التفسير التربويالجزء 1 · ص 689 - 697

الآية 89

الآية 89

قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ (المائدة: 89)

(1) في سبب نزول هذه الآية وفي المدلول التربوي لعلاقتها بما قبلها قال ابن عباس رضي الله عنه: ((لمّا نزلت: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) في القوم الذين كانوا حرموا النساء واللحم على أنفسهم، قالوا يا رسول الله، كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ فأنزل الله تعالى ذكره: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ..) الآية)) (الطبري).

(2) واعلم أنّ الأيمان ثلاثة: يمين لا يؤاخذ بها صاحبها، ويمين لا تُكَفّر، ويمين تُكَفّر. أما اليمين التي لا يؤاخذ بها صاحبها فهي اليمين اللغو، أي: قول الإنسان: لا والله، بلى والله، وهو لا يقصد الحلف واليمين، ومن رحمته تعالى بالناس ورأفته بهم ومراعاته لزلات لسانهم أنه لم يؤاخذهم باليمين اللغو ولو شاء لآخذهم. وأما اليمين التي لا تكفر فهي اليمين الغموس، أي: الحلف الكاذب بالله مع تعمد الحلف والعلم بالكذب، وهي من الكبائر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الكبائر ثلاث» وذكر منها «اليمين الغموس» (البخاري)، وسميت غموسا لأنها تغمس صاحبها في النار، ولا كفارة فيها لأنها أعظم من أن تكفرها كفارة، فليس لصاحبها إلا التوبة الصادقة النصوح ورد الحق إلى أصحابه والرجاء من الله التوبة والمغفرة. وأما اليمين التي تكفر فهي اليمين المنعقدة، وهي أن يحلف الإنسان على الفعل متعمدا الحلف ثم لا يفعل أو أن يحلف على الترك متعمدا الحلف ثم لا يترك، أو أن يحلف على أمر ثم يجد خيرا منه فيفعل الذي هو خير أو أن يحلف على فعل المعصية فلا يفعل المعصية بل يكفر عن يمينه ويفعل الطاعة، وهي اليمين المذكورة في هذه الآية، وقد جعل الله فيها الكفارة، والكفارة هي الغطاء لأنها تغطي الحنث باليمين، وهي عقوبة مالية أو بدنية أوجبها الله على المؤمنين عقوبة لهم وردعا لهم عن مثل هذا اليمين، فالكفارة من الناحية التربوية هي تربية بالعقوبة الدنيوية المالية (الإطعام أو الكسوة أو تحرير رقبة) أو البدنية (الصيام ثلاثة أيام)، والبدنية في حال عدم الاستطاعة المالية.

689

(3) قوله تعالى: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَة). لقائل أن يقول: ما الحكمة التربوية في تقديم الإطعام على العتق مع أنّ العتق أثقل وأفضل؟. في الجواب على ذلك يقول الإمام الرازي في تفسيره: ((قلنا: له وجوه: (أحدها) أنّ المقصود منه هو التنبيه على أنّ هذه الكفارة وجبت على التخيير لا على الترتيب، لأنها لو وجبت على الترتيب لوجب البداءة والأغلظ. (وثانيها) قدم الإطعام لأنه أسهل، لكون الطعام أعم وجودا، والمقصود منه التنبيه على أنه تعالى يراعي التخفيف والتسهيل في التكاليف. (وثالثها) أنّ الإطعام أفضل، لأنّ الحر الفقير قد لا يجد الطعام ولا يكون هناك من يعطيه الطعام فيقع في الضر، أما العبد فإنه يجب على مولاه إطعامه وكسوته)). قلت: وهناك وجه عام في هذا الترتيب: الإطعام أو الكسوة أو العتق، وهو أنه ترتيب قائم على الحاجة، فقدم تعالى الأحوج وأخر الأقل حاجة، فحاجة الناس إلى الطعام أشد من حاجتهم إلى الكسوة، وحاجتهم إلى الكسوة أشد من حاجتهم إلى العتق.

