التفسير التربويالجزء 1 · ص 715 - 722

الآيات 112-115

الآيات 112-115

قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِين﴾ (المائدة: 112-115)

(1) قوله تعالى: (قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين). فيه مدلولان تربويان: (الأول) إنّ التقوى سبب لحصول المطلوب، فهم أرادوا المائدة وهو أمرهم بالتقوى كي يحصل لهم مرادهم، فالتقوى هنا كالوسيلة، ومثل ذلك قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُه) (الطلاق: 2ــ3)، فالتقوى زاد المؤمن في رحلته الطويلة مع الله وفي حصول المطلوب له. (والثاني) ربط التقوى بالإيمان حيث قال (اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، وهذا يدل على أنّ هناك تناسبا بين الإيمان والتقوى، فكلما عظم الإيمان عظمت التقوى، والسبيل إلى زيادة التقوى زيادة الإيمان من خلال البحث في العلوم التي تزيد الإيمان وتقويه.

(2) قوله تعالى: (قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِين). يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لترتيب الجمل والألفاظ والمعاني في هاتين الآيتين: ((تأمل في هذا الترتيب، فإنّ الحواريين لما سألوا المائدة ذكروا في طلبها أغراضا، فقدموا ذكر الأكل فقالوا (نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا) وأخروا الأغراض الدينية الروحانية، فأما عيسى فإنه لما طلب المائدة وذكر أغراضه فيها قدم الأغراض الدينية وأخر غرض الأكل حيث قال (وَارْزُقْنَا). وعند هذا يلوح لك مراتب درجات الأرواح في كون بعضها روحانية وبعضها جسمانية، ثم إنّ عيسى عليه السلام لشدة صفاء دينه وإشراق روحه لمّا ذكر الرزق بقوله (وَارْزُقْنَا) لم يقف عليه بل انتقل إلى الرازق فقال (وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ). فقوله (رَبَّنَا) ابتداء منه بذكر الحق سبحانه وتعالى، وقوله (رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا) انتقال من الذات إلى الصفات، وقوله (تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا) إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث أنها نعمة بل من حيث أنها صادرة من المنعم، وقوله (وَآيَةً مِنْك) إشارة لكون هذه المائدة دليلا لأصحاب النظر والاستدلال)).

(3) قوله تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِين). يدل على أهمية العلم، وأنّ العالم ليس كالجاهل سواء في المنزلة إذا أطاعا أو في العقبة إذا عصيا، فالمسلم يزداد مسؤولية بازدياد علمه، وهذا العلم إما أن يجعل ثوابه أعظم من ثواب الجاهل أو أن يجعل عقابه أشد من عقاب الجاهل، والله أعلم.

715

الآيات 116-119

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾ (المائدة: 116-119)

(1) هذا الحوار بين الله تعالى وعيسى بن مريم في نفي صفة الإلهية عن عيسى، ليس المراد منه عيسى عليه السلام، وإنما المراد منه النصارى في الدنيا، فالله تعالى إذ يسأل عيسى، وعيسى إذ يجيب على السؤال، فإنّ المراد من ذلك أن يعلم النصارى أنّ عيسى لم يدّع الإلهية، وأنه عبد لله مقر بالعبودية، وأنه متبرئ ممن يصفه بالإلهية، ومخاطبة المسؤول مع كون المراد بالمساءلة غيره أسلوب قرآني في التربية، وهو أسلوب فريد تخترق فيه الحواجب فينتقل السياق من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، ومن عالم المستقبل إلى عالم الحاضر والماضي.

(2) قوله تعالى: (قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَه). يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لذلك: ((واعلم أنّ الله تعالى لما سأل عيسى هل قلت كذا؟ لم يقل عيسى بأني قلت أو ما قلت، بل قال: (مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَق)، وهذا ليس بحق، ينتج أنه ما يكون لي أن أقول هذا الكلام، ولما بيّن أنه ليس له أن يقول هذا الكلام شرع في بيان أنه هل وقع هذا القول منه أم لا؟ فلم يقل بأني ما قلت هذا الكلام، لأنّ هذا يجري مجرى دعوى الطهارة والنزاهة، والمقام مقام الخضوع والتواضع، ولم يقل بأني قلته بل فوّض ذلك إلى علمه المحيط بالكل، فقال (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَه)، وهذا مبالغة في الأدب وفي إظهار الذلة والمسكنة في حضرة الجلال، وتفويض الأمور بالكلية إلى الحق سبحانه)).

