فتح البيان فتح البيان في مقاصد القرآن

أبو الطيب صديق حسن خان القِنَّوجي (1248 - 1307 هـ)

تفسير على طريقة السلف يعتمد المأثور والحديث الصحيح، ويوجز ما أطال فيه الشوكاني، مع عناية بمقاصد الآيات وهداياتها.

اختر السورة ثم الآية لتقرأ تفسيرها، أو ابدأ من أول القرآن.

حول المصدر: مقدمة الكتاب
* قال المؤلف رحمه الله:
وليس على ما جمعوه وصنفوه مزيد، ولكن لا بد في كل زمان من تجديد ما طال به العهد وقصر للطالبين فيه الجد والجهد، إيقاظاً للنائمين، وتحريضاً للمتثبطين، فحررت بعون الله تعالى وحسن توفيقه فيما سألوه واستمنحوه كتاباً في أيسر زمان وأحسن تقدير، متوسطاً بين الطويل الممل والقصير المخل، وجمعته جمعاً حسناً بعبارة سهلة وألفاظ يسيرة مع تعرض للترجيح بين التفاسير المعارضة في مواضع كثيرة، وبيان للمعنى العربي والإعرابي واللغوي مع حرص على إيراد صفوة الصفوة مما ثبت من التفسير النبوي ومن عظماء الصحابة وعلماء التابعين، ومن دونهم من سلف الأمة وأئمتها المعتبرين كابن عباس حبر هذه الأمة ومن بعده من الأئمة مثل مجاهد وعكرمة وعطاء والحسن وقتادة وأبي العالية والقرظي والكلبي والضحاك ومقاتل والسدي وغيرهم من علماء اللغة والنحو كالفراء والزجاج وسيبويه والمبرد والخليل والنحاس.
ولكن الثابت الصحيح من التفسير المرفوع إلى النبي وإن كان المصير إليه متعيناً. وتقديمه متحتماً، هو تفسير آيات قليلة بالنسبة إلى جميع القرآن. والثابت من التفسير عن الصحابة ومن تبعهم بالاحسان: إن كان من اللفظ الذي قد نقله الشرع إلى معنى مغاير للمعنى اللغوي فهو مقدم على غيره، وإن كان من الألفاظ التي لم ينقلها الشرع فهو كواحد من أهل اللغة الموثوق بعربيتهم، فإذا خالف ذلك المشهور المستفيض لم تقم الحجة علينا بتفسيره الذي قاله على مقتضى لغة العرب العرباء فبالأولى تفاسير من بعدهم من تابعيهم وسائر الأئمة.
وأيضاً كثيراً ما يقتصر الصحابي ومن بعده من السلف على وجه واحد مما يقتضيه النظم القرآني باعتبار المعنى اللغوي، ومعلوم أن ذلك لا يستلزم إهمال سائر المعاني التي تفيدها اللغة العربية ولا إهمال ما يستفاد من العلوم التي يتبين بها دقائق العربية وأسرارها كعلم المعاني والبيان، فإن التفسير بذلك هو تفسير اللغة لا تفسير بمحض الرأي المنهي عنه؛ وقد قال سفيان ليس في تفسير القرآن اختلاف. إنما هو كلام جامع يراد منه هذا وهذا؛ وقال أبو الدرداء: لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهاً.
وأخرج ابن سعد أن علياً قال لابن عباس: " اذهب إليهم (يعني الخوارج) ولا تخاصمهم بالقرآن فإنه ذو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة ".
وأيضاً لا يتيسر في كل تركيب من التراكيب القرآنية تفسير ثابت عن السلف بل قد يخلو عن ذلك كثير من القرآن. ولا اعتبار بما لا يصح كالتفسير المنقول بإسناد ضعيف، ولا بتفسير من ليس بثقة منهم وإن صح إسناده إليه، وبهذا تعرف أنه لا بد من الجمع بين الأمرين والتحلي بالوصفين، وعدم الاقتصار على مسلك أحد الفريقين، وهذا هو المقصد الذي أردته والمسلك الذي قصدته.
