التفسير التربويالجزء 1 · ص 698 - 706

الآية 96

الآية 96

قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُون﴾ (المائدة: 96)

(1) قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُه). في الدلالة التربوية لعلاقة هذه الآية بما قبلها نقول: إنه تعالى لمّا حرم على المؤمنين صيد البر في فترة الإحرام أحل لهم الصيد في خارج الإحرام، كما أحل لهم صيد البحر وطعام البحر، وهذه قاعدة تربوية سميناها قاعدة البدائل، أي: إنّ الله تعالى ما حرم طعاما إلا وأحل طعاما آخر، وما حرم شرابا إلا وأحل شرابا آخر، وقد حرم الله الزنا وأباح الزواج، وحرم الكسب الحرام وأحل الكسب الحلال، ومنع الإسلام صحبة السوء وحضّ على صحبة الخير، ومنع المسلم من القيام في دار الكفر وأحل القيام في دار الإسلام، وأمر بهجرة أماكن المعصية ورغّب في أماكن الطاعة، والمدلول التربوي لقاعدة البدائل هو تربية الشخصية المؤمنة المتوازنة ومراعاة الميول الفطرية الموجودة في داخل الإنسان.

(2) قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُون). مدلوله التربوي هو الحض على الطاعة والاحتراز من المعصية من خلال ربط التشريع بتقوى الله، ومن خلال ربط التشريع بيوم القيامة بصفته يوما يُحشر الناس فيه إلى الله فيحاسبهم جميعا، ويثيب المطيع ويُعاقب العاصي، وهذا الربط للتشريع بالتقوى وبيوم القيامة هو الأساس في نجاح تطبيقه حيث فشلت محاولات الأنظمة الوضعية في تطبيقها ونجح المسلمون في تطبيق شريعتهم، واستطاع الإسلام خلال فترة زمنية قصيرة تطبيق شريعته واستئصال أشد العادات تأصلا في المجتمع البشري كعادة شرب الخمر.

698

الآية 97

قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ (المائدة: 97)

(1) في المدلول التربوي لعلاقة هذه الآية بما قبلها نقول: إنه تعالى لما حرم في الآية السابقة حرمة اصطياد الحيوان والطير على المحرم فكان ذلك آمانا لها، بيّن في هذه الآية حرمة الإنسان وجعل له الأمن في البيت الحرام وفي الشهر الحرام وفي الهدي والقلائد.

(2) قوله تعالى: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِد). قال الإمام الطبري: «القوام للشيء هو الذي به صلاحه، كما الملك الأعظم قوام رعيته ومن في سلطانه، لأنه مدبر أمرهم وحاجز ظالمهم عن مظلومهم، والدافع عنهم مكروه من بغاهم وعاداهم، وكذلك كانت الكعبة والشهر الحرام والهدي والقلائد، قوام أمر العرب الذي كان به صلاحهم في الجاهلية، وهي في الإسلام لأهله معالم حجهم ومناسكهم، ومتوجههم لصلاتهم، وقبلتهم التي باستقبالها يتم فرضهم. قال قتادة: حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية، فكان الرجل لو جرّ كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يُتناول ولم يُقرب، وكان الرجل لو لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام لم يعرض له ولم يقربه، وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادة من شعر فأحمته ومنعته من الناس حتى يأتي أهله، حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية. وقال ابن زيد: كان الناس كلهم فيهم ملوك تدفع بعضهم عن بعض، ولم يكن في العرب ملوك تدفع بعضهم عن بعض، فجعل الله تعالى ذكره لهم البيت الحرام قياما، يُدفع بعضهم عن بعض به، والشهر الحرام كذلك والقلائد».