(4) قوله تعالى: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّام). قدم الله تعالى العقوبة المالية على العقوبة البدنية في الكفارة لحكمتين تربويتين: (الأولى) إنّ العقوبة المالية هي لمصلحة الغير والعقوبة البدنية هي لمصلحة النفس، والمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة، فمن صام فلنفسه ومن تصدق فلغيره. (والثانية) إنّ المال أهم عند الإنسان من النفس وقد يضحي الإنسان بنفسه ولا يضحي بماله، ومن هنا كانت العقوبة بالمال أبلغ وأردع من العقوبة بالنفس، ومثل ذلك لمّا أمر الله تعالى المؤمنين بالجهاد فقدم المال على النفس حيث قال: (وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّه) (التوبة: 41).

(5) قوله تعالى: (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُم). قيل: بعدم الحلف بالله إلا مضطرا، وقيل: بالتكفير عنها، وأيا كان فالمدلول التربوي لليمين هو التعظيم لله، فلا ينبغي الحلف بالله في كل شاردة وواردة، بل يقلل المسلم من الحلف ولا يكثر منه تأدبا مع الله تعالى واحتراما لجلاله، وهذا كقوله تعالى: (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُم) (البقرة: 224)، كما إنه إذا حلف فلا يحلف إلا بالله لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حلف بغير الله فقد أشرك» (الترمذي).

690

الآيات 90-92

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِين﴾ (المائدة: 90-92)

(1) في المدلول التربوي لعلاقة هذه الآية بما قبلها يقول الإمام الرازي: ((اعلم أنّ هذا هو النوع الثالث من الأحكام المذكورة في هذا الموضع، ووجه اتصاله بما قبله أنه تعالى قال فيما تقدم: (لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) إلى قوله (وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا) ثم لمّا كان من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسر لا جرم أنه تعالى بيّن أنهما غير داخلين في المحللات، بل في المحرمات)).

(2) هذه الآيات في تحريم شرب الخمر واللعب بالميسر والذبح للأنصاب والاستقسام بالأزلام، وقد سلك السياق القرآني في تحريم هذه الأشياء مجموعة من الترهيبات لجعل المسلم ينفر منها ويبتعد عنها، وهي في نفس الوقت دلائل على تحريم الخمر والميسر: (الأول) تصدير الخطاب بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، فإنه تعالى يربط بين الإيمان وبين ترك التعاطي بهذه المحرمات، وكأنه تعالى يقول: إنّ مقتضى الإيمان به هو ترك ما حرم علينا، فإن لم نترك ما حرم علينا كان هناك شك في إيماننا. (الثاني) قوله تعالى: (إنما)، وهي أداة حصر تثبت ما بعدها وتنفي ما عداه، فكأنه تعالى يقول: لا رجس ولا شيء من عمل الشيطان إلا هذه الأشياء الأربعة. (الثالث) قرن الله تعالى بين الخمر والميسر من جهة وبين الذبح للأنصاب والاستقسام بالأزلام من جهة أخرى، أي: قرن بين الخمر والميسر وعبادة الأوثان للترهيب منهما والتأكيد على شدة حرمتهما. (الرابع) قوله تعالى عنهما (رِجْس)، أي: نجس ونتن وإثم. (الخامس) قوله تعالى (مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَان)، والمؤمن من يبتعد عن عمل الشيطان لأنّ الشيطان قد أبان عن عداوته للإنسان. (السادس) قوله تعالى (فَاجْتَنِبُوه) وهو أقوى من التحريم، فالتحريم يعني منع الشيء نفسه والاجتناب يعني تحريم الوسائل المؤدية إلى الشيء إضافة إلى تحريم الشيء نفسه. (السابع) قوله تعالى: (لعَلكُمْ تُفْلِحُون)، أي: لتفلحوا، فربط الفلاح وهو الفوز بالجنة بترك الخمر والميسر، ومعنى ذلك: إنّ من يتعاطى الخمر ويلعب الميسر ليس من المفلحين يوم القيامة. (الثامن) قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِر)، فرهّب من مفاسد الخمر والميسر في الدنيا حيث يؤديان إلى العداوة والبغضاء بين المؤمنين. (التاسع) قوله تعالى: (وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاة)، فرهّب من مفاسد الخمر والميسر في الدين حيث إنّ الخمر والميسر تمنعان المسلم من ذكر الله ومن الصلاة. (العاشر) قوله تعالى: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون)، وهذا ترهيب شديد من الخمر والميسر جاء في صيغة الاستفهام التقريري، وهو أبلغ أثرا من التقرير العادي. (الحادي عشر) قوله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا)، حيث اعتبر ترك الخمر والميسر من طاعة الله والرسول، فمن تعاطى الخمر والميسر فهو من العصاة لله ولرسوله. (الثاني عشر) قوله تعالى: (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِين) وهو تهديد عظيم ووعيد شديد لمن يتولى عن طاعة الله وطاعة الرسول في ترك الخمر والميسر، لأنه ليس بعد البلاغ إلا الحساب والعقاب في النار يوم القيامة لمن لم يستفد من البلاغ.

