التفسير التربويالجزء 1 · ص 739 - 746

الآيات 29-32

الآيات 29-32

قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُون﴾ (الأنعام: 29-32)

(1) قوله تعالى: (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِين). إخبار من الله تعالى عن فئة من الكافرين ينكرون البعث بعد الموت، وهي عقيدة خطرة من الناحية التربوية على المجتمع بأسره، لأنّ منكر البعث منكر لثواب الله وعقابه في الدار الآخرة، وبالتالي فهو لا يبالي فعل المعاصي لأنه لا يخاف عقابا، ولا يهتم بفعل الطاعات لأنه لا يرجو من الله ثوابا، ولذلك فهو قد يفعل أي فعل يؤذي الناس إذا استطاع الإفلات من العقوبات الدنيوية، وما أسهل الإفلات من القوانين الدنيوية.

(2) قوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُون). المراد من هذه الآية ترهيب الفئة التي تنكر البعث وردها عن معتقدها من خلال بيان ما يؤول إليه حالها يوم القيامة، حيث يقرون بأنّ البعث حق ويكون مآلهم إلى العقاب والعذاب، فإذا كان إنكارهم في الدنيا سيؤول إلى إقرار في الآخرة فالأولى بهم أن يبادروا إلى الإقرار في الدنيا والعمل بمقتضى هذا الإقرار من ترك المعاصي وفعل الطاعات.

(3) قوله تعالى: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّه). قال الإمام الرازي في المدلول التربوي لذلك: «وتقريره أنّ الله تعالى بعث جوهر النفس الناطقة القدسية الجسماني وأعطاه هذه الآلات الجسمانية والأدوات الجسدانية وأعطاه العقل والتفكر، لأجل أن يتوصل بهذه الآلات والأدوات إلى تحصيل المعارف الحقيقية والأخلاق الفاضلة التي يعظم منافعها بعد الموت، فإذا استعمل الإنسان هذه الآلات والأدوات والقوة العقلية والقوة الفكرية في تحصيل هذه اللذات الدائرة والسعادات المنقطعة ثم انتهى الإنسان إلى آخر عمره فقد خسر خسرانا مبينا، لأنّ رأس المال قد فني والربح الذي ظنّ أنه هو المطلوب قد فني أيضا، فلم يبق في يده لا من رأس المال ولا من الربح شيء، فكان هذا هو الخسران المبين».

(4) قوله تعالى: (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُون). هذا ترهيب من العمل السيئ من خلال بيان علاقته بصاحبه يوم القيامة، وترهيب في العمل الصالح لأنه يفيد صاحبه يوم القيامة، قال المفسرون: ((إنّ المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبه ريحا، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أنّ الله قد طيّب ريحك وحسّن صورتك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الصالح، طالما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت اليوم، وتلا: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدا) (مريم: 85)، وإنّ الكافر يستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أنّ الله قد قبّح صورتك وأنتن ريحك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك السيئ ، طالما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك اليوم، وتلا: (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِم)) (الطبري).

739

(5) قوله تعالى: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْو). لما كان منكرو البعث يعظمون الدنيا ولذاتها، فإنّ الله تعالى بيّن في هذه الآية خساستها وركاكتها وسمّاها لعبا ولهوا. قال الإمام الرازي في ذلك: ((واعلم أنّ تسمية هذه الحياة باللعب واللهو فيه وجوه: (الأول) أنّ مدة اللعب واللهو قليلة سريعة الانقضاء والزوال، ومدة هذه الحياة كذلك. (الثاني) أنّ اللعب واللهو لابد وأن ينساقا إلى شيء من المكاره، ولذات الدنيا كذلك. (الثالث) أنّ اللعب واللهو إنما يحصل عند الاغترار بظواهر الأمور، وأما عند التأمل التام والكشف عن حقائق الأمور فلا يبقى اللعب واللهو أصلا، وكذلك اللعب واللهو فإنما لا يصلحان إلا للصبيان والجهال المغفلين، أما العقلاء والحصفاء فقلما يحصل لهم خوض في اللعب واللهو، فكذلك الالتذاذ بطيبات الدنيا والانتفاع بخيراتها لا يحصل إلا للمغفلين الجاهلين بحقائق الأمور. (الرابع) أنّ اللعب واللهو ليس لهما عاقبة محمودة. فثبت بمجموع هذه الوجوه أنّ اللذات والأحوال الدنيوية لعب ولهو وليس لهما حقيقة معتبرة)).

