فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ ٱلۡمُرۡسَلُونَ 61
﴿فَلَمَّا جَاءَ آَلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: 61-77]
في هذه الآيات تربية على التوسم وهو التفكر والاعتبار لأن الله تعالى خص المتوسمين بالاستفادة من هذه القصة وغيرها من قصص الأمم المكذبة والتي كان مثيرها الهلاك والاستئصال ﴿إن في ذلك لآيات للمتوسمين﴾. وفيها تربية على جواز زيارة آثار الأمم الهالكة للاعتبار بما حصل لها ﴿وإنها لبسبيل مقيم. إن في ذلك لآية للمؤمنين﴾. قال الرازي في التفسير: اعلم أن الملائكة لما بشروا إبراهيم عليه السلام بالولد وأخبروه بأنهم مرسلون لعذاب قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط عليه السلام، وأن لوطاً وقومه ما عرفوا أنهم ملائكة الله فلهذا قال لهم: ﴿إِنكم قَوم منكَرون﴾ وإنما وصفهم بأنهم منكرون لأنه عليه الصلاة والسلام ما عرفهم، فلما هجموا عليه استنكر منهم ذلك وخاف أنهم دخلوا عليه لأجل شر يوصلونه إليه. وقيل: إنهم كانوا شبابا مردا حسان الوجوه فخاف أن يهجم قومه عليه بسبب طلبهم. فعند هذه الكلمة قالت الملائكة: ﴿بل جئناك بما كانوا فيه يمترون﴾ أي بالعذاب الذي كانوا يشكون في نزوله، ثم أكدوا ما ذكروه بقولهم: (وأتيناك بالحق) أي باليقين والأمر الثابت الذي لا شك فيه وهو عذاب أولئك الأقوام، ثم أكدوا هذا التأكيد بقولهم: (وِإِنا لصادقون). ﴿فأسر بأهلك بقِطع من الليل﴾ الإسراء المشي ليلا، والقطع آخر الليل، (واتبع أدبارهم) معناه: اتبع آثار بناتك وأهلك ﴿وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَد﴾ لئلا يتخلف منكم أحد فيناله العذاب، وقيل: لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم من البلاء ﴿وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُون﴾ قيل: إلى الشام، وقيل: أمرهم أن يمضوا إلى قرية معينة أهلها ما عملوا مثل عمل قوم لوط. (وقضينا إليه) أي أوحينا ﴿أن دابر هؤلاء مقطوع﴾ وفي إبهامه أولا، وتفسيره ثانيا تفخيم للأمر وتعظيم له، والدابر الآخر (مصبحين) أي حال ظهور الصبح. ﴿وجاء أهل المدينة يستبشرون﴾ اعلم أن المراد بأهل المدينة قوم لوط، والقصة تدل على أنهم جاؤوا دار لوط، قيل: إن الملائكة لما كانوا في غاية الحسن اشتهر خبرهم حتى وصل إلى قوم لوط، وقيل: امرأة لوط أخبرتهم بذلك، وبالجملة فالقوم قالوا: نزل بلوط ثلاثة من المرد ما رأينا قط أصبح وجها ولا أحسن شكلا منهم فذهبوا إلى دار لوط طلبا منهم لأولئك المرد، والاستبشار إظهار السرور. فقال لهم لوط لما قصدوا أضيافه كلامين: (الكلام الأول) قال: ﴿إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون﴾ يقال فضحه يفضحه فضحا وفضيحة إذا أظهر من أمره ما يلزمه به العار، والمعنى أن الضيف يجب إكرامه فإذا قصدتموهم بالسوء كان ذلك إهانة بي، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿واتقوا الله ولا تخزون﴾ فأجابوه بقولهم: ﴿أو لم ننهك عن العالمين﴾ والمعنى: ألسنا قد نهيناك أن تكلمنا في أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة. (والكلام الثاني) مما قاله لوط: ﴿هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين﴾ قيل: المراد بناته من صلبه، وقيل: المراد نساء قومه، لأن رسول الأمة يكون كالأب لهم وهو كقوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ وأزواجه أمهاتهم﴾ [الأحزاب: 6]. أما قوله: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾ قيل: المراد أن الملائكة قالت للوط عليه السلام ذلك، ومعناه: إنهم في