التفسير التربويالجزء 1 · ص 707 - 714

الآيات 103-104

الآيات 103-104

قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُون﴾ (المائدة: 103-104)

(1) البحيرة: قال ابن عباس: «هي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، نظروا إلى الخامس فإن كان ذكرا فأكله الرجال دون النساء، وإن كان أنثى جدعوا آذانها فقالوا هذه بحيرة» (ابن كثير). السائبة: قال ابن إسحق: «هي الناقة إذا ولدت عشر إناث من الولد ليس بينهن ذكر سُيّبت فلم تركب ولم يجز وبرها ولم يحلب لبنها إلا لضيف» (ابن كثير). الوصيلة: قال ابن عباس: «هي الشاة إذا نتجت سبعة أبطن نظروا إلى السابع فإن كان ذكرا وهو ميت اشترك فيه الرجال دون النساء، وإن كان أنثى استحيوها، وإن كان ذكرا وأنثى في بطن واحد استحيوهما وقالوا وصلته أخته فحرمته علينا» (ابن كثير). الحامي: قال ابن عباس: «كان الرجل إذا لقح فحله عشرا قيل: حام فاتركوه، فلا يحملون عليه شيئا ولا يجزون له وبرا ولا يمنعونه من حمى رعي ومن حوض يشرب منه» (الرازي).

(2) يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لعلاقة هذه الآيات بما قبلها: «اعلم أنه تعالى لما منع الناس من البحث في أمور ما كلفوا بالبحث عنها، كذلك منعهم عن التزام أمور ما كلفوا الالتزام بها، ولما كان الكفار يحرمون على أنفسهم الانتفاع بهذه الحيوانات وإن كانوا في غاية الاحتياج إلى الانتفاع بها، بيّن تعالى أنّ ذلك باطل».

(3) ولعل أول ما يلفت النظر في هذه التحريمات هو حاجة العرب إليها مع تحريمهم لها، فقد كانوا يقتلون أولادهم خشية الفقر والجوع ومع هذا يحرمون كل هذه الأطعمة على أنفسهم ولا يخافون الفقر والجوع، حتى صحّ فيهم ما يقال في الأمثال: «يقتل ابنه ويغذو كلبه»، وقد جاء القرآن كي يربي عقول الناس فبيّن لهم هذا التناقض الصارخ الذي لا يقر به عقل سليم ولا منطق واضح، تناقض يقوم على استحياء الحيوان وقتل الإنسان مع أنّ الله تعالى ما خلق الحيوان إلا لخدمة الإنسان، وكل شيء خلقه الله مسخر لخدمة الإنسان وتحقيق كرامته في الدنيا، فالإنسان سيد الكون. ولا تحسبنّ أنّ هذا الأمر هو من الجهالات الماضية، ففي هذا العصر نجد ذلك التناقض الصارخ قائما، فالأطفال في أفريقيا يموتون من الجوع والكلاب في أوروبا وأمريكا يُصرف عليها في الشهر الواحد مبالغ طائلة قد تصل إلى (500) خمسمائة دولار، وهو الراتب الشهري للوزير في دول العالم الثالث.

(4) وقد يتعاطف مع الحيوان من يقول: إذا جاز إعتاق العبيد والإماء فلم لا يجوز إعتاق هذه البهائم؟. يجيب الإمام الرازي على ذلك فيقول: «الإنسان مخلوق لخدمة الله تعالى وعبوديته، فإذا تمرد عن طاعة الله تعالى عوقب بضرب الرق عليه، فإذا أزيل الرق عنه تفرغ لعبادة الله تعالى، فكان ذلك عبادة مستحسنة، وأما هذه الحيوانات فمخلوقة لمنافع المكلفين، فتركها وإهمالها يقتضي فوات منفعتها على مالكها من غير أن يحصل في مقابل ذلك فائدة. وأيضا الإنسان إذا كان عبدا فأعتق قدر على تحصيل مصالح نفسه، وأما البهيمة إذا أعتقت وتركت لم تقدر على رعاية مصالح نفسها، فوقعت في أنواع من المحنة أشد وأشق مما كانت فيها حال ما كانت مملوكة فظهر الفرق».

