الآيات 112-115
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِين﴾ (المائدة: 112-115)
(1) قوله تعالى: (قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين). فيه مدلولان تربويان: (الأول) إنّ التقوى سبب لحصول المطلوب، فهم أرادوا المائدة وهو أمرهم بالتقوى كي يحصل لهم مرادهم، فالتقوى هنا كالوسيلة، ومثل ذلك قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُه) (الطلاق: 2ــ3)، فالتقوى زاد المؤمن في رحلته الطويلة مع الله وفي حصول المطلوب له. (والثاني) ربط التقوى بالإيمان حيث قال (اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، وهذا يدل على أنّ هناك تناسبا بين الإيمان والتقوى، فكلما عظم الإيمان عظمت التقوى، والسبيل إلى زيادة التقوى زيادة الإيمان من خلال البحث في العلوم التي تزيد الإيمان وتقويه.
(2) قوله تعالى: (قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِين). يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لترتيب الجمل والألفاظ والمعاني في هاتين الآيتين: ((تأمل في هذا الترتيب، فإنّ الحواريين لما سألوا المائدة ذكروا في طلبها أغراضا، فقدموا ذكر الأكل فقالوا (نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا) وأخروا الأغراض الدينية الروحانية، فأما عيسى فإنه لما طلب المائدة وذكر أغراضه فيها قدم الأغراض الدينية وأخر غرض الأكل حيث قال (وَارْزُقْنَا). وعند هذا يلوح لك مراتب درجات الأرواح في كون بعضها روحانية وبعضها جسمانية، ثم إنّ عيسى عليه السلام لشدة صفاء دينه وإشراق روحه لمّا ذكر الرزق بقوله (وَارْزُقْنَا) لم يقف عليه بل انتقل إلى الرازق فقال (وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ). فقوله (رَبَّنَا) ابتداء منه بذكر الحق سبحانه وتعالى، وقوله (رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا) انتقال من الذات إلى الصفات، وقوله (تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا) إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث أنها نعمة بل من حيث أنها صادرة من المنعم، وقوله (وَآيَةً مِنْك) إشارة لكون هذه المائدة دليلا لأصحاب النظر والاستدلال)).
(3) قوله تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِين). يدل على أهمية العلم، وأنّ العالم ليس كالجاهل سواء في المنزلة إذا أطاعا أو في العقبة إذا عصيا، فالمسلم يزداد مسؤولية بازدياد علمه، وهذا العلم إما أن يجعل ثوابه أعظم من ثواب الجاهل أو أن يجعل عقابه أشد من عقاب الجاهل، والله أعلم.