740

الآيات 33-35

قوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِين﴾ (الأنعام: 33-35)

تدخل هذه الآيات في إطار التربية النفسية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللدعاة إلى الله في كل زمان عما يلاقونه من التكذيب والإعراض ورفض الإيمان حتى مع وجود المعجزة والبينة والبرهان:

(1) فقوله تعالى: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُون). فيه تسلية وعزاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من التكذيب من خلال البيان بأنّ تكذيبه هو تكذيب لله، وأنّ جحود الآيات التي تظهر على يديه هو جحود بآيات الله، وهنا يشعر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بأنّ قضيته هي قضية الله وأنّ دعوته هي دعوة الله، فالله معه ويدافع عنه ويقف في صفه، وهذا يعطيه القوة الحقيقية في مواجهة المكذبين، تلك القوة التي لا تعتمد على السيف والرمح وإنما تعتمد على المعية الإلهية.

(2) وقوله تعالى: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِين). فيه تسلية وعزاء وإزالة للهم والحزن الذي يحصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللدعاة إلى الله من تكذيب الكافرين، من خلال التذكير بأنّ تكذيب الكافرين للرسل هو مسألة قديمة قائمة ما قامت الرسالة، فليس محمد صلى الله عليه وسلم أول من يكذبه قومه، بل كان لكل نبي مكذبين من أقوامهم، وهنا يشعر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أنّ الأنبياء في صفه يعانون مما يعاني ويلقون ما يلقى، فله فيهم أسوة حسنة في الصبر على التكذيب والإيذاء، وفيها وعيد بالنصر رغم القلة والضعف (حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا)، وتأكيد لهذا الوعد بأنه حاصل لا محالة (وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّه)، واستدلال على حصول هذا النصر لمحمد صلى الله عليه وسلم بحصوله لمن كان قبله من الأنبياء (وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِين).

741

(3) وقوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِين). فيه تربية على قضية مهمة في موضوع الإيمان وهي أنّ المانع للكافرين من الإيمان ليس عدم حصول الآيات، وإنما هم كافرون لأسباب أخرى: أهمها أنّ دعوة الرسل تتعارض مع مصالحهم وزعامتهم وكونهم أربابا من دون الله، فهي تفقدهم سلطانهم على الناس. ومنها اتباعهم للأهواء والشهوات، والإيمان يعارض ذلك. ومنها الحسد على النبوة أنها لم تكن فيهم. ومن هنا يخاطب الله رسوله مسريا عنه أن لا يجهد نفسه في الحصول على آية وتقديمها لهم لعلهم يؤمنون، فإنهم لن يؤمنوا حتى لو جاءهم بالآية التي يطلبون. وفي هذه الآية تقرير لسنة الله في خلقه وهي: أن يكون في الناس مؤمنون وأن يكون فيهم كافرون وأن لا يجتمعوا على الإيمان كلهم، وفي آيات أخرى بيّن الله أنهم لا يجتمعون على الكفر أيضا، لماذا؟ لأنّ الحياة الدنيا دار ابتلاء، ولو كان الناس كلهم مؤمنين لبطل الابتلاء، ولو كانوا كلهم كافرين لبطل الابتلاء أيضا، فكون الناس على لون واحد من الكفر أو الإيمان يعني بطلان الحياة كدار ابتلاء، ولذلك يقرر الله هذه القاعدة: إنّ الناس لن يجتمعوا على الكفر كما إنهم لن يجتمعوا على الإيمان، ومن عرف هذا السر في خلق الله هانت عليه المصائب، وهان عليه عدم استجابة الله له، وهان عليه تكذيب الناس له، ولكنّ ذلك لا يعفيه من واجب الدعوة إلى الله وتبليغ الناس رسالة الله ومحاولة هداية الناس بكل الوسائل الممكنة، وإنما يهون عليه النتائج، فلا تدفعه النتائج إلى الشعور بالخيبة والهم والضيق، ومن حاول جمع الناس كلهم على الهدى فهو من الجاهلين: (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِين)، الجاهلين بسنة الله في خلقه، ويسر الله في قضائه.

