تفسير أبي السعود إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود محمد بن محمد العمادي (898 - 982 هـ) بلاغة
تفسير بلاغي رفيع يعنى بأسرار النظم ودقائق البيان، جمع بين الكشاف والبيضاوي وزاد عليهما.
اختر السورة ثم الآية لتقرأ تفسيرها، أو ابدأ من أول القرآن.
حول المصدر: مقدمة الكتاب
* قال المؤلف رحمه الله:[1]
وَلَقَدْ تَصَدّى لِتَفْسِيرِ غَوامِضِ مُشْكِلاتِهِ أساطِينُ أئِمَّةِ التَفْسِيرِ فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنَ الأعْصارِ؛ وتَوَلّى لِتَيْسِيرِ عَوِيصاتِ مُعْضِلاتِهِ سَلاطِينُ أُسْرَةِ التَقْرِيرِ والتَّحْرِيرِ فِي كُلِّ قُطْرٍ مِنَ الأقْطارِ؛ فَغاصُوا فِي لُجَجِهِ، وخاضُوا فِي ثَبْجِهِ؛ فَنَظَمُوا فَرائِدَهُ فِي سِلْكِ التَحْرِيرِ؛ وأبْرَزُوا فَوائِدَهُ فِي مَعْرِضِ التَقْرِيرِ؛ وصَنَّفُوا كُتُبًا جَلِيلَةَ الأقْدارِ؛ وألَّفُوا زُبُرًا جَمِيلَةَ الآثارِ.
- أمّا المُتَقَدِّمُونَ المُحَقِّقُونَ فاقْتَصَرُوا عَلى تَمْهِيدِ المَعانِي، وتَشْيِيدِ المَبانِي، وتَبْيِينِ المَرامِ، وتَرْتِيبِ الأحْكامِ؛ حَسْبَما بَلَغَهُمْ مِنْ سَيِّدِ الأنامِ، عَلَيْهِ شَرائِفُ التَحِيَّةِ والسَّلامِ.
- وأمّا المُتَأخِّرُونَ المُدَقِّقُونَ فَرامُوا - مَعَ ذَلِكَ - إظْهارَ مَزاياهُ الرائِقَةِ، وإبْداءَ خَباياهُ الفائِقَةِ؛ لِيُعايِنَ الناسُ دَلائِلَ إعْجازِهِ؛ ويُشاهِدُوا شَواهِدَ فَضْلِهِ وامْتِيازِهِ عَنْ سائِرِ الكُتُبِ الكَرِيمَةِ الرَبّانِيَّةِ والزُّبُرِ العَظِيمَةِ السُبْحانِيَّةِ، فَدَوَّنُوا أسْفارًا بارِعَةً جامِعَةً لِفُنُونِ المَحاسِنِ الرائِعَةِ؛ يَتَضَمَّنُ كُلٌّ مِنْها فَوائِدَ شَرِيفَةً؛ تَقَرُّ بِها عُيُونُ الأعْيانِ؛ وعَوائِدَ لَطِيفَةً يَتَشَنَّفُ بِها آذانُ الأذْهانِ؛ لا سِيَّما "الْكَشّافُ"؛ و"أنْوارُ التَنْزِيلِ"؛ المُتَفَرِّدانِ بِالشَّأْنِ الجَلِيلِ، والنَّعْتِ الجَمِيلِ.