707

(5) قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا). وفي هذه الآية مدلولان تربويان: (الأول) التربية على الاجتهاد من خلال تحريم التقليد وإبطاله، وذلك أنّ الله تعالى ذمّ الكافرين في تقليدهم لآبائهم واعتبر ذلك من خصائصهم، وقد حرم الإسلام التقليد لأنه سبيل إلى الجهل وترك العلم، والأنبياء إنما أرسلوا لتعليم الناس، ولذلك جعل الإسلام طاب العلم فريضة، ولأنّ التقليد سبيل إلى الوقوع في الباطل إذا ضلّ المتبوع أو انحرف أو مال عن الحق إلى الباطل، ولأنّ الإيمان لا سبيل إلى حصوله أصلا إلا بالعلم، فمن علم كان له أن يؤمن أو يكفر، أما من لم يعلم ما هو الإيمان فليس له أن يدعي الإيمان، وقد أجمعت الأمة على بطلان التقليد في العقائد كما أجمعت على جواز التقليد في الفروع، قال ابن عطية: «أجمعت الأمة على إبطال التقليد في العقائد» (القرطبي). (والثاني) التربية على وجوب رد النزاع إلى القرآن والسنة، لأنه تعالى لمّا ذمّ الكافرين بقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا) دلّ ذلك على أنّ سبيل المؤمنين إذا دعوا إلى الله وإلى الرسول هو القبول بذلك، وقد جاء ذلك صريحا في كثير من نصوص القرآن فقال تعالى: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون) (النور: 51)، وقال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينا) (الأحزاب: 36). وقد صرحت النصوص بوجوب الرجوع إلى الله ورسوله في النزاعات والخصومات واعتبرت ذلك شرطا في صحة الإيمان فقال تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر) (النساء: 59)، وقال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيما) (النساء: 65).

708

الآية 105

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون﴾ (المائدة: 105)

(1) يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لعلاقة هذه الآيات بما قبلها: ((لمّا بيّن اله أواع التكاليف والشرائع والأحكام قال: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُم)، فكأنه تعالى قال: إنّ هؤلاء الجهال مع ما تقدم من أنواع الإعذار والإنذار والترغيب والترهيب لم ينتفعوا بشيء منه، بل بقوا مصرين على جهلهم مجدين على جهالتهم وضلالتهم، فلا تبالوا أيها المؤمنون بجهالتهم وضلالتهم، بل كونوا منقادين لتكاليف الله مطيعين لأوامره ونواهيه، فلا يضركم ضلالتهم وجهالتهم)). قلت: معنى هذا الخطاب هو التخفيف من حدة الصدمة التي يحس بها المؤمن من كفر الكافرين بعد إبلاغهم الحق ودعوتهم إليه، فهي من قبيل التربية النفسية.

(2) قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا). في صدر هذه الآية بعد أن قرر أحوال الكافرين في الآيات السابقة يدل تربويا على انفصال المؤمنين عن الكافرين وتميزهم عنهم، فهم ليسوا من الكافرين في شيء، وإنما يجمعهم الإيمان بالله والإيمان برسوله والإيمان بشريعة الله والإيمان والأخوة الإسلامية، وبوجوب التضامن والتواصي والصبر على الهداية والإيمان.

