فتح القدير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

الإمام محمد بن علي الشوكاني (1173 - 1250 هـ)

يجمع بين التفسير بالمأثور والتفسير بالدراية: يسوق الأقوال والأحاديث والآثار ثم يرجّح، ويُعنى باللغة والقراءات والأحكام.

اختر السورة ثم الآية لتقرأ تفسيرها، أو ابدأ من أول القرآن.

حول المصدر: مقدمة الكتاب
قال المؤلف رحمه الله:
لما كان هذا العلم بهذه المنزلة الشامخة الأركان، العالية البنيان، المرتفعة المكان، رغبت إلى الدخول من أبوابه، ونشطت إلى القعود في محرابه، والكون من أحزابه، ووطنت النفس على سلوك طريقة، هي بالقبول عند الفحول حقيقة، وها أنا أوضح لك منارها، وأبيّن لك إيرادها وإصدارها فأقول:
إن غالب المفسرين تفرّقوا فريقين، وسلكوا طريقين: الفريق الأول اقتصروا في تفاسيرهم على مجرّد الرواية، وقنعوا برفع هذه الراية. والفريق الآخر جرّدوا أنظارهم إلى ما تقتضيه اللغة العربية، وما تفيده العلوم الآلية، ولم يرفعوا إلى الرواية رأسا، وإن جاءوا بها لم يصحّحوا لها أساسا، وكلا الفريقين قد أصاب، وأطال وأطاب.
إلى أن قال:
وبهذا تعرف أنه لا بد من الجمع بين الأمرين، وعدم الاقتصار على مسلك أحد الفريقين، وهذا هو المقصد الذي وطنت نفسي عليه، والمسلك الذي عزمت على سلوكه إن شاء الله مع تعرّضي للترجيح بين التفاسير المتعارضة مهما أمكن واتضح لي وجهه، وأخذي من بيان المعنى العربي والإعرابي والبياني بأوفر نصيب، والحرص على إيراد ما ثبت من التَّفْسِيرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أو الصحابة أو التابعين أو تابعيهم، أو الأئمة المعتبرين. وقد أذكر ما في إسناده ضعف، إما لكونه في المقام ما يقوّيه، أو لموافقته للمعنى العربي، وقد أذكر الحديث معزوّا إلى راويه من غير بيان حال الإسناد، لأني أجده في الأصول التي نقلت عنها كذلك كما يقع في تفسير ابن جرير والقرطبي وابن كثير والسيوطي وغيرهم، ويبعد كل البعد أن يعلموا في الحديث ضعفا ولا يبيّنونه، ولا ينبغي أن يقال فيما أطلقوه إنهم قد علموا ثبوته، فإن من الجائز أن ينقلوه من دون كشف عن حال الإسناد، بل هذا هو الذي يغلب به الظن، لأنهم لو كشفوا عنه فثبتت عندهم صحته لم يتركوا بيان ذلك، كما يقع منهم كثيرا التصريح بالصحة أو الحسن، فمن وجد الأصول التي يروون عنها ويعزون ما في تفاسيرهم إليها فلينظر في أسانيدها موفقا إن شاء الله.
واعلم أن تفسير السيوطي المسمى ب «الدرّ المنثور» قد اشتمل على غالب ما في تفاسير السلف من التفاسير المرفوعة إلى النبي صلّى الله عليه وسلم، وتفاسير الصحابة ومن بعدهم، وما فاته إلا القليل النادر. وقد اشتمل هذا التفسير على جميع ما تدعو إليه الحاجة منه مما يتعلق بالتفسير، مع اختصار لما تكرّر لفظا واتحد معنى بقولي: ومثله أو نحوه، وضممت إلى ذلك فوائد لم يشتمل عليها وجدتها في غيره من تفاسير علماء الرواية، أو من الفوائد التي لاحت لي من تصحيح أو تحسين أو تضعيف، أو تعقب أو جمع أو ترجيح.
فهذا التفسير - وإن كبر حجمه - فقد كثر علمه، وتوفر من التحقيق قسمه، وأصاب غرض الحق سهمه، واشتمل على ما في كتب التفاسير من بدائع الفوائد، مع زوائد فوائد وقواعد شوارد، فإن أحببت أن تعتبر صحة هذا فهذه كتب التفسير على ظهر البسيطة، انظر تفاسير المعتمدين على الرواية، ثم ارجع إلى تفاسير المعتمدين على الدراية، ثم انظر في هذا التفسير بعد النظرين، فعند ذلك يسفر الصبح لذي عينين، ويتبيّن لك أن هذا الكتاب هو لبّ اللباب، وعجب العجاب، وذخيرة الطلاب، ونهاية مأرب الألباب.

فهرس السور