الآيات 55-56
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُون﴾ (المائدة: 55-56)
(1) يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لتعلق هذه الآيات بما قبلها: ((وجه النظم أنه تعالى لما نهى في الآيات المتقدمة عن موالاة الكفار أمر في هذه الآيات بموالاة من يجب موالاته وقال (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) أي: المؤمنون الموصوفون بالصفات المذكورة)), ويستفاد من هذا الكلام أنّ القرآن قد اعتمد في التربية قاعدة إيجاد البدائل, فلما حرم موالاة الكافرين أمر بموالاة المؤمنين, ولما حرم الزنا أباح الزواج, ولما حرم الكسب الحرام أحل الكسب الحلال, ولما حرم بعض الأطعمة أحل البعض الآخر, وذلك مراعاة للميول الفطرية في الاجتماع والجنس والكسب الحلال والطعام وغير ذلك.
(2) قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُم). ولم يقل: أولياؤكم مع أنّ المذكور بعده الله والرسول والمؤمنون, فدل ذلك على أنّ الولاء للرسول لأنه رسول الله، والولاء للمؤمنين لأنهم مؤمنون بالله.
(3) قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة). عرّف الله المؤمنين بأنهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة, وفي ذلك تربية للناس على أنّ الإيمان ليس مجرد اعتقاد في القلب, وليس مجرد ادعاء باللسان، وإنما هو عمل وطاعة واتباع, فإقامة الصلاة إشارة إلى العبادات البدنية كافة, وإيتاء الزكاة رمز للعبادات المالية كافة, والعبادة كلها ليست إلا عبادة بدنية أو مالية أو كليهما. ولما عرّف المؤمنين بأنهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة فرّقهم بذلك عن المنافقين الذين يفعلون الصلاة وليس ذلك على سبيل الإقامة, ويدفعون الزكاة وليس ذلك على سبيل الإيتاء, قال الله تعالى في صفة صلاتهم وصفة زكاتهم: (وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُون) (التوبة: 54)، وقال تعالى في صفة عبادتهم: (يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلا) (النساء: 142).
(4) قوله تعالى: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاة). وصف الله المؤمنين بأنهم يقيمون الصلاة, وإقامة الصلاة ليست مجرد أدائها, إنما هي أداؤها بأركانها وسننها وهيئاتها مع الخشوع والتفكر فيها، وما ينشأ عنها من آثار تربوية وأهمها قوله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر) (العنكبوت: 45)، فالحكمة الأولى من الصلاة هي حكمة تربوية أي: تهذيب النفس بإبعادها عن المعاصي, ومن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فهو مؤد للصلاة وليس مقيما لها.
(5) قوله تعالى: (وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة). وإيتاء الزكاة ليس مجرد دفع للمال, وإنما للزكاة مدلول تربوي وحكمة أولى وهي طهارة النفس لقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) (التوبة: 103)، ومن لم تطهر نفسه بهذه الطريقة فهو دافع للزكاة وليس مؤتيا لها.
(6) قوله تعالى: (وَهُمْ رَاكِعُون). ليس المراد منه ركوع الصلاة لأنه معطوف على الصلاة والعطف يقتضي المغايرة, وإنما المراد منه الخضوع والخشوع والتذلل لله, فهي صفة للمؤمنين امتدحها الله فيهم ترغيبا فيها وحضا عليها, لأنّ الخضوع والخشوع والتذلل والانقياد لله هو جوهر العبودية فهي هيئة تلازم المؤمن في سائر شؤون حياته وفي كل حركاته وسكناته, فهو في كل ذلك يكون مع الله.