(3) ولقد فهم بعض المسلمين من هذه الآية التحلل من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتسيب من الالتزام بالأخوة الإسلامية والتخفي في زويا المجتمعات، فتربوا على فهم خاطئ لكتاب الله وراحوا يدعون غيرهم إلى هذا الفهم، وربما عارضوا من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر بهذه الآية من كتاب الله، ومن هنا وجب علينا الرجوع في تأويل هذه الآية إلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصولا إلى التربية الإسلامية الصحيحة، ففيهم نزل القرآن وهم قد استمعوا إلى تأويله من رسول الله صلى الله عليه وسلم. رُوي عن الحسن البصري: «أنّ هذه الآية قرئت على ابن مسعود رضي الله عنه فقال: ليس هذا بزمانها، قولوها ما قبلت منكم، فإن ردت عليكم فعليكم أنفسكم» (الطبري)، ورُوي عن أبي أمية الشعباني أنه قال: سألت أبا ثعلبة الخشني عن هذه الآية، فقال: لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك وذر عوامهم، فإنّ وراءكم أياما أجر العامل فيها كأجر خمسين منكم» (الطبري)، وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه على المنبر: ((يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية على غير موضعها (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُم)، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا رأى الناس المنكر فلم يغيروه، والظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب)) الطبري)، وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله: ((هذه أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه قال (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُم) يعني: عليكم أهل دينكم ولا يضركم من ضل من الكفار، وهذا كقوله تعالى: (فاقتلوا أنفسكم) (البقرة: 54) يعني: أهل دينكم، فقوله (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) يعني بأن يعظ بعضكم بعضا ويرغب بعضكم بعضا في الخيرات وبنفره عن القبائح والمنكرات)) (الرازي).

709

(4) قوله تعالى: (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون). ترهيب من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خلال التذكير بالرجوع إلى الله يوم القيامة والحساب على الأعمال إن خيرا فخير وإن شرا فشر، فإنّ الله لا يخفى عليه عمل عامل مهما قلّ.

710

الآيات 106-108

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين﴾ (المائدة: 106-108)

(1) في سبب نزول هذه الآيات قال ابن عباس: «كان تميم الداري وعدي بن بدّاء يختلفان إلى مكة، فخرج معهما فتى من بني سهم فتوفي بأرض ليس بها مسلم، فأوصى إليهما، فدفعا تركته إلى أهله وحبسا جاما، وعاءا، من فضة مخوّصا بالذهب، فاستحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كتمتما ولا اطلعتما، ثم وجد الجام بمكة، فقالوا: اشتريناه من عدي وتميم، فجاء رجلان من ورثة السهمي فحلفا أنّ هذا الجام للسهمي، ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا، قال: فأخذوا الجام، وفيهم نزلت هذه الآيات» (البخاري وأبو داود).

(2) دلت هذه الآيات على حرصه تعالى على حقوق الناس وتشريعه من الآيات ما يجعل الحقوق تصل إلى أصحابها، وما يقيم العدالة في الأرض وبين الناس، وإن كانت الآيات السابقة قد شرعت لحفظ النفس: (عليكم أنفسكم) فهذه الآيات قد شرعت لحفظ المال، ونذكر هنا أنّ الدين كله قد شرع لحفظ الكليات الخمس وهي: العقل والمال والنفس والعرض والدين، وهذا يدل على إنسانية الإسلام، فهو دين جاء ليحفظ للإنسان كرامته وليحقق للإنسان إنسانيته.

(3) قوله تعالى: (ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُم). اشترط الإسلام العدالة في الشاهد في هذه الآية وفي غيرها من الآيات، وهذا ترغيب في العدالة، ترغيب في حصولها للمسلم وترغيب في محافظة المسلم عليها، وإلا عوقب برد شهادته وقبول شهادة غيره من المسلمين، ولما كانت عناصر العدالة هي العقل والحفظ والصدق وترك المعاصي والابتعاد عما يُخل بالمروءة، فإنّ الترغيب في العدالة هو ترغيب في عناصرها، وتربية للمسلم على هذه الأخلاق الحسنة والصفات الفاضلة التي بها تسود السعادة في المجتمع المسلم.