وأذكر الحديث معزواً إلى راويه من غير بيان حال الإسناد، لأني آخذه من الأصول التي نقلت عنها كذلك كما يقع في تفسير ابن جرير والقرطبي وابن كثير والسيوطي، ويبعد كل البعد أن يعلموا في الحديث ضعفاً ولا يبينوه، ولا ينبغي أن يقال فيما أطلقوه أنهم قد علموا ثبوته، فإن من الجائز أن ينقلوه من دون كشف عن حال الإسناد، بل هذا هو الذي يغلب به الظن لأنهم لو كشفوا عنه فثبتت عندهم صحته لم يتركوا بيان ذلك كما يقع منهم كثيراً التصريح بالصحة والحسن، فمن وجد الأصول التي يروون عنها ويعزون ما في تفاسيرهم إليها فلينظر في أسانيدها موفقاً إن شاء الله تعالى.
واعلم أن تفسير السيوطي المسمى بالدر المنثور، قد اشتمل على غالب ما في تفسيرات السلف من التفاسير المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتفاسير الصحابة ومن بعدهم، وما فاته إلا القليل النادر، وقد اشتمل هذا التفسير مني على جميع ما تدعو إليه الحاجة مما يتعلق بالتفسير مع اختصار لما تكرر لفظاً واتحد معنى بقولي ومثله أو ونحوه، وضممت إلى ذلك فوائد لم يشتمل عليها زبر أهل الرواية، ووجدتها في غيرها من تفاسير علماء الدراية، وعوائد لاحت لي من تصحيح أو تحسين أو تضعيف أو تعقب أو جمع أو ترجيح، مع تحرير للمقاصد بحسب ما يراد ولا يذاد، وتقرير للمعاقد بحيث لا يضاد ولا يصاد، ولم آل جهداً في حسن تحريره وتهذيبه وسعياً في لطافة مزجه بالمفسر وترتيبه بألفاظ تنفتح لها الآذان وتنشرح بها الصدور، ومعان تتهلل بها وجوه الأوراق وتتبسم ثغور السطور، رغبة إلى الدخول من أبوابه والكون من أحزابه، ونشاطاً إلى القعود في محرابه، وبذلاً للقوة في إيراد مباحث قلت عناية المتأخرين بها من المفسرين، وقد بالغ في الاعتناء بها المحققون من المتقدمين، لا سيما السمعيات التي هي المطلب الأعلى، والمقصد الأقصى في أصول الدين، والعروة الوثقى والعمدة القصوى لأهل الحق واليقين، مع تنقيح للكلام، وتوضيح للمرام، يهتزله علماء البلاد في كل ناد، ولا يغض منه إلا كل هائم في واد، من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلله فما له من هاد.
ووطنت النفس على سلوك طريقة، هي بالقبول عند الفحول حقيقة، مقتصراً فيه على أرجح الأقوال، وإعراب ما يحتاج إليه عند السؤال، وترك التطويل بذكر أقوال غير مرضية، وقصص لا تصح وأعاريب محلها كتب العربية.
وحيث ذكرت فيه شيئاً من القراآت فهو من السبع المشهورات إلا ما شاء الله، وقد أذكر بعض أقوال وأعاريب لقوة مداركها أو لورودها وإذا قرع سمعك ما لم تسمع به من المحصلين، فلا تُسرع وقف وقفة المتأملين لعلك تطلع بوميض برق إلهي، وتألق نور رباني من شاطىء الوادي الأيمن في البقعة المباركة على برهان له جلي أو بيان من سلف صالح واضح وضي.
وقد تلقيت هذا التفسير بحمد الله من تفاسير متعددة عن أئمة ظهرت وبهرت مفاخرهم، وانتشرت واشتهرت مآثرهم، جمعني الله وإياهم وجميع المسلمين ومن أخلفهم في مستقر رحمته من فراديس جنته.
فهذا التفسير وإن كبر حجمه فقد كثر علمه، وتوفر من التحقيق قسمه وأصاب غرض الحق سهمه، مفيد لمن أقبل على تحصيله، مفيض على من تمسك بذيل إجماله وتفصيله، وقد اشتمل على جميع ما في كتب التفاسير من بدائع الفوائد، مع زوائد فرائد وقواعد شوارد، من صحيح الدراية، وصريح الرواية.
فإن أحببت أن تعتبر صحة هذا فهذه كتب التفسير على ظهر البسيطة أنظر تفاسير المعتمدين على الرواية ثم ارجع إلى تفاسير المعتمدين على الدراية، ثم انظر في هذا التفسير بعد النظرين، فعند ذلك يسفر الصبح لذي عينين، ويتبين لك أن هذا الكتاب هو لب اللباب وعجب العجاب، وذخيرة الطلاب ونهاية مآرب أرباب الألباب، وأسوة المتبعين، وقدوة الناسكين، وهدى للمتقين.
