التفسير التربويالجزء 1 · ص 656 - 663

الآيات 46-47

الآيات 46-47

قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾ (المائدة: 46-47)

(1) قوله تعالى: (مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاة). ورد مرتين في نفس الآية وليس ذلك تكرارا, لأنّ الأول وصف لعيسى عليه السلام، والثاني وصف للإنجيل. وقد بيّن هذا النص كغيره من النصوص أنّ العلاقة بين الرسل كما العلاقة بين كتبهم السماوية علاقة تصديق، أي: يصدق بعضهم بعضا, ويستفاد من ذلك أنّ العلاقة العلماء المسلمين يجب أن تكون كذلك علاقة تصديق فهم ورثة للأنبياء يصدق بعضهم بعضا. ولا أضرّ على هذا الدين من علاقة التكذيب والتكفير والمخالفة التي شاعت بين علماء المسلمين وبين دعاتهم, لأنها اتخذت حجة من بعض المسلمين لنبذ هذا الدين جملة وتفصيلا, عدا عما تورثه في نفوس عامة المسلمين من الشك والتردد حيال دينهم.

(2) قوله تعالى: (وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُور). نؤكد هنا ما سبق وقررنا في الآيتين السابقتين من شمولية الأديان سواء الإسلام أم اليهودية أم النصرانية, ففي كل منها عقيدة وشريعة, وهنا وصف الإنجيل بأنّ فيه (هُدى) بيان للشريعة والأحكام والتكاليف، (وَنُور) بيان للعقيدة والنبوة والمعاد, وكذلك قوله: (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيه) يدل على احتواء الإنجيل للشريعة إضافة إلى العقيدة.

(3) قوله تعالى: (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِين). الموعظة هي الأمر والنهي المقرون بالترغيب أو الترهيب, فالموعظة هي الشكل التربوي للعلم, والدعاة بحاجة ماسة إلى ممارسة هذا الأسلوب التربوي في البلاغ والبيان والتعليم. وقد خصّ المتقين بالموعظة لأنهم هم المنتفعون بها, فالتقوى تعني الخوف من الله أي الخوف من عقابه, ومن لا يخاف الله لا يستفيد من الوعظ والإرشاد.

(4) قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون). وعيد ثالث لمن يحكم بغير ما أنزل الله يضاف إلى الوعيدين السابقين (الكافرون), (الظالمون). وقد توهم البعض أنّ هذه الأوصاف الثلاثة تعني حالات ثلاثة منفصلة, والحقيقة ليست كذلك، إنها إضافة صفات إلى من لم يحكم بما أنزل الله. قال القفال: «وليس في إفراد كل واحد من هذه الثلاثة بلفظ ما يوجب القدح في المعنى, بل هو كما يقال: من أطاع الله فهو المؤمن, من أطاع الله فهو البر, من أطاع الله فهو المتقي, لأنّ كل ذلك صفات مختلفة حاصلة لموصوف واحد».

656

الآيات 48-50

قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُون﴾ (المائدة: 48-50)

(1) قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَق). أي: بالمضمون الصحيح والمنهج الجاد, فالقرآن الكريم أنزله الله كي يعمل به الناس ويقيموا حياتهم على أساسه, ومن هنا ينبغي التعامل معه بجدية لا بلهو ولا بتسلية.

(2) قوله تعالى: (مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَاب). نعيد هنا ما سبق وقررناه في الصفحات السابقة من أنّ الكتب السماوية يصدق بعضها بعضا والرسل يصدق بعضهم بعضا, ولذلك يجب أن تكون علاقة التصديق هي الأساس بين علماء المسلمين ودعاتهم, وعليهم الحذر من علاقة التكذيب والتكفير والتضاد لما لها من الأثر الخطير على عامة المسلمين بالتشكيك وربما بالنبذ للدين والتحلل منه.

(3) قوله تعالى: (وَمُهَيْمِناً عَلَيْه). المهيمن معناه: الحفيظ والرقيب والأمين والشاهد. وقد وصف الله القرآن بهذه الصفات في علاقته مع الكتب السماوية السابقة. وفيه تربية على كون القرآن مرجعا لتلك الكتب يصحح ما لحقها من الخطأ ويفسر ما أبهم فيها من المعاني, والعكس ليس صحيحا, ومع الأسف, فقد وقع الكثير من المسلمين في الحالة المعاكسة فراحوا يفسرون القرآن بما ورد في الكتب السابقة وأصبح لدينا مشكلة في التفسير وهي مشكلة الإسرائيليات, وأصبحت الحاجة ملحة الآن لتحقيق التفاسير وتخليصها من الإسرائيليات لأنه ما من تفسير قد خلا منها.