699

(3) قوله تعالى: (ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم). قال الإمام الطبري: «يقول تعالى ذكره: صيّرت لكم أيها الناس ذلك قياما كي تعلموا أنّ من أحدث لكم لمصالح دنياكم ما أحدث، مما به قوامكم، علما منه بمنافعكم ومضاركم، أنه كذلك يعلم جميع ما في السماوات وما في الأرض مما فيه صلاح عاجلكم وآجلكم، ولتعلموا أنّ الله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء من أموركم وأعمالكم، وهو محصيها عليكم حتى يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته». وفي هذه الآية تربية على أنه تعالى حريص على مصالح عباده، مريد لهم الخير، يتولى شؤونهم، لم يخلقهم ويتركهم سدى، وإنما شرع لهم من الأشياء وألقى في نفوسهم من الدواعي ما فيه قيام أمرهم حتى لو لم يكن لهم ملك وسلطان يقوم بأمرهم. يقول صاحب الظلال في المدلول التربوي لهذه الآية والآيات التي قبلها: «إنها منطقة الأمان يقيمها الله للبشر في زحمة الصراع، إنها الكعبة الحرام والأشهر الحرام تقدم في وسط المعركة المستعرة بين المتخاصمين والمتحاربين والمتصارعين والمتزاحمين على الحياة بين الأحياء من جميع الأنواع والأجناس، بين الرغائب والمطامع والشهوات والضرورات، فتحل الطمأنينة محل الخوف، ويحل السلام محل الخصام، وترف أجنحة من الحب والإخاء والأمن والسلام، وتدرب البشرية في واقعها العمل، لا في عالم المثل والنظريات، على هذه المشاعر وهذه المعاني، فلا تبقى مجرد كلمات مجنحة ورؤى حالمة، تعز على التحقيق في واقع الحياة. لقد جعل الله هذه الحرمات تشمل الإنسان والطير والحيوان والحشرات بالأمن في لبيت الحرام، وفي فترة الإحرام بالنسبة للمحرم حتى وهو لم يبلغ الحرم، كما جعل الأشهر الحرم الأربعة التي لا يجوز فيها القتل ولا القتال، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ثم رجب، ولقد ألقى الله في قلوب العرب حتى في جاهليتهم حرمة هذه الأشهر، فكانوا لا يروعون فيها نفسا، ولا يطلبون فيها دما، ولا يتوقعون فيها ثأرا، حتى كان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه وأخيه فلا يؤذيه، فكانت مكانا آمنا للسياحة والضرب في الأرض وابتغاء الرزق، جعلها الله كذلك لأنه أراد للكعبة بيت الله الحرام، أن تكون مثابة أمن وسلام، تقيم الناس وتقيهم الخوف والفزع، كذلك جعل الله الأشهر الحرم لتكون منطقة أمان في الزمان كالكعبة منطقة أمان في المكان، ثم مد رواق الأمن خارج منطقة الزمان والمكان، فجعله حقا للهدي وهو النعم، الذي يطلق ليبلغ الكعبة في الحج والعمرة، فلا يمسه أحد في الطريق بسوء، كما جعله لمن يتقلد من شجر الحرم، معلنا احتماءه بالبيت العتيق. وبعد، فإنها ليست منطقة الأمان في الزمان والمكان وحدهما، وليس رواق الأمن الذي يشمل الحيوان والإنسان وحدهما، إنما هي منطقة الأمان في الضمير البشري، ذلك المصطرع المترامي الأطراف في أغوار النفس البشرية، هذا المصطرع الذي يثور ويفور فيطغى بشواظه وبدخانه على المكان والزمان، وعلى الإنسان والحيوان، إنها منطقة السلام والسماحة في ذلك المصطرع، حتى ليتحرج المحرم أن يمد يده إلى الطير والحيوان وهما في غير هذه المنطقة حل للإنسان، ولكنهما هنا في المثابة الآمنة، في الفترة الآمنة، إنها منطقة المرانة والتدريب في النفس البشرية لتصفو وترق وترف فتتصل بالملأ الأعلى، وتتهيأ للتعامل مع الملأ الأعلى. ألا ما أحوج البشرية المفزَّعة الوجلة، المتطاحنة المتصارعة، إلى منطقة الأمان التي جعلها الله في هذا الدين، وبيّنها للناس في هذا القرآن».