691

(3) قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاة). جمعت هذه الآية مفاسد الخمر والميسر في الدنيا (العداوة والبغضاء) وفي الدين (الصد عن ذكر الله وعن الصلاة). يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لذلك: «أما الخمر فاعلم أنّ الظاهر فيمن يشرب الخمر أنه يشربها في جماعة، ويكون غرضه من ذلك الشرب أن يستأنس برفقائه ويفرح بمحادثتهم ومكالمتهم، فكان غرضه من ذلك الاجتماع تأكيد الألفة والمحبة، إلا أنّ ذلك في الأغلب ينقلب إلى الضد، لأنّ الخمر يزيل العقل، وإذا زال العقل استولت الشهوة والغضب من غير مدافعة العقل، وعند استيلائهما تحصل المنازعة بين أولئك الأصحاب، وتلك المنازعة ربما أدت إلى الضرب والقتل والمشافهة بالفحش، وذلك يورث أشد العداوة والبغضاء، فالشيطان يسوّل أنّ الاجتماع على الشرب يوجب تأكيد الألفة والمحبة، وبالآخرة انقلب الأمر وحصلت نهاية العداوة والبغضاء. وأما الميسر ففيه بإزاء التوسعة على المحتاجين الإجحاف بأرباب الأموال، لأنّ من صار مغلوبا في القمار مرة دعاه ذلك إلى اللجاج فيه عن رجاء أنه ربما صار غالبا فيه، وقد يتفق أن لا يحصل له ذلك إلى أن لا يبقى له شيء من المال، وإلى أن يقامر على لحيته وأهله وولده، ولا شك أنه يبقى بعد ذلك مسكينا فقيرا، ويصير من أعدى الأعداء لأولئك الذين كانوا له غالبين. فظهر من هذا الوجه أنّ الخمر والميسر سببان عظيمان في إثارة العداوة والبغضاء بين الناس، ولا شك أنّ شدة العداوة والبغضاء تفضي إلى أحوال مذمومة من الهرج والمرج والفتن، وكل ذلك مضاد لمصالح العالم. وأما أنّ شرب الخمر يمنع من ذكر الله فظاهر، لأنّ شرب الخمر يورث الطرب واللذة الجسمانية، والنفس إذا استغرقت في اللذات الجسمانية غفلت عن ذكر الله تعالى. وأما أنّ الميسر مانع عن ذكر الله وعن الصلاة فذلك لأنه إن كان غالبا صار استغراقه في لذة الغالبة مانعا من أن يخطر بباله شيء سواه، ولا شك أنّ هذه الحالة مما تصد عن ذكر الله وعن الصلاة».

