الآيات 29-32
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُون﴾ (الأنعام: 29-32)
(1) قوله تعالى: (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِين). إخبار من الله تعالى عن فئة من الكافرين ينكرون البعث بعد الموت، وهي عقيدة خطرة من الناحية التربوية على المجتمع بأسره، لأنّ منكر البعث منكر لثواب الله وعقابه في الدار الآخرة، وبالتالي فهو لا يبالي فعل المعاصي لأنه لا يخاف عقابا، ولا يهتم بفعل الطاعات لأنه لا يرجو من الله ثوابا، ولذلك فهو قد يفعل أي فعل يؤذي الناس إذا استطاع الإفلات من العقوبات الدنيوية، وما أسهل الإفلات من القوانين الدنيوية.
(2) قوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُون). المراد من هذه الآية ترهيب الفئة التي تنكر البعث وردها عن معتقدها من خلال بيان ما يؤول إليه حالها يوم القيامة، حيث يقرون بأنّ البعث حق ويكون مآلهم إلى العقاب والعذاب، فإذا كان إنكارهم في الدنيا سيؤول إلى إقرار في الآخرة فالأولى بهم أن يبادروا إلى الإقرار في الدنيا والعمل بمقتضى هذا الإقرار من ترك المعاصي وفعل الطاعات.
(3) قوله تعالى: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّه). قال الإمام الرازي في المدلول التربوي لذلك: «وتقريره أنّ الله تعالى بعث جوهر النفس الناطقة القدسية الجسماني وأعطاه هذه الآلات الجسمانية والأدوات الجسدانية وأعطاه العقل والتفكر، لأجل أن يتوصل بهذه الآلات والأدوات إلى تحصيل المعارف الحقيقية والأخلاق الفاضلة التي يعظم منافعها بعد الموت، فإذا استعمل الإنسان هذه الآلات والأدوات والقوة العقلية والقوة الفكرية في تحصيل هذه اللذات الدائرة والسعادات المنقطعة ثم انتهى الإنسان إلى آخر عمره فقد خسر خسرانا مبينا، لأنّ رأس المال قد فني والربح الذي ظنّ أنه هو المطلوب قد فني أيضا، فلم يبق في يده لا من رأس المال ولا من الربح شيء، فكان هذا هو الخسران المبين».
(4) قوله تعالى: (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُون). هذا ترهيب من العمل السيئ من خلال بيان علاقته بصاحبه يوم القيامة، وترهيب في العمل الصالح لأنه يفيد صاحبه يوم القيامة، قال المفسرون: ((إنّ المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبه ريحا، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أنّ الله قد طيّب ريحك وحسّن صورتك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الصالح، طالما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت اليوم، وتلا: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدا) (مريم: 85)، وإنّ الكافر يستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أنّ الله قد قبّح صورتك وأنتن ريحك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك السيئ ، طالما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك اليوم، وتلا: (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِم)) (الطبري).