبهم بنبوتك ورسالتك فإنهم لي أشد تكذيبا ومعي أكثر وقاحة حيث يصفونني بأني بخيل وبأنّ يدي مغلولة. وفيه تسلية وعزاء للمسلمين اليوم عمّا يلقونه من اليهود من قتلهم الأبرياء والمدنيين شيوخا ونساءً وشبابا، لأنّ من ساءت أخلاقه مع الله وساء ظنه بالله كان مع الناس أشد سوءا وفي معاملتهم أكثر قسوة وفظاظة.

(2) قوله تعالى: (يَدُ اللَّه) وقوله تعالى: (بَلْ يَدَاه). دلت هذه الآيات على إثبات صفة اليد لله تعالى، والأدب التربوي مع الله يكون بإثبات صفة اليد لله تعالى مع نفي التشبيه والتعطيل، فلا نقول كما قالت المعطلة: ليس لله يد لأنّ ذلك تكذيب لكلام الله، ولا نقول كما قالت المشبهة: إنّ يد الله كيد الإنسان أو غيره من المخلوقات، ولكن نقول: لله يد تصديقا للنص، ونقول: يد الله ليست كيد غيره ولا شبيه لها تصديقا لقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير) (الشورى: 11)، وهذا مذهب السلف في الصفات: إمرارها كما هي من غير تشبيه ولا تعطيل.

(3) قوله تعالى: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا). هذا دعاء من الله على اليهود بالبخل في الدنيا (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ)، والطرد من رحمة الله في الآخرة (وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا)، وهو من قبيل التربية من خلال الوعيد بالعقوبة الدنيوية والأخروية.

(4) قوله تعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء). فيه تربية على العقيدة الصحيحة بالله تعالى، فهو مالك لكل شيء وهو كريم وجواد، يُعطي لحكمة ويمنع لحكمة، وهذا كقوله تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير) (آل عمران: 26).

(5) قوله تعالى: (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْرا). فيه تنبيه على الحسد في الدين وتحذير وتنفير منه، وقد ذكر الله تعالى الحسد على الدين في مواضع كثيرة ، فقال تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِم) (البقرة: 109)، وقال أيضا: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه) (النساء: 54). وفيه تربية على أنّ القرآن شفاء للمؤمنين ولا يستفيد منه الكافرون، فهؤلاء لا يزيدهم إلا كفرا وخسارة: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارا) (الإسراء: 82).

670

(6) قوله تعالى: (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادا). المدلول التربوي لهذا القول هو تعرية الشر من خلال بيان الصفات السيئة في اليهود كي يحذر منها المسلمون فلا يقعون فيها ولا يصطلون بنارها، فذكر هنا ثلاث صفات: العداوة والبغضاء بين طوائف اليهود وفئاتهم، وإيقاد الحروب بين الأمم أو بينهم وبين الأمم، والفساد في الأرض وهو العمل بمعصية الله، يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لذلك: «واعلم أنّ اتصال هذه الآية بما قبلها هو أنه تعالى بيّن أنهم إنما ينكرون نبوته بعد ظهور الدلائل على صحتها لأجل الحسد ولأجل حب الجاه والتبع والمال والسيادة، ثم إنه تعالى بيّن أنهم لّما رجحوا الدنيا على الآخرة لا جرم أنّ الله تعالى كما حرمهم سعادة الدين فكذلك حرمهم سعادة الدنيا، لأنّ كل فريق منهم بقي مصرا على مذهبه ومقالته، يبالغ في نصرته ويطعن فيما سواه من المذاهب والمقالات تعظيما لنفسه وترويجا لمذهبه، فصار ذلك سببا لوقوع الخصومة الشديدة بين فرقهم وطوائفهم، وانتهى الأمر فيه إلى أنّ بعضهم يكفّر بعضا ويغزو بعضهم بعضا».

(7) قوله تعالى: (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِين). فيه ترهيب لليهود وللمسلمين ولكل الناس من الفساد في الأرض وهو العمل بمعصية الله من خلال البيان بأنّ الله لا يحب المفسدين، فمن كان حريصا على محبة الله له فعليه أن يبتعد عن الفساد.

671