692

(4) كانت الخمر عادة متأصلة في المجتمع الذي نزل فيه القرآن، حيث كان شرب الخمر سائدا في المجتمع وقليل من الناس من لا يشرب الخمر، وكانوا يخزنون الخمر في القلال لكثرة شرابهم لها، فكيف عالج القرآن هذه الظاهرة؟ وكيف استطاع القضاء عليها رغم فشل كل المجتمعات التي حاولت القضاء على شرب الخمر؟. نقول في الجواب على ذلك تربويا: سلك القرآن في علاج هذه الظاهرة وغيرها من الظواهر الشريرة المتأصلة في المجتمعات مسلكين: (الأول) بدأ بالعقيدة قبل الشريعة، فنزل القرآن أولا بتصحيح عقيدة الناس ودعوتهم إلى إفراد الله تعالى بالإلهية من خلال التركيز على شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله، ومن خلال الآيات التي كانت تنزل وموضوعها الجنة والنار والحساب والجزاء والعقاب، فدعا الناس إلى العبودية لله من خلال التركيز على الإيمان بالله واليوم الآخر، وبعد أن استجاب الناس، وبعد أن رسخت هذه المفاهيم في قلوبهم وأيقنت بها ضمائرهم نزل الحلال والحرام فاتبعوه وعملوا به وسارعوا إلى تطبيقه وتنفيذه مسارعة يشهد لهم التاريخ بها، وهذا المسلك هو الذي لخصته السيدة عائشة رضي الله عنها فقالت: «إنما نزل أول ما نزل سورة من المفصّل فيها ذكر الجنة والنار, حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام, ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدا, ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبدا» (البخاري)، والمفصّل: هو القسم الأخير من القرآن يبدأ بسورة ق, وقيل: يبدأ بسورة الحجرات، وينتهي بنهاية القرآن, وموضوع سوره الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر أي: العقائد. (والثاني) تدرج القرآن في تحريم الخمر، فلم يحرمه دفعة واحدة بل حرمه على مراحل, والآيات المذكورة أعلاه تشكل المرحلة الرابعة في علاج مشكلة الخمر, كما تدرج القرآن في النذارة والقتال, وقد كانت المرحلة الأولى في علاج الخمر ما ذكره الله عنه في سورة النحل فقال: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُون) (النحل: 67)، فقد ذكر السكر مقابل الرزق الحسن, وهي تثير القلق في نفس المسلم, لأنّ السكر شيء والرزق الحسن شيء آخر, وفي المرحلة الثانية نزل قوله تعالى: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) (البقرة: 219)، حيث دلت ظاهرة السؤال عن الخمر على الشبهة التي حصلت في نفوس المسلمين تجاه شرب الخمر, ودل الجواب على تثبيت هذه الشبهة بالتصريح بأنّ في الخمر منافع ومضار ولكن حجم المنافع أقل من حجم المضار, وكانت المرحلة الثالثة في علاج الخمر هي تحريم الصلاة في حال السكر، أي: تحريم السكر وقت الصلاة فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُون) (النساء: 43), وبموجب هذه الآية أصبحت الخمر محرمة في أوقات محددة من اليوم ومباحة في أوقات أخرى, وفي المرحلة الرابعة والأخيرة نزل تحريم الخمر مطلقا وفي كل الأوقات فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون) (المائدة: 90). فلما نزل التحريم بعد هذا التدريج وبعد ذلك التأسيس للعقيدة في النفوس ولحقيقة العبودية لله تعالى, سارع المسلمون إلى الكف عن شرب الخمر حتى أنّ بعضهم سمع التحريم والكأس في يده فلم يتم الحركة برفعها إلى فمه, وألقيت الخمور في الأزقة والشوارع, يقول بُريدة: ((بينما نحن قعود على شراب لنا, ونحن على رملة, ونحن ثلاثة أو أربعة, وعندنا باطية لنا, ونحن نشرب الخمر حلا, إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه, وقد نزل تحريم الخمر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْر) إلى قوله (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون), فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم, وبعض القوم شربته في يده, قد شرب بعضا وبقي بعض في الإناء, فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام, ثم صبوا ما في باطيتهم فقالوا: انتهينا ربنا! انتهينا ربنا!)) (الطبري). وقال أنس بن مالك: ((بينا أنا أدير الكأس على أبي طلحة, وأبي عبيدة بن الجراح, ومعاذ بن جبل, وسهيل بن بيضاء, وأبي دجانة, حتى مالت رؤوسهم من خليط بُسر وتمر, فسمعنا مناديا ينادي: ألا إنّ الخمر قد حرمت! قال: فما دخل علينا داخل وما خرج منا خارج, حتى أهرقنا الشراب, وكسرنا القلال, وتوضأ بعضنا, واغتسل بعضنا, وأصبنا من طيب أم سليم, ثم خرجنا إلى المسجد, وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْر) إلى قوله (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون)) (الطبري).

