التفسير التربويالجزء 1 · ص 755 - 762

الآيات 54-55

الآيات 54-55

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِين﴾ (الأنعام: 54-55)

(1) قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيم). دلت هذه الآية على أنّ من رحمته تعالى بالمؤمنين قبوله لتوبة من تاب وإن كان فاعلا لعظام الذنوب وكبارها، وقد أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم أن يبشر المؤمنين بذلك وأن يعلمهم أنّ كل من عصى الله فهو جاهل، وهذا معنى (بجهالة)، فهي ليست مشتقة من الجهل بعدم العلم وإنما مشتقة من الجهل بمعنى الجاهلية والشهوة والنزق والطيش بإجماع مفسري الصحابة والتابعين على هذا التأويل.

(2) قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِين). كما دلت هذه الآية على رحمته تعالى بالناس أجمعين وحرصه على هدايتهم حينما أنزل القرآن وفصّل فيه الآيات مرة بعد مرة كي تستبين سبيل الكافرين واضحة لا لبس فيها ولا غموض،ومتى استبانة سبيل المجرمين استبانة السبيل المقابلة لها وهي سبيل المؤمنين، ومتى استبان هذان السبيلان فلا يقع في الخطأ إلا من أراد الخطأ واختاره، وعندها: «لا يهلك على الله إلا هالك» (مسلم).

755

الآيات 56-58

قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِين﴾ (الأنعام: 56-58)

(1) قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِين). لما بيّن الله تعالى في الآية السابقة سبيل المجرمين نهى في هذه الآية رسوله صلى الله عليه وسلم عن اتباع تلك السبيل وهذا نهي للأمة جمعاء، فهي سبيل تقوم على عبادة المخلوق مع أو من دون الخالق، وهي سبيل تقوم على اتباع الأهواء، وهذا من كمال التعليم والتربية، أي: النهي عن اتباع السبل الخاطئة بعد بيانها وتوضيحها. وقوله (الذين): من المعروف أنه يستخدم للعقلاء في حين تستخدم (ما) لغير العقلاء، وفي هذا إشارة إلى أنّ المنهي عن عبادته هو أي معبود كان من دون الله سواء كان عاقلا كما كان أهل الجاهلية يعبدون الجن والملائكة والناس أم كان غير عاقل كالأصنام.

(2) قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِين). فيه بيان لمنهج النبوة ودور الأنبياء، ومنه بيان لمنهج الدعاة إلى الله ودورهم، فهو يقتصر على الدعوة والمفاصلة وأما الفصل فهو لله بفصل كيف يشاء ومتى يشاء، فهو إن شاء فصل بعذاب تقوم به الملائكة وإن شاء أمر عباده المؤمنين بقتال الكافرين، وهذا شكل من الفصل لم يكن في الشرائع السماوية السابقة قبل شريعة موسى عليه السلام.

(3) قوله تعالى: (قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِين). دلت هذه الآية على الحلم الإلهي لأنّ معناها لو كان العذاب بيد البشر لوقع على الكافرين ولو كان هذا البشر نبيا، ولكن العذاب لم يقع لأنه بيد الله، والله حليم بالناس ومن حلمه أنه لا يعجل بعقوبة أصحاب المعصية بل يؤخرهم لعلهم يتوبون، وربما طال هذا التأخير إلى يوم القيامة، وهذا الحلم يدل أيضا على رحمته تعالى بالناس.

756

الآية 59

قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِين﴾ (الأنعام: 59)

مفاتح الغيب خمسة وهي المذكورة في سورة لقمان: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير) (لقمان: 34). وهذه الآية في وصف علم الله ذكرت مفاتح الغيب ثم ذكرت علوما غيرها، يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لهذه الآية: «يجوز أن يقال إنه تعالى ذكر ما ذكر من الورقة والحبة تنبيها للمكلفين على أمر الحساب، وإعلاما بأنه لا يفوته من كل ما يصنعون في الدنيا شيء، لأنه لا يهمل الأحوال التي ليس فيها ثواب ولا عقاب ولا تكليف، فبأن لا يهمل الأحوال المشتملة على الثواب والعقاب أولى».