غوايتهم يتحيرون، فكيف يقبلون قولك ويلتفتون إلى نصيحتك. وقيل: إن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه تعالى أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحد، وذلك يدل على أنه أكرم الخلق على الله تعالى. ثم قال تعالى: (فأخذتهم الصيحة) أي صيحة جبريل عليه السلام، قال أهل المعاني: ليس في الآية دلالة على أن تلك الصيحة صيحة جبريل عليه السلام فإن ثبت ذلك بدليل قوي قيل به، وإلا فليس في الآية دلالة إلا على أنه جاءتهم صيحة عظيمة مهلكة (مشرقين) أي داخلين في الشروق وهو بزوغ الشمس. واعلم أن الآية تدل على أنه تعالى عذبهم بثلاثة أنواع من العذاب: (أحدها) الصيحة الهائلة المنكرة. (وثانيها) أنه جعل عاليها سافلها. (وثالثها) أنه أمطر عليهم حجارة من سجيل. ثم قال تعالى: ﴿إن في ذلك لآيات للمتوسمين﴾ يقال: توسمت في فلان خيرا أي رأيت فيه أثرا منه وتفرسته فيه، واختلفت عبارات المفسرين في تفسير المتوسمين فقيل: المتفرسين، وقيل: الناظرين، وقيل: المتفكرين، وقيل: المعتبرين، وقيل: المتبصرين. قال الزجاج: حقيقة المتوسمين في اللغة المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا سمة الشيء وصفته وعلامته، والمتوسم الناظر في السمة الدالة تقول: توسمت في فلان كذا أي عرفت وسم ذلك وسمته فيه. ثم قال: ﴿وإنها لبسبيل مقيم﴾ الضمير عائد إلى مدينة قوم لوط، أي هذه القرى وما ظهر فيها من آثار قهر الله وغضبه لبسبيل مقيم ثابت لم يندرس ولم يخف، والذين يمرون من الحجاز إلى الشام يشاهدونها. ثم قال: ﴿إن في ذلك لآية للمؤمنين﴾ أي كل من آمن بالله وصدق الأنبياء والرسل عرف أن ذلك إنما كان لأجل أن الله تعالى انتقم لأنبيائه من أولئك الجهال، أما الذين لا يؤمنون بالله فإنهم يحملونه على حوادث العالم ووقائعه، وعلى حصول القرانات الكوكبية والاتصالات الفلكية، والله أعلم.
في هذه الآيات تربية على التوسم وهو التفكر والاعتبار لأن الله تعالى خص المتوسمين بالاستفادة من هذه القصة وغيرها من قصص الأمم المكذبة والتي كان مثيرها الهلاك والاستئصال ﴿إن في ذلك لآيات للمتوسمين﴾. وفيها تربية على جواز زيارة آثار الأمم الهالكة للاعتبار بما حصل لها ﴿وإنها لبسبيل مقيم. إن في ذلك لآية للمؤمنين﴾. قال الرازي في التفسير: اعلم أن الملائكة لما بشروا إبراهيم عليه السلام بالولد وأخبروه بأنهم مرسلون لعذاب قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط عليه السلام، وأن لوطاً وقومه ما عرفوا أنهم ملائكة الله فلهذا قال لهم: ﴿إِنكم قَوم منكَرون﴾ وإنما وصفهم بأنهم منكرون لأنه عليه الصلاة والسلام ما عرفهم، فلما هجموا عليه استنكر منهم ذلك وخاف أنهم دخلوا عليه لأجل شر يوصلونه إليه. وقيل: إنهم كانوا شبابا مردا حسان الوجوه فخاف أن يهجم قومه عليه بسبب طلبهم. فعند هذه الكلمة قالت الملائكة: ﴿بل جئناك بما كانوا فيه يمترون﴾ أي بالعذاب الذي كانوا يشكون في نزوله، ثم أكدوا ما ذكروه بقولهم: (وأتيناك بالحق) أي باليقين والأمر الثابت الذي لا شك فيه وهو عذاب أولئك الأقوام، ثم أكدوا هذا التأكيد بقولهم: (وِإِنا لصادقون). ﴿فأسر بأهلك بقِطع من الليل﴾ الإسراء المشي ليلا، والقطع آخر الليل، (واتبع أدبارهم) معناه: اتبع آثار بناتك وأهلك ﴿وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَد﴾ لئلا يتخلف منكم أحد فيناله العذاب، وقيل: لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم من البلاء ﴿وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُون﴾ قيل: إلى الشام، وقيل: أمرهم أن يمضوا