(3) قوله تعالى: (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم). لما ذكر في الآيات السابقة كذب النصارى في حق عيسى وفي حق الله بقولهم عن عيسى أنه الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة وبيّن مآل هذا الكذب إلى العقاب والعذاب يوم القيامة، ذكر في هذه الآية الصدق وبيّن مآل أصحابه يوم القيامة، فجمع بين ذكر الشيء (الكذب) وذكر نظيره (الصدق)، وبين الترهيب بالعذاب والترغيب بالثواب، وهذا أسلوب تربوي فريد في مناقشة الأمور وعرضها.

716

الآية 120

قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ (المائدة: 120)

((في هذه الخاتمة الشريفة أسرار كثيرة، ونحن نذكر القليل منها:

(فالأول) إنه تعالى قال: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِن) ولم يقل: ومن فيهن، فغلّب غبر العقلاء على العقلاء، والسبب فيه التنبيه على أنّ كل المخلوقات مسخرون في قبضة قهره وقدرته وقضائه وقدره، وهم في ذلك التسخير كالجمادات التي لا قدرة لها، وكالبهائم التي لا عقل لها، فعلم الكل بالنسبة لعلمه كلا علم، وقدرة الكل بالنسبة لقدرته كلا قدرة.

(والثاني) إنّ مفتتح السورة كان بذكر العهد المنعقد بين العبودية والربوبية فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُود)، وكمال حال المؤمن أن يشرع في العبودية وينتهي إلى الفناء المحض عن نفسه بالكلية، فالأول هو الشريعة وهو البداية، والآخر هو الحقيقة وهو النهاية، فمفتتح السورة من الشريعة ومختتمها بذكر كبرياء الله وجلاله وعزته وقدرته وعلوه، وذلك هو الوصول إلى مقام الحقيقة، فما أحسن هذه المناسبة بين ذلك المفتتح وهذا المختتم.

(والثالث) إنّ السورة اشتملت على أنواع كثيرة من العلوم، فمنها: بيان الشرائع والأحكام والتكاليف، ومنها: المناظرة مع اليهود في إنكارهم شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، ومنها: المناظرة مع النصارى في قولهم بالتثليث، فختم السورة بهذه النكتة الوافية بإثبات كل هذه المطالب، فإنه قال: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِن)، ومعناه: إنّ كل ما سوى الحق سبحانه ممكن لذاته موجود بإيجاده تعالى، وإذا كان الأمر كذلك كان مالكا لجميع الممكنات والكائنات، موجدا لجميع الأرواح والأجساد، وإذا ثبت هذا لزم منه ثبوت كل المطالب المذكورة في هذه السورة)) (تفسير الإمام الرازي). والحمد لله رب العالمين.

717

التفسير التربوي لسورة الأنعام

قال ابن كثير في التفسير: ((سورة الأنعام، وهي مكية، قال العوفي وعكرمة وعطاء، عن ابن عباس: أنزلت سورة الأنعام بمكة. وروى الطبراني عن ابن عباس، قال: نزلت سورة الأنعام بمكة ليلا جملة، حولها سبعون ألف ملك يجأرون حولها بالتسبيح. وروى سفيان الثوري عن أسماء بنت يزيد قالت: نزلت سورة الأنعام على النبي صلى الله عليه وسلم جملة واحدة، وأنا آخذة بزمام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، إن كادت من ثقلها لتكسر عظام الناقة. وروى شريك، عن ليث، عن شهر، عن أسماء قالت: نزلت سورة الأنعام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مسير في زجل من الملائكة وقد نظموا ما بين السماء والأرض. وروى الحاكم في مستدركه عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت سورة الأنعام سَبّح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال : (لقد شيّع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق). وروى أبو بكر بن مردويه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة، سد ما بين الخافقين، لهم زَجَل بالتسبيح، والأرض بهم ترتجّ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سبحان الله العظيم، سبحان الله العظيم). ثم روى ابن مردويه عن الطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نزلت عَلَيّ سورة الأنعام جملة واحدة، وشَيَّعَها سبعون ألفا من الملائكة، لهم زَجَلٌ بالتسبيح والتحميد). وروى ابن أبي شيبه في مصنفه عن عبد الله بن رباح قال: سمعت كعبا يقول: «فاتحة التوارة فاتحة سورة الأنعام ، وخاتمة التوراة خاتمة سورة هود» (مصنف ابن أبي شيبة).