700

الآية 98

قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم﴾ (المائدة: 98)

(1) دلت هذه الآية على وسيلة تربوية من أهم الوسائل التربوية القرآنية وهي المزج بين الترغيب والترهيب، الترغيب في طاعة الله وفي ثوابه، والترهيب من معصية الله ومن عقابه، وهذا المزج بين الترغيب والترهيب يتناسب مع ما في النفس البشرية من العواطف، ففي داخل كل إنسان عاطفة الخوف وهذه يفيد فيها الترهيب، وفي داخل كل إنسان عاطفة الرجاء وهذه يفيد فيها الترغيب، والنفوس التي غلب عليها الخوف يفيد فيها الترهيب أكثر، والنفوس التي غلب عليها الرجاء يفيد فيها الترغيب أكثر، والخطاب الإسلامي قائم على هذا المزيج، فمن غلب عليه الخوف فوصل به إلى مرحلة اليأس خاطبه بالرجاء وأطمعه بالرحمة والتوبة والمغفرة، ومن غلب عليه الرجاء فوصل به الأمر إلى مرحلة الأمن ، بمعنى التفاؤل غير المبني على العمل خاطبه بالخوف وحذره من الغضب والعقاب والنقمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد» (مسلم).

(2) والخوف إذا غلب على النفس البشرية قد يصل بصاحبه إلى اليأس من رحمة الله وهذه من كبار الذنوب، والرجاء إذا غلب على النفس البشرية فقد يصل بصاحبه إلى الأمن من مكر الله وهذه أيضا من كبار الذنوب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الكبائر: الشرك بالله، والأمن من مكر الله، واليأس من روح الله» (ابن أبي حاتم والبزار)، وقال تعالى: (وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُون) (يوسف: 87)، وقال تعالى: (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُون) (الأعراف: 99).

(3) وهذه الآية جاءت تعقيبا على مجموعة كبيرة من الآيات التي موضوعها الحلال والحرام، فجاءت لتحذر صراحة من المعصية بالتذكير بكونه تعالى شديد العقاب والترغيب صراحة بالطاعة من خلال التذكير بكونه تعالى غفورا رحيما، وقد تقدم فيها الترهيب على الترغيب لأنّ ذلك أنسب في الحث على العمل بالتشريع بعد ذكره، فمن طلب من آخر عملا كان من الأنسب له أن يذكره أولا بالعقوبة، ثم يذكر له بعد ذلك المغفرة والرحمة في حال تركه للفعل، ولو كان العكس أي: لو ذكره بالمغفرة والرحمة أولا بعد أن أمره بالعمل لكان في ذلك إطماع له في المعصية.

(4) يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لهذه الآية: «لما ذكر الله تعالى أنواع رحمته بعباده، ذكر بعده أنه شديد العقاب، لأنّ الإيمان لا يتم إلا بالرجاء والخوف كما قال عليه الصلاة والسلام: لو وُزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا، ثم ذكر عقيبه ما يدل على الرحمة وهو كونه غفورا رحيما، وذلك يدل على أنّ جانب الرحمة أغلب، لأنه تعالى ذكر فيما قبل أنواع رحمته وكرمه، ثم ذكر أنه شديد العقاب، ثم ذكر عقبه وصفين من أوصاف الرحمة وهو كونه غفورا رحيما، وهذا تنبيه على دقيقة وهي أنّ ابتداء الخلق والإيجاد كان لأجل الرحمة، والظاهر أنّ الختم لا يكون إلا بالرحمة».

701

الآية 99

قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُون﴾ (المائدة: 99)

(1) قوله تعالى: (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغ). فيه تربية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللدعاة إلى الله بأنّ مهمتهم تنتهي بإبلاغ الرسالة إلى الناس، وليس عليهم هداية الناس فذاك أمر يعود لله، وليس عليهم محاسبة الناس فذلك أيضا أمر يعود لله، وقد جعل الله المحاسبة للحاكم المسلم وليس للدعاة إلى الإسلام، وفي قوله تعالى (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغ) تخفيف للصدمة التي قد تحصل للدعاة حين لا يستجيب لهم الناس، وهذا من قبيل التربية النفسية، حيث إنّ بعض الدعاة قد يتصورون أنّ الناس لا ينقصهم إلا معرفة الحق كي يتبعوه، وقد يفاجئ الداعية بعدم استجابة الناس إلى الحق بعد أن بيّنه لهم بيانا كافيا وقطع عليهم العذر في جهل الحق وعدم معرفته، فتجيء هذه الآية لتربية أولئك الدعاة على أنّ مهمتهم هي البلاغ، وأنّ بعض الذين لم يتبعوا الحق كان ينقصهم البلاغ وأنّ كثيرا من الناس لا يتبعون الحق وإن عرفوه وذلك لأسباب أخرى غير الجهل وعدم المعرفة، كاتباع الأهواء والشهوات، والتقليد للآباء والأجداد،والمحافظة على المكانة الاجتماعية التي قد يخسرها صاحبها باتباع الحق، وكذلك أمراض الحسد والطمع والكبر والتعالي التي تمنع صاحبها من اتباع الحق رغم معرفته.