إلى قرية معينة أهلها ما عملوا مثل عمل قوم لوط. (وقضينا إليه) أي أوحينا ﴿أن دابر هؤلاء مقطوع﴾ وفي إبهامه أولا، وتفسيره ثانيا تفخيم للأمر وتعظيم له، والدابر الآخر (مصبحين) أي حال ظهور الصبح. ﴿وجاء أهل المدينة يستبشرون﴾ اعلم أن المراد بأهل المدينة قوم لوط، والقصة تدل على أنهم جاؤوا دار لوط، قيل: إن الملائكة لما كانوا في غاية الحسن اشتهر خبرهم حتى وصل إلى قوم لوط، وقيل: امرأة لوط أخبرتهم بذلك، وبالجملة فالقوم قالوا: نزل بلوط ثلاثة من المرد ما رأينا قط أصبح وجها ولا أحسن شكلا منهم فذهبوا إلى دار لوط طلبا منهم لأولئك المرد، والاستبشار إظهار السرور. فقال لهم لوط لما قصدوا أضيافه كلامين: (الكلام الأول) قال: ﴿إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون﴾ يقال فضحه يفضحه فضحا وفضيحة إذا أظهر من أمره ما يلزمه به العار، والمعنى أن الضيف يجب إكرامه فإذا قصدتموهم بالسوء كان ذلك إهانة بي، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿واتقوا الله ولا تخزون﴾ فأجابوه بقولهم: ﴿أو لم ننهك عن العالمين﴾ والمعنى: ألسنا قد نهيناك أن تكلمنا في أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة. (والكلام الثاني) مما قاله لوط: ﴿هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين﴾ قيل: المراد بناته من صلبه، وقيل: المراد نساء قومه، لأن رسول الأمة يكون كالأب لهم وهو كقوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ وأزواجه أمهاتهم﴾ [الأحزاب: 6]. أما قوله: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾ قيل: المراد أن الملائكة قالت للوط عليه السلام ذلك، ومعناه: إنهم في غوايتهم يتحيرون، فكيف يقبلون قولك ويلتفتون إلى نصيحتك. وقيل: إن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه تعالى أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحد، وذلك يدل على أنه أكرم الخلق على الله تعالى. ثم قال تعالى: (فأخذتهم الصيحة) أي صيحة جبريل عليه السلام، قال أهل المعاني: ليس في الآية دلالة على أن تلك الصيحة صيحة جبريل عليه السلام فإن ثبت ذلك بدليل قوي قيل به، وإلا فليس في الآية دلالة إلا على أنه جاءتهم صيحة عظيمة مهلكة (مشرقين) أي داخلين في الشروق وهو بزوغ الشمس. واعلم أن الآية تدل على أنه تعالى عذبهم بثلاثة أنواع من العذاب: (أحدها) الصيحة الهائلة المنكرة. (وثانيها) أنه جعل عاليها سافلها. (وثالثها) أنه أمطر عليهم حجارة من سجيل. ثم قال تعالى: ﴿إن في ذلك لآيات للمتوسمين﴾ يقال: توسمت في فلان خيرا أي رأيت فيه أثرا منه وتفرسته فيه، واختلفت عبارات المفسرين في تفسير المتوسمين فقيل: المتفرسين، وقيل: الناظرين، وقيل: المتفكرين، وقيل: المعتبرين، وقيل: المتبصرين. قال الزجاج: حقيقة المتوسمين في اللغة المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا سمة الشيء وصفته وعلامته، والمتوسم الناظر في السمة الدالة تقول: توسمت في فلان كذا أي عرفت وسم ذلك وسمته فيه. ثم قال: ﴿وإنها لبسبيل مقيم﴾ الضمير عائد إلى مدينة قوم لوط، أي هذه القرى وما ظهر فيها من آثار قهر الله وغضبه لبسبيل مقيم ثابت لم يندرس ولم يخف، والذين يمرون من الحجاز إلى الشام يشاهدونها. ثم قال: ﴿إن في ذلك لآية للمؤمنين﴾ أي كل من آمن بالله وصدق الأنبياء والرسل عرف أن ذلك إنما كان لأجل أن الله تعالى انتقم لأنبيائه من أولئك الجهال، أما الذين لا يؤمنون بالله فإنهم يحملونه على حوادث العالم ووقائعه، وعلى حصول القرانات الكوكبية والاتصالات الفلكية، والله أعلم.