قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ 32 قَالَ لَمۡ أَكُن لِّأَسۡجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقۡتَهُۥ مِن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ 33 قَالَ فَٱخۡرُجۡ مِنۡهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٞ 34 وَإِنَّ عَلَيۡكَ ٱللَّعۡنَةَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ 35 قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ 36 قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ 37 إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ 38 قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ 39 إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ 40 قَالَ هَٰذَا صِرَٰطٌ عَلَيَّ مُسۡتَقِيمٌ 41 إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ 42 وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوۡعِدُهُمۡ أَجۡمَعِينَ 43 لَهَا سَبۡعَةُ أَبۡوَٰبٖ لِّكُلِّ بَابٖ مِّنۡهُمۡ جُزۡءٞ مَّقۡسُومٌ 44 إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ 45 ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ءَامِنِينَ 46 وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ 47 لَا يَمَسُّهُمۡ فِيهَا نَصَبٞ وَمَا هُم مِّنۡهَا بِمُخۡرَجِينَ 48 ۞ نَبِّئۡ عِبَادِيٓ أَنِّيٓ أَنَا ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ 49 وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلۡعَذَابُ ٱلۡأَلِيمُ 50 وَنَبِّئۡهُمۡ عَن ضَيۡفِ إِبۡرَٰهِيمَ 51
الصفحة 264

تفسير سورة الحجر - الآية 51

وَنَبِّئۡهُمۡ عَن ضَيۡفِ إِبۡرَٰهِيمَ 51

﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ إِلَّا آَلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الحجر: 51-60]
في هذه الآيات تربية على أنه لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية، فالوجل والخوف والفرح والحزن والتعجب والاستعظام للأشياء الغريبة كل ذلك من وصف البشر، يقع من الأنبياء وغيرهم، لكن وقوع هذه الأشياء من الأنبياء عارض بينما وقوعها من غيرهم ثابت. وفي هذه الآيات تربية على أن صحبة الأنبياء لا تنفع إلا مع الاعتقاد والتعظيم، فإن امرأة نبي الله لوط كانت متصلة به حسا ومصاحبة له، ولم ينفعها ذلك، حيث لم يكن لها فيه اعتقاد ولا تعظيم، وكذلك صحبة الأولياء لا تنفع إلا مع الصدق والتعظيم. قال ابن عجيبة في التفسير: يقول الحق جل جلاله: (ونبئهم) أي وأخبر عبادي ﴿عن ضيف إبراهيم﴾ حين بشروه بالولد، وأعلموه بعذاب قوم لوط، لعلهم يعتبرون فيرجون رحمته ويخافون عذابه. وقيل: ونبئهم أن من اعتمد منهم على كفره وغوايته، فالعذاب لاحق به في الدنيا، كحال قوم لوط. ثم ذكر قصتهم من أولها فقال: ﴿ونبئهم عن ضيف إبراهيم﴾، وذلك حين (دخلوا عليه) وهم أربعة: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل (فقالوا سلاما) أي: نُسلم عليكم سلاما، قال: سلام، ثم أتاهم بعجل حنيذ، فلما قربه إليهم قالوا: إنا لا نأكل طعاما إلا بثمن، فقال إبراهيم: إن له ثمنا، قالوا: وما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله على أوله، وتحمدونه على آخره، فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال: حق لهذا أن يتخذه ربه خليلا، فلما رأى أنهم لا يأكلون فزع منهم. فلما أحس إبراهيم عليه السلام بالخوف منهم (قال إنكم منكم وجلون) أي خائفون، إما لامتناعهم من أكل طعامه، أو لأنهم دخلوا بغير إذن، أو في غير وقت الدخول، والوجل: اضطراب النفس لتوقع مكروه ﴿قالوا لا توجل﴾ أي لا تخف، ثم عللوا نهيه عن الخوف فقالوا: ﴿إنا نبشِّرك بغلام﴾ وهو إسحاق لقوله: (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاق) [هود: 71]، (عليم) إذا بلغ أوان العلم. ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي على أَن مَّسَّنِيَ الكبر﴾ أي أبشرتموني بالولد مع أني قد كبر سني، وكان حينئذٍ من مائة سنة وأكثر (فبم تُبَشِّرون)؟ أي فبأي أعجوبة تبشرون؟ أو فبأي شيء تبشرون؟ فإن البشارة بما لا يتصور وقوعه عادة بشارة بغير شيء، قال ذلك على وجه التعجب من ولادته في كبره. ﴿قالوا بشرناك بالحق﴾ باليقين الثابت الذي لا محالة في وقوعه، فلا تستبعده، ولا تشك فيه، ﴿فلا تكن من القانطين﴾ من الآيسين، فإن الله تعالى قادر على أن يخلق بشراً من غير أبوين، فكيف من شيخ فان وعجوز عاقر. وكان استعجاب إبراهيم باعتبار العادة دون القدرة، ولذلك ﴿قال ومن يقنط من رحمة ربه﴾ أي لا ييأس من رحمة ربه (إلا الضالون) أي المخطئون طريق المعرفة، فلا يعرفون سعة رحمته تعالى وكمال قدرته، قال القشيري: أي من الذي يقنط من رحمة الله إلا من كان ضالا، فكيف أخطأ ظنكم بي فتوهمتم أني أقنط من رحمة ربي؟. وفيه دليل على تحريم القنوط، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلا القوم الكافرون﴾ [يوسف: 87]. ﴿قال فما خَطْبُكم أيها المرسلون﴾ أي ما شانكم الذي أرسلتم لأجله سوى البشارة؟ ولعله علم أن كمال المقصود ليس هو البشارة فقط لأنهم كانوا عددا، والبشارة لا تحتاج إلى عدد، ولذلك اكتفى بالواحد في بشارة زكريا ومريم، أو لأنهم بشروه في تضاعيف الحال لإزالة الوجل، ولو كانت تمام المقصود لابتدروه بها. ثم أجابوه: ﴿قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين﴾ يعني قوم لوط، لأن شأنهم الإجرام بفعل الفاحشة ﴿إلا آل لوط﴾ أي لكن آل لوط لم نرسل إلى عذابهم إذ ليسوا مجرمين، أو أرسلنا إلى قوم أجرموا كلهم، إلا آل لوط، لنهلك المجرمين وننجي آل لوط، ويدل عليه قوله: ﴿إنا لمنجوهم أجمعين﴾ من العذاب الذي يهلك به قوم لوط. (إلا امرأته) استثناء من آل لوط، فهو استثناء من استثناء. وقيل: وفيه دليل على أن الأزواج من الآل، لأنه استثنى امرأته من آله. ﴿إلا امرأته قدَّرنا إنها لمن الغابرين﴾ الباقين في العذاب مع الكفرة لتهلك معهم.
فهرس الكتاب