757

الآية 60

قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمّىً ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون﴾ (الأنعام: 60)

(1) قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَار). كما دلت الآية السابقة على كمال علمه تعالى، دلت هذه الآية على كمال قدرته تعالى وقيامه بشؤون الناس يحفظهم ويرعاهم ويدبر أمورهم في النوم وفي اليقظة على أحسن وجوه التدبير. وهذه الآية وإن دلت على كمال قدرة الله فإنّ فيها احتجاجا على المشركين الذين ينكرون البعث بعد الموت، ووجه الاحتجاج: إنكم إن سلمتم بقدرة الله على بعثكم بعد النوم فعليكم أن تسلموا بقدرته على بعثكم بعد الموت، لأنّ النوم والموت شكلين من أشكال الوفاة: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) (الزمر: 42).

(2) قوله تعالى: (ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون). تقرير للبعث بعد الموت حيث يخبر الله تعالى كل إنسان بما عمل في الدنيا، والمراد منه الترهيب من العمل السيئ والترغيب في العمل الصالح، لأنّ الإخبار عن العمل هو إخبار محاسبة ومن ثم جزاء لمن عمل صالحا وعقاب لمن عمل سيئا.

758

الآيات 61-62

قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِين﴾ (الأنعام: 61-62)

(1) قوله تعالى: (وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَة). المراد بذلك الملائكة الذين يرافقون الإنسان ويحصون كل ما يصدر عنه من قول أو عمل، والمدلول التربوي لذلك أنّ الإنسان إذا علم أنّ هناك ملائكة يرافقونه ويحصون له أو عليه كل ما يصدر عنه ويكتبون ذلك في كتاب يعرض يوم القيامة على رؤوس الأشهاد كان ذلك أزجر له عن المعاصي وأرغب له في الطاعات، وكان لهؤلاء الحفظة دور تربوي واضح في سلوك الإنسان.

(2) قوله تعالى: (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُون). المقصود بذلك أنّ ملائكة الموت الذين يقبضون الأرواح يقومون بذلك بدقة متناهية لا زيادة ولا نقصان، فلكل إنسان أنفاس محددة في هذه الحياة معلومة عند الله لا تزيد ولا تنقص ولا تتقدم ولا تتأخر، وملائكة الموت ينفذون أمر الله، وهذا يورث في نفس المؤمن الطمأنينة، فلا يتشكك ولا يقول: لو أنّ فلانا فعل كذا لكان كذا، ولو أنا فعلنا له كذا لكان كذا، وما أكثر التشكك والندم والحسرة عند من لا يؤمن بهذه العقيدة الإلهية.

(3) قوله تعالى: (أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِين). إنه تعالى أسرع الحاسبين لأنه لا يحسب بعقد يد ولا بأدوات حساب كما يفعل الناس، وإنما بحسب بعلمه المطلق الذي لا تخفى عليه خافية، وسرعة الحساب لها وقعها في النفوس البشرية فليس هناك مهلة ارتياح يمارسها الإنسان حتى يأتي دوره في الحساب، وقد رُوي عن بعض الصحابة أنّ مدة الحساب كطرفة عين.

(4) وهنا لابد أن نذكر بقاعدة الحساب والجزاء والعقاب، وهذه القاعدة تقوم على أنّ الإنسان آمن بالله وعمل بشريعته وطبّق أوامره ونفذ أحكامه، ثم يكون الحساب فيما قصّر أو ترك من هذه الشريعة بأوامرها ونواهيها، أما أولئك الذين لم يؤمنوا بالله ولم يعملوا بشريعته بل عملوا بشرائع وضعية أنشأها الناس، فإنهم لا يدخلون في قاعدة الحساب والجزاء والعقاب بل يدخلون النار بغير حساب، فليتنبه لذلك الغافلون!.

759

الآيات 63-64

قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُون﴾ (الأنعام: 63-64)

دلت هذه الآيات على كمال قدرته تعالى وعلى كمال رحمته وإحسانه للناس، والمدلول التربوي لهذه الآيات أنّ الإنسان إذا اجتمعت به أسباب الهلاك عاد إلى الله بكل إخلاص ووعد الله بالاستقامة المستمرة في حياته إن أنجاه من الهلاك، فإن أنجاه من الهلاك عاد إلى ما كان عليه من الشرك، فهذه الآيات تحثه على الوفاء بالتزامه في الاستقامة وترك الشرك والاستفادة من التجربة، وعدم الاغترار بالرخاء الذي يحصل له بعد الشدة. يقول الإمام الرازي في المدلول التربوي لهذه الآيات: ((والمقصود أنه عند اجتماع هذه الأسباب الموجبة للخوف الشديد لا يرجع الإنسان إلا إلى الله تعالى، وينقطع رجاؤه عن كل ما سوى الله تعالى، وهو المراد من قوله (تَضَرُّعاً وَخُفْيَة)، فبيّن تعالى أنه إذا شهدت الفطرة السليمة والخلقة الأصلية في هذه الحالة بأنه لا ملجأ إلا إلى الله، ولا تعويل إلا على فضل الله، وجب أن يبقى هذا الإخلاص عند كل الأحوال والأوقات، لكنه ليس كذلك، فإنّ الإنسان بعد الفوز بالسلامة والنجاة، يحيل تلك السلامة إلى الأسباب الجسمانية، ويقدم على الشرك، وبالجملة فعادة أكثر الخلق ذلك، إذا شاهدوا الأمر الهائل أخلصوا، وإذا انتقلوا إلى الأمن والرفاهية أشركوا)).