وَلَقَدْ كانَ فِي سَوابِقِ الأيّامِ، وسَوالِفِ الدُهُورِ والْأعْوامِ، أوانَ اشْتِغالِي بِمُطالَعَتِهِما، ومُمارَسَتِهِما؛ وزَمانَ انْتِصابِي لِمُفاوَضَتِهِما ومُدارَسَتِهِما، يَدُورُ فِي خَلَدِي عَلى اسْتِمْرارٍ، آناءَ اللَيْلِ وأطْرافَ النَهارِ، أنْ أنْظِمَ دُرَرَ فَوائِدِهِما فِي سِمْطٍ دَقِيقٍ؛ وأُرَتِّبَ غُرَرَ فَرائِدِهِما عَلى تَرْتِيبٍ أنِيقٍ؛ وأُضِيفَ إلَيْها ما ألْفَيْتُهُ فِي تَضاعِيفِ الكُتُبِ الفاخِرَةِ مِنْ جَواهِرِ الحَقائِقِ؛ وصادَفْتُهُ فِي أصْدافِ العَيالِمِ الزاخِرَةِ مِنْ زَواهِرِ الدَقائِقِ؛ وأسْلُكَ خِلالَها بِطَرِيقِ التَرْصِيعِ عَلى نَسَقٍ أنِيقٍ؛ وأُسْلُوبٍ بَدِيعٍ؛ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ جَلالَةُ شَأْنِ التَنْزِيلِ؛ ويَسْتَدْعِيهِ جَزالَةُ نَظْمِهِ الجَلِيلِ؛ ما سَنَحَ الفِكْرُ العَلِيلُ بِالْعِنايَةِ الرَبّانِيَّةِ؛ وسَمَحَ بِهِ النَظَرُ الكَلِيلُ بِالْهِدايَةِ السُبْحانِيَّةِ مِنْ عَوارِفِ مَعارِفَ يَمْتَدُّ إلَيْها أعْناقُ الهِمَمِ مِنْ كُلِّ ماهِرٍ لَبِيبٍ؛ وغَرائِبِ رَغائِبَ تَرْنُو إلَيْها أحْداقُ الأُمَمِ مِنْ كُلِّ نِحْرِيرٍ أرِيبٍ؛ وتَحْقِيقاتٍ رَصِينَةٍ تُقِيلُ عَثَراتِ الأفْهامِ فِي مَداحِضِ الإقْدامِ؛ وتَدْقِيقاتٍ مَتِينَةٍ تُزِيلُ خَطَراتِ الأوْهامِ مِنْ خَواطِرِ الأنامِ فِي مَعارِكِ أفْكارٍ يَشْتَبِهُ فِيها الشُؤُونُ؛ ومَدارِكِ أنْظارٍ يَخْتَلِطُ فِيها الظُنُونُ، وأُبْرِزَ مِنْ وراءِ أسْتارِ الكُمُونِ مِنْ دَقائِقِ السِرِّ المَخْزُونِ فِي خَزائِنِ الكِتابِ المَكْنُونِ ما تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ النُفُوسُ؛ وتَقَرُّ بِهِ العُيُونُ مِنْ خَفايا الرُمُوزِ، وخَبايا الكُنُوزِ.
فَلَمّا دَنا الأجَلُ مِنَ الحُلُولِ؛ وأشْرَفَتْ شَمْسُ الحَياةِ عَلى الأُفُولِ؛ عَزَمْتُ عَلى إنْشاءِ ما كُنْتُ أنْوِيهِ؛ وتَوَجَّهْتُ إلى إمْلاءِ ما ظَلْتُ أبْتَغِيهِ؛ ناوِيًا أنْ أُسَمِّيَهُ - عِنْدَ تَمامِهِ بِتَوْفِيقِ اللَهِ تَعالى وإنْعامِهِ - "إرْشادَ العَقْلِ السَلِيمِ إلى مَزايا الكِتابِ الكَرِيمِ".
* عقيدته:
قال الشيخ صالح آل الشيخ:
ظهرت أشعريته في تأويله بعض الصفات، و أيضا في الكلام عن القضاء والقدر؛ إذ جعل أفعال العباد منسوبة لهم من حيث الكسب، قال أبو السعود: "وإسناد الإضلال أي خلق الضلال إليه سبحانه مبني على أن جميع الأشياء مخلوقة له تعالى، وإن كان أفعال العباد من حيث الكسب مستندة إليه".
إلا أنه لم يسلك مسلك الأشاعرة في تعريف الإيمان، وصرح بتصحيح مذهب أبي حنيفة رحمه الله.
ـــــــــــــــــــ
[1] اختصرت إطنابه وكلامه عن غير منهجه