(4) قوله تعالى: (فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْت). ولو قال: فأصابكم الموت لصح المعنى المراد من الآية، ولكنه تعالى سمى الموت مصيبة تنبيها للمسلم على وجوب الاعتبار بالموت وتربية له على وجوب الإعداد للموت والتهيؤ له. قال الإمام القرطبي: «وسمى الله تعالى الموت في هذه الآية مصيبة، قال علماؤنا: والموت وإن كان مصيبة عظمى، ورزية كبرى، فأعظم منه الغفلة عنه والإعراض عن ذكره، وترك التفكر فيه وترك العمل له، وإنّ فيه وحده لعبرة لمن اعتبر وفكرة لمن تفكر، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لو أنّ البهائم تعلم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سمينا. ويروى أنّ أعرابيا كان على جمل له فخر الجمل ميتا، فنزل الأعرابي عنه وجعل يتفكر به ويطوف فيه ويقول: ما لك لا تقوم؟ ما لك لا تنبعث؟ هذه أعضاؤك كاملة وجوارحك سالمة، ما شأنك؟ ما الذي كان يحملك؟ ما الذي كان يبعثك؟ ما الذي صرعك؟ ما الذي عن الحركة منعك؟ ثم تركه وانصرف متفكرا في شأنه، متعجبا من أمره». قلت: ويروى عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: «ما رأيت يقينا أشبه بالشك من يقين الناس بالموت ثم لا يستعدون له» (القرطبي)، يعني: كأنهم فيه شاكون، وهذا حال الناس في التعامل مع الموت، فهم يوقنون به ويتعاملون مع يقينهم كأنه شك.

711

(5) قوله تعالى: (تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّه). هذه الآية أصل في تعظيم الأيمان حرصا على النفس والمال والعرض، قال العلماء: التغليظ يكون بالزمان ومثال ذلك بعد الصلاة، ويكون بالمكان ومثال ذلك المسجد، ويكون بالحال كالوقوف مستقبلا القبلة، ويكون باللفظ كالحلف بالله على الشهادة، وقد يكون بكتاب الله كالحلف على المصحف.

(6) قوله تعالى: (وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّه). المراد به الشهادة في الحقوق والدماء، ولكنه تعالى أضاف هذه الشهادة إلى نفسه تعظيما لها وتشريفا لقدرها وترغيبا للناس في أدائها بشكل صحيح وصادق، لأنّ أموال الناس ودماءهم وأعراضهم لا تستقيم إلا بها.

(7) قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين). تهديد ووعيد لمن خالف حكم الله وأوامره، وترهيب من ترك العمل بشريعة الله من خلال الأمر بالتقوى والأمر بالسمع والطاعة والتهديد بعدم الهداية لمن يخالف شرع الله.

712

الآيات 109-111

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُون﴾ (المائدة: 109-111)

(1) يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لعلاقة هذه الآيات بما قبلها: «اعلم أنّ عادة الله تعالى جارية في هذا الكتاب الكريم أنه إذا ذكر أنواعا كثيرة من الشرائع والتكاليف والأحكام أتبعها إما بالإلهيات وإما بشرح أحوال الأنبياء أو بشرح أحوال القيامة، ليصير ذلك مؤكدا لما تقدم ذكره من التكاليف والشرائع، فلا جرم لمّا ذكر فيما تقدم أنواعا كثيرة من الشرائع أتبعها بوصف أحوال القيامة أول، ثم ذكر أحوال عيسى عليه السلام».

(2) قوله تعالى: (مَاذَا أُجِبْتُم). وهو عالم بماذا أجيبوا، فما الفائدة من السؤال؟ نقول: إنّ للاستفهام في اللغة أنواعا: (أحدها) طلب العلم. (والثاني) الإنكار. (والثالث) التقرير. أما طلب العلم فهو على الله محال، وأما التقرير فهو هنا لا معنى له لأنّ المسؤول يعلم ذلك، بقي أن نقول: إنّ الاستفهام هنا من نوع الإنكار على أصحاب الإجابة، ومدلوله التربوي أنه يحمل معنى التوبيخ والتقريع بحق أقوام الرسل على إجابتهم السلبية لرسلهم، وهذا كقوله تعالى: (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَت) (التكوير: 8ــ 9)، فهو سؤال توبيخ لمن قتل الموؤدة لأنها قتلت بغير ذنب.