693

الآية 93

قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين﴾ (المائدة: 93)

لنا مع هذه الآيات الوقفات التالية:

(1) قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا) الآية. قال ابن عباس: ((لما حرمت الخمر قال ناس: يا رسول الله, أصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ فأنزل الله (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا) إلى آخر الآية. ولما حُولت القبلة قال ناس: يا رسول الله, إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيم) (البقرة: 143)) (ابن كثير). دلت هاتان الآيات في الخمر وفي الصلاة على رحمته تعالى بالمؤمنين في عدم محاسبتهم على أمر كانوا يفعلونه قبل نزول النص بالتحريم، وفي عدم تضييع ما كسبوه وعملوه في أمر فعلوه قبل نزول النص بتركه والتوجيه لغيره، وفي هاتين الحادثتين تربية للمؤمنين على الوقوف عند كلام الله والامتثال لقوله فيما يأمر به وفيما ينهى عنه, وفيهما تربية على أهمية النص في التحريم, فالتحريم يبدأ من نزول النص ولا أثر رجعي للنص, والعقوبة لا تكون إلا بنص سواء في الدنيا أم في الآخرة, والمؤمن هو الذي يقف عند النص فيعمل بما فيه ولا يتمادى مع أرائه وأهوائه فيهمل النص ويقول رأي كذا وكذا، كما هو حال بعض المنتسبين إلى الإسلام والذين يقولون ويعملون بما تمليه عليهم عقولهم تاركين النصوص ومدعين أنهم يجددون الإسلام ويطورونه كي يجعلوه دينا عقلانيا بزعمهم.

(2) قوله تعالى: (إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا). قال الإمام الطبري: «فالاتقاء الأول: هو الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول والتصديق والدينونة به والعمل, والاتقاء الثاني: الاتقاء بالثبات على التصديق وترك التبديل والتغيير, والاتقاء الثالث: هو الاتقاء بالإحسان والتقرب بنوافل الأعمال». فدل هذا النص على أهمية التقوى من خلال تكرار الأمر بالتقوى ثلاث مرات, وفيه تربية على أنّ التقوى هي زاد المؤمن في الإيمان والعمل الصالح ثم في المواظبة على الإيمان والاستمرارية ثم في الإحسان مع الله ومع الناس, وفيه تربية على أنّ التقوى ليست مجرد شعور بالخوف والخشية من الله بل لابد أن ينبثق عن هذا الشعور الداخلي عمل صالح ومواظبة على الإيمان وعمل بالإحسان, ولذلك قرن الأمر بالتقوى بالعمل الصالح وبالمواظبة على الإيمان وبالإحسان, والتقوى هي الأساس في قيام الدين, ولا قيام لهذا الدين لا على مستوى الفرد ولا على مستوى الجماعة إلا بالتقوى, ومن هنا ذكر الله التقوى في كتابه في (240) مائتين وأربعين مرة أمرا بها وترغيبا فيها وترهيبا من تركها والإعراض عنها.