742

الآية 36

قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُون﴾ (الأنعام: 36)

(1) قسّمت هذه الآية الناس إلى قسمين: قسم حي وهم الذين يسمعون نداء الله فيستجيبون له ويؤمنون به وهم المؤمنون, وقسم ميت وهم الذين لا يفقهون نداء الله ولا يجيبون داعية الإيمان وهم الكافرون, وهذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر, والمراد منه تنفير الناس من الوقوع في مثال الرجل الكافر وترغيب الناس في اتباع مثال الرجل المؤمن. قال الإمام الرازي: «لاشك أنّ الجسد الخالي عن الروح يظهر منه النتن والصديد والقيح وأنواع العفونات, وأصلح أحواله أن يدفن تحت التراب, وأيضا الروح الخالية عن العقل يكون صاحبها مجنونا يستوجب القيد والحبس, والعقل بالنسبة إلى الروح كالروح بالنسبة إلى الجسد, وأيضا العقل بدون معرفة الله تعالى وصفاته وطاعته كالضائع الباطل, فنسبة التوحيد والمعرفة إلى العقل كنسبة العقل إلى الروح, ونسبة الروح إلى الجسد, فمعرفة الله ومحبته روحُ روح الروح, فالنفس الخالية عن هذه المعرفة تكون بصفة الأموات, فلهذا السبب وصف الله تعالى أولئك الكفار المصرين بأنهم الموتى, والله أعلم».

(2) قوله تعالى: (ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُون). فيه ترهيب وترغيب, ترهيب من الكفر لأنّ صاحبه معاقب يوم القيامة, وترغيب في الإيمان لأنّ صاحبه مثاب يوم القيامة, والرجعة إلى الله تعني الرجعة إلى حسابه ثم جزائه أو عقابه.

743

الآيات 37-38

قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُون﴾ (الأنعام: 37-38)

(1) قوله تعالى: (وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُون). المراد من طلب الآية هو الإيحاء بأنّ محمدا صلى الله عليه وسلم حتى ساعة نزول هذه الآية القرآنية لم يأت بمعجزة تدل على نبوته وهذا ليس صحيحا, فإنه صلى الله عليه وسلم قد أوتي القرآن وهو المعجزة الكبرى، وأوتي من المعجزات ما على مثله آمن البشر, وقد يكون مرادهم من الآية معجزة غير ما ذكر, بل معجزة قاهرة كإنزال الملائكة, وهنا يبيّن الله تعالى أنهم لا يعلمون, لأنّ مثل تلك المعجزة لو حصلت لكان عذاب الاستئصال واقعا بهم لا محالة إن لم يؤمنوا بها, وهذا لا مصلحة لهم فيه, ومع ذلك جاء في الآيات اللاحقة آية كونية وهي: كون الحيوان والطير أمم كالبشر، ومن تفكر في هذه الآية الكونية كانت مدخلا له إلى الإيمان بالله, وهذه الآية الكونية إن لم تكن سببا في إيمان الكافرين فهي ليست سببا لاستئصالهم وهلاكهم كناقة ثمود, وهنا نلمح رحمته تعالى بهذه الأمة وحكمته تعالى في بقائها واستمرارها والرفق فيها.