(3) قوله تعالى: (قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوب). وهنا سؤال وهو: كيف يقول الرسل لا علم لنا بإجابة أقوامنا وهم عالمون بمن أجاب سلبا ومن أجاب إيجابا، والجواب على ذلك: هذا من الأدب التربوي الذي تأدب به الرسل ففوضوا العلم لله ونفوا العلم عن أنفسهم لأنه تعالى عالم لا يجهل وحكيم لا يسفه وعادل لا يظلم.

(4) قوله تعالى: (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوب). أجمع العلماء على جواز إطلاق لفظ العلام على الله لأنه أطلق ذلك على نفسه، كما أجمعوا على عدم جواز إطلاق لفظ العلامة عليه لما فيه من التأنيث، وهذا من الأدب التربوي مع الله في تعظيمه وتقديسه وتنزيهه.

(5) قوله تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّه). بصيغة الماضي والمراد به يوم القيامة أي: المستقبل، وهذا أسلوب تربوي تعليمي يحمل طابع المبالغة في التأكيد وهو يدل على قرب القيامة حتى كأنها قد حصلت، وهذا الأسلوب يجعل المستمع يعيش المستقبل كأنه حاضر أو كأنه قد مضى.

(6) قوله تعالى: (اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِك). توبيخ للنصارى وتقريع لهم، فقد عدد الله أنواعا من النعم أنعمها على عيسى عليه السلام، وذكر مع كل نعمة أنّ ذلك كان بعلمه وإرادته تعالى، وكل هذه النعم تدل على أنّ عيسى عبد لله وليس إلها ولا ابنا لله ولا ثالث ثلاثة كما يزعمون وكما يقولون.

(7) قوله تعالى: (وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيل). المراد بالكتاب هنا الخط قراءة وكتابة، والله تعالى يمنّ على عيسى عليه السلام بهذه النعمة وهي نعمة لكل الناس تنقل الإنسان من الظلام إلى النور وتوجب على المسلم تعلم هذه النعمة والشكر لله تعالى عليها، وقد ذكر الله تعالى الكتاب قبل التوراة والإنجيل في الترتيب فدلّ ذلك على أنّ الاطلاع على الأسرار الإلهية المذكورة في كتب الله لا تحصل إلا لمن تعلم الكتاب أي: الخط قراءة وكتابة، فما أحسن هذا الترتيب.

713

(8) قوله تعالى: (فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِين). فيه تربية للمسلمين ولأصحاب النعم منهم سواء كانت نعما في المال أو البنين أو العلم، بأنّ كل ذي نعمة محسود، فقد حسد بنو إسرائيل عيسى عليه السلام على النعم التي أنعم الله بها عليه فاتهموه بالسحر فجحدوا تلك النعم، وواجب المسلم صاحب النعم إزاء الحاسدين هو الصبر والعفو والتأسي بالأنبياء ومنهم عيسى عليه السلام، وهذا من قبيل التربية بضرب المثل.

(9) قوله تعالى: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي). ذكر الله هنا تأييد الحواريين لعيسى على أنه نعمة من الله عليه فدلّ ذلك على أنّ صيرورة الإنسان مقبولا عند الناس من أعظم النعم عليه، وهذا كقوله تعالى في حق موسى عليه السلام: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) (طـه: 39)، قال المفسرون: كل من رأى موسى أحبه حتى فرعون لمّا رآه وهو صغير كفّ عن قتله مع أنه قتل كافة أقرانه.

714