694

(3) قوله تعالى: (ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين). فيه ترغيب بالإحسان من خلال الأمر به والإعلان بأنّ الله يحب من اتصف به. والمؤمن من يمتثل لأمر الله بالطاعة والعمل, والمؤمن كذلك من يسعى لأن يكون في موضع محبة الله تعالى. والإحسان على نوعين: (الأول) إحسان مع الله, ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما سأله جبريل عن الإحسان فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (البخاري ومسلم), فإن عاش المؤمن هذه الحالة كان مع المقربين. (والثاني) إحسان مع خلق الله, أمر الله به في كتابه فقال: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَان) (النحل: 90), والإحسان مع الخلق يكون بالتنازل عن الحق كله أو بعضه لوجه الله تعالى, وهو حالة أرقى من العدل الذي هو إعطاء كل ذي حق حقه.

(4) قوله تعالى: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين). دلت هذه الآية وغيرها من الآيات على وسيلة من وسائل التربية القرآنية في الترغيب والترهيب, والله تعالى يرغّب المؤمنين على أن يتصفوا بصفات محددة من خلال قوله تعالى: (والله يحب), وينفّر المؤمنين من الاتصاف بصفات معينة من خلال قوله تعالى: (والله لا يحب), وهي وسيلة لها أثرها في شخصية المؤمن, فالمؤمن يحب الله ويسعى لأن يكون محلا لمحبة الله، كما إنه يسعى لأن لا يكون محلا لما لا يحبه الله, فحريّ بكل مؤمن أن يجمع الآيات التي تحمل هذه السمة (والله يحب) ويعمل بما فيها وبما تدل عليه, وأن يجمع الآيات التي تحمل السمة الأخرى (والله لا يحب) فيترك العمل بما فيها وبما تدل عليه.

695

الآيات 94-95

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام﴾ (المائدة: 94-95)

(1) قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا). قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إذا سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا، فأرعها سمعك، فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه» (ابن كثير). والدلالة التربوية لهذا القول هو أنّ الأصل في خطاب الشارع مراعاة المصالح بالحض على فعل الخبر والترهيب من فعل الشر، فالخطاب القرآني قائم على مراعاة مصالح العباد، وحتى لو لم يظهر لنا الحكمة من الأمر أو الحمة من النهي فإن الحكمة لابد أن تكون قائمة على هذه القاعدة، وفي هذا تربية للمسلم على الإفتاء فيما لم يرد فيه نص، حيث ننظر إلى الشيء ونقدر منافعه ومضاره، فإن غلبت فيه المنافع قلنا بإباحته، وإن غلبت فيه المضار قلنا بحرمته، وقد علمنا الله ذلك بقوله: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) (البقرة: 219)، فالخمر مثلا فيه منافع وفيه مضار، ولمّا كانت مضاره أكبر من منافعه حكم الله بتحريمه مراعاة لمصالح العباد.

(2) التشريع الذي نصت عليه هاتان الآيتان هو تحريم الصيد على المسلم أثناء إحرامه بحج أو عمرة، وقد ذكر الله هذا التشريع في مطلع السورة: (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُم) (المائدة: 1)، فحرم الصيد على المحرم ولم يذكر له عقوبة، وهنا جاء السياق القرآني ليذكر العقوبة والكفارة، ولهذا التشريع غايات تربوية نذكر منها: (أولا) إيجاد منطقة أمان للحيوانات والطير والحشرات، والتأكيد على أنّ الأمان في الإسلام لا يقف عند الإنسان بل يشمل حتى الحيوانات والطير والحشرات، فقد يكون ذلك رادعا للإنسان الذي تحول إلى كتلة من الشر التي لا هم لها إلا القتل والإيذاء والترويع. (ثانيا) هناك مسألة بيئية كثيرا ما يغفل عنها الناس في خضم سعيهم لتحقيق مصالحهم وهي أنّ للحيوانات والطيور والحشرات دورا في التوازن البيئي، وأنّ الله تعالى لم يخلق هذه الأحياء كي تقتل، وأنّ الإسلام حينما أحل الصيد فإنما أحله لمنفعة الإنسان فلا يجوز قتل الحيوانات والطيور على سبيل العبث والتسلي وممارسة الهواية، ومن هنا يأتي هذا التحريم للصيد أثناء الإحرام ليصب في هذا الأصل. (ثالثا) للحيوانات والطيور والحشرات دور جمالي في حياة الإنسان ذكره الله في كتابه حيث قال في وصف الأنعام: (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُون) (النحل: 6). (رابعا) الإحرام مدرسة تدريبية، فحينما يروّض المسلم نفسه على عدم الصيد في فترة الإحرام فإنّ عليه أن يحمل هذا الأثر التربوي معه إلى بقية أيام السنة، وعليه أن يروّض نفسه على عدم صيد الحيوانات والطيور في كل أيام السنة إلا لحاجة في صيدها، أي: عليه أن ينقل هذه التجربة من الحرم المكي إلى سائر أنحاء العالم.