(4) قوله تعالى: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه). فيه تربية على أنّ ما أنزل الله وهو القرآن إنما أنزله كي يعمل به الناس ويتحاكموا إليه في كل كبيرة وصغيرة وفي سائر شؤون حياتهم, ولم ينزله الله كي يتعرف عليه الناس ويدرسونه فقط ويتحول إلى كتاب ثقافة وإطلاع.

(5) قوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَة). قال الإمام الرازي في التفسير: «رُوي أنّ جماعة من اليهود قالوا: تعالوا نذهب إلى محمد صلى الله عليه وسلم لعلنا نفتنه عن دينه, ثم دخلوا عليه وقالوا: يا محمد, قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم, وإنا إن اتبعناك اتبعك كل اليهود, وإنّ بيننا وبين خصومنا حكومة فنحاكمهم إليك, فاقض لنا ونحن نؤمن بك, فأنزل الله تعالى هذه الآية». فدلت هذه الآية مع ما روي في نزولها من أنه قد يحكم القاضي بغير ما أنزل الله ويجور في الحكم رغبة في جمع الناس على الإسلام, فذكر الله تعالى أنه لو شاء لجعل الناس أمة واحدة ولكن لحكمة يعلمها كانوا أمما مختلفين, فما ينبغي للقضاة المسلمين أن يتركوا الحكم بما أنزل الله أو أن يتساهلوا في الدين، بحجة توحيد الناس, فهذه الحجة ما هي إلا وهم وشبهة يقع بها بعض الناس، كما لا ينبغي للحكام ترك الحكم بشريعة الإسلام بحجة خسارة السُّياح وتقلص السِّياحة في البلاد.

(6) قوله تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات). فيه تربية للمسلمين على التسابق في طاعة الله, لا التسابق في معصيته كما هو حال كثير من المسلمين الآن.

(7) قوله تعالى: (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون). ترغيب في الطاعة وترهيب من المعصية من خلال الإعلام بما يؤول إليه أمر الناس.

657

(8) قوله تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْك). كرر الحكم بما أنزل الله لأهميته، وحذر من ترك بعض الدين تربية للمسلمين على الأخذ بالإسلام جملة أو تركه, فإما إسلام أو لا إسلام, وما ضعف المسلمين وذلتهم وهوانهم على الناس إلا لوجود أنصاف المسلين وأرباع المسلمين بينهم، فهم كما ورد في الحديث: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها» قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: «أنتم كثير، ولكن غثاء كغثاء السيل» (أحمد).

(9) قوله تعالى: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِم). فيه تربية بالعقوبة الدنيوية لمن يتولى عن الإسلام, فهو من باب الترهيب من ترك الإسلام والإعراض عنه, وقد خصّ بعض الذنوب لينبه إلى أنه لو أصاب المعرضين عن الإسلام بكل ذنوبهم لدمرهم واستأصلهم وما أبقاهم لحظة واحدة، وهذا ترهيب شديد.

(10) قوله تعالى: (وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُون). فيه تربية للمسلم على أن لا ينخدع ولا يغتر بكون أكثرية الناس ليسوا مسلمين, فهذه حقيقة إنسانية شاء الله أن يكون أكثر الناس كافرين, فقرر ذلك في كتابه وفي أكثر من موضع.

(11) قوله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُون). توبيخ وتقريع لمن يبغي حكم الجاهلية ويترك حكم الإسلام من خلال الاستفهام الإنكاري الوارد في الآية: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ), (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ), والشطر الأول منها ترهيب للناس من التحاكم إلى غير شرع الله, والشطر الثاني منها ترغيب للناس في التحاكم إلى شرع الله من خلال تذكيرهم بأنّ حكم الله أحسن الأحكام وشرع الله أفضل الشرائع.

658

الآيات 51-53

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِين﴾ (المائدة: 51-53)

(1) قال عطية بن سعد: «جاء عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله, إنّ لي موالي من يهود كثير عددهم, وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود, وأتولى الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبي بن سلول: إني رجل أخاف الدوائر, لا أبرأ من ولاية مواليّ, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي: يا أبا الحبّاب، ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن صامت فهو لك دونه, قال: قد قبلت. فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين» (ابن كثير).

(2) وفي هذه الآيات تربية لكل مسلم على إخلاص الولاء لله والرسول والمؤمنين وعلى البراءة من أعداء الله ورسوله والمؤمنين, والمسلم لا يكون كذلك ما لم يجمع بين الولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين, وما يترتب على ذلك من المفاصلة المادية بين الصف المؤمن والصف الكافر على أساس من إعلان الولاء والبراء.

