ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلۡمِيثَٰقَ 20
[الرعد: 20-24]
(20) و (21) و (22) و (23) و (24) قوله تعالى: ﴿الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق. والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب. والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار. جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾. فيه تربية بالقدوة من خلال ذكر صفات أولي الألباب والدعوة إلى التأسي بها كي يصل المؤمن يوم القيامة إلى ما وصل إليه أولوا الألباب من المكانة والرفعة. قال الرازي في التفسير: واعلم أن هذه الآيات من أولها إلى آخرها جملة واحدة: شرط وجزاء، وشرطها مشتمل على قيود، وجزاؤها يشتمل أيضا على قيود. أما القيود المعتبرة في الشرط فهي تسعة: (القيد الأول) قوله تعالى: ﴿الذين يوفون بعهد الله﴾ وفيه وجوه: (الأول) قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد الذي عاهدهم عليه حين كانوا في صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم: (ألست بربكم). (والثاني) أن المراد بعهد الله كل أمر قام الدليل على صحته، وهو الأشياء التي أقام الله عليها دلائل عقلية قاطعة لا تقبل النسخ والتغيير، والأشياء التي أقام الله عليها الدلائل السمعية وبين لهم تلك الأحكام. والحاصل أنه دخل تحت قوله: ﴿يوفون بعهد الله﴾ كل ما قام الدليل عليه. ويصح إطلاق لفظ العهد على الحجة بل الحق أنه لا عهد أوكد من الحجة، والدلالة على ذلك أن من حلف على الشيء فإنما يلزمه الوفاء به إذا ثبت بالدليل وجوبه لا بمجرد اليمين، ولذلك ربما يلزمه أن يحدث نفسه إذا كان ذلك خيرا له فلا عهد أوكد من إلزام الله تعالى إياه ذلك بدليل العقل أو بدليل السمع. ولا يكون العبد موفيا للعهد إلا بأن يأتي بكل تلك الأشياء كما أن الحالف على أشياء كثيرة لا يكون بارا في يمينه إلا إذا فعل الكل. ويدخل فيه الإتيان بجميع المأمورات، والانتهاء عن كل المنهيات، ويدخل فيه الوفاء بالعقود في المعاملات، ويدخل فيه أداء الأمانات، وهذا القول هو المختار الصحيح في تأويل الآية. (والقيد الثاني) قوله تعالى: ﴿ولا ينقضون الميثاق﴾ وفيه أقوال: (الأول) وهو قول الأكثرين إن هذا الكلام قريب من الوفاء بالعهد، فإن الوفاء بالعهد قريب من عدم نقض الميثاق، وهذا مثل أن يقول: إنه لما وجب وجوده، لزم أن يمتنع عدمه، فهذان المفهومان متغايران إلا أنهما متلازمان، فكذلك الوفاء بالعهد يلزمه أن لا ينقض الميثاق. (والثاني) أن الميثاق ما وثقه المكلف على نفسه، فالحاصل أن قوله: ﴿الذين يوفون بعهد الله﴾ إشارة إلى ما كلف الله العبد به ابتداء، وقوله: ﴿ولا ينقضون الميثاق﴾ إشارة إلى ما التزمه العبد من أنواع الطاعات بحسب اختياره نفسه كالنذر بالطاعات والخيرات. (والثالث) أن المراد بالوفاء بالعهد عهد الربوبية والعبودية، والمراد بالميثاق المواثيق المذكورة في التوراة والإنجيل وسائر الكتب الإلهية على وجوب الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم عند ظهوره. (والقيد الثالث) قوله تعالى: ﴿والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل﴾ ذكروا في تفسيره وجوها: (الأول) أن المراد منه صلة الرحم. (والثاني) أن المراد صلة محمد صلى الله عليه وسلم ومؤازرته ونصرته في الجهاد. (والثالث) رعاية جميع الحقوق الواجبة للعباد، فيدخل فيه صلة الرحم وصلة القرابة الثابتة بسبب أخوة الإيمان، ويدخل في هذه الصلة إمدادهم بإيصال الخيرات ودفع الآفات بقدر الإمكان وعيادة المريض وشهود الجنائز وإفشاء السلام على الناس والتبسم في وجوههم وكف الأذى عنهم ويدخل فيه كل حيوان حتى الهرة والدجاجة، وعن الفضيل بن عياض رحمه الله أن جماعة دخلوا عليه بمكة فقال: من أين أنتم؟ قالوا: من خراسان. فقال : اتقوا الله وكونوا من حيث شئتم، واعلموا أن العبد لو أحسن كل الإحسان وكان له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين. وأقول حاصل الكلام: إن قوله: ﴿الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق﴾ إشارة إلى التعظيم لأمر الله وقوله: ﴿والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل﴾ إشارة إلى الشفقة على خلق الله. (والقيد الرابع) قوله تعالى: (ويخشون ربهم) والمعنى: أنه وإن أتى بكل ما قدر عليه في تعظيم أمر الله وفي الشفقة على خلق الله إلا أنه لا بد وأن تكون الخشية من الله والخوف منه مستوليا على قلبه، وهذه الخشية نوعان: (أحدهما) أن يكون خائفا من أن يقع زيادة أو نقصان أو خلل في عباداته وطاعاته بحيث يوجب فساد العبادة أو يوجب نقصان ثوابها. (والثاني) وهو خوف الجلال، وذلك لأن العبد إذا حضر عند السلطان المهيب القاهر فإنه وإن كان في غير طاعته إلا أنه لا يزول عن قلبه مهابة الجلالة والرفعة والعظمة. (والقيد الخامس) قوله تعالى: ﴿ويخافون سوء الحساب﴾ اعلم أن القيد الرابع إشارة إلى الخشية من الله وهذا القيد الخامس إشارة إلى الخوف والخشية من سوء الحساب، وهذا يدل على أن المراد من الخشية من الله ما ذكرناه من خوف الجلال والمهابة والعظمة وإلا لزم التكرار. (والقيد السادس) قوله تعالى : ﴿والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم﴾ فيدخل فيه الصبر على فعل العبادات والصبر على ثقل الأمراض والمضار والغموم والأحزان، والصبر على ترك المشتهيات، وبالجملة الصبر على ترك المعاصي وعلى أداء الطاعات. (والقيد السابع) قوله تعالى: (وأقاموا الصلاة) واعلم أن الصلاة والزكاة وإن كانتا داخلتين في الجملة الأولى إلا أنه تعالى أفردها بالذكر تنبيها على كونها أشرف من سائر العبادات. (والقيد الثامن) قوله تعالى: ﴿وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية﴾ قال الحسن: المراد الزكاة المفروضة، فإن لم يتهم بترك أداء الزكاة فالأولى أداؤها سرا وإن اتهم بترك الزكاة فالأولى أداؤها في العلانية. وقيل السر ما يؤديه بنفسه والعلانية ما يؤديه إلى الإمام. وقيل: بل المراد الزكاة الواجبة والصدقة التي يؤتى بها على صفة التطوع فقوله: (سرا) يرجع إلى التطوع وقوله: (علانية) يرجع إلى الزكاة الواجبة. (والقيد التاسع) قوله تعالى: ﴿ويدرءون بالحسنة السيئة﴾ وفيه وجهان: (الأول) أنهم إذا أتوا بمعصية دفعوها بالتوبة. (والثاني) أن المراد أنهم لا يقابلون الشر بالشر بل يقابلون الشر بالخير. واعلم أن جملة هذه القيود التسعة هي القيود المذكورة في الشرط. وأما القيود المذكورة في الجزاء فهي أربعة: (القيد الأول) قوله تعالى: ﴿أولئك لهم عقبى الدار﴾ أي عاقبة الدار وهي الجنة، لأنها هي التي أراد الله أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها. (والقيد الثاني) قوله تعالى: ﴿جنات عدن يدخلونها﴾ أي جنات إقامة. (والقيد الثالث) قوله تعالى: ﴿ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم﴾ وفيه قولان: قال ابن عباس: يريد من صدق بما صدقوا به وإن لم يعمل مثل أعمالهم. وقال الزجاج: بين تعالى أن الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة بل الآباء والأزواج والذريات لا يدخلون الجنة إلا بالأعمال الصالحة. قال الواحدي: والصحيح ما قال ابن عباس، لأن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة وذلك يدل على أنهم يدخلونها كرامة للمطيع الآتي بالأعمال الصالحة، ولو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع ولا فائدة في الوعد به، إذ كل من كان مصلحا في عمله فهو يدخل الجنة. (والقيد الرابع) قوله تعالى: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾ واعلم أن دخول الملائكة هو مرتبة عظيمة، وذلك لأن الله تعالى أخبر عن هؤلاء المطيعين أنهم يدخلون جنة الخلد ويجتمعون بآبائهم وأزواجهم وذرياتهم على أحسن وجه، ثم إن الملائكة مع جلالة مراتبهم يدخلون عليهم لأجل التحية والإكرام، وعند الدخول عليهم يكرمونهم بالتحية والسلام ويبشرونهم بقوله: ﴿فنعم عقبى الدار﴾.