(3) ونقف هنا مع الوسائل التربوية التي جاءت في النص ترغيبا في ترك الصيد أثناء الإحرام أو ترهيبا من فعله:

696

(أولا) ربط التشريع بالإيمان: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْد)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُم)، ولهذا الربط أثره في شخصية المؤمن، فكأنه تعالى يقول للمؤمنين: إن كنتم مؤمنين فلا تفعلوا ذلك.

(ثانيا) تسمية التشريع باسم الابتلاء: (لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْد)، وفي هذا التعبير استجاشة لضمير المؤمن وتهيئة له على النجاح في ترك الصيد أثناء الإحرام بصفته ابتلاء وامتحانا واختبارا.

(ثالثا) تصغير حجم الابتلاء بقوله: (بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْد)، فالتحريم لا يشمل صيد البحر ولا صيد البر في غير الإحرام، فهو ابتلاء سهل وليس ابتلاء صعبا كالابتلاء ببذل الأموال والأرواح.

(رابعا) قوله تعالى: (لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْب)، والله تعالى يعلم من يخافه بالغيب ولكنه لا يحاسب الناس على علمه إنما يحاسبهم على ما يقع منهم، فيعلمه علم وقوع حيث يظهر العلم من عالم الغيب إلى عالم الحضور والمشاهدة، ومعنى ذلك الترهيب من وقوع الفعل لأنّ هذا الفعل إذا وقع سيحاسب صاحبه عليه فهو ترهيب بالمحاسبة.

(خامسا) الترهيب بالعقوبة الدنيوية والأخروية بقوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيم)، قال الإمام الرازي في تفسيره: ((والمراد عذاب الآخرة والتعزير في الدنيا، قال ابن عباس: هذا العذاب هو أن يُضرب بطنه وظهره ضربا وجيعا وينزع ثيابه. قال القفال: وهذا جائز لأنّ اسم العذاب قد يقع على الضرب كما سمّى جلد الزانيين عذابا فقال: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين)).

(سادسا) التربية بالعقوبة الدنيوية من خلال الكفارة، وهي إما عقوبة مالية أو عقوبة بدنية بالصيام، قال تعالى: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاما).

(سابعا) الترهيب من انتقام الله بقوله: (وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام).

(4) وأما الآثار التربوية لهذه النصوص فكانت التزام المؤمنين بشريعة الله حتى إنّ الصحابة صاروا يتحرجون من قتل الحشرات أثناء الإحرام، وصار الحرم مرتعا آمنا للحيوانات والطيور والحشرات يُضرب المثل بما يراه الناس فيه، فقد امتحن الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم بصيد البر كما امتحن أمة موسى عليه السلام بصيد البحر فنجحت أمة محمد وأخفق بنو إسرائيل، فكان المسلمون كما وصفهم الله بقوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس) (آل عمران: 110)، ولقد كان من نتائج نجاح أمة محمد صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة حيث أخفق بنو إسرائيل أن نزع الله الخلافة في الأرض من بني إسرائيل وجعلها في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ومكّن لهم دينهم كما لم يمكّن لأمة قبلهم.

697