(3) إنّ الولاء يعني النصرة والحلف، ويدل على ذلك ما ذكرناه في سبب نزول هذه الآيات حيث كان هناك حلف ونصرة بين الأوس وبين بني قريظة، والخزرج وبني النضير ،وغطفان وخيبر, يحمل هذا الحلف معنى الدفاع المشترك, ومن هنا ينبغي التفريق بين سماحة الإسلام مع أهل الكتاب وبين الولاء لأهل الكتاب, فالولاء محرم بنص القرآن ومنهي عنه, أما السماحة في التعامل معهم (التعايش السلمي) فشيء آخر وهو شيء مسموح به, وقد فرق القرآن الكريم بين الحالتين فقال تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون) (الممتحنة: 8ــ9).

(4) قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء). من الآثار التربوية لهذه الآية في سلوك صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذكره الإمام الرازي في تفسيره فقال: ((رُوي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنّ لي كاتبا نصرانيا, فقال: ما لك قاتلك الله, ألا اتخذت حنيفا, أما سمعت قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء), قلت: له دينه ولي كتابته, فقال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله, ولا أعزهم إذ أذلهم الله, ولا أدنيهم إذ أبعدهم الله, قلت: لا يتم أمر البصرة إلا به, فقال: مات النصراني والسلام. يعني: هب أنه قد مات فما تصنع بعده, فما تعمله بعد موته فاعمله الآن, واستغن عنه بغيره)). ومن الآثار التربوية لهذه الآية في نفوس التابعين ما ذكره الإمام الطبري في تفسيره فقال: ((سئل محمد بن سيرين عن المسلم يبيع داره لنصراني كي يتخذها كنيسة, فتلا هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء)).

659

(5) قوله تعالى: (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض). هذه الحقيقة التي يقررها القرآن حقيقة قائمة ومستمرة ولا علاقة لها بالزمن, فاليهود بعضهم أولياء بعض, والنصارى بعضهم أولياء بعض, وهم وإن اختلفوا واقتتلوا فيما بينهم فإنهم في علاقتهم مع المسلمين يزول الخلاف والقتال بينهم لينصب حربا ضروسا على المسلمين. وهذه الحقيقة وإن جاءت في صيغة الخبر لتقرر حال اليهود والنصارى فإنها تحمل الإنشاء والطلب فكأنه تعالى يقول: أيها المؤمنون, ليكن بعضكم أولياء بعض, كما هو حال غيركم في تولي بعضهم بعضا.

(6) قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين). لما نهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى, رهّب من موالاتهم وتوعد من يفعل ذلك بعقوبتين: (الأولى) عقوبة دنيوية: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم) أي حكم عليه بأنه من أهل الردة عن الدين وأوجب على المؤمنين أن يتعاملوا معه على أنه كذلك. (والثانية) عقوبة أخروية: (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين) فحكم عليه بالظلم وحذره من مغبة الظلم وهي الوقوع في غضب الله وما يترتب عليه من العقوبة يوم القيامة للظالمين والمغضوب عليهم.

(7) قوله تعالى: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَة). يصف الله تعالى طبيعة المنافقين في موالاتهم للكافرين بأنها جبلة تقوم على المنفعة فلا مبدأ لها ولا عقيدة تنطلق منها, بل هي تفكر في مصلحتها الدنيوية في أن تكون مع الطرف الغالب فلا تخسر شيئا من منافع الدنيا, ولذلك فهي تقف في الصف المؤمن من جهة, وتوالي الصف الكافر من جهة أخرى, والله تعالى حين ذكر ذلك فهو يحذر المؤمنين من هذا السلوك النفاقي النفعي الذي خسر الآخرة وقد يخسر الدنيا إن كانت الدولة للمؤمنين على الكافرين.

(8) قوله تعالى: (فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِين). هذه الآيات تحمل مدلولين تربويين: الترغيب للمؤمنين بالانتصار على الكافرين, والترهيب للمنافقين من هزيمة الكافرين ووقوعهم في الخسارة والندم. يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي الترغيبي لهذه الآية: ((قال المفسرون: (عسى) من الله واجبة, لأنّ الكريم إذا أطمع في خير فعله, فهو بمنزلة الوعد لتعلق النفس به ورجائها له, والمعنى: فعسى الله أن يأتي بالفتح لرسول الله على أعدائه, وإظهار المسلمين على أعدائهم، أو أمر من عنده يقطع أصل اليهود, أو يخرجهم من بلادهم فيصبح المنافقون نادمين على ما حدثوا به أنفسهم, وذلك لأنهم كانون يشكون في أمر الرسول ويقولون: لا نظن أنه يتم له أمره والأظهر أن تصير الدولة والغلبة لأعدائه)). ويقول صاحب الظلال في المدلول الترهيبي لهذه الآية: «ويهدد القرآن المستنصرين بأعداء دينهم, المتألبين عليهم, المنافقين الذين لا يخلصون لله اعتقادهم ولا ولائهم ولا اعتمادهم, يهددهم برجاء الفتح أو أمر الله الذي يفصل في الموقف, أو يكشف المستور من النفاق».