760

الآيات 65-67

قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُون﴾ (الأنعام: 65-67)

في هذه الآيات تربية بالعقوبة الدنيوية للكفار ولأمة محمد صلى الله عليه وسلم على السواء مع تنوع هذه العقوبة من العذاب الفوقي (كالرحم والمطر والرياح وأئمة السوء) ومن العذاب التحتي (كالبراكين والزلازل والخدم السوء) ومن العذاب البيني في تفرق الناس إلى ملل وأحزاب مختلفة وقتل بعضهم لبعض، والمهم في هذه العقوبات هو الاعتبار والفقه: (انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُون)، والتنبه إلى كون هذه الحوادث عقوبات من الله أراد بها تربية الناس وردهم إلى دينهم بعد أن نبذوه وتركوه. وما أكثر ما نسمع بهذه الحوادث في سائر أنحاء العالم، فمرة نسمع بفيضان مدمر، ومرة نسمع بزلزال مهلك، ومرة نسمع بقتال مميت، وما أقل ما يستفيد الناس من هذه العقابات الإلهية. وقد كنت أسمع عن الآيدز كمرض مميت ومهلك، وكنت أظن أنه سيكبح العلاقات الجنسية غير الشرعية، حيث إنها الوسيلة الوحيدة في نقله بين الناس وبانعدامها ينعدم المرض، ولما زرت الغرب وجدت الناس هناك كأنهم لم يسمعوا بالآيدز، فلم يتغير شيء في علاقاتهم الجنسية التي ليس لها حدود، بل ربما زادت مما كانت عليه لأنّ كل ممنوع مرغوب، ولسان حالهم يقول: جنس وآيدز وموت خير من حياة بلا جنس، فهم لم يتركوا وسيلة جنسية شاذة إلا ويفعلونها، ابتداء من الزنا، ومرورا بالسحاق واللواط، وانتهاءً بالعلاقة الجنسية مع الكلاب. فالآيدز آية من آيات الله، سلطها الله على الناس ولكن الناس لم يعتبروا بهذه العقوبة الدنيوية ولم يعودوا إلى الله، بل راحوا يتحايلون عليها بالعلم كاستعمال الواقي الذكري، والتأكد المخبري من سلامة الشريك الجنسي.

761

الآيات 68-69

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون﴾ (الأنعام: 68-69)

(1) في هذه الآيات تربية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين وتأديب لهم عما يجب عليهم تجاه من يخوض بآيات الله فيتكلم بها على وجه الاستهزاء والسخرية والعبث واللهو، وذلك الأدب هو الإعراض عن مجالستهم والانسحاب من مجلسهم حتى يتكلموا في حديث غيره، والمراد من هذا الأدب هو احترام الدين وتوقيره والغيرة عليه، وإعلان الرفض لمن يخوض في آيات الله وإن كان كافرا.

(2) وهذا الأسلوب التربوي له فائدتان: (الأولى) بقاء هيبة الدين في نفس حامله لأنه إن بقي مجالسا للخائضين في الآيات انكسرت هيبة الدين في داخله واستمرأ التشكك فيه وربما مخالفته. (الثانية) إنّ هذا الأدب الانسحابي يمنع الخائضين في الآيات من فعلهم، لأنّ المتكلم إن لم يجد من يسمعه كفّ عن الكلام، فإذا أعرض الناس عنه وانسحبوا من مجلسه كفّ عن الكلام وامتنع عن الكلام في المستقبل خوفا من انسحاب السامعين. فتبين من ذلك أنّ هذا الأدب رادع عن الفعل، بخلاف ما لو أخذ السامعون وردوا مع الخائض في آيات الله، فإنه يستمر حينها في خوضه بذريعة النقاش والحوار.

762