(20) و (21) و (22) و (23) و (24) قوله تعالى: ﴿الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق. والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب. والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار. جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾. فيه تربية بالقدوة من خلال ذكر صفات أولي الألباب والدعوة إلى التأسي بها كي يصل المؤمن يوم القيامة إلى ما وصل إليه أولوا الألباب من المكانة والرفعة. قال الرازي في التفسير: واعلم أن هذه الآيات من أولها إلى آخرها جملة واحدة: شرط وجزاء، وشرطها مشتمل على قيود، وجزاؤها يشتمل أيضا على قيود. أما القيود المعتبرة في الشرط فهي تسعة: (القيد الأول) قوله تعالى: ﴿الذين يوفون بعهد الله﴾ وفيه وجوه: (الأول) قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد الذي عاهدهم عليه حين كانوا في صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم: (ألست بربكم). (والثاني) أن المراد بعهد الله كل أمر قام الدليل على صحته، وهو الأشياء التي أقام الله عليها دلائل عقلية قاطعة لا تقبل النسخ والتغيير، والأشياء التي أقام الله عليها الدلائل السمعية وبين لهم تلك الأحكام. والحاصل أنه دخل تحت قوله: ﴿يوفون بعهد الله﴾ كل ما قام الدليل عليه. ويصح إطلاق لفظ العهد على الحجة بل الحق أنه لا عهد أوكد من الحجة، والدلالة على ذلك أن من حلف على الشيء فإنما يلزمه الوفاء به إذا ثبت بالدليل وجوبه لا بمجرد اليمين، ولذلك ربما يلزمه أن يحدث نفسه إذا كان ذلك خيرا له فلا عهد أوكد من إلزام الله تعالى إياه ذلك بدليل العقل أو بدليل السمع. ولا يكون العبد موفيا للعهد إلا بأن يأتي بكل تلك الأشياء كما أن الحالف على أشياء كثيرة لا يكون بارا في يمينه إلا إذا فعل الكل. ويدخل فيه الإتيان بجميع المأمورات، والانتهاء عن كل المنهيات، ويدخل فيه الوفاء بالعقود في المعاملات، ويدخل فيه أداء الأمانات، وهذا القول هو المختار الصحيح في تأويل الآية. (والقيد الثاني) قوله تعالى: ﴿ولا ينقضون الميثاق﴾ وفيه أقوال: (الأول) وهو قول الأكثرين إن هذا الكلام قريب من الوفاء بالعهد، فإن الوفاء بالعهد قريب من عدم نقض الميثاق، وهذا مثل أن يقول: إنه لما وجب وجوده، لزم أن يمتنع عدمه، فهذان المفهومان متغايران إلا أنهما متلازمان، فكذلك الوفاء بالعهد يلزمه أن لا ينقض الميثاق. (والثاني) أن الميثاق ما وثقه المكلف على نفسه، فالحاصل أن قوله: ﴿الذين يوفون بعهد الله﴾ إشارة إلى ما كلف الله العبد به ابتداء، وقوله: ﴿ولا ينقضون الميثاق﴾ إشارة إلى ما التزمه العبد من أنواع الطاعات بحسب اختياره نفسه كالنذر بالطاعات والخيرات. (والثالث) أن المراد بالوفاء بالعهد عهد الربوبية والعبودية، والمراد بالميثاق المواثيق المذكورة في التوراة والإنجيل وسائر الكتب الإلهية على وجوب الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم عند ظهوره. (والقيد الثالث) قوله تعالى: ﴿والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل﴾ ذكروا في تفسيره وجوها: (الأول) أن المراد منه صلة الرحم. (والثاني) أن المراد صلة محمد صلى الله عليه وسلم ومؤازرته ونصرته في الجهاد. (والثالث) رعاية جميع الحقوق الواجبة للعباد، فيدخل فيه صلة الرحم وصلة القرابة الثابتة بسبب أخوة الإيمان، ويدخل في هذه الصلة إمدادهم بإيصال الخيرات ودفع الآفات بقدر الإمكان وعيادة المريض وشهود الجنائز وإفشاء السلام على الناس والتبسم في وجوههم وكف الأذى عنهم ويدخل فيه كل حيوان حتى الهرة والدجاجة، وعن الفضيل بن عياض رحمه الله أن جماعة دخلوا عليه بمكة فقال: من أين أنتم؟ قالوا: من خراسان. فقال : اتقوا الله وكونوا من حيث شئتم، واعلموا أن العبد لو أحسن كل الإحسان وكان له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين. وأقول حاصل الكلام: إن قوله: ﴿الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق﴾ إشارة إلى التعظيم لأمر الله وقوله: ﴿والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل﴾ إشارة إلى الشفقة على خلق الله. (والقيد الرابع) قوله تعالى: (ويخشون ربهم) والمعنى: أنه وإن أتى بكل ما قدر عليه في تعظيم أمر الله وفي الشفقة على خلق الله إلا أنه لا بد وأن تكون الخشية من الله والخوف منه مستوليا على قلبه، وهذه الخشية نوعان: (أحدهما) أن يكون خائفا من أن يقع زيادة أو نقصان أو خلل في عباداته وطاعاته بحيث يوجب فساد العبادة أو يوجب نقصان ثوابها. (والثاني) وهو خوف الجلال، وذلك لأن العبد إذا حضر عند السلطان المهيب القاهر فإنه وإن كان في غير طاعته إلا أنه لا يزول عن قلبه مهابة الجلالة والرفعة والعظمة. (والقيد الخامس) قوله تعالى: ﴿ويخافون سوء الحساب﴾ اعلم أن القيد الرابع إشارة إلى الخشية من الله وهذا القيد الخامس إشارة إلى الخوف والخشية من سوء الحساب، وهذا يدل على أن المراد من الخشية من الله ما ذكرناه من خوف الجلال والمهابة والعظمة وإلا لزم التكرار. (والقيد السادس) قوله تعالى : ﴿والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم﴾ فيدخل فيه الصبر على فعل العبادات والصبر على ثقل الأمراض والمضار والغموم والأحزان، والصبر على ترك المشتهيات، وبالجملة الصبر على ترك المعاصي وعلى أداء الطاعات. (والقيد السابع) قوله تعالى: (وأقاموا الصلاة) واعلم أن الصلاة والزكاة وإن كانتا داخلتين في الجملة الأولى إلا أنه تعالى أفردها بالذكر تنبيها على كونها أشرف من سائر العبادات. (والقيد الثامن) قوله تعالى: ﴿وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية﴾ قال الحسن: المراد الزكاة المفروضة، فإن لم يتهم بترك أداء الزكاة فالأولى أداؤها سرا وإن اتهم بترك الزكاة فالأولى أداؤها في العلانية. وقيل السر ما يؤديه بنفسه والعلانية ما يؤديه إلى الإمام. وقيل: بل المراد الزكاة الواجبة والصدقة التي يؤتى بها على صفة التطوع فقوله: (سرا) يرجع إلى التطوع وقوله: (علانية) يرجع إلى الزكاة الواجبة. (والقيد التاسع) قوله تعالى: ﴿ويدرءون بالحسنة السيئة﴾ وفيه وجهان: (الأول) أنهم إذا أتوا بمعصية دفعوها بالتوبة. (والثاني) أن المراد أنهم لا يقابلون الشر بالشر بل يقابلون الشر بالخير. واعلم أن جملة هذه القيود التسعة هي القيود المذكورة في الشرط. وأما القيود المذكورة في الجزاء فهي أربعة: (القيد الأول) قوله تعالى: ﴿أولئك لهم عقبى الدار﴾ أي عاقبة الدار وهي الجنة، لأنها هي التي أراد الله أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها. (والقيد الثاني) قوله تعالى: ﴿جنات عدن يدخلونها﴾ أي جنات إقامة. (والقيد الثالث) قوله تعالى: ﴿ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم﴾ وفيه قولان: قال ابن عباس: يريد من صدق بما صدقوا به وإن لم يعمل مثل أعمالهم. وقال الزجاج: بين تعالى أن الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة بل الآباء والأزواج والذريات لا يدخلون الجنة إلا بالأعمال الصالحة. قال الواحدي: والصحيح ما قال ابن عباس، لأن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة وذلك يدل على أنهم يدخلونها كرامة للمطيع الآتي بالأعمال الصالحة، ولو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع ولا فائدة في الوعد به، إذ كل من كان مصلحا في عمله فهو يدخل الجنة. (والقيد الرابع) قوله تعالى: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾ واعلم أن دخول الملائكة هو مرتبة عظيمة، وذلك لأن الله تعالى أخبر عن هؤلاء المطيعين أنهم يدخلون جنة الخلد ويجتمعون بآبائهم وأزواجهم وذرياتهم على أحسن وجه، ثم إن الملائكة مع جلالة مراتبهم يدخلون عليهم لأجل التحية والإكرام، وعند الدخول عليهم يكرمونهم بالتحية والسلام ويبشرونهم بقوله: ﴿فنعم عقبى الدار﴾.