660

(9) قوله تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِين). لهذه الآية مدلولان تربويان: (الأول) قول المؤمنين على سبيل التعجيب من المنافقين الذين كان ظاهرهم الإسلام ومآلهم يوم القيامة مع الكفار, والتعجيب أسلوب تربوي المراد منه هنا زجر المنافقين عن نفاقهم وتحذير الناس من أن يسلكوا سلوكهم فيؤولون إلى ما آلوا إليه. (الثاني) ترهيب المنافقين من النفاق وترهيب الناس من سلوكهم من خلال بيان ما يؤول إليه حالهم يوم القيامة, من حبوط الأعمال وزوالها فلا أجر لهم عليها وإن كانت صالحة, وخسارتهم للجنة يوم القيامة وذلك هو الخسران المبين.

661

الآية 54

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم﴾ (المائدة: 54)

(1) في نظم هذه الآيات نقول: ذكرت هذه الآية وموضوعها الردة وسط آيات الولاء قبلها وبعدها, فدل ذلك على تعظيم أمر الولاء وأنه نوع من الردة وليس مجرد عمل يُحكم عليه في سياق الذنوب والمعاصي.

(2) وفي هذه الآية تربية للمؤمن من خلال التهديد بالاستبدال, فالله تعالى يقول للمؤمنين: إن ارتددتم عن الدين فلن يذل ولن يضيع لأنه ديني وأنا متكفل بإقامته وسوف آتي بقوم أفضل منكم يحملون أمر هذا الدين ويقيمون نظامه بين الناس, وهذه الآية كقوله تعالى: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم) (محمد: 38)، وقوله تعالى: (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرا) (النساء: 133)، وقوله تعالى: (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيد) (إبراهيم: 19)، والمدلول التربوي للتهديد بالاستبدال هو تحريض المؤمنين على التمسك بدينهم وحثهم على الجهاد في سبيل الله.

662

(3) وصف الله تعالى القوم الذين وعد أن يأتي بهم بمجموعة من الصفات الحسنة على سبيل المدح لهم والثناء عليهم, والمراد من ذلك تربية المؤمنين على القدوة والأسوة فكأنه تعالى يقول للمؤمنين عليكم أن تتصفوا بهذه الصفات كي أرضى عنكم ولا أستبدلكم بغيركم، وهذه الصفات هي: (أولا) قوله تعالى: (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه), ومع أنّ حب الله لعبده يكون ثوابا للعبد على محبته لله, فإنه تعالى قدم حبه على حبهم لأنه الأهم, ومع أنّ علاقة العبد بربه هي علاقة العبودية والربوبية فإنّ الحب هو جوهر هذه العلاقة, الحب المتبادل, الذي لا يعلم معناه إلا من عاش هذه التجربة وتذوق معنى هذا الكلام. (ثانيا) قوله تعالى: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين), وهذا كقوله تعالى: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم) (الفتح: 29)، والمراد بالذلة: الرفق واللين والتواضع والرحمة, والمراد بالعزة: الشدة والغلظة. (ثالثا) قوله تعالى: (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِم), ولم يقل: ولا يخافون ضربة سيف أو طعنة رمح, لأنه من الثابت في علم النفوس أنّ اللوم وخاصة من القريب, يفتُّ في عضد الإنسان ويقسم ظهره وربما يثنيه عن القيام بواجبه في الجهاد لإحقاق الحق وإزهاق الباطل, وقد يلجأ الخصوم إلى هذا الأسلوب في القضاء على المجاهدين حين يفشل معهم الحديد والنار, وقد تؤتي هذه الوسيلة أكلها حين يفشل السيف والرمح والقيد والحديد. ولأهمية هذه الصفة كان الصحابة رضوان الله عليهم يبايعون عليها, قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره, وفي عسرنا ويسرنا, وعلى أن نقول الحق لا نخاف في الله لومة لائم» (البخاري), وقد رغبت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على قول الحق ونبذ الخوف والخشية من الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا لا يمنعنّ أحدَكم هيبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده» (أحمد), وقال أيضا: «لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمرا لله فيه مقال فلا يقول فيه, فيُقال له يوم القيامة: ما منعك أن تكون قلت فيه كذا وكذا؟ فيقول مخافة الناس, فيقول الله: إياي أحق أن تخاف» (أحمد).

(4) قوله تعالى: (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم). يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لعلاقة هذه الخاتمة بمضمون الآية: «فالواسع إشارة إلى كمال القدرة, والعليم إشارة إلى كمال العلم, ولما أخبر الله تعالى أنه سيجيء بأقوام هذا شأنهم وصفتهم أكد ذلك بأنه كامل القدرة فلا يعجز عن هذا الموعود, كامل العلم فيمتنع دخول الخُلف في أخباره ومواعيده».

663