(2) قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُون). يحمل في طياته الترهيب من مخالفة الله والترهيب من ترك العمل بطاعته والترهيب من فعل المعاصي خاصة بعد ذلك البيان للتكاليف الذي سبق وقررته الآيات السابقة، ويجيء هذا الترهيب من خلال التذكير بعلمه تعالى الذي لا يخفى عليه خافية، فهو يعلم ما يُبدي الناس وما يكتمونه، وعلمه بما يكتمه الناس وما يبدونه سواء.

702

الآية 100

قوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ (المائدة: 100)

(1) قوله تعالى: (قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيث). فيه تربية على التنفير من الحرام والترغيب في الحلال من خلال تسمية الحرام خبيثا وتسمية الحلال طيبا، ومن خلال التقرير بعدم تساويهما عند الله وإن تساويا عند الناس، لأنّ الناس يغترون بالكثرة والخبيث كثير مقارنة مع الطيب، فالطيب إلى بقاء وإن قلّ والخبيث إلى زوال وإن كثر.

(2) قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون). خصّ أولي الألباب بالتقوى لأنهم المنتفعون بخطاب الله ولأنّ هناك علاقة مؤكدة بين العقل والتقوى، فالتقوى معناها الخوف والجاهل لا يخاف بل من يعلم أكثر يخاف أكثر، فمن لا يعلم ربه لا يخاف عقابه ولا يرجو ثوابه، ويزداد الخوف كلما زاد العلم، ونضرب لذلك مثالا فنقول: إنّ الطفل حينما يولد لا يعرف شيئا ولا يعقل شيئا فهو لا يخاف، فيهجم على النار لأنه لا يعلم أنها محرقة، وحينما تحرقه النار يتحصل لديه العلم بكون النار محرقة فيخاف منها ويبتعد عنها، ولو حاولت تقريب يده من النار لقاوم ذلك، وهذا المثال يوضح لنا طبيعة العلاقة بين العقل والتقوى، ويفسر لنا لماذا خصّ الله أولي الألباب بالتقوى.

703

الآيات 101-102

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِين﴾ (المائدة: 101-102)

(1) يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لعلاقة هذه الآيات بما قبلها: ((إنه تعالى لما قال: (ما على الرسول إلا البلاغ) صار التقدير كأنه قال: ما بلّغه الرسول إليكم فخذوه وكونوا منقادين له، وما لم يبلغه الرسول إليكم فلا تسألوا عنه ولا تخوضوا فيه، فإنكم إن خضتم فيما لا تكليف فيه عليكم فربما جاءكم بسبب ذلك الخوض الفاسد من التكاليف ما يثقل عليكم ويشق عليكم)).

(2) وفي سبب نزول هذه الآيات، قال ابن عباس: «كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول الرجل: من أبي؟ والرجل تضل ناقته فيقول: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية» (الطبري)، وقال أبو هريرة: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ الله كتب عليكم الحج ! فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه حتى عاد مرتين أو ثلاثا، فقال: من السائل؟ فقالوا: فلان، فقال: والذي نفسي بيده، لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما أطقتموه، ولو تركتموه لكفرتم، فأنزل الله هذه الآية» (الطبري).

(3) يقول الإمام الرازي في العلة التربوية لكراهة المسألة: ((واعلم أنّ السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها، وربما ترتبت عليه تكاليف شاقة صعبة، فالأولى بالعاقل أن يسكت عما لا تكليف عليه فيه، ألا ترى أنّ الذي سأل عن أبيه فإنه لم يأمن أن يلحقه الرسول صلى الله عليه وسلم بغير أبيه فيفتضح، وأما السائل عن الحج فقد كاد أن يكون ممن قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: «إنّ من أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين، فحرم عليهم من أجل مسألته» (البخاري). إذ لم يؤمن أن يقول في الحج إيجاب في كل عام، وكان عبيد بن عمير يقول: إنّ الله أحل وحرم، فما أحل فاستحلوه، وما حرم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها، فذلك عفو من الله تعالى، ثم يتلو هذه الآية)).