وقد جاء بحمد لله كنزاً مدفوناً من جواهر الفوائد، وبحراً مشحوناً بنفائس الفرائد، في لطائف طالما كانت مخزونة، وعن الإضافة مصونة، بتقارير ترتاح لها نفوس المحصلين الكاملين وتنزاح منها شُبه المبطلين، وتحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وتضحَى أنوارها في قلوب السعداء وتطلع نيرانها على أفئدة الأعداء لا يعقل بيناتها إلا العالمون، ولا يجحد بآياتها إلا القوم الظالمون وسميته: (فتح البيان في مقاصد القرآن) وهو اسم له تاريخي، مستمداً من الله سبحانه بلوغ الغاية، والوصول بعد هذه البداية إلى النهاية، راجياً منه جل جلاله أن يديم به الانتفاع، ويجعله من الذخائر التي ليس لها انقطاع، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
* قال المحقق:
الكتاب (فتح البيان في مقاصد القرآن) درة نادرة بين كتب التفسير، لأن علّامتنا، أبا الطيب صديق خان نتيجة لمدارسته كتب التفسير المختلفة، وعى حقيقة مهمة وهي أن بعض كتب التفسير لا تخلو مما دسه الأعداء وأهل الأهواء على الإسلام، بقصد هدم هذا الدين المتين عن طريق الدسّ والوضع حينما أعيتهم الحيل من النيل منه عن طريق الحرب والقوة أو عن طريق الدليل والحجة. فجرد حسامه وبرى يراعته للدفاع عن كتاب الله تعالى فقرأ جُلّ ما كتب الأقدمون وتبين له أن:
- النحوى ليس له هم في تفسيره إلا الإعراب وتكثير الأوجه المحتملة فيه وإن كانت بعيدة.
- والفقيه يكاد يسرد في تفسيره الفقه جميعاً وربما استطرد إلى إقامة أدلة الفروع الفقهية التي ربما لا تعلّق لها بالآية أصلاً.
- والإخباري: ليس له شغل إلا القصص واستيفاؤها والإخبار عمن سلف سواء كانت صحيحة أو باطلة.
- والمبتدع: ليس له إلا تحريف الآيات وتسويتها على مذهبه الفاسد.
- والملحد: لا تسأل عن كفره والحاده في آيات الله وافترائه على الله.
ومن المفسرين مَنْ اقتصر في تفسيره على مجرد الرواية ومنهم من اكتفى بمجرد الدراية وقليل من جمع بين الرواية والدراية فاختار الشيخ صديق خان أن يكتب تفسيراً خالياً من الإسرائيليات والخرافات التي يقوم الدليل على بطلانها. وكذلك الجدل المذهبي والمناقشات الكلامية، فجمع بين الرواية والدراية مع تجديد ما طال به العهد وقصر للطالبين فيه الجد والجهد إيقاظاً للنائمين وتحريضاً للمتثبطين.
فاختار صفوة الصفوة مما ثبت من التفسير النبوي لأنه الحجة المتبعة التي لا يسوغ مخالفتها.
ثم تفاسير عظماء الصحابة المختصين برسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ثم تفاسير التابعين ومن بعدهم من سلف الأمة وأئمتها المعتبرين.
ثم أهل اللغة العربية الذين يفسرون كتاب الله جل جلاله باللغة العربية حقيقة ومجازاً إن لم تثبت في ذلك حقيقة شرعية تراعي النقل عن السلف أو رعاية الأصول المعتبرة أو قواعد اللغة العربية.
وكان رضي الله عنه في تفسيره يتحرى الدقة والصحة فيما ينقل، إن ذكر حديثاً عزاه إلى رواية من غير بيان حال الإسناد لأنه أخذه من الأصول المعتبرة.
وقد سلك في أمور العقائد وفق منهج السلف وخاصة في آيات الصفات وبالجملة فإن تفسيره تنزاح عنه شبه المبطلين وتحريف الغالين وتأويل الجاهلين، خلى من كثرة الحشو والدخيل والخرافات التي لا يقوم عليها دليل. فكان درة بين كتب التفسير.
ولا داعي للإطناب في المدح فالكتاب بين يديك راجع أي مَوْضِع فيه تجد صدق ما قلناه وأكثر مما كتبناه.

فهرس السور