الآيات 46-47
قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾ (المائدة: 46-47)
(1) قوله تعالى: (مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاة). ورد مرتين في نفس الآية وليس ذلك تكرارا, لأنّ الأول وصف لعيسى عليه السلام، والثاني وصف للإنجيل. وقد بيّن هذا النص كغيره من النصوص أنّ العلاقة بين الرسل كما العلاقة بين كتبهم السماوية علاقة تصديق، أي: يصدق بعضهم بعضا, ويستفاد من ذلك أنّ العلاقة العلماء المسلمين يجب أن تكون كذلك علاقة تصديق فهم ورثة للأنبياء يصدق بعضهم بعضا. ولا أضرّ على هذا الدين من علاقة التكذيب والتكفير والمخالفة التي شاعت بين علماء المسلمين وبين دعاتهم, لأنها اتخذت حجة من بعض المسلمين لنبذ هذا الدين جملة وتفصيلا, عدا عما تورثه في نفوس عامة المسلمين من الشك والتردد حيال دينهم.
(2) قوله تعالى: (وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُور). نؤكد هنا ما سبق وقررنا في الآيتين السابقتين من شمولية الأديان سواء الإسلام أم اليهودية أم النصرانية, ففي كل منها عقيدة وشريعة, وهنا وصف الإنجيل بأنّ فيه (هُدى) بيان للشريعة والأحكام والتكاليف، (وَنُور) بيان للعقيدة والنبوة والمعاد, وكذلك قوله: (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيه) يدل على احتواء الإنجيل للشريعة إضافة إلى العقيدة.
(3) قوله تعالى: (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِين). الموعظة هي الأمر والنهي المقرون بالترغيب أو الترهيب, فالموعظة هي الشكل التربوي للعلم, والدعاة بحاجة ماسة إلى ممارسة هذا الأسلوب التربوي في البلاغ والبيان والتعليم. وقد خصّ المتقين بالموعظة لأنهم هم المنتفعون بها, فالتقوى تعني الخوف من الله أي الخوف من عقابه, ومن لا يخاف الله لا يستفيد من الوعظ والإرشاد.
(4) قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون). وعيد ثالث لمن يحكم بغير ما أنزل الله يضاف إلى الوعيدين السابقين (الكافرون), (الظالمون). وقد توهم البعض أنّ هذه الأوصاف الثلاثة تعني حالات ثلاثة منفصلة, والحقيقة ليست كذلك، إنها إضافة صفات إلى من لم يحكم بما أنزل الله. قال القفال: «وليس في إفراد كل واحد من هذه الثلاثة بلفظ ما يوجب القدح في المعنى, بل هو كما يقال: من أطاع الله فهو المؤمن, من أطاع الله فهو البر, من أطاع الله فهو المتقي, لأنّ كل ذلك صفات مختلفة حاصلة لموصوف واحد».