704

(4) في المدلول التربوي لهذه الآيات نقول: جاء القرآن ليربي أمة ولينشئ مجتمعا، وقد تكفل الله بتربية هذه الأمة، فنزلت هذه الآيات لتربي المسلمين على الأدب في السؤال وعلى التروي في المسألة، وعلى أنّ السؤال قد يكون خطرا على الناس، فربما سألوا عن أشياء وكان الخير لهم في عدم معرفتها، وربما طلبوا في مسألتهم أشياء وكانوا عاجزين عن تطبيقها، وربما طلبوا الآيات ولم يؤمنوا بها، والسؤال في مثل هذه الحالات هو نوع من الثرثرة التي لا تليق بمسلم، لأنّ الإسلام دين العمل وليس دين الكلام والتشدق بالألفاظ والتسلي بالأسئلة امتحانا أو سخرية أو استهزاء. والأحاديث النبوية التي تؤكد هذه الحقيقة التربوية كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم» (مسلم)، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «إنّ أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم من أجل مسألته» (البخاري)، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» (البخاري).

(5) وفي الآثار التربوية لهذه الآيات نقول: إنّ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا من أشد الناس تأثرا بالقرآن وبرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا يسارعون إلى العمل بعد العلم، وكان مما أنشأته هذه الآيات في سلوكهم هو توقفهم عن السؤال، فانظر إلى ما قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان مُحمرّ وجهه، حتى جلس على المنبر، فقام إليه رجل فقال: أين أبي؟ قال: في النار، فقام آخر فقال: من أبي؟ قال: أبوك حذافة، فقام عمر بن الخطاب فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، وبالقرآن إماما، إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك، والله يعلم من آباؤنا! فسكن غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم» (الطبري)، وفي رواية فقام إليه عمر «فقام إليه عمر فقبّل رجله، وقال: يا رسول الله، رضينا بالله ربا، وبك نبيا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، فاعف عنا عفا الله عنك! فلم يزل به حتى رضي» (الطبري). ومن الآثار التربوية لهذه الآيات في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قاله ابن عباس حيث قال: ((ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قُبض، كلهنّ في القرآن، منهنّ (ويسألونك عن الشهر الحرام)، (ويسألونك عن المحيض)، وشبهه، ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم)) (الدارمي).

705

(6) قوله تعالى: (قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِين). فيه تربية على ترك المسألة والطلب من خلال التحذير من القدوة السيئة في الأقوام السابقة حيث طلبوا الآيات ثم كفروا بها بعد حصولها، والمراد بذلك: قوم صالح عليه السلام حين سألوا الناقة ثم عقروها، وقوم عيسى عليه السلام حين سألوا المائدة ثم كفروا بها، وقوم موسى عليه السلام حين سألوا موسى أن يروا الله جهرة فكان ذلك وبالا عليهم، وبنو إسرائيل حين سألوا نبيهم أن يبعث الله لهم ملكا يقاتلون معه في سبيل الله فبعث لهم ملكا ولم يقاتلوا معه، وغير ذلك كثير في كتاب الله. فكأنه تعالى يقول لهم: لا تكونوا كأولئك الأشرار الذين سألوا أشياء فأعطاهم الله إياها فلم يصدقوا بها بل كفروا بها ولم يعملوا بها، وهذا من قبيل التربية على الأدب من خلال التحذير من قليل الأدب، ويروى في الأمثال العامية أنه قيل للمؤدب: من أين تعلمت الأدب؟ فقال: من قليل الأدب. فالعاقل يتعلم الأدب من المؤدب كما يتعلم الأدب من غير المؤدب، يتعلم الأدب من المؤدب بأن يفعل مثله، ويتعلم الأدب من غير المؤدب بأن لا يفعل مثله بل يفعل عكسه.

706