718

الآية 1

قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُون﴾ (الأنعام: 1)

(1) قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض). معناه: قولوا الحمد لله، فهو إنشاء جاء في صيغة الإخبار، وفي هذا الطلب تربية وتعليم للمؤمنين على حمد الله شكرا وثناءً على نعمه التي أنعمها على الناس، خاصة نعمة خلق الكون بما فيه من سماء وأرض وبما فيه من ليل ونهار وبما فيه من شمس وقمر ونجوم، فكل ذلك نعم أنعم الله بها على الإنسان، وكل هذه المخلوقات مسخرة لخدمة الإنسان، وفي الحديث: «إنّ الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها» (مسلم).

(2) قوله تعالى: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور). وحّد النور لأنّ الحق واحد وجمع الظلمات لأنّ الباطل متعدد ومتشعب، وفي ذلك تربية وتعليم للمؤمنين أن يكونوا أمة واحدة تحمل عقيدة واحدة وتدين لإله واحد، وإذا كان الله واحدا وكان القرآن واحدا وكان نبيّ هذه الأمة واحدا وكان الأذان واحدا وكذا القبلة والصلاة والزكاة والصيام والحج، فلماذا يكون المؤمنون متفرقون متحزبون؟!.

(3) قوله تعالى: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُون). أي: يعدلون به غيره ويشركون معه غيره، وهذا تعجيب من حال الكافرين، بعد ظهور هذه الدلائل في الخلق التي تدل على وحدانية الخالق ووحدانية الرب، كيف يشركون به ويساوونه مع غيره؟! والتعجيب أسلوب تربوي وتعليمي.

719

الآية 2

قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُون﴾ (الأنعام: 2)

لمسنا في الآية الأولى دعوة إلى الإيمان بوحدانية الله من خلال التذكير بخلقه للكون، ونلمس في هذه الآية دعوة إلى الإيمان باليوم الآخر من خلال التذكير بخلقه تعالى للإنسان من نفس جوهر الكون وهو الطين، فالله قادر على بعث الإنسان كما هو قادر على خلقه، والنص يستدل على الإعادة بالبداءة، فمن أقر بخلق الله للإنسان أقر بإعادة الخلق يوم القيامة، أي: بالبعث والنشر والحشر. وهكذا تدخل هذه الآيات في إطار التربية العقلية في الإسلام، تلك التربية القائمة على الاستدلال العقلي لا على الاستدلال النقلي.

720

الآية 3

قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُون﴾ (الأنعام: 3)

كما لمسنا في الآيتين السابقتين دعوة إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، نلمس في هذه الآية دعوة إلى العمل الصالح من خلال التذكير بإلهية الله في السماء (وهي سلطانه) وبإلهية الله في الأرض (وهي حاكميته)، ومن خلال التذكير بعلمه تعالى بالسر والعلن وبكل عمل يعمله الإنسان خيرا كان أم شرا. ولئن دلت الآيتان السابقتان على كمال قدرة الله فإنّ هذه الآية تدل على كمال علم الله، وفي هذه الآية تربية للمؤمن على وجوب الاعتقاد بكمال قدرة الله وكمال علمه، وكمال العلم يحمل معنى الترغيب في العمل الصالح والترهيب من العمل الطالح.

721

الآيات 4-5

قوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ (الأنعام: 4-5)

(1) لما دلت الآيات الثلاثة السابقة على الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، جاءت هاتان الآيتان لتقرران حقيقة النبوة ووجوب التصديق بما جاء به الأنبياء، ومن ثم الوعد لمن كذب بالوحي في حصول مضمونه من الإخبار بعقاب الله وعذابه للكافرين في الدنيا والآخرة، فما أحسن هذا الترتيب التربوي التعليمي في عرض حقائق العقيدة الإسلامية.

(2) رتبت هذه الآية أحوال الكفار بالنسبة لدلائل الإيمان، فبعضهم معرضون عن الدلائل وبعضهم مكذبون بهذه الدلائل وبعضهم مستهزئون بها، فالمعرض قد لا يكون مكذبا أو مستهزئا، والمكذب قد لا يكون مستهزئا، والكل داخل في وعيد الله وعقابه.

(3) دلت هذه الآيات على وجوب النظر في الآيات والدلائل والبينات، وعلى وجوب التفكر والتأمل وصولا إلى الحق، كما دلت على بطلان التقليد لأنه شكل من أشكال الإعراض عن النظر والتأمل والتفكر في الآيات والدلائل والبينات.

722