(2) قوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم). يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لهذه الآية: «روى أبو سليمان الخطابي عن سفيان بن عيينة أنه لما قرأ هذه الآية قال: ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من بعض البهائم, فمنهم من يقدم إقدام الأسد, ومنهم من يعدو عدو الذئب, ومنهم من ينبح نباح الكلب، ومنهم من يتطوّس كفعل الطاووس, ومنهم من يشبه الخنزير, فإنه لو ألقي إليه الطعام الطيب تركه, وإذا قام عن رجيعه ولغ فيه. فكذلك نجد من الآدميين من لو سمع خمسين حكمة لم يحفظ واحدة منها, فإن أخطأت مرة واحدة حفظها, ولم يجلس مجلسا إلا رواها عنك, ثم قال: فاعلم يا أخي أنك إنما تعاشر البهائم والسباع, فبالغ في الحذار والاحتراز».

(3) قوله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء). عام والمراد به الخاص, أي: ما تركنا شيئا يحتاجه الناس في هدايتهم ورشدهم واستقامتهم إلا وذكرناه في القرآن, واعلم أنّ القرآن كتاب في موضوع محدد وهو العلوم الإنسانية, أي: العلوم التي يحتاجها الناس في مجال العقيدة والشريعة والأخلاق, وليس مطلوبا منه أن يذكر التاريخ أو الجغرافيا أو الفلك أو الطب أو غير ذلك, وإنما يذكر من هذه الأشياء ما يحتاجه الناس في عقيدتهم أو شريعتهم أو أخلاقهم. وقلنا: إنّ هذه الآية عامة والمراد بها الخاص لأنها كقوله تعالى: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا) (الأحقاف: 25)، أي: كل شيء يقبل التدمير, فهي لم تدمّر السماوات والأرض مع أنهما يدخلان في عالم الأشياء.

744

(4) قوله تعالى: (ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُون). في هذه الآية تربية للناس على عدالة الله المطلقة, وعلى تدبيره وتصريفه وقيوميته تعالى على كل ما خلق, فهي تثبت الحشر والقصاص ليس للإنسان فقط بل وللحيوان والطير وكل ما خلق الله. قال أبو هريرة رضي الله عنه في تفسير هذه الآية: ((يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة, البهائم والدواب والطير وكل شيء, فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء, ثم يقول: كوني ترابا, ولذلك يقول الكافر: (وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابا) (النبأ: 40)) (الطبري). وقال أبو ذر الغفاري رضي الله عنه: «بينا أنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ انتطحت عنزتان, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدري فيما انتطحتا؟ قالوا: لا ندري, قال: لكن الله يدري, وسيقضي بينهما» (الطبري).

745

الآية 39

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾ (الأنعام: 39)

(1) قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَات). تأكيد لقوله تعالى في آية سابقة: (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُون) (الأنعام: 36), والتأكيد يدل على الأهمية, فهناك مثّل للكافر بالميت الذي لا يسمع, وهنا مثّل للكافر كمن يعيش في الظلمات فهو لا يرى إضافة لكونه لا يسمع ولا يتكلم, والمراد من هذا التمثيل التنفير من هذه الحالة والترغيب في عكسها، أي: الترغيب في مثال المؤمن الذي هو يسمع ويرى ويفقه ويتكلم, وهذا تأكيد على إنسانية المؤمن وبهيمية الكافر.

(2) قوله تعالى: (مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم). هذا نص مجمل, والمشيئة الإلهية ليست اعتباطية وإنما لها سببها، فمن أضله الله فمن أعماله ومن هداه الله فمن أعماله, ومن النصوص المفصّلة لهذا الإجمال قوله تعالى: (وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِين) (إبراهيم : 27), وقوله: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِين) (البقرة: 26), وقوله: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدى) (محمد: 17), وقوله: (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَه) (المائدة: 16), وقوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُم) (العنكبوت: 69), فمن جمع المجمل مع المفصّل زالت عنده الشبهات, ومن فصل بينهما بقي في الظلمات.

746